الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١ الصفحة 56

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١

الْقِسْمَةَ لاَ تَخْلُو عَنْ مَعْنَى الْمُبَادَلَةِ؛ وَالْمُبَادَلَةُ مِمَّا يَجْرِي فِيهِ الْجَبْرُ كَمَا فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ، فَإِنَّ الْمَدِينَ يُجْبَرُ عَلَى الْقَضَاءِ مَعَ أَنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا، فَصَارَ مَا يُؤَدِّي بَدَلًا عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ. وَهَذَا جَبْرٌ فِي الْمُبَادَلَةِ قَصْدًا وَقَدْ جَازَ، فَلأَنْ يَجُوزَ بِلاَ قَصْدٍ إِلَيْهِ أَوْلَى. وَإِنْ كَانَتِ الأَْعْيَانُ الْمُشْتَرَكَةُ مِنْ أَجْنَاسٍ مُخْتَلِفَةٍ كَالإِْبِل وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ لاَ يُجْبِرُ الْقَاضِي الْمُمْتَنِعَ عَلَى قِسْمَتِهَا لِتَعَذُّرِ الْمُبَادَلَةِ، وَلَوْ تَرَاضَوْا عَلَيْهَا جَازَ. (١) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي الشَّرِكَةِ وَالْقِسْمَةِ.

١٧ - وَيَنُصُّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ مَا لاَ ضَرَرَ فِي قِسْمَتِهِ كَالْبُسْتَانِ وَالدَّارِ الْكَبِيرَةِ وَالدُّكَّانِ الْوَاسِعَةِ، وَالْمَكِيل وَالْمَوْزُونِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَنَحْوِهَا، إِذَا طَلَبَ الشَّرِيكُ قِسْمَتَهُ أُجْبِرَ الآْخَرُ عَلَيْهَا. وَالضَّرَرُ الْمَانِعُ مِنْ قِسْمَةِ الإِْجْبَارِ نَقَصَ قِيمَةُ الْمَقْسُومِ بِهَا، وَقِيل: عَدَمُ النَّفْعِ بِهِ مَقْسُومًا. وَإِنْ تَضَرَّرَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ وَحْدَهُ وَطَلَبَ الْمُتَضَرِّرُ الْقِسْمَةَ أُجْبِرَ الآْخَرُ، وَإِلاَّ فَلاَ إِجْبَارَ. وَقِيل: أَيُّهُمَا طَلَبَ لَمْ يُجْبَرِ الآْخَرُ. (٢) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي الْقِسْمَةِ وَالشَّرِكَةِ.

١٨ - كَمَا نَصَّ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ لَهُ حَقُّ السُّفْل مَعَ مَنْ لَهُ حَقُّ الْعُلْوِ أَنَّهُ لاَ يُجْبَرُ ذُو السُّفْل عَلَى الْبِنَاءِ؛ لأَِنَّ حَقَّ ذِي الْعُلْوِ

_________

(١) الهداية والعناية والتكملة ٨ / ٥، ١٠، والمحرر ٢ / ٢١٦، والمحلى ٨ / ١٢٦، ١٢٨، ١٣٠، والمغني ١١ / ٤٩٢، ومنح الجليل ٣ / ٦٥٠

(٢) المحرر ٢ / ٢١٥ - ٢١٦، والحطاب ٥ / ٣٣٨، ونهاية المحتاج ٨ / ٢٧٤

فَائِتٌ إِذْ حَقُّهُ قَرَارُ الْعُلْوِ عَلَى السُّفْل الْقَائِمِ. (١) وَيَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: إِذَا كَانَ السُّفْل لِرَجُلٍ وَالْعُلْوُ لآِخَرَ فَانْهَدَمَ السَّقْفُ الَّذِي بَيْنَهُمَا فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا الْمُبَانَاةَ مِنَ الآْخَرِ فَامْتَنَعَ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ كَالْحَائِطِ بَيْنَ الْبَيْتَيْنِ. وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلاَنِ كَالرِّوَايَتَيْنِ. وَإِنِ انْهَدَمَتْ حِيطَانُ السُّفْل فَطَالَبَهُ صَاحِبُ الْعُلْوِ بِإِعَادَتِهَا فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ: يُجْبَرُ، وَهُوَ قَوْل مَالِكٍ وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يُجْبَرُ عَلَى الْبِنَاءِ وَحْدَهُ لأَِنَّهُ مِلْكُهُ خَاصَّةً.

وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لاَ يُجْبَرُ، وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِنْ أَرَادَ صَاحِبُ الْعُلْوِ بِنَاءَهُ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ.

وَإِنْ طَالَبَ صَاحِبُ السُّفْل بِالْبِنَاءِ وَأَبَى صَاحِبُ الْعُلْوِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ:

الأُْولَى: لاَ يُجْبَرُ عَلَى بِنَائِهِ وَلاَ مُسَاعَدَتِهِ وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيِّ،

وَالثَّانِيَةُ: يُجْبَرُ عَلَى مُسَاعَدَتِهِ لأَِنَّهُ حَائِطٌ يَشْتَرِكَانِ فِي الاِنْتِفَاعِ بِهِ. (٢) وَتَفْصِيلُهُ فِي حَقِّ التَّعَلِّي ضِمْنَ حُقُوقِ الاِرْتِفَاقِ.

١٩ - وَقَالُوا فِي الْحَائِطِ الْمُشْتَرَكِ: لَوِ انْهَدَمَ وَعَرْصَتُهُ عَرِيضَةٌ فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا بِنَاءَهُ، يُجْبَرُ الآْخَرُ عَلَى الصَّحِيحِ فِي مَذَاهِبِ الأَْئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّ فِي تَرْكِ بِنَائِهِ إِضْرَارًا فَيُجْبَرُ عَلَيْهِ كَمَا يُجْبَرُ عَلَى الْقِسْمَةِ إِذَا طَلَبَهَا أَحَدُهُمَا وَعَلَى النَّقْضِ إِذَا خِيفَ سُقُوطُهُ. وَغَيْرُ الصَّحِيحِ فِي الْمَذَاهِبِ أَنَّهُ لاَ يُجْبَرُ لأَِنَّهُ مِلْكٌ لاَ حُرْمَةَ لَهُ فِي نَفْسِهِ فَلَمْ يُجْبَرْ مَالِكُهُ عَلَى الإِْنْفَاقِ عَلَيْهِ كَمَا لَوِ انْفَرَدَ بِهِ، وَلأَِنَّهُ بِنَاءُ حَائِطٍ فَلَمْ

_________

(١) ابن عابدين ٣ / ٣٥٥، مواهب الجليل ٥ / ١٤٣، ١٤٤، ونهاية المحتاج ٤ / ٣٩٩

(٢) المغني مع الشرح الكبير ٥ / ٤٧، ٤٨، ومواهب الجليل ٥ / ١٤٤، ونهاية المحتاج ٤ / ٣٩٩

يُجْبَرْ عَلَيْهِ كَالاِبْتِدَاءِ. وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ مَكَانُ الْحَائِطِ الْمُشْتَرَكِ يَحْتَمِل الْقِسْمَةَ وَيَتَمَكَّنُ كُل وَاحِدٍ مِنْ بِنَاءِ سَدٍّ فِي نَصِيبِهِ لَمْ يُجْبَرْ، وَإِلاَّ أُجْبِرَ (١) .

اجْتِهَاد

التَّعْرِيفُ:

١ - الاِجْتِهَادُ فِي اللُّغَةِ بَذْل الْوُسْعِ وَالطَّاقَةِ فِي طَلَبِ أَمْرٍ لِيَبْلُغَ مَجْهُودَهُ وَيَصِل إِلَى نِهَايَتِهِ. وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. (٢)

أَمَّا الأُْصُولِيُّونَ فَمِنْ أَدَقِّ مَا عَرَّفُوهُ بِهِ أَنَّهُ بَذْل الطَّاقَةِ مِنَ الْفَقِيهِ فِي تَحْصِيل حُكْمٍ شَرْعِيٍّ ظَنِّيٍّ، فَلاَ اجْتِهَادَ فِيمَا عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، كَوُجُوبِ الصَّلَوَاتِ، وَكَوْنِهَا خَمْسًا.

وَمِنْ هَذَا يُعْلَمُ أَنَّ مَعْرِفَةَ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ مِنْ دَلِيلِهِ الْقَطْعِيِّ لاَ تُسَمَّى اجْتِهَادًا (٣) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الْقِيَاسُ:

٢ - الَّذِي عَلَيْهِ الأُْصُولِيُّونَ أَنَّ الاِجْتِهَادَ أَعَمُّ مِنْ الْقِيَاسِ. فَالاِجْتِهَادُ يَكُونُ فِي أَمْرٍ لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ، بِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ لَهُ، لِوُجُودِ عِلَّةِ الأَْصْل فِيهِ، وَهَذَا هُوَ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٥٥، ومواهب الجليل ٥ / ١٤٤، ونهاية المحتاج ٤ / ٣٩٨، والمغني ٥ / ٤٥ - ٤٨

(٢) كشاف اصطلاحات الفنون ط كلكتا ١ / ١٩٨، والمصباح مادة (جهد)

(٣) مسلم الثبوت ٢ / ٣٦٢ ط بولاق.

الْقِيَاسُ. وَيَكُونُ الاِجْتِهَادُ أَيْضًا فِي إِثْبَاتِ النُّصُوصِ بِمَعْرِفَةِ دَرَجَاتِهَا مِنْ حَيْثُ الْقَبُول وَالرَّدُّ، وَبِمَعْرِفَةِ دَلاَلاَتِ تِلْكَ النُّصُوصِ، وَمَعْرِفَةِ الأَْحْكَامِ مِنْ أَدِلَّتِهَا الأُْخْرَى غَيْرِ الْقِيَاسِ، مِنْ قَوْل صَحَابِيٍّ، أَوْ عَمَل أَهْل الْمَدِينَةِ، أَوِ الاِسْتِصْحَابِ، أَوِ الاِسْتِصْلاَحِ أَوْ غَيْرِهَا، عِنْدَ مَنْ يَقُول بِهَا.

التَّحَرِّي:

٣ - هُوَ لُغَةً الطَّلَبُ وَالاِبْتِغَاءُ، وَشَرْعًا طَلَبُ شَيْءٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ بِغَالِبِ الرَّأْيِ. (١) عِنْدَ تَعَذُّرِ الْوُقُوفِ عَلَى الْحَقِيقَةِ. وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِالْعِبَادَاتِ لأَِنَّهُمْ كَمَا قَالُوا (التَّحَرِّي) فِيهَا، قَالُوا (التَّوَخِّي) فِي الْمُعَامَلاَتِ. وَالتَّحَرِّي غَيْرُ الشَّكِّ وَالظَّنِّ، فَإِنَّ الشَّكَّ أَنْ يَسْتَوِيَ طَرَفَا الْعِلْمِ وَالْجَهْل، وَالظَّنُّ تَرَجُّحُ أَحَدِهِمَا مِنْ دَلِيلٍ، وَالتَّحَرِّي تَرَجُّحُ أَحَدِهِمَا بِغَالِبِ الرَّأْيِ. وَهُوَ دَلِيلٌ يُتَوَصَّل بِهِ إِلَى طَرَفِ الْعِلْمِ، وَإِنْ كَانَ لاَ يُتَوَصَّل بِهِ إِلَى مَا يُوجِبُ حَقِيقَةَ الْعِلْمِ. كَذَا قَال السَّرَخْسِيُّ فِي الْمَبْسُوطِ. (٢) وَفِيهِ أَيْضًا: الاِجْتِهَادُ مَدْرَكٌ مِنْ مَدَارِكِ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ الشَّرْعُ لاَ يَثْبُتُ بِهِ ابْتِدَاءً، وَكَذَلِكَ التَّحَرِّي مَدْرَكٌ مِنْ مَدَارِكِ التَّوَصُّل إِلَى أَدَاءِ الْعِبَادَاتِ، وَإِنْ كَانَتِ الْعِبَادَةُ لاَ تَثْبُتُ بِهِ ابْتِدَاءً (٣) .

الاِسْتِنْبَاطُ:

٤ - وَهُوَ اسْتِخْرَاجُ الْعِلَّةِ أَوِ الْحُكْمِ إِذَا لَمْ يَكُونَا مَنْصُوصَيْنِ، بِنَوْعٍ مِنَ الاِجْتِهَادِ.

_________

(١) أي من غير دليل.

(٢) كتاب التحري من المبسوط ١٠ / ١٨٥ - ٢٠٥ ط الساسي.

(٣) المبسوط ١٠ / ١٨٦ ط الأولى.

أَهْلِيَّةُ الاِجْتِهَادِ:

٥ - اشْتَرَطَ الأُْصُولِيُّونَ فِي الْمُجْتَهِدِ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا صَحِيحَ الْفَهْمِ عَالِمًا بِمَصَادِرِ الأَْحْكَامِ، مِنْ كِتَابٍ وَسُنَّةٍ وَإِجْمَاعٍ وَقِيَاسٍ، وَبِالنَّاسِخِ مِنْهَا وَالْمَنْسُوخِ، عَالِمًا بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ نَحْوِهَا وَصَرْفِهَا وَبَلاَغَتِهَا، عَالِمًا بِأُصُول الْفِقْهِ.

وَالْمُرَادُ بِمَعْرِفَةِ الْكِتَابِ مَعْرِفَةُ آيَاتِ الأَْحْكَامِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ حِفْظُهَا بَل مَعْرِفَةُ مَوَاقِعِهَا بِحَيْثُ يَسْتَطِيعُ الْوُصُول إِلَيْهَا بِيُسْرٍ وَسُهُولَةٍ، وَيَسْتَطِيعُ مَعْرِفَةَ مَعَانِيهَا كَذَلِكَ. وَالْمُرَادُ بِمَعْرِفَةِ السُّنَّةِ مَعْرِفَةُ مَا وَرَدَ مِنَ الأَْحَادِيثِ فِي الأَْحْكَامِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ حِفْظَهَا، وَإِنَّمَا يَكْفِي أَنْ يَكُونَ لَدَيْهِ أَصْلٌ جَامِعٌ لِغَالِبِيَّةِ أَحَادِيثِ الأَْحْكَامِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَعَرَّفَ فِيهِ بِيُسْرٍ وَسُهُولَةٍ مَوَاقِعَ كُل بَابٍ مِنْهَا لِيُرْجَعَ إِلَيْهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَلاَ بُدَّ أَنْ يَعْرِفَ الْمَقْبُول مِنْهَا مِنَ الْمَرْدُودِ. وَاشْتُرِطَتْ مَعْرِفَتُهُ بِالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ؛ لِئَلاَّ يُفْتِيَ بِمَا هُوَ مَنْسُوخٌ. وَاشْتُرِطَتْ مَعْرِفَتُهُ بِالْعَرَبِيَّةِ لِكَيْ يَتَمَكَّنَ مِنْ فَهْمِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ عَلَى وَجْهِهِمَا الصَّحِيحِ؛ لأَِنَّهُمَا وَرَدَا بِلِسَانِ الْعَرَبِ، وَجَرَيَا عَلَى أَسَالِيبِ كَلاَمِهِمْ. وَاشْتُرِطَتْ مَعْرِفَتُهُ بِأُصُول الْفِقْهِ لِكَيْ لاَ يَخْرُجَ فِي اسْتِنْبَاطِهِ لِلأَْحْكَامِ وَفِي التَّرْجِيحِ عِنْدَ التَّعَارُضِ، عَنِ الْقَوَاعِدِ الصَّحِيحَةِ لِذَلِكَ.

وَهَذِهِ الشُّرُوطُ إِنَّمَا هِيَ لِلْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ الْمُتَصَدِّي لِلاِجْتِهَادِ فِي جَمِيعِ مَسَائِل الْفِقْهِ.

دَرَجَاتُ الاِجْتِهَادِ:

٦ - الاِجْتِهَادُ قَدْ يَكُونُ مُطْلَقًا كَاجْتِهَادِ الأَْئِمَّةِ الأَْرْبَعَةِ وَقَدْ يَكُونُ غَيْرَ مُطْلَقٍ وَفِي دَرَجَاتِهِ تَفْصِيلٌ مَوْطِنُهُ الْمُلْحَقُ الأُْصُولِيُّ.

صِفَةُ الاِجْتِهَادِ بِالاِسْتِعْمَال الأُْصُولِيِّ (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ)

٧ - الاِجْتِهَادُ فَرْضُ كِفَايَةٍ؛ إِذْ لاَ بُدَّ لِلْمُسْلِمِينَ مِنِ اسْتِخْرَاجِ الأَْحْكَامِ لِمَا يَحْدُثُ مِنَ الأُْمُورِ.

وَيَتَعَيَّنُ الاِجْتِهَادُ عَلَى مَنْ هُوَ أَهْلُهُ إِنْ سُئِل عَنْ حَادِثَةٍ وَقَعَتْ فِعْلًا، وَلَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ، وَضَاقَ الْوَقْتُ بِحَيْثُ يَخَافُ مَنْ وَقَعَتْ بِهِ فَوَاتَهَا إِنْ لَمْ يَجْتَهِدْ مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِتَحْصِيل الْحُكْمِ فِيهَا.

وَقِيل: يَتَعَيَّنُ أَيْضًا إِذَا وَقَعَتِ الْحَادِثَةُ بِالْمُجْتَهِدِ نَفْسِهِ وَكَانَ لَدَيْهِ الْوَقْتُ لِلاِجْتِهَادِ فِيهَا.

وَهَذَا رَأْيُ الْبَاقِلاَّنِيِّ وَالآْمِدِيِّ وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ. وَقَال غَيْرُهُمْ: يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ مُطْلَقًا، وَقَال آخَرُونَ: يَجُوزُ فِي أَحْوَالٍ مُعَيَّنَةٍ. (١)

وَتَفْصِيل مَا يَتَّصِل بِالاِجْتِهَادِ مَوْطِنُهُ الْمُلْحَقُ الأُْصُولِيُّ.

صِفَةُ الاِجْتِهَادِ بِالاِسْتِعْمَال الْفِقْهِيِّ (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ)

٨ - يَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ نَوْعًا آخَرَ مِنَ الاِجْتِهَادِ سِوَى الاِجْتِهَادِ فِي الأَْدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمُسْلِمُ فِي الْقِيَامِ بِالْعِبَادَاتِ عِنْدَ حُصُول الاِشْتِبَاهِ.

فَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي تَحْدِيدِ الْقِبْلَةِ لأَِجْل اسْتِقْبَالِهَا فِي صَلاَتِهِ، وَذَلِكَ عِنْدَمَا لاَ يَجِدُ مَنْ يُخْبِرُهُ بِالْجِهَةِ، فَيَسْتَدِل عَلَيْهَا بِأَدِلَّتِهَا الْمُعْتَبَرَةِ شَرْعًا، كَمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَمَطَالِعِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَاتِّجَاهِ الرِّيحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَيَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي مَبَاحِثِ اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ فِي مُقَدِّمَاتِ الصَّلاَةِ.

_________

(١) الإحكام للآمدي ٣ / ١٤٠ - ١٤٦.

وَمِنْ ذَلِكَ الاِجْتِهَادُ عِنْدَ اشْتِبَاهِ ثِيَابٍ طَاهِرَةٍ بِثِيَابٍ نَجِسَةٍ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا، أَوْ مَاءٍ طَهُورٍ بِمَاءٍ نَجِسٍ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُمَا، وَيَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي مَبَاحِثِ شَرْطِ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ فِي مُقَدِّمَاتِ الصَّلاَةِ كَذَلِكَ.

وَمِنْهُ أَيْضًا اجْتِهَادُ مَنْ حُبِسَ فِي مَكَانٍ لاَ يَعْرِفُ فِيهِ دُخُول وَقْتِ الصَّلاَةِ، أَوْ وَقْتِ الصَّوْمِ، وَيَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي مَبْحَثِ مَعْرِفَةِ دُخُول الشَّهْرِ مِنْ أَبْوَابِ الصَّوْمِ. (١)

أَجْر

التَّعْرِيفُ:

١ - الأَْجْرُ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ أَجَرَهُ يَأْجُرُهُ وَيَأْجِرُهُ: إِذَا أَثَابَهُ وَأَعْطَاهُ جَزَاءَ عَمَلِهِ.

وَيَكُونُ الأَْجْرُ أَيْضًا اسْمًا لِلْعِوَضِ الْمُعْطَى عَنِ الْعَمَل. (٢) وَمِنْهُ مَا يُعْطِيهِ اللَّهُ الْعَبْدَ جَزَاءَ عَمَلِهِ الصَّالِحِ فِي الدُّنْيَا مِنْ مَالٍ أَوْ ذِكْرٍ حَسَنٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، قَال اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ (٣)، وَمَا يُعْطِيهِ فِي الآْخِرَةِ مِنَ النَّعِيمِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ (٤) وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ

_________

(١) نهاية المحتاج ١ / ٧٧ - ٨٠، و٣ / ١٧١ مصطفى الحلبي، والمهذب ١ / ٨، ٩ ط عيسى الحلبي، وبداية المجتهد ٢ / ٤٩٩، ط الكليات الأزهرية، والهداية ٣ / ١٠١ ط مصطفى الحلبي، وكشاف القناع ١ / ٣٩ و٢ / ٢٧٧ ط أنصار السنة

(٢) لسان العرب

(٣) سورة العنكبوت / ٢٧.

(٤) سورة الحديد / ١٩.

أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (١)، وَكَذَلِكَ مَا يُعْطِيهِ الْعِبَادُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنَ الْعِوَضِ عَنْ أَعْمَالِهِمْ يُسَمَّى أَجْرًا، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٢) وَسَمَّى الْقُرْآنُ مَهْرَ الْمَرْأَةِ أَجْرًا، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ . (٣)

وَالأَْجْرُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ بِمَعْنَى الْعِوَضِ عَنِ الْعَمَل، سَوَاءٌ أَكَانَ مِنَ اللَّهِ أَمْ مِنَ الْعِبَادِ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الأَْجْرَ مِنَ اللَّهِ تَفَضُّلٌ مِنْهُ، وَبِمَعْنَى بَدَل الْمَنْفَعَةِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ مَنْفَعَةَ عَقَارٍ كَسُكْنَى دَارٍ، أَوْ مَنْفَعَةَ مَنْقُولٍ كَرُكُوبِ سَيَّارَةٍ. وَنَقَل أَبُو الْبَقَاءِ فِي الْكُلِّيَّاتِ (٤) عَنْ بَعْضِهِمْ: " الأَْجْرُ يُقَال فِيمَا كَانَ عَقْدًا وَمَا يَجْرِي مَجْرَى الْعَقْدِ، وَلاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي النَّفْعِ ".

مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

٢ - يَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ مَسَائِل الأَْجْرِ عَلَى الْعَمَل وَالْمَنْفَعَةِ ضِمْنَ مَبَاحِثِ الإِْجَارَةِ، وَالأُْجْرَةِ فَلْيُرْجَعْ إِلَيْهَا.

أَجْرُ الْمِثْل

انْظُرْ: إِجَارَة.

_________

(١) سورة آل عمران / ١٨٥

(٢) سورة الطلاق / ٦

(٣) سورة الأحزاب / ٥٠

(٤) الكليات ١ / ٥٥ ط دمشق

أَجْرَد

التَّعْرِيفُ:

١ - الرَّجُل الأَْجْرَدُ لُغَةً هُوَ مَنْ لاَ شَعْرَ عَلَى جَسَدِهِ. (١) وَالْمَرْأَةُ جَرْدَاءُ.

وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: الأَْجْرَدُ الَّذِي لَيْسَ عَلَى وَجْهِهِ شَعْرٌ وَقَدْ مَضَى أَوَانُ طُلُوعِ لِحْيَتِهِ، أَمَّا قَبْل ذَلِكَ فَهُوَ أَمْرَدُ (٢) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٢ - أَثْبَتَ الْعُلَمَاءُ لِمَنْ قَارَبَ الْبُلُوغَ مِنَ الْفِتْيَانِ وَلَمْ يَنْبُتْ شَعْرُ وَجْهِهِ - وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى الأَْمْرَدُ - أَثْبَتُوا لَهُ إِذَا كَانَ صَبِيحَ الْوَجْهِ بَعْضَ الأَْحْكَامِ الْخَاصَّةِ، عَلَى اخْتِلاَفٍ بَيْنَهُمْ فِيهَا، صِيَانَةً لَهُ وَدَرْءًا لِلْفِتْنَةِ بِهِ. مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ رَأَوْا تَحْرِيمَ النَّظَرِ إِلَيْهِ بِشَهْوَةٍ وَالْخَلْوَةَ بِهِ وَمَسَّهُ، أَوْ كَرَاهَةَ ذَلِكَ (ر: أَمْرَد) ثُمَّ إِنْ لَمْ يَنْبُتْ شَعْرُهُ بَعْدَ أَوَانِهِ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى الأَْجْرَدُ، فَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ فِي مِثْل ذَلِكَ بِعَدَمِ انْطِبَاقِ أَحْكَامِ الأَْمْرَدِ عَلَيْهِ، كَمَا نَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنْ بَعْضِ مَنْ كَرِهَ إِمَامَةَ الأَْمْرَدِ أَنَّهُ لَمْ يَكْرَهِ الصَّلاَةَ خَلْفَ مَنْ تَجَاوَزَ حَدَّ الإِْنْبَاتِ وَلَمْ يَنْبُتْ عِذَارُهُ. (٣)

وَلَمْ نَجِدْ لِغَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ نَصًّا فِي ذَلِكَ.

_________

(١) لسان العرب

(٢) حاشية القليوبي ٣ / ٢١٠

(٣) رد المحتار ١ / ٣٧٨

أُجْرَة

التَّعْرِيفُ:

١ - الأَْجْرُ لُغَةً وَشَرْعًا: بَدَل الْمَنْفَعَةِ، وَهِيَ مَا يُعْطَاهُ الأَْجِيرُ فِي مُقَابَلَةِ الْعَمَل، وَمَا يُعْطَاهُ صَاحِبُ الْعَيْنِ مُقَابِل الاِنْتِفَاعِ بِهَا. وَتُسَمَّى الأُْجْرَةُ الأَْجْرَ وَالْكِرَاءَ وَالْكِرْوَةَ (بِكَسْرِ الْكَافِ) وَفِي الْقَامُوسِ: " النَّوْل جُعْل السَّفِينَةِ " وَفِي اللِّسَانِ: " الآْجِرَةُ وَالإِْجَارَةُ وَالإِْجَارَةُ مَا أَعْطَيْتَ مِنْ أَجْرٍ " وَجَمْعُهَا أُجَرٌ، كَغُرَفٍ. وَيَجُوزُ جَمْعُهَا عَلَى " أُجُرَاتٍ " بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا (١) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٢ - يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَل الْمَنْفَعَةِ فِي الإِْجَارَةِ مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا مِنْ عَرَضٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ أُخْرَى أَوْ نَقْدٍ حَالٍّ أَوْ مُؤَجَّلٍ. وَمَا لاَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا قَدْ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ أُجْرَةً كَالْمَنْفَعَةِ، وَلاَ يَصْلُحُ فِي ذَلِكَ الْخَمْرُ وَالْخِنْزِيرُ وَنَحْوُهُمَا إِلاَّ لِلذِّمِّيِّينَ.

وَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ بِإِشَارَةٍ أَوْ تَعْيِينٍ أَوْ بَيَانٍ، فَلاَ يَصِحُّ الْعَقْدُ بِأُجْرَةٍ مَجْهُولَةٍ، وَلاَ يَصِحُّ بِأُجْرَةٍ هِيَ جُزْءٌ مِنَ الْمَعْمُول أَوْ بَعْضِ النَّاتِجِ مِنَ الْعَمَل، كَمَنْ يَسْتَأْجِرُ مَنْ يَسْلُخُ شَاةً بِجِلْدِهَا.

_________

(١) التاج واللسان في المواد (أجر، كري، نول)