الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١ الصفحة 28

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١

الاِعْتِبَارُ الشَّرْعِيُّ لِلْمُبْضَعِ وَتَصَرُّفَاتِهِ:

١١ - الْمُبْضَعُ أَمِينٌ فِيمَا يَقْبِضُهُ مِنْ رَبِّ الْمَال؛ لأَِنَّ عَقْدَ الإِْبْضَاعِ عَقْدُ أَمَانَةٍ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ إِلاَّ بِالإِْهْمَال أَوِ التَّعَدِّي. وَهُوَ وَكِيل رَبِّ الْمَال فِي مَالِهِ، يَنُوبُ عَنْهُ فِي تَصَرُّفَاتِهِ التِّجَارِيَّةِ مِنْ بَيْعٍ وَشِرَاءٍ مِمَّا فِيهِ إِنْمَاءٌ لِلْمَال، عَلَى مَا جَرَى بِهِ عُرْفُ التُّجَّارِ، دُونَ حَاجَةٍ إِلَى إِذْنٍ خَاصٍّ. لَكِنْ لَوْ أَبْضَعَهُ لآِخَرَ لِيَعْمَل فِيهِ عَلَى سَبِيل الإِْبْضَاعِ، فَهَذَا الصَّنِيعُ يَحْتَاجُ إِلَى إِذْنِ رَبِّ الْمَال قِيَاسًا عَلَى الْمُضَارَبَةِ.

وَكَذَلِكَ يَحْتَاجُ إِلَى الإِْذْنِ مِنْ رَبِّ الْمَال مَا كَانَ خَارِجًا مِنَ الأَْعْمَال عَنْ عَادَةِ التُّجَّارِ، كَالإِْقْرَاضِ وَالتَّبَرُّعَاتِ وَالصَّدَقَاتِ وَالْهِبَاتِ مِنْ رَأْسِ الْمَال الْمُخَصَّصِ لأَِغْرَاضِ الإِْنْمَاءِ وَالتِّجَارَةِ.

شِرَاءُ الْمُبْضَعِ الْمَال لِنَفْسِهِ:

١٢ - إِذَا دَفَعَ رَبُّ الْمَال الْمَال لِلْعَامِل بِضَاعَةً، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَّجِرَ فِيهِ لِنَفْسِهِ، شَأْنُهُ شَأْنُ الْمُقَارِضِ (الْمُضَارِبِ)، فَإِنَّ الْمَال إِنَّمَا دُفِعَ لِلْعَامِل فِي الْمُضَارَبَةِ وَالإِْبْضَاعِ عَلَى طَلَبِ الْفَضْل فِيهِ، فَلَيْسَ لِلْمُضَارِبِ وَلاَ لِلْمُبْضَعِ أَنْ يَجْعَلاَ ذَلِكَ لأَِنْفُسِهِمَا دُونَ رَبِّ الْمَال. (١)

وَقَدْ نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْمُبْضَعَ (الْعَامِل) إِذَا ابْتَاعَ لِنَفْسِهِ، أَنَّ صَاحِبَ الْمَال مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ مَا ابْتَاعَ لِنَفْسِهِ، أَوْ يُضَمِّنَهُ رَأْسَ الْمَال؛ لأَِنَّهُ إِنَّمَا دَفَعَ الْمَال عَلَى النِّيَابَةِ عَنْهُ وَابْتِيَاعِ مَا أَمَرَهُ بِهِ، فَكَانَ أَحَقَّ بِمَا ابْتَاعَهُ. وَهَذَا إِذَا ظَفِرَ بِالأَْمْرِ قَبْل بَيْعِ مَا ابْتَاعَهُ،

_________

(١) مواهب الجليل ٥ / ٢٥٥

فَإِنْ فَاتَ مَا ابْتَاعَهُ فَإِنَّ رِبْحَهُ لِرَبِّ الْمَال، وَخَسَارَتَهُ عَلَى الْمُبْضِعِ مَعَهُ. وَمِثْلُهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ فِي تَعَدِّي الْمُبْضَعِ. (١) وَيُؤْخَذُ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ إِنْ ظَهَرَ رِبْحٌ فَهُوَ لِرَبِّ الْمَال، وَإِنْ ظَهَرَتْ خَسَارَةٌ فَهِيَ عَلَى الْعَامِل لِتَعَدِّيهِ. وَقَوَاعِدُ الْحَنَفِيَّةِ لاَ تَأْبَى ذَلِكَ.

تَلَفُ الْمَال أَوْ خَسَارَتُهُ:

١٣ - عَقْدُ الإِْبْضَاعِ مِنْ عُقُودِ الأَْمَانَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَى مَنْ فِي يَدِهِ الْمَال إِنْ تَلِفَ أَوْ خَسِرَ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ وَلاَ تَعَدٍّ، فَيُسْمَعُ قَوْلُهُ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ هَلاَكٍ أَوْ خَسَارَةٍ. بَل قَالُوا: إِنَّهُ لاَ يَضْمَنُ حَتَّى وَلَوْ قَال رَبُّ الْمَال: وَعَلَيْكَ ضَمَانُهُ؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ أَمَانَةً. وَالْمَرْوِيُّ عَنْ صَاحِبَيْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي شَأْنِ الأَْجِيرِ الْمُشْتَرَكِ، أَنَّهُ لاَ يُقْبَل قَوْلُهُ فِي الْهَلاَكِ إِلاَّ إِذَا كَانَ هُنَاكَ قَرِينَةٌ تَدُل عَلَى صِدْقِهِ، كَالْحَرِيقِ الْغَالِبِ، وَاللِّصِّ الْكَاسِرِ، وَالْعَدُوِّ الْمُكَابِرِ، وَقَالاَ: إِنَّ ذَلِكَ هُوَ الاِسْتِحْسَانُ، لِتَغَيُّرِ أَحْوَال النَّاسِ، وَأَفْتَى بِذَلِكَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ فِي شَأْنِ الصُّنَّاعِ. وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْعَيْنَ فِي يَدِ الصُّنَّاعِ أَمَانَةٌ، وَكَذَلِكَ هِيَ فِي يَدِ الْمُبْضَعِ، فَلاَ يَبْعُدُ قِيَاسُهُ عَلَيْهِ. (٢)

اخْتِلاَفُ الْعَامِل وَرَبِّ الْمَال:

١٤ - إِذَا اخْتَلَفَ رَبُّ الْمَال وَالْعَامِل فَادَّعَى الْعَامِل أَنَّهُ أَخَذَ الْمَال مُضَارَبَةً، وَادَّعَى الْمَالِكُ أَنَّهُ بِضَاعَةٌ، قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: الْقَوْل قَوْل الْمَالِكِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لأَِنَّهُ مُنْكِرٌ. وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ

_________

(١) المرجع نفسه ٥ / ٢٥٥، والأم ٣ / ٢٣٧ ط بولاق. والمغني ٥ / ٥٩ ط الرياض، ورد المحتار ٤ / ٤٠٥ والبدائع ٧ / ٣٤٧١، والفتاوى الهندية ٣ / ٥٧٧

(٢) مواهب الجليل ٥ / ٣٧١، والمقفع ٢ / ١٧٢، ١٧٥، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٤٠، والقليوبي ٣ / ٨١ ط عيسى الحلبي، والمهذب ١ / ٤٠٨

عَلَيْهِ لِلْعَامِل أُجْرَةَ مِثْلِهِ، إِلاَّ أَنْ تَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ رِبْحِ الْقِرَاضِ، فَلاَ يُعْطَى أَكْثَرَ مِمَّا ادَّعَى. وَبَيَّنُوا أَنَّ فَائِدَةَ كَوْنِ الْقَوْل قَوْلَهُ عَدَمُ غَرَامَةِ الْجُزْءِ الَّذِي ادَّعَاهُ الْعَامِل.

وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ رَبَّ الْمَال تَضَمَّنَتْ دَعْوَاهُ أَنَّ الْعَامِل تَبَرَّعَ لَهُ بِالْعَمَل، وَهُوَ يُنْكِرُ ذَلِكَ وَيَدَّعِي أَنَّهُ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ مُتَبَرِّعًا. (١)

وَإِنْ نَكَل رَبُّ الْمَال كَانَ الْقَوْل قَوْل الْعَامِل مَعَ يَمِينِهِ إِذَا كَانَ مِمَّا يُسْتَعْمَل مِثْلُهُ فِي الْقِرَاضِ.

وَنُقِل عَنْ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ: إِنْ كَانَ عُرْفُهُمْ أَنَّ لِلإِْبْضَاعِ أَجْرًا فَالأَْشْبَهُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْل قَوْل الْعَامِل. (٢)

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ احْتِمَالاَنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْقَوْل قَوْل الْعَامِل؛ لأَِنَّ عَمَلَهُ لَهُ، فَيَكُونُ الْقَوْل قَوْلَهُ فِيهِ.

وَالثَّانِي: أَنْ يَتَحَالَفَا، وَيَكُونَ لِلْعَامِل أَقَل الأَْمْرَيْنِ مِنْ نَصِيبِهِ مِنَ الرِّبْحِ أَوْ أُجْرَةِ مِثْلِهِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَدَّعِي أَكْثَرَ مِنْ نَصِيبِهِ مِنَ الرِّبْحِ، فَلاَ يَسْتَحِقُّ الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ الأَْقَل أَجْرَ مِثْلِهِ فَلَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ قِرَاضًا، فَيَكُونُ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ، وَالْبَاقِي لِرَبِّ الْمَال؛ لأَِنَّ نَمَاءَ مَالِهِ تَبَعٌ لَهُ. (٣)

وَاعْتَبَرَ بَعْضُهُمْ هَذَا مِنْ تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ، فَقَال:

_________

(١) المدونة ١١ / ١٢٧ ط السعادة، ومواهب الجليل ٥ / ٣٧٠، ورد المحتار ٤ / ٧٥٣، والهداية ٣ / ١٥٧ ط مصطفى الحلبي.

(٢) الخرشي ٤ / ٤٤٠، ومواهب الجليل ٥ / ٣٧٠

(٣) المغني والشرح الكبير ٥ / ١٩٥، ومطالب أولي النهى ٣ / ٥٤٢، وكشاف القناع ٣ / ٣٣٨.

إِنْ أَقَامَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ تَعَارَضَا، وَقُسِّمَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.

وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ، فَيَحْلِفُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى إِنْكَارِ مَا ادَّعَاهُ خَصْمُهُ، وَيَكُونُ لِلْعَامِل أَجْرُ عَمَلِهِ. (١)

وَلاَ يَتَأَتَّى عَكْسُ هَذِهِ الصُّورَةِ، بِأَنْ يَدَّعِيَ الْعَامِل الإِْبْضَاعَ وَرَبُّ الْمَال الْقِرَاضَ، لاِسْتِحَالَةِ ذَلِكَ عَادَةً، إِلاَّ أَنْ يَقْصِدَ مِنَّتَهُ عَلَى رَبِّهِ.

١٥ - وَإِذَا ادَّعَى الْعَامِل الْقِرَاضَ، وَرَبُّ الْمَال الإِْبْضَاعَ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ - وَهُوَ مَا سَمَّاهُ الْمَالِكِيَّةُ إِبْضَاعًا، وَجَعَلَهُ غَيْرُهُمْ مِنْ قَبِيل الإِْجَارَةِ - فَالْقَوْل قَوْل الْعَامِل مَعَ يَمِينِهِ، وَيَأْخُذُ الْجُزْءَ؛ لأَِنَّ الاِخْتِلاَفَ هُنَا فِي الْجُزْءِ الْمَشْرُوطِ لِلْمُضَارِبِ مِنَ الرِّبْحِ، وَالْمُصَدَّقُ عِنْدَ الاِخْتِلاَفِ فِي هَذَا الْجُزْءِ الْمُضَارِبُ.

وَلِهَذَا إِذَا كَانَتِ الأُْجْرَةُ مِثْل الْجُزْءِ الَّذِي ادَّعَاهُ فِي الْقِرَاضِ فَلاَ يَمِينَ؛ لأَِنَّهُمَا قَدِ اتَّفَقَا فِي الْمَعْنَى، وَلاَ يَضُرُّ اخْتِلاَفُهُمَا فِي اللَّفْظِ.

وَلِضَبْطِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ خَمْسَةُ شُرُوطٍ:

الأَْوَّل: أَنْ تَكُونَ الْمُنَازَعَةُ بَعْدَ الْعَمَل الْمُوجِبِ لِلُزُومِ الْقِرَاضِ.

الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ يَعْمَل فِي قِرَاضٍ، وَأَنْ يَكُونَ مِثْل الْمَال يُدْفَعُ قِرَاضًا.

الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْجُزْءُ الْمُدَّعَى اشْتِرَاطُهُ مِنْ رِبْحِ الْقِرَاضِ أَزْيَدَ مِنَ الأُْجْرَةِ الْمُدَّعَى الاِتِّفَاقُ عَلَيْهَا.

الرَّابِعُ: أَنْ يُشْبِهَ أَنْ يُقَارِضَ بِمَا ادَّعَاهُ مِنْ نِصْفِ

_________

(١) مطالب أولي النهى ٣ / ٥٤١

الرِّبْحِ مَثَلًا، كَأَنْ تَقُومَ قَرَائِنُ عَلَى أَنَّ مِثْلَهُ لاَ يَعْمَل إِلاَّ بِمِثْل هَذَا الْجُزْءِ مِنَ الرِّبْحِ.

الْخَامِسُ: أَلاَّ يُطَابِقَ الْعُرْفُ دَعْوَى رَبِّ الْمَال.

١٦ - وَإِذَا ادَّعَى الْعَامِل الإِْبْضَاعَ بِأَجْرٍ، وَرَبُّ الْمَال الْقِرَاضَ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ مِنَ الرِّبْحِ، فَقَدْ نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا قَال الْعَامِل: الْمَال بِيَدِي بِضَاعَةٌ بِأَجْرٍ، وَقَال رَبُّ الْمَال: هُوَ بِيَدِكَ قِرَاضٌ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ، فَإِنَّ الْقَوْل قَوْل الْعَامِل.

وَتَجْرِي هُنَا الشُّرُوطُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ. (١)

١٧ - وَإِذَا ادَّعَى الْعَامِل الْقِرَاضَ وَرَبُّ الْمَال الإِْبْضَاعَ، وَطَلَبَ كُلٌّ مِنْهُمَا الرِّبْحَ لَهُ وَحْدَهُ، فَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يَحْلِفُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى إِنْكَارِ مَا ادَّعَاهُ خَصْمُهُ؛ لأَِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُنْكِرٌ مَا ادَّعَاهُ خَصْمُهُ عَلَيْهِ، وَالْقَوْل قَوْل الْمُنْكِرِ، وَلِلْعَامِل أَجْرُ عَمَلِهِ فَقَطْ، وَالْبَاقِي لِرَبِّ الْمَال؛ لأَِنَّ نَمَاءَ مَالِهِ تَابِعٌ لَهُ. (٢)

وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَمُقْتَضَى كَلاَمِ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ فِي الْقِرَاضِ - أَنَّ الْقَوْل قَوْل رَبِّ الْمَال بِيَمِينِهِ، وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْعَامِل؛ لأَِنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ التَّمْلِيكَ، وَالْمَالِكُ يُنْكِرُهُ (٣) . .

_________

(١) الخرشي ٤ / ٤٤٠، والتاج والإكليل ٥ / ٣٧٠، والشرح الكبير ٣ / ٥٣٦

(٢) مطالب أولي النهى ٣ / ٥٤٢، والمغني والشرح الكبير ٥ / ١٩٦

(٣) رد المحتار ٤ / ٧٥٣، والهداية ٣ / ١٥٧

انْتِهَاءُ عَقْدِ الإِْبْضَاعِ:

١٨ - يَنْتَهِي عَقْدُ الإِْبْضَاعِ بِمَا يَنْتَهِي بِهِ عَقْدُ الْمُضَارَبَةِ فِي الْجُمْلَةِ، (١) وَيُمْكِنُ إِجْمَال أَسْبَابِ الاِنْتِهَاءِ بِالآْتِي:

أ - انْقِضَاءُ الْعَقْدِ الأَْصْلِيِّ أَوِ الْمَتْبُوعِ، فَإِذَا كَانَ الإِْبْضَاعُ لِمُدَّةٍ مُحَدَّدَةٍ فَيَنْتَهِي بِانْتِهَاءِ الْمُدَّةِ، وَإِنْ كَانَ تَابِعًا لِعَقْدٍ آخَرَ كَالْمُضَارَبَةِ فَإِنَّهُ يَنْتَهِي بِانْتِهَائِهَا.

ب - الْفَسْخُ: سَوَاءٌ كَانَ بِعَزْل رَبِّ الْمَال لِلْعَامِل أَوْ عَزْل الْعَامِل نَفْسَهُ؛ لأَِنَّهُ عَقْدٌ غَيْرُ لاَزِمٍ مِنَ الْجَانِبَيْنِ.

ج - الاِنْفِسَاخُ: سَوَاءٌ كَانَ بِالْمَوْتِ، أَوْ زَوَال الأَْهْلِيَّةِ، أَوْ هَلاَكِ الْمَحَل.

إِبِطٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الإِْبِطُ بَاطِنُ الْمَنْكِبِ، وَالْجَمْعُ آبَاطٌ (٢) .

وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِلَفْظِ الإِْبِطِ عَنْ

_________

(١) البدائع ٦ / ١٠٩، ورد المحتار ٤ / ٥١١، والخرشي ٤ / ٤٣٩، والشرح الكبير ٣ / ٥٣٥، وتحفة الفقهاء ٣ / ٣١ ط جامعة دمشق، ومغني المحتاج ٢ / ٣١٩، والمغني والشرح الكبير ٥ / ١٨٣، ومطالب أولي النهى ٣ / ٥٣٤

(٢) القاموس (إبط)

مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ (١) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٢ - يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ بِحَسَبِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالإِْبِطِ مِنْ أُمُورٍ، فَبِالنِّسْبَةِ لِشَعْرِ الإِْبِطِ تُسَنُّ إِزَالَتُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. (٢)

مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

٣ - تُذْكَرُ أَحْكَامُ الإِْبْطِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ بِحَسَبِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، كُلٌّ فِي مَوْضِعِهِ.

فَإِزَالَةُ شَعْرِهِ تُذْكَرُ فِي الطَّهَارَةِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ الْغُسْل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَسُنَنِ الْفِطْرَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالْمَالِكِيَّةِ. (٣)

وَظُهُورُ بَيَاضِ الإِْبِطِ فِي الدُّعَاءِ فِي مَبْحَثِ صَلاَةِ الاِسْتِسْقَاءِ. (٤)

وَظُهُورُ بَيَاضِ الإِْبِطِ فِي إِقَامَةِ الْحُدُودِ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ. (٥)

وَجَعْل الرِّدَاءِ تَحْتَ الإِْبِطِ الأَْيْمَنِ وَإِلْقَاؤُهُ عَلَى الْكَتِفِ الأَْيْسَرِ فِي مَبْحَثِ الإِْحْرَامِ مِنَ الْحَجِّ. (٦)

_________

(١) فتح القدير ١ / ٣٨، والمجموع ١ / ٣١٧، ط المكتبة العالمية بالفجالة، والجمل ١ / ١٦٣ ط الميمنية، والمغني لابن قدامة ١ / ٧٢ ط المنار، وجواهر الإكليل ١ / ٩٦ ط الحلبي.

(٢) نفس المصادر السابقة.

(٣) نفس المصادر السابقة.

(٤) كشاف القناع ١ / ٦١ ط أنصار السنة.

(٥) كشاف القناع ٦ / ٦٦

(٦) الفتاوى الهندية ١ / ٢٢٢، ٢٢٥، ٢٤٣ ط بولاق، وكشاف القناع ٢ / ٣١٦

إِبْطَال

١ - الإِْبْطَال لُغَةً: إِفْسَادُ الشَّيْءِ وَإِزَالَتُهُ، حَقًّا كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ أَوْ بَاطِلًا. (١) قَال اللَّهُ تَعَالَى ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِل الْبَاطِل﴾ (٢) وَشَرْعًا: الْحُكْمُ عَلَى الشَّيْءِ بِالْبُطْلاَنِ، سَوَاءٌ وُجِدَ صَحِيحًا ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ سَبَبُ الْبُطْلاَنِ، أَوْ وُجِدَ وُجُودًا حِسِّيًّا لاَ شَرْعِيًّا. فَالأَْوَّل كَمَا لَوِ انْعَقَدَتِ الصَّلاَةُ صَحِيحَةً ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهَا مَا يُبْطِلُهَا، وَالثَّانِي كَمَا لَوْ عَقَدَ عَلَى إِحْدَى الْمُحَرَّمَاتِ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ، كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ عِبَارَاتِ الْفُقَهَاءِ.

وَيَأْتِي عَلَى أَلْسِنَةِ الْفُقَهَاءِ بِمَعْنَى الْفَسْخِ، (٣) وَالإِْفْسَادِ، (٤) وَالإِْزَالَةِ، (٥) وَالنَّقْضِ، (٦) وَالإِْسْقَاطِ، (٧) لَكِنَّهُ يَخْتَلِفُ عَنْ هَذِهِ الأَْلْفَاظِ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ عِنْدَ مُقَارَنَتِهِ بِهَا. وَالأَْصْل فِي الإِْبْطَال أَنْ يَكُونَ مِنَ الشَّارِعِ، كَمَا يَحْدُثُ الإِْبْطَال مِمَّنْ قَامَ بِالْفِعْل أَوِ التَّصَرُّفِ، وَقَدْ يَقَعُ مِنَ الْحَاكِمِ فِي الأُْمُورِ الَّتِي سَلَّطَهُ عَلَيْهَا الشَّارِعُ (٨) .

_________

(١) تاج العروس، مفردات الراغب الأصفهاني (بطل)

(٢) سورة الأنفال / ٨

(٣) القليوبي ٣ / ١٧٦ ط الحلبي.

(٤) القليوبي وعميرة ٢ / ١٩١، ٣ / ١٧٦

(٥) القليوبي وعميرة ٣ / ٣٣، ١٧٦، ومطالب أولي النهى ٣ / ٢٣١ ط المكتب الإسلامي

(٦) المحلي على المنهاج ٤ / ٤٤

(٧) الاختيار ٢ / ١٥ ط الحلبي

(٨) القليوبي ٢ / ١٩٨

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الإِْبْطَال وَالْفَسْخُ:

٢ - يُعَبِّرُ الْفُقَهَاءُ أَحْيَانًا فِي الْمَسْأَلَةِ الْوَاحِدَةِ تَارَةً بِالإِْبْطَال، وَتَارَةً بِالْفَسْخِ، غَيْرَ أَنَّ الإِْبْطَال يَحْدُثُ أَثْنَاءَ قِيَامِ التَّصَرُّفِ وَبَعْدَهُ، وَكَمَا يَحْصُل فِي الْعُقُودِ وَالتَّصَرُّفَاتِ يَحْدُثُ فِي الْعِبَادَةِ.

أَمَّا الْفَسْخُ فَإِنَّهُ يَكُونُ غَالِبًا فِي الْعُقُودِ وَالتَّصَرُّفَاتِ، وَيَقِل فِي الْعِبَادَاتِ، وَمِنْهُ فَسْخُ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ، وَفَسْخُ نِيَّةِ الْفَرْضِ إِلَى النَّفْل، وَيَكُونُ فِي الْعُقُودِ قَبْل تَمَامِهَا، لأَِنَّهُ فَكُّ ارْتِبَاطِ الْعَقْدِ (١) أَوِ التَّصَرُّفِ.

ب - الإِْبْطَال وَالإِْفْسَادُ:

٣ - يَأْتِي التَّفْرِيقُ بَيْنَ الإِْبْطَال وَالإِْفْسَادِ تَفْرِيعًا عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْبَاطِل وَالْفَاسِدِ.

وَيَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْبَاطِل وَالْفَاسِدَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ فِي الْعِبَادَاتِ، إِنِ اسْتَثْنَيْنَا الْحَجَّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. (٢)

_________

(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم ١٣٥ ط الحلبي، والحموي عليها ٢ / ١٩٦ ط دار الطباعة العامرة والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٨٧، ٢٩١، وقواعد ابن رجب ٢٦١ ط الخانجي، والفروق ٣ / ٢٦٩ ط دار إحياء الكتب العربية، والقليوبي ٢ / ٢٧٥، والمهذب ١ / ٣٠٠، ٣٠٩، ط مصطفى الحلبي، والفواكه العديدة في المسائل المفيدة ١ / ٢٧٢ ط المكتب الإسلامي

(٢) إتحاف الأبصار والبصائر ٢٥٩ ط الوطنية بالإسكندرية، وتيسير التحرير ٢ / ٢٣٦ ط مصطفى الحلبي، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص ١٣٥، والحموي عليها ٢ / ١٩٤، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٨٦، والقواعد والفوائد الأصولية للبعلي ص ١١٠، ١١١ ط السنة المحمدية

وَغَيْرُ الْعِبَادَةِ كَذَلِكَ غَالِبًا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. (١)

أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَإِنَّهُمْ يُفَرِّقُونَ فِي أَغْلَبِ الْعُقُودِ بَيْنَ الْفَاسِدِ وَالْبَاطِل، فَالْبَاطِل مَا لاَ يَكُونُ مَشْرُوعًا لاَ بِأَصْلِهِ وَلاَ بِوَصْفِهِ، وَالْفَاسِدُ مَا يَكُونُ مَشْرُوعًا بِأَصْلِهِ دُونَ وَصْفِهِ. (٢) وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ (ر: بُطْلاَن، فَسَاد.)

ج - الإِْبْطَال وَالإِْسْقَاطُ:

٤ - الإِْسْقَاطُ فِيهِ رَفْعٌ لِحَقٍّ ثَابِتٍ. (٣) وَفِي الإِْبْطَال مَنْعٌ لِقِيَامِ الْحَقِّ أَوِ الاِلْتِزَامِ.

وَقَدْ يَأْتِي كُلٌّ مِنَ الإِْبْطَال وَالإِْسْقَاطِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ أَحْيَانًا فِي كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ، كَقَوْلِهِمْ: الْوَقْفُ لاَ يَبْطُل بِالإِْبْطَال، وَقَوْلُهُمْ: أَسْقَطْتُ الْخِيَارَ أَوْ أَبْطَلْتُهُ. (٤)

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٥ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ إِبْطَال الْعِبَادَةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا (٥) . وَفِي رَأْيٍ لِلْمَالِكِيَّةِ أَنَّ نِيَّةَ إِبْطَال الْعِبَادَةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا صَحِيحَةً تُبْطِلُهَا.

وَيَحْرُمُ إِبْطَال الْفَرْضِ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِهِ دُونَ عُذْرٍ

_________

(١) ابن عابدين ٤ / ٩٩، ١٠٠ ط الأولى

(٣) ابن عابدين ٣ / ٢

(٤) الاختيار ٢ / ١٥، إتحاف الأبصار والبصائر ص ٣٢٠

(٥) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٢٠، والحموي عليها ص ٧٨، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٣٨، والفروق ٢ / ٢٧، ٢٨، والصلاة لابن القيم ص ٥٨، وابن عابدين ٣ / ٢٩٩، والإنصاف للمرداوي ١٠ / ٣٣٨ ط أنصار السنة