الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١
وَأَمَّا الْمَعْقُول فَلأَِنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَيْهِ. فَإِنَّ مَنْ لَهُ حَقٌّ فِي بَلَدٍ غَيْرِ بَلَدِهِ قَدْ يَشُقُّ عَلَيْهِ السَّفَرُ إِلَيْهِ وَالْمُطَالَبَةُ بِحَقِّهِ إِلاَّ بِكِتَابِ الْقَاضِي، فَوَجَبَ قَبُولُهُ.
وَالْكِتَابُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا:
أَنْ يَكْتُبَ بِمَا حَكَمَ بِهِ، وَذَلِكَ مِثْل أَنْ يَحْكُمَ عَلَى رَجُلٍ بِحَقٍّ فَيَغِيبَ قَبْل إِيفَائِهِ، أَوْ يَدَّعِيَ حَقًّا عَلَى غَائِبٍ، وَيُقِيمَ بِهِ بَيِّنَةً وَيَسْأَل الْحَاكِمَ الْحُكْمَ عَلَيْهِ، فَيَحْكُمَ عَلَيْهِ وَيَسْأَلَهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا يَحْمِلُهُ إِلَى قَاضِي الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْغَائِبُ فَيَكْتُبَ لَهُ إِلَيْهِ، أَوْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ عَلَى حَاضِرٍ فَيَهْرُبَ قَبْل الْحُكْمِ فَيَسْأَل صَاحِبُ الْحَقِّ الْحَاكِمَ الْحُكْمَ عَلَيْهِ وَأَنْ يَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا يَحْمِلُهُ، فَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ الثَّلاَثِ يَلْزَمُ الْحَاكِمَ إِجَابَتُهُ إِلَى الْكِتَابَةِ، وَيَلْزَمُ الْمَكْتُوبَ إِلَيْهِ قَبُولُهُ.
الضَّرْبُ الثَّانِي:
أَنْ يَكْتُبَ بِعِلْمِهِ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ عِنْدَهُ بِحَقٍّ لِفُلاَنٍ، مِثْل أَنْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ عِنْدَهُ بِحَقٍّ لِرَجُلٍ عَلَى آخَرَ وَلَمْ يَحْكُمْ بِهِ، فَيَسْأَلُهُ صَاحِبُ الْحَقِّ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا بِمَا حَصَل عِنْدَهُ. فَإِنَّهُ يَكْتُبُ لَهُ وَيَذْكُرُ فِي الْكِتَابِ مَا شَهِدَ بِهِ الشَّاهِدَانِ لِيَقْضِيَ بِشَهَادَتِهِمَا الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ لَهُ. فَيَجِبُ عَلَى الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ بِذَلِكَ إِذَا تَوَافَرَتْ شُرُوطُ قَبُولِهِ.
مَحَل الْقَضَاءِ بِكِتَابِ الْقَاضِي وَشُرُوطُهُ:
٣٣ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ فِي جَوَازِ الْقَضَاءِ بِكِتَابِ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي فِي الْجُمْلَةِ، غَيْرَ أَنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِيمَا يَكْتُبُ فِيهِ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي، وَفِي الشُّرُوطِ الْوَاجِبِ تَحَقُّقُهَا فِي الْكِتَابِ. فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: يُقْبَل كِتَابُ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي
فِي غَيْرِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ يَجُوزُ الْقَضَاءُ بِكِتَابِ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي فِي الأَْمْوَال وَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ، وَكُل مَا هُوَ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يُقْبَل كِتَابُ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي فِي الْمَال وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَال، كَالْقَرْضِ وَالْغَصْبِ، وَلاَ يُقْبَل فِي حَدٍّ لِلَّهِ تَعَالَى. وَهَل يُقْبَل فِيمَا عَدَا ذَلِكَ، مِثْل الْقِصَاصِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلاَقِ وَالْخُلْعِ وَالنَّسَبِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. فَأَمَّا حَدُّ الْقَذْفِ فَإِنْ قِيل: إِنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، فَلاَ يُقْبَل فِيهِ، وَإِنْ قِيل: إِنَّهُ حَقُّ الآْدَمِيِّ، فَهُوَ كَالْقِصَاصِ.
وَفِي كُل مَذْهَبٍ تَفْصِيلاَتٌ وَشُرُوطٌ:
فَمِنْهُمْ مَنْ يَشْتَرِطُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْقَاضِي الْكَاتِبِ وَالْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ مَسَافَةُ قَصْرٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَكْتُوبُ بِهِ حُكْمًا أَمْ شَهَادَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ لاَ يَشْتَرِطُ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْتَرِطُ الْمَسَافَةَ فِي الْكِتَابَةِ بِالشَّهَادَةِ دُونَ الْحُكْمِ.
وَيَشْتَرِطُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ الْكَاتِبِ وَالْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ عَلَى وِلاَيَةِ الْقَضَاءِ حِينَ الْكِتَابَةِ وَحِينَ الْحُكْمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْتَرِطُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ عَلَى الْوِلاَيَةِ حِينَ الْكِتَابَةِ فَقَطْ.
وَمِثْل كِتَابِ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي: أَنْ يَكُونَ الْقَاضِيَانِ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ، وَيُؤَدِّي أَحَدُهُمَا إِلَى الآْخَرِ مُشَافَهَةً. (١)
_________
(١) ابن عابدين ٤ / ٥٤٤، والخرشي ٥ / ١٧٠ ط العامرة ونهاية المحتاج ٨ / ٢٥٩ ط الإسلامية، والمغني ١١ / ٤٦٧ وما بعدها، والبدائع ٧ / ٧، ومعين الحكام ١٤٦، والرهوني على الزرقاني ٧ / ٣٤٤ ط أولى، وأسنى المطالب ٤ / ٣١٨ ط الميمنية
وَكُل مَا يَتَعَلَّقُ بِكِتَابِ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي مِنْ شُرُوطٍ وَغَيْرِهَا إِجْرَاءَاتٌ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الأَْزْمَانِ وَالأَْعْرَافِ. وَقَدْ وَضَعَ الْفُقَهَاءُ الْقَوَاعِدَ وَالشُّرُوطَ بِحَسَبِ مَا رَأَوْهُ مُنَاسِبًا فِي أَزْمِنَتِهِمْ. وَقِوَامُ الأَْمْرِ فِي ذَلِكَ هُوَ الاِسْتِيثَاقُ مِنْ أَنَّ الْمَكْتُوبَ صَادِرٌ مِنْ قَاضٍ مُخْتَصٍّ بِكِتَابَةِ مَا كَتَبَ.
وَقَدْ تَغَيَّرَتِ الإِْجْرَاءَاتُ وَالأَْعْرَافُ وَتَضَمَّنَتْ قَوَانِينُ الْمُرَافَعَاتِ فِي الْعُصُورِ الْحَدِيثَةِ إِجْرَاءَاتٍ تَعُودُ كُلُّهَا إِلَى الضَّبْطِ وَالاِسْتِيثَاقِ، وَلاَ تُنَافِي نَصًّا وَلاَ حُكْمًا فِقْهِيًّا، وَمِنْ ثَمَّ فَلاَ بَأْسَ مِنْ تَطْبِيقِهَا وَالْعَمَل بِهَا.
حُجِّيَّةُ الْخَطِّ وَالْخَتْمِ:
٣٤ - مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَوَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَأَحَدُ أَقْوَالٍ ثَلاَثَةٍ لِلإِْمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُعْمَل بِالْخَطِّ إِذَا وُثِقَ بِهِ وَلَمْ تُوجَدْ فِيهِ رِيبَةٌ مِنْ مَحْوٍ أَوْ كَشْطٍ أَوْ تَغْيِيرٍ، وَذَلِكَ فِي الأَْمْوَال وَمَا يُشْبِهُهَا مِمَّا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبْهَةِ، كَالطَّلاَقِ وَالنِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ. وَهَذَا فِي الْمُعَامَلاَتِ بَيْنَ النَّاسِ.
أَمَّا مَا يَجِدُهُ الْقَاضِي فِي السِّجِلاَّتِ السَّابِقَةِ عَلَى تَوَلِّيهِ فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ، وَأَحَدُ أَقْوَالٍ ثَلاَثَةٍ لِلإِْمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يَعْمَل بِمَا فِيهَا إِذَا انْتَفَتِ الرِّيبَةُ.
وَبِالنِّسْبَةِ لِمَا وَجَدَ فِي السِّجِلاَّتِ الَّتِي تَمَّتْ فِي عَهْدِهِ فَالْفُقَهَاءُ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ إِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ خَطُّهُ، وَذَكَرَ الْحَادِثَةَ، فَإِنَّهُ يَعْمَل بِهِ وَيَنْفُذُ. وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا إِذَا أَنْكَرَ السَّنَدَ مَنْ يُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا فِيهِ.
وَمِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ يَرَى أَنَّهُ إِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ خَطُّهُ يَعْمَل بِهِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ الْحَادِثَةَ، (١)
وَمَنْ يَتَتَبَّعْ أَقْوَال الْفُقَهَاءِ جَمِيعًا فِي حُجِّيَّةِ الْخَطِّ وَالْخَتْمِ يَتَبَيَّنْ لَهُ أَنَّ الْمُعَوَّل عَلَيْهِ هُوَ الاِسْتِيثَاقُ مِنْ صِحَّةِ الْكِتَابَةِ، وَعَدَمِ وُجُودِ شُبْهَةٍ فِيهَا، فَإِنِ انْتَفَتْ عَمِل بِهَا وَنَفَذَتْ، وَإِلاَّ فَلاَ.
وَقَدِ اسْتُحْدِثَتْ نُظُمٌ وَآلاَتٌ يُمْكِنُ بِوَاسِطَتِهَا اكْتِشَافُ التَّزْوِيرِ فِي الْمُسْتَنَدَاتِ. فَإِنْ طُعِنَ عَلَى سَنَدٍ مَا بِالتَّزْوِيرِ أَمْكَنَ التَّحْقِيقُ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا مَا تَجْرِي عَلَيْهِ الْمُحَاكِمُ الآْنَ. وَلَيْسَ فِي قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ مَا يَمْنَعُ مِنْ تَطْبِيقِ النُّظُمِ الْحَدِيثَةِ إِذْ هِيَ لاَ تُخَالِفُ نَصًّا شَرْعِيًّا، وَلاَ تُجَافِي مَا وَضَعَهُ الْفُقَهَاءُ مِنْ قَوَاعِدَ وَضَوَابِطَ رَأَوْهَا مُنَاسِبَةً فِي أَزْمِنَتِهِمْ.
الْقَضَاءُ بِقَوْل الْقَافَةِ:
٣٥ - الْقَافَةُ جَمْعُ قَائِفٍ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: مَنْ يَتَّبِعُ الأَْثَرَ.
وَفِي الشَّرْعِ: الَّذِي يَتَتَبَّعُ الآْثَارَ وَيَتَعَرَّفُ مِنْهَا الَّذِينَ سَلَكُوهَا، وَيَعْرِفُ شَبَهَ الرَّجُل بِأَبِيهِ وَأَخِيهِ وَيُلْحِقُ النَّسَبَ عِنْدَ الاِشْتِبَاهِ، بِمَا خَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ عِلْمِ ذَلِكَ (٢) .
فَعِنْدَ الأَْئِمَّةِ الثَّلاَثَةِ: مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، أَنَّهُ يُحْكَمُ بِالْقَافَةِ فِي ثُبُوتِ النَّسَبِ، خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ.
وَيُرْجَعُ فِي تَفْصِيل ذَلِكَ إِلَى مُصْطَلَحِ (قِيَافَة) .
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ٥٤٦، والخرشي ٥ / ٢٠٦، ونهاية المحتاج ٨ / ٢٤٧ ط الإسلامية والطرق الحكمية ٢٠٤ ط السنة المحمدية.
(٢) حاشية الجمل ٥ / ٤٣٤، ٤٣٥ ط دار إحياء التراث العربي، والعيني ٧ / ٥٢٣ ط الأستانة.
الْقَضَاءُ بِالْقُرْعَةِ:
٣٦ - الْقُرْعَةُ: طَرِيقَةٌ تُعْمَل لِتَعْيِينِ ذَاتٍ أَوْ نَصِيبٍ مِنْ بَيْنِ أَمْثَالِهِ إِذَا لَمْ يُمْكِنْ تَعْيِينُهُ بِحُجَّةٍ (١) .
وَقَدْ نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ " مَتَى تَعَيَّنَتِ الْمَصْلَحَةُ أَوِ الْحَقُّ فِي جِهَةٍ، فَلاَ يَجُوزُ الإِْقْرَاعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ؛ لأَِنَّ فِي الْقُرْعَةِ ضَيَاعَ ذَلِكَ الْحَقِّ الْمُعَيَّنِ وَالْمَصْلَحَةِ الْمُعَيَّنَةِ. وَمَتَى تَسَاوَتِ الْحُقُوقُ وَالْمَصَالِحُ فَهَذَا هُوَ مَوْضِعُ الْقُرْعَةِ عِنْدَ التَّنَازُعِ، دَفْعًا لِلضَّغَائِنِ وَالأَْحْقَادِ، وَلِلرِّضَا بِمَا جَرَتْ بِهِ الأَْقْدَارُ، وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ فِي مَوَاضِعَ ". (٢) وَتَفْصِيل ذَلِكَ مَوْطِنُهُ مُصْطَلَحُ (قُرْعَة) .
الْقَضَاءُ بِالْفِرَاسَةِ:
٣٧ - الْفِرَاسَةُ فِي اللُّغَةِ: الظَّنُّ الصَّائِبُ النَّاشِئُ عَنْ تَثْبِيتِ النَّظَرِ فِي الظَّاهِرِ لإِدْرَاكِ الْبَاطِنِ. وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ ذَلِكَ.
وَفُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ لاَ يَرَوْنَ الْحُكْمَ بِالْفِرَاسَةِ، فَإِنَّ مَدَارِكَ الأَْحْكَامِ مَعْلُومَةٌ شَرْعًا، مُدْرَكَةٌ قَطْعًا. وَلَيْسَتِ الْفِرَاسَةُ مِنْهَا. وَلأَِنَّهَا حُكْمٌ بِالظَّنِّ وَالْحَزْرِ وَالتَّخْمِينِ، وَهِيَ تُخْطِئُ وَتُصِيبُ (٣) . وَلَكِنَّ ابْنَ الْقَيِّمِ أَوْرَدَ حُجَجًا عَلَى شَرْعِيَّةِ الْعَمَل بِالْفِرَاسَةِ، وَسَاقَ عَلَى ذَلِكَ شَوَاهِدَ وَأَمْثِلَةً. (٤)
وَتَفْصِيل الْكَلاَمِ فِي مُصْطَلَحِ (فِرَاسَة) .
_________
(١) تفسير القرطبي ٤ / ٨٧
(٢) تبصرة الحكام ٢ / ١٠٦، والقواعد لابن رجب ص ٣٤٨ ط الخانجي.
(٣) معين الحكام ص ٢٠٦ ط الميمنية، وتبصرة الحكام ٢ / ١٣١ ط الحلبي.
(٤) الطرق الحكمية ص ٢٤ وما بعدها ط الآداب والمؤيد بمصر ١٣١٧ هـ.
الْقَضَاءُ بِقَوْل أَهْل الْمَعْرِفَةِ (الْخِبْرَةِ):
٣٨ - اتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ عَلَى جَوَازِ الْقَضَاءِ بِقَوْل أَهْل الْمَعْرِفَةِ فِيمَا يَخْتَصُّونَ بِمَعْرِفَتِهِ إِذَا كَانُوا حُذَّاقًا مَهَرَةً. وَمِنْ ذَلِكَ الاِسْتِعَانَةُ فِي مَعْرِفَةِ قِدَمِ الْعَيْبِ أَوْ حَدَاثَتِهِ.
وَيُرْجَعُ إِلَى أَهْل الطِّبِّ وَالْمَعْرِفَةِ بِالْجِرَاحِ فِي مَعْرِفَةِ طُول الْجُرْحِ وَعُمْقِهِ وَعَرْضِهِ، وَهُمُ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ. وَكَذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَى أَهْل الْمَعْرِفَةِ مِنَ النِّسَاءِ فِيمَا لاَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُنَّ كَالْبَكَارَةِ. (١)
الْقَضَاءُ بِالاِسْتِصْحَابِ:
٣٩ - الاِسْتِصْحَابُ فِي اللُّغَةِ: الْمُلاَزَمَةُ وَعَدَمُ الْمُفَارَقَةِ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ اسْتِبْقَاءُ الْوَصْفِ الْمُثْبِتِ لِلْحُكْمِ حَتَّى يَثْبُتَ خِلاَفُهُ.
وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ) إِلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ سَوَاءٌ أَكَانَ فِي النَّفْيِ أَمِ الإِْثْبَاتِ. وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ تَعَدَّدَتِ الآْرَاءُ عِنْدَهُمْ فِي حُجِّيَّتِهِ بَيْنَ الإِْطْلاَقِ وَالتَّقْيِيدِ، فَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ حُجِّيَّتَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَهَا بِأَنَّهُ حُجَّةٌ لِلدَّفْعِ لاَ لِلإِْثْبَاتِ.
وَلِلاِسْتِصْحَابِ أَنْوَاعٌ وَأَقْسَامٌ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ مَوْطِنُهُ (اسْتِصْحَاب) . (٢)
الْقَضَاءُ بِالْقَسَامَةِ:
٤٠ - مِنْ مَعَانِي الْقَسَامَةِ فِي اللُّغَةِ الْيَمِينُ مُطْلَقًا، إِلاَّ أَنَّهَا فِي عُرْفِ الشَّرْعِ تُسْتَعْمَل فِي الْيَمِينِ بِاللَّهِ ﵎، بِسَبَبٍ مَخْصُوصٍ، وَعَدَدٍ مَخْصُوصٍ، وَعَلَى
_________
(١) تبصرة الحكام ٢ / ٧٤ وما بعدها ط الحلبي الأخيرة، ومعين الحكام ص ١٦٢ وما بعدها ط الميمنية بمصر.
(٢) إرشاد الفحول ص ٢٣٨.
أَشْخَاصٍ مَخْصُوصِينَ، عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ.
٤١ - وَمَحَل الْقَسَامَةِ يَكُونُ عِنْدَ وُجُودِ قَتِيلٍ فِي مَحَلَّةٍ لاَ يُعْرَفُ قَاتِلُهُ.
فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ عَدَاوَةٌ وَلاَ لَوْثٌ (أَيْ شُبْهَةٌ قَوِيَّةٌ تُوجِبُ غَلَبَةَ الظَّنِّ بِصِحَّةِ التُّهْمَةِ) كَانَتْ هَذِهِ الدَّعْوَى كَسَائِرِ الدَّعَاوَى: الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْقَوْل قَوْل الْمُنْكِرِ. وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ يَمِينٌ؛ لأَِنَّ النُّكُول عَنِ الْيَمِينِ بَذْلٌ، وَلاَ بَذْل فِي الأَْنْفُسِ، فَلاَ يَحِل لِلإِْنْسَانِ أَنْ يُبِيحَ لِغَيْرِهِ قَتْل نَفْسِهِ، وَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ إِنْ فَعَل.
وَأَمَّا إِذَا كَانَ هُنَاكَ لَوْثٌ، كَالْعَدَاوَةِ الظَّاهِرَةِ، وَادَّعَى أَوْلِيَاءُ الْقَتِيل عَلَى مُعَيَّنٍ أَنَّهُ قَتَلَهُ، حَلَفَ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ خَمْسُونَ أَنَّ فُلاَنًا هُوَ قَاتِلُهُ عَمْدًا، فَيَسْتَحِقُّونَ الْقِصَاصَ، أَوْ خَطَأً، فَيَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الْقَسَامَةَ لاَ تُوَجَّهُ إِلاَّ إِلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ، فَيَخْتَارُ أَوْلِيَاءُ الْقَتِيل خَمْسِينَ مِنْ أَهْل الْمَحَلَّةِ، فَيَحْلِفُونَ أَنَّهُمْ مَا قَتَلُوهُ وَلاَ يَعْرِفُونَ لَهُ قَاتِلًا. فَيَسْقُطُ الْقِصَاصُ وَتُسْتَحَقُّ الدِّيَةُ. (١)
وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ وَاخْتِلاَفٌ، مَوْطِنُ بَيَانِهِ بَحْثُ الْقَسَامَةِ.
الْقَضَاءُ بِالْعُرْفِ وَالْعَادَةِ:
٤٢ - الْعُرْفُ: مَا اسْتَقَرَّ فِي النُّفُوسِ مِنْ جِهَةِ الْعُقُول، وَتَلَقَّتْهُ الطِّبَاعُ السَّلِيمَةُ بِالْقَبُول. وَيَدْخُل فِي هَذَا التَّعْرِيفِ " الْعَادَةُ " عَلَى أَنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ. وَقِيل:
_________
(١) البدائع ٧ / ٢٨٦ وما بعدها، والقليويى على شرح المنهاج ٤ / ١٦٦ وما بعدها، والشرح الكبير ط دار الفكر ٤ / ٢٣٥ وما بعدها، وغاية المنتهى ط الشيخ علي آل ثاني ٣ / ٣٠٨، والمغني لابن قدامة ط المنار الأولى ١٠ / ٣ وما بعدها.
الْعَادَةُ أَعَمُّ؛ لأَِنَّهَا تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ، وَتَكُونُ لِفَرْدٍ أَوْ أَفْرَادٍ.
وَهُمَا حُجَّةٌ، لِبِنَاءِ الأَْحْكَامِ عَلَيْهِمَا، مَا لَمْ يُصَادِمَا نَصًّا أَوْ قَاعِدَةً شَرْعِيَّةً.
وَيُسْتَنَدُ إِلَيْهِمَا فِي تَفْسِيرِ الْمُرَادِ. وَفِي ذَلِكَ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ مَوْطِنُهُ الْمُلْحَقُ الأُْصُولِيُّ. (١)
أَثَرٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - مِنْ مَعَانِي الأَْثَرِ فِي اللُّغَةِ: بَقِيَّةُ الشَّيْءِ أَوِ الْخَبَرُ. وَيُقَال: أَثَّرَ فِيهِ تَأْثِيرًا: تَرَكَ فِيهِ أَثَرًا. (٢)
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ وَالأُْصُولِيِّينَ لِلَفْظِ " أَثَرٍ " عَنْ هَذِهِ الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ. فَيُطْلِقُونَ الأَْثَرَ - بِمَعْنَى الْبَقِيَّةِ - عَلَى بَقِيَّةِ النَّجَاسَةِ وَنَحْوِهَا، كَمَا يُطْلِقُونَهُ بِمَعْنَى الْخَبَرِ فَيُرِيدُونَ بِهِ الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ أَوِ الْمَوْقُوفَ أَوِ الْمَقْطُوعَ، وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ يَقْصُرُونَهُ عَلَى الْمَوْقُوفِ.
وَيُطْلِقُونَهُ بِمَعْنَى مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الشَّيْءِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْحُكْمِ عِنْدَهُمْ، كَمَا إِذَا أُضِيفَ الأَْثَرُ إِلَى الشَّيْءِ فَيُقَال: أَثَرُ الْعَقْدِ، وَأَثَرُ الْفَسْخِ، وَأَثَرُ النِّكَاحِ وَغَيْرُ ذَلِكَ (٣) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
٢ - عَلاَمَةُ الشَّيْءِ تَكُونُ قَبْلَهُ، وَأَثَرُهُ يَكُونُ بَعْدَهُ، تَقُول: الْغُيُومُ وَالرِّيَاحُ عَلاَمَاتُ الْمَطَرِ. وَمَجْرَى
_________
(١) معين الحكام ط الميمنية بمصر ص ١٦١، وتبصرة الحكام ط الحلبي ٢ / ٥٧، والبجيرمي ٤ / ٧٧ ط الحلبي.
(٢) القاموس المحيط، ولسان العرب، والمصباح المنير (أثر)
(٣) كشاف اصطلاحات الفنون ١ / ٦٥ ط كلكتا ١٨٦١ م، وتدريب الراوي ص ٦ / ١٨٤ نشرالمكتبة العلمية بالمدينة المنورة.
السُّيُول: أَثَرُ الْمَطَرِ، دَلاَلَةً عَلَيْهِ، وَلَيْسَ بُرْهَانًا عَلَيْهِ. (١)
وَالْمَأْثُورُ: يُطْلَقُ عَلَى الْقَوْل وَالْفِعْل، أَمَّا الأَْثَرُ فَلاَ يُطْلَقُ إِلاَّ عَلَى الْقَوْل (٢) . وَالْخَبَرُ غَالِبًا مَا يُطْلَقُ عَلَى الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ، وَالأَْثَرُ مَا نُسِبَ إِلَى الصَّحَابَةِ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ تَبَعًا لِلاِسْتِعْمَالاَتِ الْفِقْهِيَّةِ أَوِ الأُْصُولِيَّةِ. أَمَّا الاِسْتِعْمَال بِمَعْنَى بَقِيَّةِ الشَّيْءِ: فَالْحُكْمُ أَنَّهُ إِنْ تَعَذَّرَ إِزَالَةُ أَثَرِ النَّجَاسَةِ فَيَكُونُ مَعْفُوًّا عَنْهُ. (٣)
وَأَمَّا الاِسْتِعْمَال بِمَعْنَى مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الشَّيْءِ، فَالْفُقَهَاءُ يَعْتَبِرُونَ الأَْثَرَ فِي الْعَقْدِ هُوَ مَا شُرِعَ الْعَقْدُ لَهُ، كَانْتِقَال الْمِلْكِيَّةِ فِي الْبَيْعِ، وَحِل الاِسْتِمْتَاعِ فِي النِّكَاحِ. (٤)
وَأَمَّا الاِسْتِعْمَال بِمَعْنَى الْحَدِيثِ الْمَوْقُوفِ أَوِ الْمَرْفُوعِ فَمَوْطِنُ تَفْصِيلِهِ الْمُلْحَقُ الأُْصُولِيُّ.
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٤ - يُبْحَثُ اسْتِعْمَال الأَْثَرِ بِمَعْنَى مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الشَّيْءِ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ كُل مَسْأَلَةٍ فِي بَابِهَا. (٥) أَمَّا بِمَعْنَى بَقِيَّةِ الشَّيْءِ فَقَدْ بَحَثَهَا الْفُقَهَاءُ فِي الطَّهَارَةِ عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنْ أَثَرِ النَّجَاسَةِ، وَفِي الْجِنَايَاتِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ أَثَرِ الْجِنَايَةِ.
_________
(١) الفروق في اللغة للعسكري ص ٦٢ ط بيروت ١٣٩٣ هـ، ودستور العلماء ١ / ٣٧ ط بيروت ١٣٩٥ هـ.
(٢) دستور العلماء ١ / ٣٧.
(٣) شرح جمع الجوامع مع حواشيه ١ / ١٠١، ١٠٢ ط بيروت ١٣٩٥ هـ.
(٤) نفس المصدر السابق.
(٥) ابن عابدين ١ / ٢٢١، والحطاب ١ / ١٤٧، ونهاية المحتاج ١ / ٢٤١، وكشاف القناع ١ / ١٧١.
إِثْم
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْثْمُ لُغَةً: هُوَ الذَّنْبُ. وَقِيل: أَنْ يَعْمَل مَا لاَ يَحِل لَهُ. (١) وَفِي اصْطِلاَحِ أَهْل السُّنَّةِ: الإِْثْمُ اسْتِحْقَاقُ الْعُقُوبَةِ. وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ. لُزُومُ الْعُقُوبَةِ. وَالاِخْتِلاَفُ بَيْنَ التَّعْرِيفَيْنِ يَدُورُ عَلَى جَوَازِ الْعَفْوِ وَعَدَمِهِ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ. (٢)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
٢ - الذَّنْبُ: قِيل: هُوَ الإِْثْمُ. وَعَلَى هَذَا يَكُونُ مُرَادِفًا لِلإِْثْمِ. (٣)
الْخَطِيئَةُ: مِنْ مَعَانِيهَا الذَّنْبُ عَنْ عَمْدٍ. وَهِيَ بِهَذَا الْمَعْنَى تَكُونُ مُطَابِقَةً لِلإِْثْمِ. وَقَدْ تُطْلَقُ عَلَى غَيْرِ الْعَمْدِ فَتَكُونُ بِهَذَا الْمَعْنَى مُخَالِفَةً لِلإِْثْمِ، إِذِ الإِْثْمُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ عَنْ عَمْدٍ (٤) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - يَتَعَلَّقُ الإِْثْمُ بِبَعْضِ الأُْمُورِ، مِنْهَا:
أ - تَرْكُ الْفَرْضِ: فَيَأْثَمُ تَارِكُ فَرْضِ الْعَيْنِ، كَتَرْكِ الصَّلاَةِ. وَكَذَلِكَ يَأْثَمُ تَارِكُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ إِذَا تَرَكَهُ
_________
(١) لسان العرب، والصحاح (أثم) .
(٢) ابن عابدين ٣ / ٤٧ ط الأولى.
(٣) المصباح المنير (ذنب) .
(٤) لسان العرب (خطأ)، والفروق في اللغة ص ٢٢٧ ط دار الآفاق.