الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٩
الثَّانِي بَعْدَ وُجُودِهِ وَقَبْل صَلاَحِهِ بِبُدُوِّ صَلاَحِ الْبَطْنِ الأَْوَّل، وَإِنْ كَانَ لاَ يَنْقَطِعُ الأَْوَّل حَتَّى يَبْدُوَ طِيبُ الثَّانِي. وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ.
وَحَكَى ابْنُ رُشْدٍ قَوْلًا بِالْجَوَازِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْبَطْنَ الثَّانِي يَتْبَعُ الأَْوَّل فِي الصَّلاَحِ، لَكِنِ ابْنَ جُزَيٍّ جَعَل عَدَمَ الْجَوَازِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ اتِّفَاقًا (١) .
ثَانِيًا: مَا يَخْلُفُ وَيُطْعِمُ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ، وَلاَ تَتَمَيَّزُ بُطُونُهُ، وَلَهُ آخِرٌ. (أَيْ نِهَايَةٌ يَنْتَهِي إِلَيْهَا) كَالْوَرْدِ وَالتِّينِ، وَكَالْمَقَاثِئِ مِنَ الْخِيَارِ وَالْقِثَّاءِ وَالْبِطِّيخِ وَالْجُمَّيْزِ وَالْبَاذِنْجَانِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَهَذَا يَجُوزُ بَيْعُ سَائِرِ الْبُطُونِ بِبُدُوِّ صَلاَحِ الأَْوَّل.
قَال ابْنُ جُزَيٍّ: خِلاَفًا لَهُمْ، أَيْ لِلأَْئِمَّةِ الثَّلاَثَةِ. فَمَنِ اشْتَرَى شَيْئًا مِنَ الْمَذْكُورَاتِ، يُقْضَى لَهُ بِالْبُطُونِ كُلِّهَا، وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهَا فِي الْعَقْدِ.
وَلاَ يَجُوزُ فِي هَذَا التَّوْقِيتِ بِشَهْرٍ وَنَحْوِهِ، لاِخْتِلاَفِ حَمْلِهَا بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ (٢) .
ثَالِثًا: مَا يُخْلَفُ وَيُطْعَمُ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ، وَلاَ تَتَمَيَّزُ بُطُونُهُ وَهِيَ مُتَتَابِعَةٌ، لَكِنْ لاَ آخِرَ وَلاَ
_________
(١) الشرح الكبير للدردير، وحاشية الدسوقي عليه ٣ / ١٧٧، و٨٧٨، وشرح الخرشي ٥ / ١٨٥، ١٨٦، والقوانين الفقهية (١٧٣)
(٢) القوانين الفقهية (١٧٣)، والشرح الكبير للدردير ٣ / ١٧٨، وشرح الخرشي ٥ / ١٨٦
نِهَايَةَ لَهُ، أَيْ أَنَّ إِخْلاَفَهُ مُسْتَمِرٌّ، فَكُلَّمَا قُطِعَ مِنْهُ شَيْءٌ خَلَفَهُ غَيْرُهُ، وَلَيْسَ لَهُ آخِرُ يَنْتَهِي إِلَيْهِ، وَهُوَ مُسْتَمِرٌّ طُول الْعَامِ، كَالْمَوْزِ - فِي بَعْضِ الأَْقْطَارِ - فَهَذَا النَّوْعُ لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ إِلاَّ بِضَرْبٍ مِنَ الأَْجَل، وَهُوَ غَايَةُ مَا يُمْكِنُ، وَلَوْ كَثُرَ الأَْجَل - عَلَى الْمَشْهُورِ - خِلاَفًا لاِبْنِ نَافِعٍ الَّذِي حَصَرَ الْجَوَازَ بِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلِمَنْ نَفَى الزِّيَادَةَ عَلَى سَنَتَيْنِ.
وَمِثْل ضَرْبِ الأَْجَل فِي الْجَوَازِ، اسْتِثْنَاءُ بُطُونٍ مَعْلُومَةٍ (١) .
ج - بَيْعُ السِّنِينَ:
٨٨ - رَوَى جَابِرٌ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ (٢) . وَالْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَبِيعَ مَا سَوْفَ تُثْمِرُهُ نَخْلَةُ الْبَائِعِ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا أَوْ أَكْثَرَ، وَذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْغَرَرِ، فَهُوَ أَوْلَى بِالْمَنْعِ مِنْ مَنْعِ بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْل أَنْ يَبْدُوَ صَلاَحُهَا (٣) .
د - بَيْعُ السَّمَكِ فِي الْمَاءِ:
٨٩ - وَمِمَّا وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ بَيْعِهِ لِلْغَرَرِ: السَّمَكُ فِي الْمَاءِ. وَذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁
_________
(١) نفس المراجع
(٢) حديث: " نهى عن بيع السنين " أخرجه مسلم (٣ / ١١٧٨ ط الحلبي)
(٣) فيض القدير للمناوي ٦ / ٣٠٧
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لاَ تَشْتَرُوا السَّمَكَ فِي الْمَاءِ، فَإِنَّهُ غَرَرٌ (١) .
وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ بَيْعُهُ قَبْل اصْطِيَادِهِ، كَمَا لاَ يَصِحُّ بَيْعُهُ إِذَا صِيدَ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي الْمَاءِ بِحَيْثُ لاَ يُمْكِنُ أَخْذُهُ إِلاَّ بِمَشَقَّةٍ، وَأَنَّهُ فَاسِدٌ، لأَِنَّهُ بَيْعُ مَا لَمْ يُمْلَكْ، وَفِيهِ غَرَرٌ كَثِيرٌ فَلاَ يُغْتَفَرُ إِجْمَاعًا، وَلأَِنَّهُ لاَ يُقْدَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ إِلاَّ بَعْدَ اصْطِيَادِهِ، فَأَشْبَهَ الطَّيْرَ فِي الْهَوَاءِ، كَمَا أَنَّهُ مَجْهُولٌ فَلاَ يَصِحُّ بَيْعُهُ، كَاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ وَالنَّوَى فِي التَّمْرِ (٢) .
وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ بَاطِلٌ - بِاصْطِلاَحِهِمْ فِيهِ - وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ فَاسِدٌ، إِذَا بِيعَ بِعَرْضٍ؛ لأَِنَّ السَّمَكَ يَكُونُ حِينَئِذٍ ثَمَنًا وَالْعَرَضُ مَبِيعًا، وَاذَا دَخَلَتِ الْجَهَالَةُ عَلَى الثَّمَنِ كَانَ الْبَيْعُ فَاسِدًا، وَلَمْ يَكُنْ بَاطِلًا. فَإِنْ بِيعَ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَهُوَ بَاطِلٌ، لِعَدَمِ الْمِلْكِ فِي الْمَبِيعِ، إِذْ يَتَعَيَّنُ كَوْنُ السَّمَكِ حِينَئِذٍ مَبِيعًا، وَالدَّرَاهِمُ أَوِ الدَّنَانِيرُ ثَمَنًا.
وَفِيهِ صُوَرٌ مِنَ الْجَوَازِ بِشُرُوطٍ خَاصَّةٍ
_________
(١) حديث: " لا تشتروا السمك في الماء. . . . " أخرجه أحمد (١ / ٣٨٨ ط الميمنية) وصوب الدارقطني والخطيب وقفه. (التلخيص لابن حجر ٣ / ٧ ط شركة الطباعة الفنية)
(٢) تبيين الحقائق ٤ / ٤٥، والشرح الكبير للدردير ٣ / ٦٠، وانظر الإشارة إلى نظيره في شرح الخرشي ٥ / ٦٩، ٧٥، والمغني ٤ / ٢٧٢
وَأَحْكَامٍ (١) يُرْجَعُ فِي تَفْصِيلِهَا إِلَى مَوْطِنِهِ مِنْ مُصْطَلَحِ (غَرَرٌ) .
٩٠ - وَمِثْل بَيْعِ السَّمَكِ فِي الْمَاءِ، بَيْعُ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ، وَلاَ يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي فَسَادِهِ.
وَلِلْحَنَفِيَّةِ - خِلاَفًا لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - تَفْصِيلٌ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ يَرْجِعُ بَعْدَ الإِْرْسَال فَيَصِحُّ، وَبَيْنَ مَا إِذَا كَانَ لاَ يَرْجِعُ بَعْدَ الإِْرْسَال، فَلاَ يَصِحُّ.
أَمَّا بَيْعُهُ قَبْل صَيْدِهِ، فَبَاطِلٌ عِنْدَهُمْ، كَمَا هُوَ الإِْجْمَاعُ (٢) .
وَانْظُرْ بَعْضَ أَحْكَامِهِ، وَتَفْصِيلاَتِهِ، وَتَعْلِيلاَتِ الْجَوَازِ وَعَدَمِهِ فِي مُصْطَلَحِ (غَرَر، بَيْع)
هـ - بَيْعُ الْعَبْدِ الآْبِقِ:
٩١ - وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ شِرَاءِ الْعَبْدِ وَهُوَ آبِقٌ (٣) فَيَحْرُمُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ بَيْعُهُ فِي الْجُمْلَةِ.
وَأَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ بَيْعَهُ مِمَّنْ هُوَ عِنْدَهُ، أَوْ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ.
_________
(١) الدر المختار ورد المحتار ٤ / ١٠٦، وحاشية القليوبي على شرح المحلي ٢ / ١٥٨، والمغني ٤ / ٢٧٢
(٢) الدر المختار ورد المحتار ٤ / ١٠٧، وتبيين الحقائق ٤ / ٤٥، ٤٦، وشرح الخرشي ٥ / ٦٩، وشرح المحلي وحاشية القليوبي عليه ٢ / ١٥٨، وكشاف القناع ٣ / ١٦٢
(٣) حديث: " نهى عن شراء العبد وهو آبق. . . " أخرجه ابن ماجه (٢ / ٧٤٠ ط الحلبي) ونقل الزيلعي عن عبد الحق الأشبيلي أنه قال: إسناده لا يحتج به، نصب الراية (٤ / ١٥ ط المجلس العلمي بالهند)
وَقَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ الْجَوَازَ بِبَيْعِهِ لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ بِلاَ مَشَقَّةٍ لاَ تُحْتَمَل عَادَةً، وَبِلاَ مُؤْنَةٍ لَهَا وَقْعٌ.
وَأَطْلَقَ الْحَنَابِلَةُ عَدَمَ الْجَوَازِ، وَلَوْ عَلِمَ مَكَانَهُ أَوْ قَدَرَ عَلَى تَحْصِيلِهِ، فَإِنْ حَصَل فِي يَدِ إِنْسَانٍ، جَازَ، لإِمْكَانِ تَسْلِيمِهِ.
وَقِيسَ عَلَيْهِ: الْجَمَل الشَّارِدُ، وَالْفَرَسُ الْعَائِرُ (١)، وَالضَّال إِلاَّ مَنْ يَسْهُل عَلَيْهِ رَدُّهُ وَالْمَغْصُوبُ إِلاَّ لِقَادِرٍ عَلَى انْتِزَاعِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَبَيْعُهُ مِنَ الْغَاصِبِ صَحِيحٌ قَطْعًا (٢) .
وَهُنَاكَ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ، تُرَاجَعُ فِي مُصْطَلَحِ: (بَيْع، غَرَر) .
و بَيْعُ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ:
٩٢ - وَرَدَ فِي النَّهْيِ عَنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، قَال: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُبَاعَ ثَمَرٌ حَتَّى يُطْعَمَ، أَوْ صُوفٌ عَلَى ظَهْرٍ، أَوْ لَبَنٌ فِي ضَرْعٍ، أَوْ سَمْنٌ فِي لَبَنٍ (٣) .
وَالشَّوْكَانِيُّ يُصَرِّحُ بِأَنَّ الْفُقَهَاءَ مُجْمِعُونَ عَلَى
_________
(١) الفرس العائر: الشارد. (المصباح)
(٢) الدر المختار ورد المحتار ٤ / ١١٢، وبدائع الصنائع ٥ / ١٤٨، وشرح المحلي ٢ / ٥٨، وكشاف القناع ٣ / ١٦٢، والمغني ٤ / ٢٧١
(٣) حديث: " نهى أن يباع ثمر حتى يطعم. . . " أخرجه الدارقطني (٣ / ١٤ ط دار المحاسن) والبيهقي (٥ / ٣٤٠ ط دائرة المعارف العثمانية) وقال البيهقي: تفرد برفعه عمر بن فروخ، وليس بالقوي، ورواه غيره موقوفا، وكذا صوب الدارقطني وقفه على ابن عباس
فَسَادِهِ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّهُ مَجْهُول الصِّفَةِ وَالْمِقْدَارِ، فَأَشْبَهَ الْحَمْل.
وَتَرَدَّدَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْقَوْل بِفَسَادِهِ لاِخْتِلاَطِ الْمِلْكَيْنِ، أَوْ بُطْلاَنِهِ لِلشَّكِّ فِي وُجُودِهِ.
وَوَضَعَ ابْنُ الْهُمَامِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ لِهَذَا وَأَمْثَالِهِ ضَابِطًا، وَهُوَ: أَنَّ كُل مَا بِيعَ بِغِلاَفِهِ لاَ يَجُوزُ بِاسْتِثْنَاءِ الْحُبُوبِ فِي قِشْرِهَا (١)، وَتَفْصِيل أَحْكَامِهِ فِي (بَيْع، غَرَر) .
ز - بَيْعُ الصُّوفِ وَهُوَ عَلَى الظَّهْرِ:
٩٣ - وَرَدَ فِيهِ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ آنِفًا. (ف / ٩٢) .
وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى فَسَادِهِ الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ إِلَى جَوَازِهِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ أَيْضًا عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ، بِشَرْطِ جَزِّهِ فِي الْحَال، وَقَال الْمِرْدَاوِيُّ: فِيهِ قُوَّةٌ (٢)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِهِ بِشَرْطِ جَزِّهِ خِلاَل أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ كَنِصْفِ شَهْرٍ. وَحُجَّةُ الْقَائِلِينَ بِالْفَسَادِ: النَّهْيُ الْوَارِدُ فِيهِ، وَأَنَّهُ مِنْ أَوْصَافِ الْحَيَوَانِ وَهِيَ لاَ تُفْرَدُ بِالْبَيْعِ، وَاخْتِلاَطُ الْمَبِيعِ
_________
(١) نيل الأوطار ٥ / ١٤٩، والشرح الكبير في ذيل المغني ٤ / ٢٨، والمغني ٤ / ٢٧٦، وكشاف القناع ٣ / ١٦٦، والإنصاف ٤ / ٣٠١، والدر المختار ورد المحتار ٤ / ١٠٨. وانظر الهداية وشروحها ٦ / ٥٠، وتبيين الحقائق ٤ / ٤٦، وفتح القدير ٦ / ٥١
(٢) الإنصاف ٤ / ٣٠١، وجواهر الإكليل ٢ / ١٦٦، والدسوقي ٣ / ٢٠٣
بِغَيْرِهِ لأَِنَّهُ يَنْبُتُ مِنَ الأَْسْفَل، أَوِ اتِّصَالُهُ بِالْحَيَوَانِ فَلَمْ يَجُزْ إِفْرَادُهُ كَأَعْضَائِهِ، أَوِ الْجَهَالَةُ وَالتَّنَازُعُ فِي مَوْضِعِ الْقَطْعِ.
وَأَبُو يُوسُفَ ﵀ يَقِيسُهُ عَلَى بَيْعِ الْقَصِيل (الْفَصْفَصَةُ، أَوِ الْبِرْسِيمُ) وَفُسِّرَ بِأَنَّهُ الشَّعِيرُ يُجَزُّ أَخْضَرَ لِعَلَفِ الدَّوَابِّ (١) . وَفِيهِ تَفْصِيلاَتٌ وَصُوَرٌ تُرَاجَعُ فِي مُصْطَلَحِ (بَيْع، غَرَر، جَهَالَة) .
ح - بَيْعُ السَّمْنِ فِي اللَّبَنِ:
٩٤ - وَرَدَ فِي النَّهْيِ عَنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ الْمُتَقَدِّمُ. . . أَوْ سَمْنٌ فِي لَبَنٍ (٢) وَلاَ يَصِحُّ هَذَا الْبَيْعُ، وَذَلِكَ لاِخْتِلاَطِ الْمَبِيعِ بِغَيْرِهِ بِحَيْثُ لاَ يَمْتَازُ عَنْهُ، وَفِيهِ جَهَالَةٌ وَغَرَرٌ، ثُمَّ هُوَ مِنَ الأَْشْيَاءِ الَّتِي فِي غُلُفِهَا، وَالَّتِي لاَ يُمْكِنُ أَخْذُهَا وَتَسْلِيمُهَا إِلاَّ بِإِفْسَادِ الْخِلْقَةِ. كَمَا يَقُول ابْنُ الْهُمَامِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ بِاسْتِثْنَاءِ الْحُبُوبِ، فَلاَ يَصِحُّ بَيْعُهُ (٣) .
_________
(١) الهداية وشروحها ٦ / ٥٠، ٥١، وتبيين الحقائق ٤ / ٤٦، وبدائع الصنائع ٥ / ١٤٨، وكشاف القناع ٣ / ١٦٦، والمغني ٤ / ٢٧٦، ونيل الأوطار ٥ / ١٥٠، والمصباح المنير. مادة: " قصل "
(٢) الحديث سبق تخريجه (ف ٩٢)
(٣) انظر تبيين الحقائق وحاشية الشلبي عليه ٤ / ٤٦، ونيل الأوطار ٥ / ١٥٠، وفتح القدير ٦ / ٥١
ط - الثُّنْيَا (أَوِ اسْتِثْنَاءُ الْمَجْهُول فِي الْبَيْعِ):
٩٥ - وَرَدَ فِيهَا حَدِيثُ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ، وَالثُّنْيَا، إِلاَّ أَنْ تُعْلَمَ (١) وَمَعْنَى الثُّنْيَا: الاِسْتِثْنَاءُ، وَهِيَ فِي الْبَيْعِ: أَنْ يَبِيعَ شَيْئًا وَيَسْتَثْنِيَ بَعْضَهُ، فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَثْنَى مَعْلُومًا، كَشَجَرَةٍ مَعْلُومَةٍ مِنْ أَشْجَارٍ بِيعَتْ، صَحَّ الْبَيْعُ. وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا كَبَعْضِ الأَْشْجَارِ، لَمْ يَصِحَّ (٢) .
فَوَضَعَ الْفُقَهَاءُ لِذَلِكَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ، وَهِيَ: أَنَّ مَا جَازَ إِيرَادُ الْعَقْدِ عَلَيْهِ بِانْفِرَادِهِ صَحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْهُ. وَعَلَّقَ عَلَيْهَا ابْنُ عَابِدِينَ قَوْلَهُ: هَذِهِ قَاعِدَةٌ مَذْكُورَةٌ فِي عَامَّةِ الْمُعْتَبَرَاتِ، مُفَرَّعٌ عَلَيْهَا مَسَائِل (٣) .
وَأَشَارَ الشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا إِلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ، وَكَذَا الْحَنَابِلَةُ، وَسَمَّاهَا صَاحِبُ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ ضَابِطًا. فَقَال: وَضَابِطُ هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ مَا لاَ يَصِحُّ بَيْعُهُ مُنْفَرِدًا (٤) .
_________
(١) حديث: " نهى عن المحاقلة والمزابنة. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ٥٠ ط السلفية)، ومسلم (٣ / ١١٧٥ ط الحلبي) دون قوله " والثنيا إلا أن تعلم " وأخرج الشطر المذكور الترمذي (٣ / ٥٨٥ ط الحلبي)
(٢) نيل الأوطار ٥ / ١٥٠
(٣) انظر الدر المختار ٤ / ٤٠، وانظرها أيضا في تبيين الحقائق ٤ / ١٣
(٤) انظر شرح المحلي على المنهاج ٢ / ١٨١، والشرح الكبير في ذيل المغني ٤ / ٢٩
٩٦ - وَإِلَيْكَ بَعْضُ التَّطْبِيقَاتِ:
(أ) لَوْ بَاعَ هَذَا الْقَطِيعَ إِلاَّ شَاةً غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ، لَمْ يَصِحَّ فِي قَوْل أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ، وَذَلِكَ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الثُّنْيَا إِلاَّ أَنْ تُعْلَمَ، وَلأَِنَّهُ مَبِيعٌ مَجْهُولٌ فَلَمْ يَصِحَّ، فَصَارَ كَمَا لَوْ قَال: بِعْتُكَ شَاةً تَخْتَارُهَا مِنْ هَذَا الْقَطِيعِ. وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ بُسْتَانًا إِلاَّ شَجَرَةً غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ (١) .
وَمَالِكٌ ﵀ أَجَازَ ذَلِكَ، فَلِلْبَائِعِ عِنْدَهُ أَنْ يَبِيعَ الْبُسْتَانَ، وَيَسْتَثْنِيَ خَمْسًا مِنْ شَجَرَاتِهِ؛ لأَِنَّ الْبَائِعَ - فِي الْغَالِبِ - يَعْرِفُ جَيِّدَ شَجَرِ بُسْتَانِهِ وَرَدِيئَهُ، فَلاَ يُتَوَهَّمُ فِيهِ أَنَّهُ يَخْتَارُ ثُمَّ يَنْتَقِل، بِخِلاَفِ الْمُشْتَرِي الَّذِي يُتَوَهَّمُ فِيهِ التَّنَقُّل مِنْ وَاحِدَةٍ إِلَى أُخْرَى، وَيُؤَدِّي إِلَى التَّفَاضُل بَيْنَ الطَّعَامَيْنِ إِنْ كَانَا رِبَوِيَّيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا؛ لأَِنَّ الْمُنْتَقِل إِلَيْهِ يَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ أَقَل مِنَ الْمُنْتَقِل عَنْهُ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ مُسَاوِيًا، وَالشَّكُّ فِي التَّمَاثُل كَتَحَقُّقِ التَّفَاضُل، وَيُؤَدِّي إِلَى بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْل قَبْضِهِ إِنْ كَانَا مَكِيلَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا (٢) .
(ب) لَوْ بَاعَ هَذِهِ الصُّبْرَةَ مِنَ الْقَمْحِ وَنَحْوِهِ، إِلاَّ قَفِيزًا أَوْ رِطْلًا: - جَازَ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَمَالِكٍ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، لأَِنَّ الثُّنْيَا هُنَا مَعْلُومَةٌ، فَصَارَ كَمَا لَوِ
_________
(١) الدر المختار ورد المحتار ٤ / ٤١، والشرح الكبير في ذيل المغني ٤ / ٢٩، ٣٠
(٢) شرح الخرشي ٥ / ٧٣، ٧٤
اسْتَثْنَى مِنْهَا جُزْءًا مُشَاعًا - كَمَا سَيَأْتِي وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ؛ لأَِنَّ الْمَبِيعَ إِنَّمَا عُلِمَ بِالْمُشَاهَدَةِ لاَ بِالْقَدْرِ، وَالاِسْتِثْنَاءُ يُغَيِّرُ حُكْمَ الْمُشَاهَدَةِ، لأَِنَّهُ لاَ يَدْرِي كَمْ يَبْقَى فِي حُكْمِ الْمُشَاهَدَةِ، فَلَمْ يَجُزْ (١) .
(ج) لَوْ بَاعَ هَذَا الْقَطِيعَ إِلاَّ شَاةً مُعَيَّنَةً، أَوْ بَاعَ هَذَا الْبُسْتَانَ إِلاَّ شَجَرَةً بِعَيْنِهَا جَازَ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ الْمُسْتَثْنَى مَعْلُومٌ، وَلاَ يُؤَدِّي إِلَى الْجَهَالَةِ. وَالْمَبِيعُ مَعْلُومٌ بِالْمُشَاهَدَةِ، لِكَوْنِ الْمُسْتَثْنَى مَعْلُومًا، فَانْتَفَى الْمُفْسِدُ (٢) .
(د) - لَوْ بَاعَ الصُّبْرَةَ إِلاَّ أَرْطَالًا مَعْلُومَةً: - جَازَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، لأَِنَّهُ يَصِحُّ إِيرَادُ الْعَقْدِ عَلَيْهَا، إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ يَبْقَى أَكْثَرُ مِنَ الْمُسْتَثْنَى، وَيَكُونُ اسْتِثْنَاءَ الْقَلِيل مِنَ الْكَثِيرِ، كَمَا لَوِ اسْتَثْنَى رِطْلًا وَاحِدًا. وَكَذَا يَصِحُّ عِنْدَهُمْ لَوْ كَانَ اسْتِثْنَاءُ الأَْرْطَال الْمَعْلُومَةِ مِنْ ثَمَرٍ عَلَى رُءُوسِ النَّخْل، فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ (٣) .
- وَعِنْدَ أَحْمَدَ - وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهِيَ الأَْقْيَسُ بِمَذْهَبِهِ - لاَ يَجُوزُ هُنَا كَمَا فِي الصُّورَةِ الأُْولَى، إِنْ جَهِل الْمُتَعَاقِدَانِ كَمِّيَّةَ
_________
(١) الدر المختار ٤ / ٤١، والشرح الكبير في ذيل المغني ٤ / ٣٠. وعزاه إلى مالك وغيره
(٢» الدر المختار ٤ / ٤١، والشرح الكبير في ذيل المغني ٤ / ٣٠، وكشاف القناع ٣ / ١٦٨
(٣) رد المحتار ٤ / ٤١