الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٠ الصفحة 27

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٠

ثُمَّ شَكَّ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ صَوْمِ يَوْمٍ، هَل نَوَى فِيهِ أَمْ لاَ؟ لَمْ يَلْزَمْهُ الاِسْتِئْنَافُ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا قَال النَّوَوِيُّ، وَلاَ أَثَرَ لِلشَّكِّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْيَوْمِ، ذَكَرَهُ الرُّويَانِيُّ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ فِي مَسَائِل الْمُتَحَيِّرَةِ. (١)

ح - الْوَطْءُ:

١٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُظَاهِرَ إِذَا وَطِئَ مَنْ ظَاهَرَ مِنْهَا فِي النَّهَارِ عَامِدًا، فَإِنَّ فِعْلَهُ هَذَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ، وَأَمَّا إِذَا وَطِئَهَا فِي اللَّيْل عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا، أَوْ وَطِئَهَا فِي النَّهَارِ نَاسِيًا، فَفِيهِ الْخِلاَفُ.

فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّ الْمُظَاهِرَ إِذَا جَامَعَ الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا بِاللَّيْل عَامِدًا أَوْ بِالنَّهَارِ نَاسِيًا، فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ؛ لأَِنَّ الشَّرْطَ فِي الصَّوْمِ أَنْ يَكُونَ خَالِيًا مِنَ الْمَسِيسِ، وَقَال أَبُو يُوسُفَ: إِنَّ التَّتَابُعَ لاَ يَقْطَعُ بِذَلِكَ إِذْ لاَ يَفْسُدُ بِهِ الصَّوْمُ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْمَسِيسِ شَرْطًا، فَإِنَّ فِيمَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ تَقْدِيمَ الْبَعْضِ، وَفِيمَا قُلْتُمْ تَأْخِيرُ الْكُل عَنْهُ. (٢)

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ وَطْءَ الْمُظَاهِرِ

_________

(١) روضة الطالب ٨ / ٣٠٢ - ٣٠٣ ط المكتب الإسلامي، ومغني المحتاج ٣ / ٣٦٥ ط. الحلبي.

(٢) تبيين الحقائق ٣ / ١٠ ط دار المعرفة، وفتح القدير ٣ / ٢٣٩ - ٢٤٠ ط. الأميرية، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٥٨٢ ط المصرية.

مِنْهَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانَ بِاللَّيْل أَمْ بِالنَّهَارِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ عَالِمًا أَوْ نَاسِيًا أَمْ جَاهِلًا أَمْ غَالِطًا، أَوْ بِعُذْرٍ يُبِيحُ الْفِطْرَ كَسَفَرٍ، (١) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ . (٢)

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ وَطْأَهُ بِاللَّيْل لاَ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ، وَيُعْتَبَرُ عَاصِيًا. (٣)

هَذَا، وَوَطْءُ غَيْرِ الْمُظَاهِرِ مِنْهَا فِي النَّهَارِ عَامِدًا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ وَطِئَهَا بِاللَّيْل عَامِدًا، أَوْ نَاسِيًا، أَوْ بِالنَّهَارِ نَاسِيًا فَإِنَّ ذَلِكَ لاَ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُحَرَّمٍ عَلَيْهِ.

وَمِثْل ذَلِكَ مَا لَوْ وَطِئَهَا بِسَبَبِ عُذْرٍ يُبِيحُ الْفِطْرَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَابِلَةُ. (٤)

ط - قَضَاءُ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ بِهِ التَّتَابُعُ:

١٨ - قَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ تَتَابُعَ صَوْمِ الْكَفَّارَةِ يَقْطَعُهُ تَأْخِيرُ قَضَاءِ الأَْيَّامِ الَّتِي أَفْطَرَهَا فِي صِيَامِهِ، وَاَلَّتِي يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَهَا مُتَّصِلَةً بِصِيَامِهِ، فَإِنْ أَخَّرَ

_________

(١) الخرشي ٤ / ١١٧ - ١١٨ ط. دار صادر " وكشاف القناع ٥ / ٣٨٤ ط النصر.

(٢) سورة المجادلة / ٣.

(٣) روضة الطالبين ٨ / ٣٠٢ ط. المكتب الإسلامي، ومغني المحتاج ٣ / ٣٦٦ ط. الحلبي.

(٤) العناية ٣ / ٢٣٩ ط الأميرية، والخرشي ٤ / ١١٧ - ١١٨ ط دار صادر، وكشاف القناع ٥ / ٣٨٤ ط النصر.

قَضَاءَهَا انْقَطَعَ تَتَابُعُ الصَّوْمِ. وَشَبَّهُوا ذَلِكَ بِمَنْ نَسِيَ شَيْئًا مِنْ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ أَوِ الْغُسْل، ثُمَّ تَذَكَّرَهُ أَثْنَاءَهُ فَلَمْ يَغْسِلْهُ، أَيْ لَمْ يَأْتِ بِهِ حِينَ تَذَكُّرِهِ فَإِنَّهُ يَبْتَدِئُ الطَّهَارَةَ، نَسِيَ ذَلِكَ أَمْ تَعَمَّدَهُ. بِخِلاَفِ نِسْيَانِ النَّجَاسَةِ بَعْدَ تَذَكُّرِهَا قَبْل الصَّلاَةِ فَإِنَّهُ لاَ يُؤَثِّرُ لِخِفَّتِهَا. (١) وَلَمْ نَجِدْ لِغَيْرِ الْمَالِكِيَّةِ تَصْرِيحًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

_________

(١) الخرشي ٤ / ١١٩ ط. دار صادر، وجواهر الإكليل ١ / ٣٧٨ ط. دار المعرفة.

تَتَرُّسٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - التَّتَرُّسُ فِي اللُّغَةِ: التَّسَتُّرُ بِالتُّرْسِ، وَالاِحْتِمَاءُ بِهِ وَالتَّوَقِّي بِهِ. (١) وَكَذَلِكَ التَّتْرِيسُ، يُقَال: تَتَرَّسَ بِالتُّرْسِ، أَيْ تَوَقَّى وَتَسَتَّرَ بِهِ. (٢)

كَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَال: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ يَتَتَرَّسُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِتُرْسٍ وَاحِدٍ (٣) وَيُقَال أَيْضًا: تَتَرَّسَ بِالشَّيْءِ جَعَلَهُ كَالتُّرْسِ وَتَسَتَّرَ بِهِ، وَمِنْهُ: تَتَرَّسَ الْكُفَّارُ بِأَسَارَى الْمُسْلِمِينَ وَصِبْيَانِهِمْ أَثْنَاءَ الْحَرْبِ. (٤)

وَلاَ يَخْرُجُ الاِسْتِعْمَال الْفِقْهِيُّ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

التَّحَصُّنُ:

٢ - مِنْ مَعَانِي التَّحَصُّنِ: الاِحْتِمَاءُ بِالْحِصْنِ،

_________

(١) الترس: صفحة من الفولاذ مستديرة تحمل في اليد للوقاية من السيف ونحوه (لسان العرب، وتاج العروس، والمصباح المنير مادة: " ترس ") .

(٢) لسان العرب، وتاج العروس.

(٣) حديث: " كان أبو طلحة يتترس مع النبي صلى الله عليه سلم. . . " أخرجه البخاري في صحيحه (فتح الباري ٦ / ٩٣ - ط السلفية) .

(٤) المصباح المنير.

يُقَال: تَحَصَّنَ الْعَدُوُّ: إِذَا دَخَل الْحِصْنَ وَاحْتَمَى بِهِ، (١) فَالتَّحَصُّنُ نَوْعٌ مِنَ التَّسَتُّرِ وَالتَّوَقِّي أَثْنَاءَ الْحَرْبِ.

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ رَمْيُ الْكُفَّارِ إِذَا تَتَرَّسُوا بِالْمُسْلِمِينَ وَأَسَارَاهُمْ أَثْنَاءَ الْقِتَال أَوْ حِصَارِهِمْ مِنْ قِبَل الْمُسْلِمِينَ، إِذَا دَعَتِ الضَّرُورَةُ إِلَى ذَلِكَ، بِأَنْ كَانَ فِي الْكَفِّ عَنْ قِتَالِهِمُ انْهِزَامٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَالْخَوْفُ عَلَى اسْتِئْصَال قَاعِدَةِ الإِْسْلاَمِ. وَيُقْصَدُ بِالرَّمْيِ الْكُفَّارُ.

وَلَكِنْ إِذَا لَمْ تَدْعُ ضَرُورَةٌ إِلَى رَمْيِهِمْ لِكَوْنِ الْحَرْبِ غَيْرَ قَائِمَةٍ، أَوْ لإِمْكَانِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ بِدُونِهِ، فَلاَ يَجُوزُ رَمْيُهُمْ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْل الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ. وَيَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - مَا عَدَا الْحَسَنَ بْنَ زِيَادٍ - لأَِنَّ فِي الرَّمْيِ دَفْعَ الضَّرَرِ الْعَامِّ بِالدَّفْعِ عَنْ مُجْتَمَعِ الإِْسْلاَمِ، إِلاَّ أَنَّهُ عَلَى الرَّامِي أَلاَّ يَقْصِدَ بِالرَّمْيِ إِلاَّ الْكُفَّارَ. (٢)

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُمْ يُقَاتَلُونَ، وَلاَ

_________

(١) لسان العرب، وتاج العروس، ومعجم متن اللغة: مادة: " حصن ".

(٢) فتح القدير ٥ / ١٩٨ ط إحياء التراث العربي، وابن عابدين ٣ / ٣٣٣ ط إحياء التراث العربي، والحطاب ٣ / ٣٥١ ط دار الفكر، وحاشية الدسوقي ٢ / ١٧٨ ط دار الفكر، ونهاية المحتاج ٨ / ٦٥، والأم ٤ / ٢٨٧ ط دار المعرفة، والمغني ٨ / ٤٤٩ - ٤٥٠ ط مكتبة الرياض الحديثة.

يَقْصِدُونَ الْمُتَتَرَّسَ بِهِمْ، إِلاَّ إِذَا كَانَ فِي عَدَمِ رَمْيِ الْمُتَتَرَّسِ بِهِمْ خَوْفٌ عَلَى أَكْثَرِ الْجَيْشِ الْمُقَاتِلِينَ لِلْكُفَّارِ، فَتَسْقُطُ حُرْمَةُ التُّرْسِ، سَوَاءٌ أَكَانَ عَدَدُ الْمُسْلِمِينَ الْمُتَتَرَّسِ بِهِمْ أَكْثَرَ مِنَ الْمُجَاهِدِينَ أَمْ أَقَل، وَكَذَلِكَ لَوْ تَتَرَّسُوا بِالصَّفِّ، وَكَانَ فِي تَرْكِ قِتَالِهِمُ انْهِزَامٌ لِلْمُسْلِمِينَ. (١)

وَعَلَى هَذَا فَإِنْ أُصِيبَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ نَتِيجَةَ الرَّمْيِ وَقُتِل، وَعُلِمَ الْقَاتِل، فَلاَ دِيَةَ وَلاَ كَفَّارَةَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّ الْجِهَادَ فَرْضٌ، وَالْغَرَامَاتُ لاَ تُقْرَنُ بِالْفَرَائِضِ، خِلاَفًا لِلْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ، فَإِنَّهُ يَقُول بِوُجُوبِ الدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ فِيهِ الْكَفَّارَةَ قَوْلًا وَاحِدًا. أَمَّا الدِّيَةُ فَفِيهَا عَنْهُمْ قَوْلاَنِ: فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنْ عَلِمَهُ الرَّامِي مُسْلِمًا، وَكَانَ يُمْكِنُ تَوَقِّيهِ وَالرَّمْيُ إِلَى غَيْرِهِ لَزِمَتْهُ الدِّيَةُ، وَإِنْ لَمْ يَتَأَتَّ رَمْيُ الْكُفَّارِ إِلاَّ بِرَمْيِ الْمُسْلِمِ فَلاَ. (٢)

وَكَذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: تَجِبُ الدِّيَةُ فِي رِوَايَةٍ لأَِنَّهُ قَتَل مُؤْمِنًا خَطَأً، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: لاَ دِيَةَ

_________

(١) الحطاب ٣ / ٣٥١ ط دار الفكر، وحاشية الدسوقي ٢ / ١٧٨ ط دار الفكر.

(٢) فتح القدير ٥ / ١٩٨، والمبسوط ١٠ / ٣١ - ٦٥، وشرح الروض ٤ / ١٩١، وروضة الطالبين ١٠ / ٢٤٦، وقد جعل صاحب نهاية المحتاج القيدين الواردين في الدية واردين في الكفارة أيضا، ونهاية المحتاج ٨ / ٤٣، والمغني ٨ / ٤٤٩ - ٤٥٠.

لأَِنَّهُ قُتِل فِي دَارِ الْحَرْبِ بِرَمْيٍ مُبَاحٍ. (١)

٤ - وَإِنْ تَتَرَّسَ الْكُفَّارُ بِذَرَارِيِّهِمْ وَنِسَائِهِمْ فَيَجُوزُ رَمْيُهُمْ مُطْلَقًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَيَقْصِدُ بِالرَّمْيِ الْمُقَاتِلِينَ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَمَاهُمْ بِالْمَنْجَنِيقِ وَمَعَهُمُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ. (٢) وَلاَ فَرْقَ فِي جَوَازِ الرَّمْيِ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَتِ الْحَرْبُ مُلْتَحِمَةً وَمَا إِذَا كَانَتْ غَيْرَ مُلْتَحِمَةٍ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَتَحَيَّنُ بِالرَّمْيِ حَال الْتِحَامِ الْحَرْبِ. (٣)

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ رَمْيُهُمْ، إِلاَّ إِذَا دَعَتِ الضَّرُورَةُ وَيُتْرَكُونَ عِنْدَ عَدَمِ الضَّرُورَةِ، وَيَكُونُ تَرْكُ الْقِتَال عِنْدَ عَدَمِ الضَّرُورَةِ وَاجِبًا فِي الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، لَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ مَا جَاءَ فِي الرَّوْضَةِ وَهُوَ: جَوَازُهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ. (٤)

وَقَدْ فَصَّل الْفُقَهَاءُ أَحْكَامَ التَّتَرُّسِ فِي بَابِ الْجِهَادِ: عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنْ كَيْفِيَّةِ الْقِتَال، وَبَيَانِ الْمَكْرُوهَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ فِي الْغَزْوِ.

_________

(١) المغني ٨ / ٤٥٠.

(٢) حديث: " رمي النبي ﷺ بالمنجنيق. . . " أخرجه أبو داود في المراسيل بهذا المعنى، وإسناده ضعيف. انظر التلخيص الحبير لابن حجر (٤ / ١٠٤) .

(٣) فتح القدير ٥ / ١٩٨، والمبسوط ١٠ / ٦٥، وبدائع الصنائع ٧ / ٩٨، ٩٩، والمغني ٨ / ٤٤٩ ط مكتبة الرياض الحديثة.

(٤) الحطاب ٣ / ٣٥١، وحاشية الدسوقي ٢ / ١٧٨، ونهاية المحتاج ٨ / ٦٥.

تَتْرِيبٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - التَّتْرِيبُ: مَصْدَرُ تَرَّبَ، يُقَال: تَرَّبْتُ الشَّيْءَ تَتْرِيبًا فَتَتَرَّبَ، أَيْ لَطَّخْتَهُ فَتَلَطَّخَ بِالتُّرَابِ. وَأَتْرَبْتُ الشَّيْءَ: جَعَلْتَ عَلَيْهِ التُّرَابَ، وَتَرَّبْتُ الْكِتَابَ تَتْرِيبًا، وَتَرَّبْتُ الْقِرْطَاسَ فَأَنَا أُتَرِّبُهُ، أَيْ أَضَعُ عَلَيْهِ التُّرَابَ لِيَمْتَصَّ مَا زَادَ مِنَ الْحِبْرِ. (١) وَعَلَى هَذَا، فَتَتْرِيبُ الشَّيْءِ لُغَةً وَاصْطِلاَحًا: جَعْل التُّرَابِ عَلَيْهِ.

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٢ - اسْتِعْمَال التُّرَابِ فِي التَّطْهِيرِ مِنْ نَجَاسَةِ الْكَلْبِ:

التُّرَابُ الطَّاهِرُ قَدْ يُسْتَعْمَل فِي التَّطْهِيرِ، كَمَا إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءٍ، فَإِنَّهُ كَيْ يَطْهُرَ هَذَا الإِْنَاءُ يَجِبُ غَسْلُهُ سَبْعًا إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ، هَذَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي

_________

(١) الصحاح، ولسان العرب، والمصباح المنير، ومختار الصحاح. مادة: " ترب ".

إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، زَادَ مُسْلِمٌ أُولاَهُنَّ بِالتُّرَابِ. (١) وَلِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ أَنَّهُ ﵊ قَال: إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الإِْنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ. (٢)

وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُجْعَل التُّرَابُ فِي الْغَسْلَةِ الأُْولَى، لِمُوَافَقَتِهِ لَفْظَ الْخَبَرِ، أَوْ لِيَأْتِيَ الْمَاءُ عَلَيْهِ بَعْدَهُ فَيُنَظِّفَهُ. وَمَتَى غُسِل بِهِ أَجْزَأَهُ، لأَِنَّهُ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ: إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ وَفِي حَدِيثٍ: أُولاَهُنَّ وَفِي حَدِيثٍ: فِي الثَّامِنَةِ فَيَدُل عَلَى أَنَّ مَحَل التُّرَابِ مِنَ الْغَسَلاَتِ غَيْرُ مَقْصُودٍ.

فَإِنْ جُعِل مَكَانَ التُّرَابِ غَيْرُهُ مِنَ الأُْشْنَانِ وَالصَّابُونِ وَنَحْوِهِمَا، أَوْ غَسَلَهُ غَسْلَةً ثَامِنَةً، فَالأَْصَحُّ أَنَّهُ لاَ يُجْزِئُ، لأَِنَّهُ طَهَارَةٌ أَمَرَ فِيهَا بِالتُّرَابِ تَعَبُّدًا، وَلِذَا لَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ مَقَامَهُ.

وَلِبَعْضِ الْحَنَابِلَةِ: يَجُوزُ الْعُدُول عَنِ التُّرَابِ إِلَى غَيْرِهِ عِنْدَ عَدَمِ التُّرَابِ، أَوْ إِفْسَادِ الْمَحَل الْمَغْسُول بِهِ. فَأَمَّا مَعَ وُجُودِهِ وَعَدَمِ الضَّرَرِ فَلاَ. وَهَذَا قَوْل ابْنِ حَامِدٍ (٣) .

_________

(١) حديث: " إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا " متفق عليه من حديث أبي هريرة: أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٢٧٤ - ط السلفية) وزاد مسلم " أولاهن بالتراب " (١ / ٢٣٤ - ط الحلبي) .

(٢) حديث: " إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات، وعفروه. . . " أخرجه مسلم (١ / ٢٣٥ - ط الحلبي) .

(٣) المغني لابن قدامة ١ / ٥٢ - ٥٤ ط الرياض الحديثة وروضة الطالبين ١ / ٣٢ - ٣٣ المكتب الإسلامي، وشرح روض الطالب من أسنى المطالب ١ / ٢١ نشر المكتبة الإسلامية.

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: يُنْدَبُ غُسْل الإِْنَاءِ سَبْعًا بِوُلُوغِ الْكَلْبِ فِيهِ، بِأَنْ يُدْخِل فَمَهُ فِي الْمَاءِ وَيُحَرِّكَ لِسَانَهُ فِيهِ، وَلاَ تَتْرِيبَ مَعَ الْغَسْل بِأَنْ يُجْعَل فِي الأُْولَى، أَوِ الأَْخِيرَةِ، أَوْ إِحْدَاهُنَّ. لأَِنَّ التَّتْرِيبَ لَمْ يَثْبُتْ فِي كُل الرِّوَايَاتِ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ فِي بَعْضِهَا، وَذَلِكَ الْبَعْضُ الَّذِي ثَبَتَ فِيهِ، وَقَعَ فِيهِ اضْطِرَابٌ. (١)

وَلِلْحَنَفِيَّةِ قَوْلٌ بِغَسْلِهِ ثَلاَثًا، لِحَدِيثِ يُغْسَل الإِْنَاءُ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ ثَلاَثًا. (٢) وَقَوْلٌ بِغَسْلِهِ ثَلاَثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا. لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ الأَْعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْكَلْبِ، يَلَغُ فِي الإِْنَاءِ، أَنَّهُ يَغْسِلُهُ ثَلاَثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا (٣) وَوَرَدَ فِي حَاشِيَةِ الطَّحْطَاوِيِّ عَلَى مَرَاقِي الْفَلاَحِ:

_________

(١) الشرح الكبير للدردير ١ / ٨٣ - ٨٤، وجواهر الإكليل ١ / ١٣ - ١٤ نشر دار المعرفة، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري ١ / ٢٧٦.

(٢) حديث: " يغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثا " أخرجه الدارقطني موقوفا على أبي هريرة بلفظ " إذا ولغ الكلب في الإناء فأهرقه، ثم اغسله ثلاث مرات " وقال الشيخ تقي الدين في " الإمام " هذا سند صحيح (نصب الراية١ / ١٣١، وإعلاء السنن ١ / ١٩٦ نشر إدارة القرآن والعلوم الإسلامية - باكستان) .

(٣) حديث: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في الكلب " يلغ في الإناء. . . . " أخرجه الدارقطني (١ / ٦٥ - ط شركة الطباعة الفنية) وقال. تفرد به عبد الوهاب بن الضحاك، وهو متروك الحديث.