الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٠ الصفحة 35

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٠

الأَْمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ وَالْجِبَال فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِْنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (١) أَيْ بِمَشَقَّتِهَا الَّتِي لاَ تَتَنَاهَى بِهَا. (٢) وَإِذَا كَانَتِ الْوَدِيعَةُ أَمَانَةً كَانَتْ غَيْرَ مَضْمُونَةٍ بِالْهَلاَكِ مُطْلَقًا، مَا لَمْ يَكُنِ الْمُودَعُ مُفَرِّطًا أَوْ مُتَعَدِّيًا، وَمِنَ التَّعَدِّي التَّجْهِيل عَنْ قَصْدٍ. (٣)

قَال فِي الْبَزَّازِيَّةِ: وَالْمُودَعُ إِنَّمَا يَضْمَنُ بِالتَّجْهِيل إِذَا لَمْ يَعْرِفِ الْوَارِثُ الْوَدِيعَةَ.

أَمَّا إِذَا عَلِمَ الْوَارِثُ الْوَدِيعَةَ، وَالْمُودَعُ يَعْلَمُ أَنَّ الْوَارِثَ يَعْلَمُ، وَمَاتَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَمْ يَضْمَنْ. وَلَوْ قَال الْوَارِثُ: أَنَا عَلِمْتُهَا، وَأَنْكَرَ الطَّالِبُ عِلْمَ الْوَارِثِ بِهَا لِتَصِيرَ مَضْمُونَةً بِالتَّجْهِيل يُنْظَرُ، إِنْ فَسَّرَهَا الْوَارِثُ وَقَال: هِيَ كَذَا وَكَذَا، وَهَلَكَتْ صُدِّقَ. وَمَعْنَى ضَمَانِهَا صَيْرُورَتُهَا دَيْنًا فِي تَرِكَتِهِ. (٤)

٥ - وَفِي حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ: قَال فِي مَجْمَعِ الْفَتَاوَى: الْمُودَعُ وَالْمُضَارِبُ وَالْمُسْتَعِيرُ وَالْمُسْتَبْضِعُ وَكُل مَنْ كَانَ الْمَال بِيَدِهِ أَمَانَةً إِذَا مَاتَ قَبْل

_________

(١) سورة الأحزاب / ٧٢.

(٢) الزواجر عن اقتراف الكبائر للهيثمي ١ / ٢٦٦ ط دار المعرفة.

(٣) ابن عابدين ٤ / ٤٩٤، والمغني لابن قدامة ٦ / ٣٨٢ - ٣٨٣ م الرياض الحديثة، وجواهر الإكليل ٢ / ١٤٠، والمهذب ١ / ٣٦٦.

(٤) الأشباه والنظائر لابن نجيم ١٠٩.

الْبَيَانِ، وَلَمْ تُعْرَفِ الأَْمَانَةُ بِعَيْنِهَا، فَإِنَّ الْمَال يَكُونُ دَيْنًا عَلَيْهِ فِي تَرِكَتِهِ، لأَِنَّهُ صَارَ مُسْتَهْلِكًا لِلْوَدِيعَةِ بِالتَّجْهِيل. وَمَعْنَى مَوْتِهِ مُجَهِّلًا: أَنْ لاَ يُبَيِّنَ حَال الأَْمَانَةِ كَمَا فِي الأَْشْبَاهِ.

وَقَدْ سُئِل الشَّيْخُ عُمَرُ بْنُ نُجَيْمٍ عَمَّا لَوْ قَال الْمَرِيضُ: عِنْدِي وَرَقَةٌ فِي الْحَانُوتِ لِفُلاَنٍ ضَمَّنَهَا دَرَاهِمَ لاَ أَعْرِفُ قَدْرَهَا، فَمَاتَ وَلَمْ تُوجَدْ. فَأَجَابَ: بِأَنَّهُ مِنَ التَّجْهِيل، لِقَوْلِهِ فِي الْبَدَائِعِ: هُوَ أَنْ يَمُوتَ قَبْل الْبَيَانِ وَلَمْ تُعْرَفِ الأَْمَانَةُ بِعَيْنِهَا.

٦ - وَمِنَ الأَْمَانَاتِ الرَّهْنُ، إِذَا مَاتَ الْمُرْتَهِنُ مُجَهِّلًا يَضْمَنُ قِيمَةَ الرَّهْنِ فِي تَرِكَتِهِ، وَكَذَا الْوَكِيل إِذَا مَاتَ مُجَهِّلًا مَا قَبَضَهُ (١) .

وَقَدْ نَصَّتِ الْمَادَّةُ ٨٠١ مِنَ الْمَجَلَّةِ عَلَى أَنَّهُ: (إِذَا مَاتَ الْمُسْتَوْدَعُ وَوُجِدَتِ الْوَدِيعَةُ عَيْنًا فِي تَرِكَتِهِ يَكُونُ أَمَانَةً فِي يَدِ وَارِثِهِ، فَيَرُدُّهَا لِصَاحِبِهَا. وَأَمَّا إِذَا لَمْ تُوجَدْ عَيْنًا فِي تَرِكَتِهِ: فَإِنْ أَثْبَتَ الْوَارِثُ أَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ قَدْ بَيَّنَ حَال الْوَدِيعَةِ فِي حَيَاتِهِ، كَأَنْ قَال: رَدَدْتُ الْوَدِيعَةَ لِصَاحِبِهَا، أَوْ قَال: ضَاعَتْ بِلاَ تَعَدٍّ، فَلاَ يَلْزَمُ الضَّمَانُ. وَكَذَا لَوْ قَال الْوَارِثُ: نَحْنُ نَعْرِفُ الْوَدِيعَةَ، وَفَسَّرَهَا بِبَيَانِ أَوْصَافِهَا، ثُمَّ قَال: إِنَّهَا هَلَكَتْ أَوْ ضَاعَتْ بَعْدَ وَفَاةِ الْمُسْتَوْدَعِ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ وَلاَ ضَمَانَ حِينَئِذٍ، وَإِذَا مَاتَ الْمُسْتَوْدَعُ بِدُونِ أَنْ يُبَيِّنَ حَال الْوَدِيعَةِ يَكُونُ مُجَهِّلًا، فَتُؤْخَذُ الْوَدِيعَةُ مِنْ تَرِكَتِهِ

_________

(١) رد المحتار وحاشية ابن عابدين ٤ / ٤٩٥ - ٤٩٧.

كَسَائِرِ دُيُونِهِ، وَكَذَا لَوْ قَال الْوَارِثُ: نَحْنُ نَعْرِفُ الْوَدِيعَةَ بِدُونِ أَنْ يُفَسِّرَهَا وَيَصِفَهَا، لاَ يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ: إِنَّهَا ضَاعَتْ. وَبِهَذِهِ الصُّورَةِ إِذَا لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهَا ضَاعَتْ يَلْزَمُ الضَّمَانُ مِنَ التَّرِكَةِ) . (١)

٧ - وَقَدْ وَرَدَ فِي الأَْشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ لاِبْنِ نُجَيْمٍ: الأَْمَانَاتُ تَنْقَلِبُ مَضْمُونَةً بِالْمَوْتِ عَنْ تَجْهِيلٍ إِلاَّ فِي ثَلاَثٍ: النَّاظِرِ إِذَا مَاتَ مُجَهِّلًا غَلاَّتِ الْوَقْفِ، وَالْقَاضِي إِذَا مَاتَ مُجَهِّلًا أَمْوَال الْيَتَامَى عِنْدَ مَنْ أَوْدَعَهَا. وَالسُّلْطَانِ إِذَا أَوْدَعَ بَعْضَ الْغَنِيمَةِ عِنْدَ الْغَازِي ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يُبَيِّنْ عِنْدَ مَنْ أَوْدَعَهَا. هَكَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ فِي بَابِ الْوَقْفِ، وَفِي الْخُلاَصَةِ فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ وَذَكَرَهَا الْوَلْوَالَجِيُّ وَذَكَرَ مِنَ الصُّوَرِ الثَّلاَثِ: أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ إِذَا مَاتَ وَلَمْ يُبَيِّنْ حَال الْمَال الَّذِي فِي يَدِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ لِلْقَاضِي، فَصَارَ الْمُسْتَثْنَى أَرْبَعَةً. وَزَادَ (أَيْ صَاحِبُ الأَْشْبَاهِ) عَلَيْهَا مَسَائِل: الأُْولَى: الْوَصِيُّ إِذَا مَاتَ مُجَهِّلًا فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ كَمَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ. الثَّانِيَةُ: الأَْبُ إِذَا مَاتَ مُجَهِّلًا مَال ابْنِهِ ذَكَرَهُ فِيهَا أَيْضًا. الثَّالِثَةُ: إِذَا مَاتَ الْوَارِثُ مُجَهِّلًا مَا أُودِعَ عِنْدَ مَوْتِهِ. الرَّابِعَةُ: إِذَا مَاتَ مُجَهِّلًا لِمَا أَلْقَتْهُ الرِّيحُ فِي بَيْتِهِ. الْخَامِسَةُ: إِذَا مَاتَ مُجَهِّلًا لِمَا وَضَعَهُ مَالِكُهُ فِي بَيْتِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ. السَّادِسَةُ: إِذَا مَاتَ الصَّبِيُّ مُجَهِّلًا لِمَا أُودِعَ عِنْدَهُ مَحْجُورًا. وَهَذِهِ الثَّلاَثُ فِي تَلْخِيصِ الْجَامِعِ

_________

(١) مجلة الأحكام العدلية المواد ٧٧٧، ٨٠١، ٨٠٣ ص ١٤٨ - ١٥٤.

الْكَبِيرِ لِلْخَلاَّطِيِّ فَصَارَ الْمُسْتَثْنَى عَشَرَةً. وَمَعْنَى مَوْتِهِ مُجَهِّلًا: أَنْ لاَ يُبَيِّنَ حَال الأَْمَانَةِ وَكَانَ يَعْلَمُ أَنَّ وَارِثَهُ لاَ يَعْلَمُهَا، فَإِنْ بَيَّنَهَا وَقَال فِي حَيَاتِهِ: رَدَدْتُهَا فَلاَ تَجْهِيل إِنْ بَرْهَنَ الْوَارِثُ عَلَى مَقَالَتِهِ، وَإِلاَّ لَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ، وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ وَارِثَهُ يَعْلَمُهَا فَلاَ تَجْهِيل. (١)

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِذَا تُوُفِّيَ الْمُودَعُ وَلَدَيْهِ وَدِيعَةٌ، وَلَمْ يَرُدَّهَا لِصَاحِبِهَا قَبْل مَوْتِهِ، وَلَمْ يُوصِ بِهَا، أَيْ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا مَنْ يَقُومُ بِرَدِّهَا بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ قَاضٍ أَوْ أَمِينٍ أَوْ وَارِثٍ ضَمِنَهَا إِنْ تَمَكَّنَ مِنْ رَدِّهَا أَوِ الإِْيصَاءِ بِهَا وَلَمْ يَفْعَل، بِخِلاَفِ مَا إِذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ، كَأَنْ مَاتَ فَجْأَةً أَوْ قُتِل غِيلَةً أَوْ سَافَرَ بِهَا، لِعَجْزِهِ عَنْ ذَلِكَ، وَمَحَل ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْقَاضِي. أَمَّا الْقَاضِي إِذَا مَاتَ وَلَمْ يُوجَدْ مَال الْيَتِيمِ فِي تَرِكَتِهِ فَلاَ يَضْمَنُهُ وَإِنْ لَمْ يُوصِ بِهِ، لأَِنَّهُ أَمِينُ الشَّرْعِ، بِخِلاَفِ سَائِرِ الأُْمَنَاءِ وَلِعُمُومِ وِلاَيَتِهِ. وَلاَ أَثَرَ لِكِتَابَةِ الْمُودَعِ عَلَى شَيْءٍ: هَذَا وَدِيعَةُ فُلاَنٍ مَثَلًا، أَوْ فِي أَوْرَاقِهِ: عِنْدِي لِفُلاَنٍ كَذَا إِلاَّ إِذَا أَقَرَّ بِهِ أَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ أَوْ أَقَرَّ بِهِ الْوَارِثُ. (٢)

وَالْمَالِكِيَّةُ كَذَلِكَ فِي الضَّمَانِ، وَزَادُوا طُول الزَّمَنِ، حَيْثُ قَالُوا: تُضْمَنُ الْوَدِيعَةُ بِمَوْتِ

_________

(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص / ١٠٩.

(٢) شرح المنهج وحاشية الجمل عليه ٤ / ٧٨ - ٧٩، وشرح روض الطالب وأسنى المطالب ٣ / ٧٧ - ٧٨ نشر المكتبة الإسلامية.

الْمُودَعِ إِذَا لَمْ يُوصِ بِهَا وَلَمْ تُوجَدْ فِي تَرِكَتِهِ، فَتُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ، لاِحْتِمَال أَنَّهُ تَسَلَّفَهَا، إِلاَّ أَنْ يَطُول الزَّمَنُ مِنْ يَوْمِ الإِْيدَاعِ لِعَشْرِ سِنِينَ فَلاَ ضَمَانَ، وَيُحْمَل عَلَى أَنَّهُ رَدَّهَا لِرَبِّهَا.، وَمَحَل كَوْنِ الْعَشْرِ السِّنِينَ طِوَالًا إِذَا لَمْ تَكُنِ الْوَدِيعَةُ بِبَيِّنَةٍ مَقْصُودَةٍ لِلتَّوَثُّقِ، وَإِلاَّ فَلاَ يَسْقُطُ الضَّمَانُ، وَلَوْ زَادَ عَلَى الْعَشَرَةِ أَخَذَهَا رَبُّهَا إِنْ ثَبَتَ بِكِتَابَةٍ عَلَيْهَا أَنَّهَا لَهُ بِخَطِّ الْمُودَعِ أَوِ الْمُودِعِ. (١)

وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ: أَنَّهُ إِذَا مَاتَ الْمُودَعُ وَعِنْدَهُ وَدِيعَةٌ وَلاَ تَتَمَيَّزُ مِنْ مَالِهِ فَصَاحِبُهَا غَرِيمٌ بِهَا، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ سِوَاهَا فَهِيَ وَالدَّيْنُ سَوَاءٌ.

٨ - هَذَا وَلاَ تَثْبُتُ الْوَدِيعَةُ إِلاَّ بِإِقْرَارٍ سَابِقٍ مِنَ الْمَيِّتِ أَوْ وَرَثَتِهِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِهَا، وَإِنْ وَجَدَ عَلَيْهَا مَكْتُوبًا وَدِيعَةً لَمْ يَكُنْ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الظَّرْفُ كَانَتْ فِيهِ وَدِيعَةٌ قَبْل هَذَا، أَوْ كَانَتْ وَدِيعَةً لِمُوَرِّثِهِمْ عِنْدَ غَيْرِهِ، أَوْ كَانَتْ وَدِيعَةً فَابْتَاعَهَا. وَكَذَلِكَ لَوْ وَجَدَ فِي أَوْرَاقِ أَبِيهِ أَنَّ لِفُلاَنٍ عِنْدِي وَدِيعَةً لَمْ يَلْزَمْهُ بِذَلِكَ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ قَدْ رَدَّهَا وَنَسِيَ الضَّرْبَ عَلَى مَا كَتَبَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ. (٢)

وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي (إِبْضَاعٌ، رَهْنٌ، عَارِيَّةٌ، مُضَارَبَةٌ، وَدِيعَةٌ وَوَقْفٌ) .

_________

(١) الشرح الكبير ٣ / ٤٢٥ - ٤٢٦، وجواهر الإكليل ٢ / ١٤٢.

(٢) المغني لابن قدامة ٦ / ٣٩٣، ٣٩٤ م الرياض الحديثة.

تَجْوِيدٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - التَّجْوِيدُ لُغَةً: تَصْيِيرُ الشَّيْءِ جَيِّدًا. وَالْجَيِّدُ: ضِدُّ الرَّدِيءِ، يُقَال: جَوَّدَ فُلاَنٌ كَذَا: أَيْ فَعَلَهُ جَيِّدًا، وَجَوَّدَ الْقِرَاءَةَ: أَيْ أَتَى بِهَا بَرِيئَةً مِنَ الرَّدَاءَةِ فِي النُّطْقِ. (١)

وَاصْطِلاَحًا: إِعْطَاءُ كُل حَرْفٍ حَقَّهُ وَمُسْتَحَقَّهُ. وَالْمُرَادُ بِحَقِّ الْحَرْفِ: الصِّفَةُ الذَّاتِيَّةُ الثَّابِتَةُ لَهُ كَالشِّدَّةِ وَالاِسْتِعْلاَءِ، وَالْمُرَادُ بِمُسْتَحَقِّ الْحَرْفِ: مَا يَنْشَأُ عَنْ تِلْكَ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ اللاَّزِمَةِ كَالتَّفْخِيمِ، فَإِنَّهُ نَاشِئٌ عَنْ كُلٍّ مِنَ الاِسْتِعْلاَءِ وَالتَّكْرِيرِ؛ لأَِنَّهُ يَكُونُ فِي الْحَرْفِ حَال سُكُونِهِ وَتَحْرِيكِهِ بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ فَقَطْ، وَلاَ يَكُونُ فِي حَال الْكَسْرِ. (٢) وَهَذَا كُلُّهُ بَعْدَ إِخْرَاجِ كُل حَرْفٍ مِنْ مَخْرَجِهِ. وَاعْتَبَرَهُ بَعْضُهُمْ غَيْرَ دَاخِلٍ فِي تَعْرِيفِ التَّجْوِيدِ، لأَِنَّهُ مَطْلُوبٌ لِحُصُول أَصْل

_________

(١) لسان العرب، وطيبة النشر في القراءات العشر لمحمد بن محمد بن الجزري المتوفى ٨٣٣ هـ ص ٣٦.

(٢) المقدمة الجزرية وشرحها لزكريا الأنصاري ولعلي القارئ ص ٢١، ونهاية القول المفيد للشيخ محمد بن مكي بن نصر ص ١١، والإتقان للسيوطي ١ / ١٠٠.

الْقِرَاءَةِ، لَكِنْ قَال الشَّيْخُ عَلِيٌّ الْقَارِيُّ: وَلاَ يَخْفَى أَنَّ إِخْرَاجَ الْحَرْفِ مِنْ مَخْرَجِهِ أَيْضًا دَاخِلٌ فِي تَعْرِيفِ التَّجْوِيدِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْجَزَرِيِّ فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ، (١) أَيْ لأَِنَّ الْمُعَرَّفَ هُوَ الْقِرَاءَةُ الْمُجَوَّدَةُ، وَلَيْسَ مُطْلَقَ الْقِرَاءَةِ، وَتَجْوِيدُ الْقِرَاءَةِ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِإِخْرَاجِ كُل حَرْفٍ مِنْ مَخْرَجِهِ.

قَال ابْنُ الْجَزَرِيِّ: التَّجْوِيدُ: إِعْطَاءُ الْحُرُوفِ حُقُوقَهَا وَتَرْتِيبَهَا مَرَاتِبَهَا، وَرَدُّ الْحَرْفِ إِلَى مَخْرَجِهِ وَأَصْلِهِ وَإِلْحَاقُهُ بِنَظِيرِهِ، وَتَصْحِيحُ لَفْظِهِ وَتَلْطِيفُ النُّطْقِ بِهِ عَلَى حَال صِيغَتِهِ وَكَمَال هَيْئَتِهِ، مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلاَ تَعَسُّفٍ وَلاَ إِفْرَاطٍ وَلاَ تَكَلُّفٍ (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - التِّلاَوَةُ، وَالأَْدَاءُ، وَالْقِرَاءَةُ:

٢ - التِّلاَوَةُ اصْطِلاَحًا: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ مُتَتَابِعًا كَالأَْجْزَاءِ وَالأَْسْدَاسِ. أَمَّا الأَْدَاءُ فَهُوَ: الأَْخْذُ عَنِ الشُّيُوخِ بِالسَّمَاعِ مِنْهُمْ أَوِ الْقِرَاءَةِ بِحَضْرَتِهِمْ.

وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ فَهِيَ أَعَمُّ مِنَ التِّلاَوَةِ وَالأَْدَاءِ (٣) . وَلاَ يَخْفَى أَنَّ التَّجْوِيدَ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى هَذِهِ الأَْلْفَاظِ الثَّلاَثَةِ، فَهُوَ أَخَصُّ مِنْهَا جَمِيعِهَا.

_________

(١) شرح المقدمة الجزرية للشيخ علي القاري ص ٢١.

(٢) النشر لمحمد بن محمد بن الجزري ١ / ٢١٢.

(٣) شرح المقدمة الجزرية للقاضي زكريا الأنصاري، وكشاف مصطلحات الفنون ١ / ١٧١، وشرح مسلم الثبوت ٢ / ١٥ - ١٦.

ب - التَّرْتِيل:

٣ - التَّرْتِيل لُغَةً: مَصْدَرُ رَتَّل، يُقَال: رَتَّل فُلاَنٌ كَلاَمَهُ: إِذَا أَتْبَعَ بَعْضَهُ بَعْضًا عَلَى مُكْثٍ وَتَفَهُّمٍ مِنْ غَيْرِ عَجَلٍ.

وَاصْطِلاَحًا: هُوَ رِعَايَةُ مَخَارِجِ الْحُرُوفِ وَحِفْظُ الْوُقُوفِ. وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ حَيْثُ قَال: التَّرْتِيل تَجْوِيدُ الْحُرُوفِ وَمَعْرِفَةُ الْوُقُوفِ (١) .

فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّجْوِيدِ: أَنَّ التَّرْتِيل وَسِيلَةٌ مِنْ وَسَائِل التَّجْوِيدِ، وَأَنَّ التَّجْوِيدَ يَشْمَل مَا يَتَّصِل بِالصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ لِلْحُرُوفِ، وَمَا يَلْزَمُ عَنْ تِلْكَ الصِّفَاتِ، أَمَّا التَّرْتِيل فَيَقْتَصِرُ عَلَى رِعَايَةِ مَخَارِجِ الْحُرُوفِ وَضَبْطِ الْوُقُوفِ لِعَدَمِ الْخَلْطِ بَيْنَ الْحُرُوفِ فِي الْقِرَاءَةِ السَّرِيعَةِ، وَلِذَلِكَ أَطْلَقَ الْعُلَمَاءُ (التَّرْتِيل) عَلَى مَرْتَبَةٍ مِنْ مَرَاتِبِ الْقِرَاءَةِ مِنْ حَيْثُ إِتْمَامُ الْمَخَارِجِ وَالْمُدُودِ، وَهُوَ يَأْتِي بَعْدَ مَرْتَبَةِ (التَّحْقِيقِ) وَأَدْنَى مِنْهُمَا مَرْتَبَةٌ وُسْطَى تُسَمَّى (التَّدْوِيرَ) ثُمَّ (الْحَدْرَ) وَهُوَ الْمَرْتَبَةُ الأَْخِيرَةُ (٢) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٤ - لاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ الاِشْتِغَال بِعِلْمِ التَّجْوِيدِ فَرْضُ كِفَايَةٍ (٣)

_________

(١) التعريفات للجرجاني.

(٢) شرح طيبة النشر ص ٣٥، وشرح الجزرية للأنصاري ص ٢٠.

(٣) نهاية القول المفيد ص ٧، وشرح الجزرية للقاري ص ١٩.

أَمَّا الْعَمَل بِهِ، فَقَدْ ذَهَبَ الْمُتَقَدِّمُونَ مِنْ عُلَمَاءِ الْقِرَاءَاتِ وَالتَّجْوِيدِ إِلَى أَنَّ الأَْخْذَ بِجَمِيعِ أُصُول التَّجْوِيدِ وَاجِبٌ يَأْثَمُ تَارِكُهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُتَعَلِّقًا بِحِفْظِ الْحُرُوفِ - مِمَّا يُغَيِّرُ مَبْنَاهَا أَوْ يُفْسِدُ مَعْنَاهَا - أَمْ تَعَلَّقَ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أَوْرَدَهُ الْعُلَمَاءُ فِي كُتُبِ التَّجْوِيدِ، كَالإِْدْغَامِ وَنَحْوِهِ. قَال مُحَمَّدُ بْنُ الْجَزَرِيِّ فِي النَّشْرِ نَقْلًا عَنِ الإِْمَامِ نَصْرٍ الشِّيرَازِيِّ: حُسْنُ الأَْدَاءِ فَرْضٌ فِي الْقِرَاءَةِ، وَيَجِبُ عَلَى الْقَارِئِ أَنْ يَتْلُوَ الْقُرْآنَ حَقَّ تِلاَوَتِهِ (١) .

وَذَهَبَ الْمُتَأَخِّرُونَ إِلَى التَّفْصِيل بَيْنَ مَا هُوَ (وَاجِبٌ شَرْعِيٌّ) مِنْ مَسَائِل التَّجْوِيدِ، وَهُوَ مَا يُؤَدِّي تَرْكُهُ إِلَى تَغْيِيرِ الْمَبْنَى أَوْ فَسَادِ الْمَعْنَى، وَبَيْنَ مَا هُوَ (وَاجِبٌ صِنَاعِيٌّ) أَيْ أَوْجَبَهُ أَهْل ذَلِكَ الْعِلْمِ لِتَمَامِ إِتْقَانِ الْقِرَاءَةِ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ فِي كُتُبِ التَّجْوِيدِ مِنْ مَسَائِل لَيْسَتْ كَذَلِكَ، كَالإِْدْغَامِ وَالإِْخْفَاءِ إِلَخْ. فَهَذَا النَّوْعُ لاَ يَأْثَمُ تَارِكُهُ عِنْدَهُمْ.

قَال الشَّيْخُ عَلِيٌّ الْقَارِيُّ بَعْدَ بَيَانِهِ أَنَّ مَخَارِجَ الْحُرُوفِ وَصِفَاتِهَا، وَمُتَعَلِّقَاتِهَا مُعْتَبَرَةٌ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ: فَيَنْبَغِي أَنْ تُرَاعَى جَمِيعُ قَوَاعِدِهِمْ وُجُوبًا فِيمَا يَتَغَيَّرُ بِهِ الْمَبْنَى وَيَفْسُدُ الْمَعْنَى، وَاسْتِحْبَابًا فِيمَا يَحْسُنُ بِهِ اللَّفْظُ وَيُسْتَحْسَنُ بِهِ النُّطْقُ حَال الأَْدَاءِ. ثُمَّ قَال عَنِ اللَّحْنِ الْخَفِيِّ الَّذِي لاَ يَعْرِفُهُ

_________

(١) النشر ١ / ٢١١.

إِلاَّ مَهَرَةُ الْقُرَّاءِ: لاَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ فَرْضَ عَيْنٍ يَتَرَتَّبُ الْعِقَابُ عَلَى قَارِئِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ حَرَجٍ عَظِيمٍ. (١) وَلَمَّا قَال مُحَمَّدُ بْنُ الْجَزَرِيِّ فِي مَنْظُومَتِهِ فِي التَّجْوِيدِ، وَفِي الطَّيِّبَةِ أَيْضًا:

وَالأَْخْذُ بِالتَّجْوِيدِ حَتْمٌ لاَزِمُ

مَنْ لَمْ يُجَوِّدِ الْقُرْآنَ آثِمُ

قَال ابْنُهُ أَحْمَدُ فِي شَرْحِهَا:

ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَال: لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَل بِهِ كِتَابَهُ الْمَجِيدَ، وَوَصَل مِنْ نَبِيِّهِ ﷺ مُتَوَاتِرًا بِالتَّجْوِيدِ.

وَكَرَّرَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَزَرِيِّ هَذَا التَّقْيِيدَ بِالْقُدْرَةِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ. (٢) وَيَدُل لِذَلِكَ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيُتَعْتِعُ فِيهِ، وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ (٣)

وَقَدِ اعْتَبَرَ ابْنُ غَازِيٍّ فِي شَرْحِهِ لِلْجَزَرِيَّةِ (٤)

_________

(١) شرح الجزرية للشيخ علي القاري ص ٢٠، ونهاية القول المفيد ص ٢٥.

(٢) شرح الطيبة لأحمد بن محمد بن الجزري المتوفى ٨٥٩ وهو ولد مصنف الجزرية والطيبة والنشر ص ٣٦.

(٣) حديث: " الماهر بالقرآن مع السفرة. . . " أخرجه البخاري ومسلم واللفظ له (فتح الباري ٨ / ٦٩١ ط السلفية، وصحيح مسلم ١ / ٥٥٠ ط الحلبي) .

(٤) نهاية القول المفيد ص ٢٥ - ٢٦ نقلا عن شرح الجزرية لابن غازي.