الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١ الصفحة 54

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١

الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لأَِنَّ الْمُعْتَمَدَ عِنْدَهُمْ عَدَمُ جَوَازِ تَصَرُّفَاتِ الْفُضُولِيِّ، وَلِهَذَا لَمْ يَتَوَسَّعُوا فِي التَّفْرِيعِ.

ج - التَّصَرُّفُ الْمُجَازُ (مَحَل الإِْجَازَةِ)

مَحَل الإِْجَازَةِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا

إِجَازَةُ الأَْقْوَال:

١٠ - الإِْجَازَةُ تَلْحَقُ التَّصَرُّفَاتِ الْقَوْلِيَّةَ، وَعِنْدَئِذٍ يُشْتَرَطُ فِي تِلْكَ التَّصَرُّفَاتِ:

أَوَّلًا: أَنْ يَكُونَ قَدْ وَقَعَ صَحِيحًا، فَالْعَقْدُ غَيْرُ الصَّحِيحِ لاَ تَلْحَقُهُ الإِْجَازَةُ كَبَيْعِ الْمَيْتَةِ، فَبَيْعُ الْمَيْتَةِ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ أَصْلًا، فَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ إِلاَّ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ فَحَسْبُ، وَالإِْجَازَةُ لاَ تَلْحَقُ الْمَعْدُومَ بِالْبَدَاهَةِ (١) . وَيَبْطُل الْعَقْدُ الْمَوْقُوفُ وَغَيْرُ اللاَّزِمِ بِرَدِّ مَنْ لَهُ الإِْجَازَةُ، فَإِذَا رَدَّهُ فَقَدْ بَطَل، وَلاَ تَلْحَقُهُ الإِْجَازَةُ بَعْدَ ذَلِكَ. (٢)

ثَانِيًا: أَنْ يَكُونَ التَّصَرُّفُ صَحِيحًا غَيْرَ نَافِذٍ - أَيْ مَوْقُوفًا - كَهِبَةِ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَكَتَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ عِنْدَ مَنْ يَرَى جَوَازَهُ، (٣) وَكَالْعُقُودِ غَيْرِ اللاَّزِمَةِ كَالَّتِي تَنْعَقِدُ مَعَ الْخِيَارِ.

ثَالِثًا: أَنْ يَكُونَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ قَائِمًا وَقْتَ الإِْجَازَةِ، فَإِنْ فَاتَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْعَقْدَ لاَ تَلْحَقُهُ الإِْجَازَةُ،

_________

(١) بدائع الصنائع ٧ / ٣٣٩١ طبع مطبعة الإمام بمصر، وحاشية الدسوقي ٣ / ١١، ط دار الفكر ونهاية المحتاج ٣ / ٣٩٠ ط المكتبة الإسلامية.

(٢) ابن عابدين ٤ / ١٤١

(٣) وقد أبلغ ابن عابدين البيوع الموقوفة إلى ثمانية وثلاثين بيعا، انظر حاشية ابن عابدين ٤ / ١٣٩

لأَِنَّ الإِْجَازَةَ تَصَرُّفٌ فِي الْعَقْدِ، فَلاَ بُدَّ مِنْ قِيَامِ الْعَقْدِ بِقِيَامِ الْعَاقِدَيْنِ وَالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ. (١)

إِجَازَةُ الْعُقُودِ الْوَارِدَةِ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ:

١١ - إِذَا وَرَدَتِ الإِْجَازَةُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ عَقْدٍ وَاحِدٍ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ، لَحِقَتْ أَحَقَّ هَذِهِ الْعُقُودِ بِالإِْمْضَاءِ.

وَقَدْ صَنَّفَ الْحَنَفِيَّةُ الْعُقُودَ وَالتَّصَرُّفَاتِ بِحَسَبِ أَحَقِّيَّتِهَا كَمَا يَلِي:

الْكِتَابَةُ (٢) وَالتَّدْبِيرُ (٣) وَالْعِتْقُ، ثُمَّ الْبَيْعُ، ثُمَّ النِّكَاحُ، ثُمَّ الْهِبَةُ، ثُمَّ الإِْجَارَةُ، ثُمَّ الرَّهْنُ. فَإِذَا بَاعَ فُضُولِيٌّ أَمَةَ رَجُلٍ، وَزَوَّجَهَا فُضُولِيٌّ آخَرُ، أَوْ آجَرَهَا أَوْ رَهَنَهَا، فَأَجَازَ الْمَالِكُ تَصَرُّفَ الْفُضُولِيِّينَ مَعًا، جَازَ الْبَيْعُ وَبَطَل غَيْرُهُ؛ لأَِنَّ الْبَيْعَ أَحَقُّ مِنْ بَقِيَّةِ التَّصَرُّفَاتِ، فَلَحِقَتْ بِهِ الإِْجَازَةُ دُونَ غَيْرِهِ (٤) وَلَمْ نَجِدْ هَذَا عِنْدَ غَيْرِهِمْ.

إِجَازَةُ الأَْفْعَال:

الأَْفْعَال إِمَّا أَنْ تَكُونَ أَفْعَال إِيجَادٍ أَوْ إِتْلاَفٍ.

١٢ - وَفِي أَفْعَال الإِْيجَادِ اتِّجَاهَانِ: الأَْوَّل: أَنَّ الإِْجَازَةَ لاَ تَلْحَقُهَا، وَهُوَ مَا ذَهَبَ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ٣١١، وجامع الفصولين ١ / ٣١٤، والفتاوى الهندية ٣ / ١١١ ط بولاق ١٣١٠، وجواهر الإكليل ٢ / ٥، وحاشية الدسوقي ٣ / ١٢، وشرح الزرقاني ٦ / ١٩

(٢) الكتابة: أن يعاقد الشخص عبده على أنه إن أدى له مبلغ كذا فهو حر

(٣) التدبير: أن يعلق الشخص عتق عبده على وفاته فيقول له: أنت حر بعد موتي.

(٤) الفتاوى الهندية ٣ / ١٥٤

إِلَيْهِ الإِْمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ.

الثَّانِي: أَنَّ الإِْجَازَةَ تَلْحَقُهَا، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الإِْمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ الْغَاصِبَ إِذَا أَعْطَى الْمَغْصُوبَ لأَِجْنَبِيٍّ بِأَيِّ تَصَرُّفٍ فَأَجَازَ الْمَالِكُ ذَلِكَ، فَقَدْ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى عَدَمِ بَرَاءَةِ الْغَاصِبِ وَأَنَّهُ لاَ يَزَال ضَامِنًا إِذِ الأَْصْل عِنْدَهُ أَنَّ الإِْجَازَةَ لاَ تَلْحَقُ الأَْفْعَال. وَالْمَفْهُومُ مِنْ بَعْضِ فُرُوعِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُمْ يَذْهَبُونَ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ.

وَعَلَّل الْمَالِكِيَّةُ ذَلِكَ بِأَنَّ الرِّضَا بِتَصَرُّفِ الْغَاصِبِ لاَ يَجْعَل يَدَهُ يَدَ أَمَانَةٍ. وَعَلَّل الشَّافِعِيُّ وَالْحَنَابِلَةُ لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ بِأَنَّ تَصَرُّفَاتِ الْغَاصِبِ فِي الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ حَرَامٌ، وَلاَ يَمْلِكُ أَحَدٌ إِجَازَةَ تَصَرُّفٍ حَرَامٍ. وَذَهَبَ الإِْمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إِلَى أَنَّ إِجَازَةَ الْمَالِكِ لِتَصَرُّفِ الْغَاصِبِ صَحِيحَةٌ وَتُبَرِّئُ ذِمَّتَهُ وَتُسْقِطُ عَنْهُ الضَّمَانَ وَالْقَاعِدَةُ عِنْدَهُ أَنَّ الإِْجَازَةَ تَلْحَقُ الأَْفْعَال. وَهُوَ الرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُهُمْ فِي تَخْرِيجِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَحْمَدَ (١) .

١٣ - وَاتَّفَقَتْ كَلِمَةُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّ الإِْجَازَةَ لاَ تَلْحَقُ أَفْعَال الإِْتْلاَفِ، فَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَهَبَ مِنْ مَال الصَّغِيرِ؛ لأَِنَّ الْهِبَةَ إِتْلاَفٌ، فَإِنْ فَعَل ذَلِكَ كَانَ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ١٢٦، وحاشية الطحطاوي على الدر ٢ / ١٠٩ ط بيروت، والحطاب ٥ / ٢٩٠ ط ليبيا، والأم ٣ / ٢٥٢، والقواعد لابن رجب ص ٤١٨ ط دار المعرفة بلبنان، وكشاف القناع ٤ / ٩٥ ط أنصار السنة.

ضَامِنًا، فَإِنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ وَأَجَازَ هِبَتَهُ، لَمْ تَجُزْ؛ لأَِنَّ الإِْجَازَةَ لاَ تَلْحَقُ أَفْعَال الإِْتْلاَفِ.

وَهَذَا هُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْ كَلاَمِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ. وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ الْوَلِيُّ أَبًا أَوْ غَيْرَ أَبٍ فَإِنْ كَانَ أَبًا فَلاَ يُعْتَبَرُ مُتَعَدِّيًا لأَِنَّ لَهُ حَقَّ تَمَلُّكِ مَال وَلَدِهِ، لِحَدِيثِ: أَنْتَ وَمَالُكَ لأَِبِيكَ (١) وَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ غَيْرَ أَبٍ فَهُمْ مَعَ الْجُمْهُورِ. أَمَّا دَلِيل عَدَمِ نَفَاذِ الإِْجَازَةِ فَلأَِنَّ تَصَرُّفَاتِ الْوَلِيِّ مَنُوطَةٌ بِمَصْلَحَتِهِ، وَالتَّبَرُّعَاتُ إِتْلاَفٌ فَتَقَعُ بَاطِلَةً فَلاَ تَلْحَقُهَا الإِْجَازَةُ.

١٤ - وَقَدْ وَقَعَ خِلاَفٌ فِي اللُّقَطَةِ إِذَا تَصَدَّقَ بِهَا الْمُلْتَقِطُ، فَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ قَالُوا: إِذَا عَرَّفَهَا سَنَةً وَلَمْ يَأْتِ مَالِكُهَا تَمَلَّكَهَا الْمُلْتَقِطُ، وَعَلَى هَذَا فَلَوْ تَصَدَّقَ بِهَا بَعْدَ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ لأَِنَّهُ تَصَدَّقَ بِخَالِصِ مَالِهِ. وَمَفْهُومُ كَلاَمِهِمْ أَنَّهُ لَوْ تَصَدَّقَ بِهَا قَبْل هَذِهِ الْمُدَّةِ أَوْ لَمْ يُعَرِّفْهَا يَكُونُ ضَامِنًا إِنْ لَمْ يُجِزِ الْمَالِكُ التَّصَدُّقَ. وَسَنَدُهُمْ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ أَنَّ الرَّسُول ﷺ قَال فِي شَأْنِ اللُّقَطَةِ: (٢) فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ فَاسْتَنْفِقْهَا. وَفِي لَفْظٍ: وَإِلاَّ فَهِيَ كَسَبِيل مَالِكَ. وَفِي لَفْظٍ: ثُمَّ كُلْهَا. وَفِي لَفْظٍ: فَانْتَفِعْ بِهَا.

أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: إِذَا تَصَدَّقَ الْمُلْتَقِطُ بِاللُّقَطَةِ، ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهَا فَأَجَازَ

_________

(١) حديث " أنت ومالك لأبيك " رواه ابن ماجه عن جابر، والطبراني في الكبير والبزار عن سمرة وابن مسعود (الفتح الكبير ١ / ٢٧٧) .

(٢) حديث زيد أن رسول الله ﷺ قال في شأن اللقطة: " فإن لم تعرف فاستنفقها " أخرجه البخاري ومسلم بألفاظ، ومالك في الموطأ والشافعي عنه من طريقه. (تلخيص الحبير ٣ / ٧٣) .

صَدَقَةَ الْمُلْتَقِطِ طَلَبًا لِثَوَابِ اللَّهِ تَعَالَى، جَازَ بِالاِتِّفَاقِ. قَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِمَنْ أَتَاهُ مُسْتَفْسِرًا عَمَّا يَتَصَرَّفُ بِهِ فِي اللُّقَطَةِ الَّتِي فِي يَدِهِ: أَلاَ أُخْبِرُكَ بِخَيْرِ سَبِيلِهَا؟ تَصَدَّقْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَاخْتَارَ الْمَال غَرِمْتَ لَهُ وَكَانَ الأَْجْرُ لَكَ، وَإِنِ اخْتَارَ الأَْجْرَ كَانَ لَهُ، وَلَكَ مَا نَوَيْتَ (١) وَمَفْهُومُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْمُلْتَقِطَ إِذَا تَصَرَّفَ أَيَّ تَصَرُّفٍ فِيهَا يَكُونُ مُتَعَدِّيًا وَيُعْتَبَرُ ضَامِنًا. (٢) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ " لُقَطَة ".

صِيغَةُ الإِْجَازَةِ:

مِنِ اسْتِقْرَاءِ كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ نَجِدُ أَنَّ الإِْجَازَةَ تَتَحَقَّقُ بِطَرَائِقَ مُتَعَدِّدَةٍ. وَهِيَ خَمْسَةٌ فِي الْجُمْلَةِ:

الطَّرِيقَةُ الأُْولَى: الْقَوْل

١٥ - الأَْصْل فِي الإِْجَازَةِ أَنْ تَكُونَ بِالْقَوْل الْمُعَبِّرِ عَنْهَا بِنَحْوِ قَوْل الْمُجِيزِ: أَجَزْتُ، وَأَنْفَذْتُ، وَأَمْضَيْتُ، وَرَضِيتُ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. (٣)

_________

(١) أثر عمر بن الخطاب ﵁: " ألا أخبرك بخير سبيلها. . . " رواه عبد الرزاق في مصنفه ١٠ / ١٣٩، والمحلى لابن حزم ٨ / ٢٥٨، ٢٥٩، ٢٦٦

(٢) الحطاب ٥ / ٧٢ ط ليبيا، ومنح الجليل ٣ / ١٧٩، ٠ ١٨، والحطاب والمواق ٦ / ٧٤، وحاشية القليوبي ٢ / ٣٧٠ ط مصطفى الحلبي، والأم ٤ / ٦٨، والقواعد لابن رجب ٢٠٦، والمغني ٥ / ٦٩٨ - ٧٠٢ ط الرياض، وحاشية ابن عابدين ٥ / ١٢٦، وحاشية الطحطاوي على الدر ٢ / ١٠٩ ط بيروت، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٤٤٣ ط بولاق ١٢٩٩

(٣) ابن عابدين ٤ / ١٤١

وَإِذَا وَقَعَتِ الإِْجَازَةُ بِلَفْظٍ يُمْكِنُ أَنْ يُعَبَّرَ بِهِ عَنْهَا كَمَا يُمْكِنُ أَنْ يُعَبَّرَ بِهِ عَنْ غَيْرِهَا، فَالاِحْتِكَامُ فِي ذَلِكَ إِلَى قَرَائِنِ الأَْحْوَال. فَإِنِ انْعَدَمَتْ قَرَائِنُ الأَْحْوَال حُمِل الْكَلاَمُ عَلَى حَقِيقَتِهِ. (١)

وَتَقُومُ الْكِتَابَةُ أَوِ الإِْشَارَةُ الْمُفْهِمَةُ مَقَامَ الْقَوْل عِنْدَ الْعَجْزِ، عَلَى تَفْصِيلٍ مَوْضِعُهُ الصِّيغَةُ فِي الْعَقْدِ.

الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: الْفِعْل

١٦ - فَكُل مَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ قَبُولًا مِنَ الأَْفْعَال فِي الْعُقُودِ، يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ إِجَازَةً. (٢)

الطَّرِيقَةُ الثَّالِثَةُ:

١٧ - مُضِيُّ الْمُدَّةِ فِي التَّصَرُّفَاتِ الْمَوْقُوتَةِ: كَمُضِيِّ مُدَّةِ الْخِيَارِ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ (٣) (ر: خِيَارُ الشَّرْطِ)

الطَّرِيقَةُ الرَّابِعَةُ:

١٨ - الْقَرَائِنُ الْقَوِيَّةُ: كَتَبَسُّمِ الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ، وَضَحِكِهَا ضَحِكَ سُرُورٍ وَابْتِهَاجٍ، وَسُكُوتِهَا وَقَبْضِهَا مَهْرَهَا، عِنْدَ إِعْلاَمِ وَلِيِّهَا إِيَّاهَا أَنَّهُ زَوَّجَهَا مِنْ فُلاَنٍ، فَإِنَّهَا قَرِينَةٌ قَوِيَّةٌ عَلَى إِجَازَتِهَا، بِخِلاَفِ بُكَائِهَا بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ وَوَلْوَلَتِهَا، فَهِيَ قَرِينَةٌ عَلَى الرَّفْضِ. (٤)

وَمِنَ الْقَرَائِنِ الْقَوِيَّةِ السُّكُوتُ فِي مَوْطِنِ الْحَاجَةِ إِلَى الإِْبْطَال، كَسُكُوتِ صَاحِبِ الْحَاجَةِ عِنْدَ رُؤْيَةِ

_________

(١) الفتاوى الهندية ٣ / ١٥٢، وجامع الفصولين ١ / ٣١٥، وحاشية ابن عابدين ٤ / ١٤١

(٢) حاشية ابن عابدين ٤ / ٧ ط الأولى

(٣) المغني ٣ / ٥٨٦

(٤) الفتاوى الهندية ١ / ٢٨٧ وحاشية ابن عابدين ٣ / ٤٤٥

حَاجَتِهِ يَبِيعُهَا صَغِيرُهُ الْمُمَيِّزُ فِي السُّوقِ (١) وَغَيْرِهَا. (٢)

الطَّرِيقَةُ الْخَامِسَةُ:

١٩ - زَوَال حَالَةٍ أَوْجَبَتْ عَدَمَ نَفَاذِ التَّصَرُّفِ، كَمَا هُوَ الْحَال فِي تَصَرُّفَاتِ الرَّجُل الْمُرْتَدِّ عَنِ الإِْسْلاَمِ مِنْ مُعَاوَضَاتٍ مَالِيَّةٍ كَالْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ، أَوْ تَبَرُّعَاتٍ كَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْوَقْفِ، فَإِنَّ الإِْمَامَ أَبَا حَنِيفَةَ يَعْتَبِرُ سَائِرَ عُقُودِ الْمُرْتَدِّ وَتَصَرُّفَاتِهِ الْمَالِيَّةِ مَوْقُوفَةً غَيْرَ نَافِذَةٍ، فَإِنْ زَالَتْ حَالَةُ الرِّدَّةِ بِعَوْدَتِهِ لِلإِْسْلاَمِ نَفَذَتْ تِلْكَ التَّصَرُّفَاتُ الْمَوْقُوفَةُ، وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِل أَوِ الْتَحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَقَضَى الْقَاضِي بِاعْتِبَارِهِ مُلْتَحِقًا بِهَا، بَطَلَتْ تِلْكَ الْعُقُودُ وَالتَّصَرُّفَاتُ.

٢٠ - وَهَذِهِ الطُّرُقُ الْخَمْسَةُ هِيَ صَرِيحُ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَفْهُومُ مِنْ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ عِنْدَ كَلاَمِهِمْ عَنْ صِيغَةِ عَقْدِ الْبَيْعِ. أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَالأَْصْل عِنْدَهُمْ فِي التَّصَرُّفَاتِ الْقَوْلِيَّةِ الْعِبَارَةُ. وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ الْجَدِيدِ. وَفِي الْمَذْهَبِ الْقَدِيمِ جَوَازُ الاِعْتِمَادِ عَلَى الْمُعَاطَاةِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا، وَهُوَ اخْتِيَارُ النَّوَوِيِّ وَجَمَاعَةٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ فِي النَّفِيسِ أَمِ الْخَسِيسِ وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ جَوَازَ ذَلِكَ فِي الْخَسِيسِ فَقَطْ. وَعَلَيْهِ فَتَكُونُ الإِْجَازَةُ عِنْدَهُمْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ بِالْعِبَارَةِ دُونَ غَيْرِهَا.

_________

(١) مسلم الثبوت ٢ / ٤٤، وحاشية الدسوقي ٣ / ١٢، و٢٩٤ ط دار الفكر، وشرح الزرقاني ٦ / ١٩

(٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم ١ / ١٨٥، بحاشية الحموي طبع المطبعة العامرة، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٤٤٥، والأشباه والنظائر للسيوطي ١ / ١٢٧ ط مصطفى محمد. وقد أفاض كل من ابن نجيم والسيوطي في كتابيهما الأشباه والنظائر في ذكر المسائل التي يعتبر فيها السكوت إجازة وإقرارا.

وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَالْمَأْخُوذُ مِنْ فُرُوعِهِمْ جَوَازُ ذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ.

وَلِلْفُقَهَاءِ فِي تَصَرُّفَاتِ الْمُرْتَدِّ وَكَوْنِهَا مَوْقُوفَةً أَوْ نَافِذَةً تَفْصِيلٌ حَاصِلُهُ أَنَّهَا مَوْقُوفَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالْحَنَابِلَةِ وَرَأْيٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، فَإِنْ عَادَ إِلَى الإِْسْلاَمِ نَفَذَتْ تَصَرُّفَاتُهُ بِإِجَازَةِ الشَّارِعِ. وَالصَّاحِبَانِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي رَأْيٍ عِنْدَهُمْ أَنَّ تَصَرُّفَاتِهِ نَافِذَةٌ. وَمَبْنَى هَذَا الْخِلاَفِ أَنَّ مَنْ قَال بِنَفَاذِ تَصَرُّفَاتِهِ قَال: إِنَّهُ أَهْلٌ لِلتَّصَرُّفِ وَقَدْ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ وَلَمْ يُوجَدْ سَبَبٌ مُزِيلٌ لِلْمِلْكِ، وَأَنَّ كُل مَا يَسْتَحِقُّهُ هُوَ الْقَتْل. أَمَّا الْوَجْهُ الآْخَرُ فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّهُ بِالرِّدَّةِ صَارَ مُهْدَرَ الدَّمِ وَمَالُهُ تَبَعٌ لَهُ، وَيُتَرَيَّثُ حَتَّى يَسْتَبِينَ أَمْرُهُ. (١)

آثَارُ الإِْجَازَةِ:

٢١ - الإِْجَازَةُ يَظْهَرُ أَثَرُهَا مِنْ حِينِ إِنْشَاءِ التَّصَرُّفِ. وَلِذَا اشْتَهَرَ مِنْ أَقْوَال الْفُقَهَاءِ الإِْجَازَةُ اللاَّحِقَةُ كَالإِْذْنِ السَّابِقِ. (٢) وَيُبْنَى عَلَى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ التَّطْبِيقَاتِ الْعَمَلِيَّةِ عِنْدَهُمْ، نَذْكُرُ مِنْهَا:

١ - أَنَّ الْمُجِيزَ يُطَالِبُ الْمُبَاشِرَ بِالثَّمَنِ بَعْدَ الإِْجَازَةِ إِنْ كَانَ التَّصَرُّفُ بَيْعًا، وَلاَ يُطَالِبُ الْمُشْتَرِي لأَِنَّ الْمُبَاشِرَ - وَهُوَ الْفُضُولِيُّ - قَدْ صَارَ بِالإِْجَازَةِ وَكِيلًا. (٣)

_________

(١) ابن عابدين ٣ / ٣٠١، والمبسوط ١٠ / ١٠٤، ومنح الجليل ٤ / ٤٦٩، والدسوقي ٣ / ٣، والأم ٦ / ١٥١، وحاشية الجمل ٣ / ١١٧ - ١١٩، ٤ / ٥٠، ومنتهى الإرادات ٢ / ٥٠٣، والمغني ٦ / ٤٧٦ ط الرياض، ٤ / ١٠ ط المنار، وزوائد الكافي ص ٨٦

(٢) حاشية ابن عابدين ٤ / ١٤٠، وحاشية الدسوقي ٣ / ١٢، والمغني ٥ / ٢٤٩ ط الأولى ٥ / ٢٥٠، وحاشية الجمل ٣ / ١١٧

(٣) حاشية الدسوقي ٣ / ١٢، وحاشية ابن عابدين ٤ / ١٤٠

٢ - إِذَا بَاعَ الْفُضُولِيُّ مِلْكَ غَيْرِهِ ثُمَّ أَجَازَ الْمَالِكُ الْبَيْعَ يَثْبُتُ الْبَيْعُ وَالْحَطُّ سَوَاءٌ عَلِمَ الْمَالِكُ الْحَطَّ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ إِلاَّ أَنَّهُ بِالْحَطِّ بَعْدَ الإِْجَازَةِ يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ. (١)

٣ - إِذَا تَعَدَّدَتْ التَّصَرُّفَاتُ وَأَجَازَ الْمَالِكُ أَحَدَهَا أَجَازَ الْعَقْدَ الَّذِي أَجَازَهُ خَاصَّةً، فَلَوْ بَاعَ الْغَاصِبُ الْعَيْنَ الْمَغْصُوبَةَ ثُمَّ بَاعَهَا الْمُشْتَرِي أَوْ أَجَّرَهَا أَوْ رَهَنَهَا وَتَدَاوَلَتْهَا الأَْيْدِي فَأَجَازَ مَالِكُهَا أَحَدَ هَذِهِ الْعُقُودِ، جَازَ الْعَقْدُ الَّذِي أَجَازَهُ خَاصَّةً لِتَوَقُّفِ كُلِّهَا عَلَى الإِْجَازَةِ، فَإِذَا أَجَازَ عَقْدًا مِنْهَا جَازَ ذَلِكَ خَاصَّةً (٢) وَلَمْ نَعْثُرْ لِغَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا.

رَفْضُ الإِْجَازَةِ:

٢٢ - يَحِقُّ لِمَنْ لَهُ الإِْجَازَةُ أَنْ يَرُدَّ التَّصَرُّفَ الْمُتَوَقِّفَ عَلَيْهَا، وَإِذَا رَدَّهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُجِيزَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لأَِنَّهُ بِالرَّدِّ أَصْبَحَ التَّصَرُّفُ بَاطِلًا. (٣)

الرُّجُوعُ عَنِ الإِْجَازَةِ:

٢٣ - إِذَا أَجَازَ مَنْ لَهُ الإِْجَازَةُ التَّصَرُّفَ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنِ الإِْجَازَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَمَنْ سَمِعَ أَنَّ فُضُولِيًّا بَاعَ مِلْكَهُ فَأَجَازَ وَلَمْ يَعْلَمْ مِقْدَارَ الثَّمَنِ، فَلَمَّا عَلِمَ رَدَّ الْبَيْعَ، فَالْبَيْعُ قَدْ لَزِمَ، وَلاَ عِبْرَةَ لِرَدِّهِ لِصَيْرُورَةِ الْبَائِعِ الْمُبَاشِرِ لِلْبَيْعِ - وَهُوَ الْفُضُولِيُّ هُنَا - كَالْوَكِيل (٤) .

_________

(١) جامع الفصولين ١ / ٣١٥، والبحر الرائق ٦ / ١٦١

(٢) هكذا في جامع الفصولين ٢ / ٦٦ ط الأميرية ولعل هذا من قبيل إنشاء عقد جديد في صورة إجازة.

(٣) الفصولين ١ / ٣٢٤، وحاشية ابن عابدين ٤ / ١٤١

(٤) حاشية الدسوقي ٤ / ١٣، والمغني ٤ / ٩٥

ثَانِيًا: الإِْجَازَةُ بِمَعْنَى الإِْعْطَاءِ

٢٤ - الإِْجَازَةُ بِمَعْنَى الإِْعْطَاءِ. وَهِيَ بِمَعْنَى الْعَطِيَّةِ مِنْ حَاكِمٍ أَوْ ذِي شَأْنٍ كَمُكَافَأَةٍ عَلَى عَمَلٍ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ هِبَة.

ثَالِثًا: الإِْجَازَةُ بِمَعْنَى الإِْذْنِ بِالإِْفْتَاءِ أَوِ التَّدْرِيسِ

٢٥ - أَمَّا الإِْجَازَةُ بِمَعْنَى الإِْفْتَاءِ أَوِ التَّدْرِيسِ، فَلاَ يَحِل إِجَازَةُ أَحَدٍ لِلإِْفْتَاءِ أَوْ تَدْرِيسِ الْعُلُومِ الدِّينِيَّةِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالآْثَارِ وَوُجُوهِ الْفِقْهِ وَاجْتِهَادِ الرَّأْيِ، عَدْلًا مَوْثُوقًا بِهِ. (١)

رَابِعًا: الإِْجَازَةُ بِمَعْنَى الإِْذْنِ فِي الرِّوَايَةِ

٢٦ - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ بِالإِْجَازَةِ وَالْعَمَل بِهِ، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى الْمَنْعِ وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي طَاهِرٍ الدَّبَّاسِ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ، وَلَكِنَّ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَمَل وَقَال بِهِ جَمَاهِيرُ أَهْل الْعِلْمِ مِنْ أَهْل الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمُ الْقَوْل بِتَجْوِيزِ الإِْجَازَةِ وَإِبَاحَةِ الرِّوَايَةِ بِهَا، وَوُجُوبِ الْعَمَل بِالْمَرْوِيِّ بِهَا.

٢٧ - وَتُسْتَحْسَنُ الإِْجَازَةُ بِرِوَايَةِ الْحَدِيثِ إِذَا كَانَ الْمُجِيزُ عَالِمًا بِمَا يُجِيزُ، وَالْمُجَازُ لَهُ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ؛ لأَِنَّهَا تَوَسُّعٌ وَتَرْخِيصٌ يَتَأَهَّل لَهُ أَهْل الْعِلْمِ لِمَسِيسِ حَاجَتِهِمْ إِلَيْهَا، وَبَالَغَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ فَجَعَلَهُ شَرْطًا فِيهَا، وَقَدْ حَكَى ذَلِكَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْوَلِيدُ بْنُ بَكْرٍ الْمَالِكِيُّ عَنِ الإِْمَامِ مَالِكٍ ﵀.

_________

(١) عقود رسم المفتي أشار إليه كتاب قواعد الفقه. محمد السيد عميم الإحسان ص ٥٦٦