الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١
الْكُل، كَصَلاَةِ الْجِنَازَةِ. (١)
ب - تَرْكُ الْوَاجِبِ: إِذَا اعْتُبِرَ مُرَادِفًا لِلْفَرْضِ فَهُوَ مِثْلُهُ فِي الْحُكْمِ.
وَأَمَّا إِنِ اعْتُبِرَ غَيْرَ مُرَادِفٍ لِلْفَرْضِ - وَهُوَ صَنِيعُ الْحَنَفِيَّةِ - فَإِنَّهُ يَأْثَمُ الْفَرْدُ - وَكَذَلِكَ الْجَمَاعَةُ - بِتَرْكِهِ إِثْمًا لَيْسَ كَإِثْمِ تَرْكِ الْفَرْضِ. (٢)
ج - تَرْكُ السُّنَنِ إِذَا كَانَتْ مِنَ الشَّعَائِرِ:
إِذَا كَانَتِ السُّنَّةُ الْمُؤَكَّدَةُ مِنَ الشَّعَائِرِ الدِّينِيَّةِ، كَالأَْذَانِ وَالْجَمَاعَةِ فَتَرْكُهُ يَسْتَلْزِمُ الإِْثْمَ عَلَى الْجَمَاعَةِ فِي الْجُمْلَةِ. وَكَذَلِكَ الاِلْتِزَامُ بِتَرْكِ السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ مُوجِبٌ لِلإِْثْمِ عِنْدَ الْبَعْضِ. وَالْحَقُّ أَنَّ تَرْكَ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ وَالسُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كُلُّهُ يَرْجِعُ إِلَى الْحَرَامِ. (٣)
د - فِعْل الْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهِ:
فِعْل الْحَرَامِ مُوجِبٌ لِلإِْثْمِ. أَمَّا الْمَكْرُوهُ فَإِذَا كَانَ مَكْرُوهًا كَرَاهَةً تَحْرِيمِيَّةً يَأْثَمُ فَاعِلُهُ. أَمَّا إِذَا كَانَ مَكْرُوهًا كَرَاهَةً تَنْزِيهِيَّةً، فَلاَ يَأْثَمُ فَاعِلُهُ. (٤)
تَرْكُ الْمُبَاحِ أَوْ فِعْلُهُ:
٤ - لاَ يَلْزَمُ مِنْ فِعْل الْمُبَاحِ أَوْ تَرْكُهُ إِثْمٌ وَلاَ كَرَاهَةٌ، مِثْل الْعَمَل بِالْقِرَاضِ وَالْمُسَاقَاةِ.
الإِْثْمُ وَعَوَارِضُ الأَْهْلِيَّةِ:
٥ - تَعَلُّقُ الإِْثْمِ بِأَفْعَال الْمُكْرَهِ وَالنَّاسِي وَالْمُخْطِئِ
_________
(١) شرح مسلم الثبوت ١ / ٦٣ ط دار صادر.
(٢) الموافقات للشاطبي ١ / ١٣٣ دار المعرفة.
(٣) الموافقات ١ / ١٣٢، ١٣٧.
(٤) الموافقات ١ / ١٣٣.
وَالسَّكْرَانِ فِيهِ تَفْصِيلٌ وَاخْتِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَيُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مَوَاطِنِهِ. (١)
الإِْثْمُ وَالْحُدُودُ:
٦ - قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: الْحُدُودُ لاَ تُذْهِبُ الآْثَامَ (الْعُقُوبَةَ الأُْخْرَوِيَّةَ) وَلاَ تَكُونُ مُطَهِّرَةً، وَقَال الشَّافِعِيُّ: هِيَ مُطَهِّرَةٌ لِلْمُسْلِمِ، وَغَيْرُ مُطَهِّرَةٍ لِلْكَافِرِ (٢) .
إِجَابَة
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْجَابَةُ فِي اللُّغَةِ: رَجْعُ الْكَلاَمِ.
وَالإِْجَابَةُ وَالاِسْتِجَابَةُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، تَقُول: أَجَابَهُ عَنْ سُؤَالِهِ وَاسْتَجَابَ لَهُ: إِذَا دَعَاهُ إِلَى شَيْءٍ فَأَطَاعَ، وَأَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ: قَبِلَهُ، وَاسْتَجَابَ لَهُ كَذَلِكَ.
وَجَوَابُ الْقَوْل قَدْ يَتَضَمَّنُ إِقْرَارَهُ، وَقَدْ يَتَضَمَّنُ إِبْطَالَهُ، وَلاَ يُسَمَّى جَوَابًا إِلاَّ بَعْدَ الطَّلَبِ. (٣)
_________
(١) شرح مسلم الثبوت ١ / ١٦٨، ١٧٠، ٢٩٥ وابن عابدين ٣ / ١٦٥، والقليوبي وعميرة ٢ / ١٥٥، ١٩٦ ط مصطفى الحلبي، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٩٥ نشر عباس شقرون، والمغني ط الأولى ٨ / ٢٥٧
(٢) ابن عابدين ٣ / ١٤٠، والمغني ١٠ / ١٣٢، والبجيرمي على شرح الخطيب ٤ / ١٤٠ ط دار المعرفة، وجواهر الإكليل ١ / ١١٤، والفروق ١ / ٢١٥ دار إحياء الكتب العربية.
(٣) لسان العرب، والمصباح المنير، والمفردات للأصفهاني (جوب)
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لَهُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
وَالإِْجَابَةُ قَدْ تَكُونُ بِالْفِعْل، كَإِجَابَةِ الدَّعْوَةِ إِلَى الْوَلِيمَةِ، وَقَدْ تَكُونُ بِالْقَوْل، سَوَاءٌ كَانَتْ بِجُمْلَةٍ كَرَدِّ السَّلاَمِ، أَمْ بِحَرْفِ الْجَوَابِ فَقَطْ كَنَعَمْ وَبَلَى، حَيْثُ يُؤْخَذُ بِهِ فِي الأَْحْكَامِ.
وَقَدْ تَكُونُ بِالإِْشَارَةِ الْمَفْهُومَةِ.
وَقَدْ يُعْتَبَرُ السُّكُوتُ إِجَابَةً كَسُكُوتِ الْبِكْرِ عِنْدَ اسْتِئْذَانِهَا فِي النِّكَاحِ. (١)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
٢ - الإِْغَاثَةُ هِيَ: الإِْعَانَةُ وَالنُّصْرَةُ (٢) . وَالإِْجَابَةُ قَدْ تَكُونُ إِعَانَةً وَقَدْ لاَ تَكُونُ.
وَالإِْجَابَةُ لاَ بُدَّ أَنْ يَسْبِقَهَا طَلَبٌ، أَمَّا الإِْغَاثَةُ فَقَدْ تَكُونُ بِلاَ طَلَبٍ.
وَالْقَبُول هُوَ التَّصْدِيقُ وَالرِّضَا، أَمَّا الإِْجَابَةُ فَقَدْ تَكُونُ تَصْدِيقًا وَرِضًا وَقَدْ لاَ تَكُونُ (٣) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلإِْجَابَةِ بِحَسَبِ الأَْمْرِ الْمَطْلُوبِ.
فَالإِْجَابَةُ إِلَى دَعْوَةِ الإِْسْلاَمِ، وَالْعَمَل بِمَا خُوطِبَ بِهِ الإِْنْسَانُ مِنْ فَرَائِضِ الدِّينِ، وَإِجَابَةِ الأَْمِيرِ لِلْجِهَادِ،
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٢٦٥ ط بولاق ط الأولى، غاية المحتاج ٨ / ٤٧ ط مصطفى الحلبي، والمغني ٥ / ٣٤٨ ط المنار، وكفاية الطالب الرباني ٢ / ٣٤ ط مصطفى الحلبي.
(٢) المصباح المنير.
(٣) المصباح المنير.
أُمُورٌ وَاجِبَةٌ بِلاَ خِلاَفٍ. (١)
وَمَا كَانَ لِدَفْعِ ضَرَرٍ عَنِ الْغَيْرِ، كَإِجَابَةِ الْمُسْتَغِيثِ، فَإِجَابَتُهُ أَمْرٌ وَاجِبٌ بِاتِّفَاقٍ، حَتَّى إِنَّ الصَّلاَةَ تُقْطَعُ لإِجَابَتِهِ. (٢)
وَمَا كَانَ لِقَطْعِ الْخُصُومَةِ وَالْمُنَازَعَةِ، كَإِجَابَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَمَامَ الْقَاضِي، وَكَالإِْجَابَةِ فِي تَحَمُّل الشَّهَادَةِ، فَهُوَ وَاجِبٌ بِاتِّفَاقٍ. (٣)
وَقَدْ تَكُونُ الإِْجَابَةُ مُسْتَحَبَّةً كَإِجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ (٤) وَهِيَ أَنْ تَقُول مِثْل مَا يَقُول.
وَقَدْ تَكُونُ الإِْجَابَةُ مُحَرَّمَةً كَالإِْجَابَةِ لِلْمَعْصِيَةِ. (٥)
أَمَّا الإِْجَابَةُ فِي الْعُقُودِ فَهِيَ مَا قَابَلَتِ الإِْيجَابَ (٦) . وَتُسَمَّى فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ بِالْقَبُول.
وَأَمَّا الإِْجَابَةُ مِنَ اللَّهِ ﷾ فَهِيَ الْقَبُول الَّذِي يَرْجُوهُ الإِْنْسَانُ مِنَ اللَّهِ بِدُعَائِهِ وَعَمَلِهِ. (٧)
_________
(١) القرطبي ٧ / ٣٨٩، ٩ / ٣٠٦ وما بعدها ط دار الكتب المصرية، وكفاية الطالب الرباني ٢ / ٣١٥، وبدائع الصنائع ٧ / ١٠٠، ١٣٥، ١٤٠، ط الجمالية، والمهذب ٢ / ٢٣١ ط عيسى الحلبي، وابن عابدين ١ / ٥٥٣، والمغني ٢ / ١٤٥
(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٤٧٨، ومنح الجليل ١ / ٨٧ نشر طرابلس ليبيا.
(٣» البدائع ٢٢٤ / ٦، وكفاية الطالب ٢٧١ / ٢، والقليوبي ٤ / ٣٢١، ٣٣٠ ط مصطفى الحلبي، والمغني ٩ / ٨٦، ١٤٦
(٤) ابن عابدين ١ / ٢٦٥، والشرح الصغير ١ / ٨٧ ط الحلبي، والمهذب ١ / ٥٨
(٥) تنبيه الغافلين ص ٢١٦ - ٢٢٠ ط الجمالية، والفروق للقرافي ١ / ٧٩ ط دار إحياء الكتب العربية، وكفاية الطالب ٢ / ٣٢٨ - ٣٣٤
(٦) البدائع ٧ / ٣٣٣، ومنح الجليل ٢ / ٤٦٤
(٧) تنبيه الغافلين ص ١٤٥، ١٤٦، وابن عابدين ١ / ٥٥٤
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٤ - لِلإِْجَابَةِ أَحْكَامٌ مُتَعَدِّدَةٌ مُفَصَّلَةٌ فِي مَوَاطِنِهَا، وَمِنْ ذَلِكَ: إِجَابَةُ الْوَلِيمَةِ فِي بَابِ النِّكَاحِ، وَإِجَابَةُ الْوَالِدَيْنِ فِي بَابِ الْجِهَادِ، وَفِي بَابِ الصَّلاَةِ، وَرَدُّ السَّلاَمِ أَثْنَاءَ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ، وَالسَّعْيُ لِنِدَاءِ الْجُمُعَةِ وَالإِْجَابَةُ (الْقَبُول) فِي الْعُقُودِ، كَالْوَصِيَّةِ وَالْبَيْعِ (١) وَغَيْرِ ذَلِكَ.
إِجَارَة
تَعْرِيفُ الإِْجَارَةِ:
١ - الإِْجَارَةُ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِلأُْجْرَةِ، وَهِيَ كِرَاءُ الأَْجِيرِ (٢) وَهِيَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ. وَحُكِيَ الضَّمُّ بِمَعْنَى الْمَأْخُوذِ وَهُوَ عِوَضُ الْعَمَل، وَنُقِل الْفَتْحُ أَيْضًا، فَهِيَ مُثَلَّثَةٌ، لَكِنْ نُقِل عَنْ الْمُبَرِّدِ أَنَّهُ يُقَال: أَجَّرَ وَآجَرَ إِجَارًا وَإِجَارَةً. وَعَلَيْهِ فَتَكُونُ مَصْدَرًا، وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْمُنَاسِبُ لِلْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيِّ. (٣)
٢ - وَعَرَّفَهَا الْفُقَهَاءُ بِأَنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ عَلَى تَمْلِيكِ مَنْفَعَةٍ بِعِوَضٍ. (٤)
وَيَخُصُّ الْمَالِكِيَّةُ غَالِبًا لَفْظَ الإِْجَارَةِ بِالْعَقْدِ عَلَى
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ٢٢١، ١ / ٤٧٨، وكفاية الطالب ٢ / ٣٧٨، المغني ٢ / ١٤٥، والبدائع ٦ / ٣٣٣
(٢) المغرب، ومقاييس اللغة مادة (آجر)
(٣) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢ ط بولاق.
(٤) كشف الحقائق ٢ / ١٥١ ط ١٣٢٢ هـ، والمبسوط ١٥ / ٧٤ ط الأولى، والأم ٣ / ٢٥٠ ط الأولى ١٣٢١ هـ، والمغني المطبوع معه الشرح الكبير ٦ / ٣ ط المنار ١٣٤٧ هـ الشرح الصغير على أقرب المسالك ٤ / ٥.
مَنَافِعِ الآْدَمِيِّ، وَمَا يَقْبَل الاِنْتِقَال غَيْرَ السُّفُنِ وَالْحَيَوَانِ، وَيُطْلِقُونَ عَلَى الْعَقْدِ عَلَى مَنَافِعِ الأَْرَاضِي وَالدُّورِ وَالسُّفُنِ وَالْحَيَوَانَاتِ لَفْظَ كِرَاءٍ، فَقَالُوا: الإِْجَارَةُ وَالْكِرَاءُ شَيْءٌ وَاحِدٌ فِي الْمَعْنَى (١) .
٣ - وَمَا دَامَتِ الإِْجَارَةُ عَقْدَ مُعَاوَضَةٍ فَيَجُوزُ لِلْمُؤَجِّرِ اسْتِيفَاءُ الأَْجْرِ قَبْل انْتِفَاعِ الْمُسْتَأْجِرِ، عَلَى التَّفْصِيل الَّذِي سَيَرِدُ فِي مَوْضِعِهِ، كَمَا يَجُوزُ لِلْبَائِعِ اسْتِيفَاءُ الثَّمَنِ قَبْل تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، وَإِذَا عُجِّلَتِ الأُْجْرَةُ تَمَلَّكَهَا الْمُؤَجِّرُ اتِّفَاقًا دُونَ انْتِظَارٍ لاِسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ، عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ.
الإِْجَارَةُ مِنْ حَيْثُ اللُّزُومُ وَعَدَمُهُ:
٤ - الأَْصْل فِي عَقْدِ الإِْجَارَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ اللُّزُومُ، فَلاَ يَمْلِكُ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ الاِنْفِرَادَ بِفَسْخِ الْعَقْدِ إِلاَّ لِمُقْتَضٍ تَنْفَسِخُ بِهِ الْعُقُودُ اللاَّزِمَةُ، مِنْ ظُهُورِ الْعَيْبِ، أَوْ ذَهَابِ مَحَل اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ (٢) . وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٣)
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: يَجُوزُ لِلْمُكْتَرِي فَسْخُ الإِْجَارَةِ لِلْعُذْرِ الطَّارِئِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ مِثْل أَنْ يَسْتَأْجِرَ دُكَّانًا يَتَّجِرُ فِيهِ، فَيَحْتَرِقُ مَتَاعُهُ أَوْ يُسْرَقُ؛ لأَِنَّ طُرُوءَ هَذَا وَأَمْثَالِهِ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ قِيَاسًا عَلَى هَلاَكِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ (٤)، وَحَكَى ابْنُ رُشْدٍ أَنَّهُ عَقْدٌ جَائِزٌ.
_________
(١) الشرح الصغير على أقرب المسالك ٤ / ٥، والشرح الكبير للدردير مع حاشية الدسوقي ٤ / ٢ ط دار الفكر.
(٢) المغني المطبوع معه الشرح الكبير ٦ / ٢٠، وبداية المجتهد ٢ / ٢٥١
(٣) سورة المائدة / ١
(٤) المغني ٦ / ٢٠، ٢١، وبداية المجتهد ٢ / ٢٥١، والفتاوى الهندية ٤ / ٤١٠
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْبَيْعُ:
٥ - مَعَ أَنَّ الإِْجَارَةَ مِنْ قَبِيل الْبَيْعِ فَإِنَّهَا تَتَمَيَّزُ بِأَنَّ مَحَلَّهَا بَيْعُ الْمَنْفَعَةِ لاَ الْعَيْنُ. (١) فِي حِينِ أَنَّ عُقُودَ الْبَيْعِ كُلَّهَا التَّعَاقُدُ فِيهَا عَلَى الْعَيْنِ. كَمَا أَنَّ الإِْجَارَةَ تَقْبَل التَّنْجِيزَ وَالإِْضَافَةَ، بَيْنَمَا الْبُيُوعُ لاَ تَكُونُ إِلاَّ مُنَجَّزَةً. وَالإِْجَارَةُ لاَ يُسْتَوْفَى الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فِيهَا وَهُوَ الْمَنْفَعَةُ دَفْعَةً وَاحِدَةً، أَمَّا فِي الْبُيُوعِ فَيُسْتَوْفَى الْمَبِيعُ دَفْعَةً وَاحِدَةً. كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ كُل مَا يَجُوزُ إِجَارَتُهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ، إِذْ تَجُوزُ إِجَارَةُ الْحُرِّ لأَِنَّ الإِْجَارَةَ فِيهِ عَلَى عَمَلٍ، بَيْنَمَا لاَ يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ.
الإِْعَارَةُ:
٦ - تَفْتَرِقُ الإِْجَارَةُ عَنْ الإِْعَارَةِ فِي أَنَّ الإِْجَارَةَ تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ بِعِوَضٍ، وَأَنَّ الإِْعَارَةَ إِمَّا تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ بِلاَ عِوَضٍ أَوْ إِبَاحَةُ مَنْفَعَةٍ، عَلَى خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ تَفْصِيلُهُ فِي مَوْطِنِهِ.
الْجِعَالَةُ:
٧ - تَفْتَرِقُ الإِْجَارَةُ عَنِ الْجِعَالَةِ فِي أَنَّ الْجِعَالَةَ إِجَارَةٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ مَظْنُونٍ حُصُولُهَا وَلاَ يَنْتَفِعُ الْجَاعِل بِجُزْءٍ مِنْ عَمَل الْعَامِل وَإِنَّمَا بِتَمَامِ الْعَمَل (٢)، وَأَنَّ الْجِعَالَةَ غَيْرُ لاَزِمَةٍ فِي الْجُمْلَةِ.
_________
(١) إذ المعقود عليه المنافع. وهو قول أكثر أهل العلم، منهم مالك وأبو حنيفة وأكثر أصحاب الشافعي. وذكر بعض الشافعية أن المعقود عليه الحين لأنها الموجودة والعقد يضاف إليها. ويدل على أنها المنفعة لا العين أنها المستوفاة بالعقد دون الأعيان، وأن الأجرة في مقابل (المغني ٦ / ٤، ٥ وكشاف القناع ٣٤٥٧ ط أنصار السنة ١٣٦٦ هـ)
(٢) بداية المجتهد ٢ / ٢٥٧ ط ١٣٨٦ هـ
الاِسْتِصْنَاعُ:
٨ - تَفْتَرِقُ الإِْجَارَةُ (فِي الأَْجِيرِ الْمُشْتَرَكِ) عَنِ عَقْدِ الاِسْتِصْنَاعِ (الَّذِي هُوَ بَيْعُ عَيْنٍ شُرِطَ فِيهَا الْعَمَل) فِي أَنَّ الإِْجَارَةَ تَكُونُ الْعَيْنُ فِيهَا مِنَ الْمُسْتَأْجِرِ وَالْعَمَل مِنَ الأَْجِيرِ، أَمَّا الاِسْتِصْنَاعُ فَالْعَيْنُ وَالْعَمَل كِلاَهُمَا مِنَ الصَّانِعِ (الأَْجِيرِ) .
صِفَةُ الإِْجَارَةِ (حُكْمُهَا التَّكْلِيفِيُّ) وَدَلِيلُهُ:
٩ - عَقْدُ الإِْجَارَةِ الأَْصْل فِيهِ أَنَّهُ مَشْرُوعٌ عَلَى سَبِيل الْجَوَازِ. (١)
وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِْجْمَاعُ وَالْمَعْقُول:
أَمَّا الْكِتَابُ فَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ . (٢)
وَمِنَ السُّنَّةِ مَا رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَلْيُعْلِمْهُ أَجْرَهُ، (٣) وَقَوْلُهُ: أَعْطُوا الأَْجِيرَ أَجْرَهُ قَبْل أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ، (٤) وَقَوْلُهُ: ثَلاَثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَدَّ مِنْهُمْ رَجُلًا اسْتَأْجَرَ
_________
(١) المبسوط ١٥ / ٧٤، ٧٥، والبدائع ٤ / ٩٧٤، وبداية المجتهد ٢ / ٢٤٠ ط ١٣٨٦ هـ
(٢) سورة الطلاق / ٦
(٣) حديث: " من استأجر أجيرا. . . " رواه البيهقي عن أبي هريرة في حديث أوله: " لا يساوم الرجل على سوم أخيه " ورواه عن أبي سعيد، وهو منقطع، وتابعه معمر حماد مرسلا، ورواه عبد الرزاق عن أبي هريرة وأبي سعيد، أو أحدهما بلفظ: " من استأجر أجيرا فليسم له أجرته " وهو عند أحمد عن إبراهيم عن أبي سعيد بمعناه. قال الهيثمي: وإبراهيم لم يسمع من أبي سعيد فما أحسب ورواه أبو داود في المراسيل، وهو عند النسائي غير مرفوع.
(٤) أخرجه ابن ماجه في الرهون من سننه.
أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ. (١) وَكَذَلِكَ فِعْلُهُ ﵊ وَتَقْرِيرُهُ.
وَأَمَّا الإِْجْمَاعُ فَإِنَّ الأُْمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى الْعَمَل بِهَا مُنْذُ عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَإِلَى الآْنَ (٢)
وَأَمَّا دَلِيلُهَا مِنَ الْمَعْقُول فَلأَِنَّ الإِْجَارَةَ وَسِيلَةٌ لِلتَّيْسِيرِ عَلَى النَّاسِ فِي الْحُصُول عَلَى مَا يَبْتَغُونَهُ مِنَ الْمَنَافِعِ الَّتِي لاَ مِلْكَ لَهُمْ فِي أَعْيَانِهَا، فَالْحَاجَةُ إِلَى الْمَنَافِعِ كَالْحَاجَةِ إِلَى الأَْعْيَانِ، فَالْفَقِيرُ مُحْتَاجٌ إِلَى مَال الْغَنِيِّ، وَالْغَنِيُّ مُحْتَاجٌ إِلَى عَمَل الْفَقِيرِ. وَمُرَاعَاةُ حَاجَةِ النَّاسِ أَصْلٌ فِي شَرْعِ الْعُقُودِ. فَيُشْرَعُ عَلَى وَجْهٍ تَرْتَفِعُ بِهِ الْحَاجَةُ، وَيَكُونُ مُوَافِقًا لأَِصْل الشَّرْعِ. (٣) وَهَذِهِ هِيَ حِكْمَةُ تَشْرِيعِهَا.
الْفَصْل الثَّانِي
أَرْكَانُ عَقْدِ الإِْجَارَةِ
تَمْهِيدٌ:
١٠ - يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي تَعْدَادِ أَرْكَانِ عَقْدِ الإِْجَارَةِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا: الصِّيغَةُ (الإِْيجَابُ وَالْقَبُول) وَالْعَاقِدَانِ وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ (الْمَنْفَعَةُ وَالأُْجْرَةُ)، وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا الصِّيغَةُ فَقَطْ، وَأَمَّا الْعَاقِدَانِ وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فَأَطْرَافٌ لِلْعَقْدِ وَمِنْ مُقَوِّمَاتِهِ، فَلاَ قِيَامَ لِلْعَقْدِ إِلاَّ بِاجْتِمَاعِ ذَلِكَ كُلِّهِ. فَالْخِلاَفُ لَفْظِيٌّ لاَ ثَمَرَةَ لَهُ.
_________
(١) أخرجه ابن ماجه في " الرهون " والبخاري في " الببوع " و" الإجارة ".
(٢) البدائع ٤ / ١٧٣، ١٧٤، والمبسوط ١٥ / ٧٤، والهداية، وتكملة الفتح ٧ / ١٤٦، ١٤٧ ط بولاق ١٣١٧ هـ، والشرح الصغير ٤ / ٥، ٦، وبداية المجتهد ٢ / ٢٤٠، ونهاية المحتاج ٥ / ٢٥٩ ط ١٣٥٧ هـ، والمغني مع الشرح الكبير ٦ / ٢ ط المنار ١٣٤٧ هـ
(٣) المبسوط ١٥ / ٧٤، ٧٥، والبدائع ٤ / ١٧٤، وبداية المجتهد ٢ / ٢٤٠ ط ١٣٨٦ هـ.
الصِّيغَةُ:
١١ - صِيغَةُ عَقْدِ الإِْجَارَةِ مَا يَتِمُّ بِهَا إِظْهَارُ إِرَادَةِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ مِنْ لَفْظٍ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ، وَذَلِكَ بِإِيجَابٍ يُصْدِرُهُ الْمُمَلِّكُ، وَقَبُولٍ يُصْدِرُهُ الْمُتَمَلِّكُ عَلَى مَا يَرَى الْجُمْهُورُ، فِي حِينِ يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الإِْيجَابَ مَا صَدَرَ أَوَّلًا مِنْ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَالْقَبُول مَا صَدَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الآْخَرِ.
وَتَفْصِيل الْكَلاَمِ فِي الصِّيَغِ مَوْطِنُهُ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ الْعَقْدِ.
١٢ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الإِْجَارَةَ تَنْعَقِدُ بِأَيِّ لَفْظٍ دَالٍّ عَلَيْهَا، كَالاِسْتِئْجَارِ وَالاِكْتِرَاءِ وَالإِْكْرَاءِ. وَتَنْعَقِدُ بِأَعَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ شَهْرًا بِكَذَا؛ لأَِنَّ الْعَارِيَّةَ بِعِوَضٍ إِجَارَةٌ. كَمَا تَنْعَقِدُ بِوَهَبْتُكَ مَنَافِعَهَا شَهْرًا بِكَذَا، وَصَالَحْتُكَ عَلَى أَنْ تَسْكُنَ الدَّارَ لِمُدَّةِ شَهْرٍ بِكَذَا، أَوْ مَلَّكْتُكَ مَنَافِعَ هَذِهِ الدَّارِ سَنَةً بِكَذَا، أَوْ عَوَّضْتُكَ مَنْفَعَةَ هَذِهِ الدَّارِ سَنَةً بِمَنْفَعَةِ دَارِكَ، أَوْ سَلَّمْتُ إِلَيْكَ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ فِي خِيَاطَةِ هَذَا، أَوْ فِي دَابَّةٍ صِفَتُهَا كَذَا، أَوْ فِي حَمْلِي إِلَى مَكَّةَ، فَيَقُول: قَبِلْتُ، (١) مَعَ أَنَّ هَذِهِ الأَْلْفَاظَ لَمْ تُوضَعْ فِي اللُّغَةِ لِذَلِكَ، لَكِنَّهَا أَفَادَتْ فِي هَذَا الْمَقَامِ تَمْلِيكَ الْمَنْفَعَةِ بِعِوَضٍ.
١٣ - وَتَوَسَّعَ الْحَنَابِلَةُ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالُوا: تَنْعَقِدُ الإِْجَارَةُ بِلَفْظِ أَجَّرْتُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ كَالْكِرَاءِ، سَوَاءٌ أَضَافَهُ إِلَى الْعَيْنِ، نَحْوُ أَجَّرْتُكَهَا أَوْ أَكْرَيْتُكَهَا، أَوْ أَضَافَهُ إِلَى النَّفْعِ، نَحْوُ قَوْلِهِ: أَجَّرْتُكَ نَفْعَ هَذِهِ الدَّارِ، أَوْ: مَلَّكْتُكَ نَفْعَهَا. وَتَنْعَقِدُ أَيْضًا بِلَفْظِ بَيْعٍ مُضَافًا إِلَى
_________
(١) الدر المختار شرح تنو ير الأبصار ٥ / ٣ ط بولاق، والفتاوى الهندية ٤ / ٤٠٩، ومواهب الجليل ٥ / ٣٩٠، والشرح الصغير ٤ / ٧، وحاشية الدسوقي ٤ / ٢، ونهاية المحتاج ٥ / ٢٦١ ط ١٣٥٧ هـ