الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٩ الصفحة 33

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٩

بَعْدَ اشْتِرَاطِ كَوْنِهِ مَمْلُوكًا. فَقَدْ يَمْلِكُ الإِْنْسَانُ مَالًا، وَلاَ يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ كَالْجَمَل الَّذِي شَرَدَ مِنْ صَاحِبِهِ، فَلاَ يَصِحُّ بَيْعُهُ فِي هَذِهِ الْحَال، لأَِنَّ مَا لاَ يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ شَبِيهٌ بِالْمَعْدُومِ، وَالْمَعْدُومُ لاَ يَصِحُّ بَيْعُهُ - كَمَا تَقَدَّمَ (١) - فَكَذَا مَا أَشْبَهَهُ.

وَمِمَّا يُمَثِّل بَيْعَ غَيْرِ مَقْدُورِ التَّسْلِيمِ: السَّمَكُ إِذَا وَقَعَ فِي الْبَحْرِ بَعْدَ امْتِلاَكِهِ، وَالطَّيْرُ الْمَمْلُوكُ إِذَا طَارَ فِي الْهَوَاءِ، وَالصَّيْدُ إِذَا انْفَلَتَ بَعْدَ صَيْدِهِ، وَمِنْهُ بَيْعُ الْعَبْدِ الآْبِقِ وَالشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ.

وَالآْبِقُ: مَنْ تَرَكَ سَيِّدَهُ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلاَ كَدِّ عَمَلٍ.

وَلِهَذَا قِيل: إِنْ كَانَ هُرُوبُهُ مِنْ خَوْفٍ أَوْ تَعَبٍ، يُقَال لَهُ: هَارِبٌ (٢) .

٣٣ - وَالْفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى فَسَادِ هَذَا الْعَقْدِ وَإِنْ تَرَدَّدَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْفَسَادِ وَالْبُطْلاَنِ مَعَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ: مِنْ أَنَّ ارْتِفَاعَ الْمُفْسِدِ يَرُدُّ الْعَقْدَ صَحِيحًا، لِقِيَامِ الْعَقْدِ مَعَ الْفَسَادِ، بِخِلاَفِ ارْتِفَاعِ الْمُبْطِل؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ مَعْدُومٌ مَعَهُ وَإِنْ رَجَّحَ الْكَمَال مِنْهُمُ الْفَسَادَ، لاِنْعِدَامِ الْقُدْرَةِ فِيهِ عَلَى التَّسْلِيمِ (٣) .

وَعَلَّلُوا فَسَادَ هَذَا الْعَقْدِ:

- بِالنَّهْيِ عَنْهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمُتَقَدِّمِ (٤)

_________

(١) راجع فيما تقدم (ف ٥ وما بعدها) من هذا البحث.

(٢) حاشية القليوبي على شرح المحلي ٢ / ١٥٩، والمصباح.

(٣) رد المحتار ٤ / ١١٣.

(٤) حديث أبي سعيد: سبق تخريجه (ف ٢٧) .

﴿نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شِرَاءِ مَا فِي بُطُونِ الأَْنْعَامِ. . . وَعَنْ شِرَاءِ الْعَبْدِ وَهُوَ آبِقٌ﴾ . - وَلأَِنَّهُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ، وَهُوَ شَرْطُ جَوَازِهِ (١) .

٣٤ - وَمَعَ ذَلِكَ، لَوْ حَصَل بَيْعُ الْعَبْدِ وَهُوَ آبِقٌ، فَفِيهِ هَذِهِ الصُّوَرُ التَّفْصِيلِيَّةُ الْمَذْهَبِيَّةُ:

الأُْولَى: أَنْ يَبِيعَهُ الْمَالِكُ مِمَّنْ هُوَ فِي يَدِهِ.

وَهَذِهِ الصُّورَةُ جَائِزَةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (٢)،، بَل قَطْعًا كَمَا يُعَبِّرُ الشَّافِعِيَّةُ (٣) وَهُوَ مُقْتَضَى نَصِّ ابْنِ قُدَامَةَ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّهُ: إِنْ حَصَل فِي يَدِ إِنْسَانٍ جَازَ بَيْعُهُ، لإِمْكَانِ تَسْلِيمِهِ (٤)، لَكِنَّ الْمُصَرَّحَ بِهِ فِي الْمَذْهَبِ الْحَنْبَلِيِّ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَوْ لِقَادِرٍ عَلَى تَحْصِيلِهِ (٥) .

غَيْرَ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ فَصَّلُوا فِي صَيْرُورَةِ الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ قَابِضًا بَعْدَ الْبَيْعِ:

أ - فَإِنْ كَانَ قَبَضَ الآْبِقَ حِينَ وَجَدَهُ لِنَفْسِهِ، لاَ لِيَرُدَّهُ عَلَى سَيِّدِهِ، وَلَمْ يُشْهِدْ عَلَى قَبْضِهِ لِسَيِّدِهِ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ قَابِضًا، لأَِنَّ قَبْضَهُ هَذَا قَبْضُ غَصْبٍ، وَهُوَ قَبْضُ ضَمَانٍ، كَقَبْضِ الْمَبِيعِ.

ب - وَإِنْ أَشْهَدَ عَلَى قَبْضِهِ عِنْدَمَا وَجَدَهُ

_________

(١) تبيين الحقائق ٤ / ٤٩، وبدائع الصنائع ٥ / ١٤٧.

(٢) الدر المختار ورد المحتار ٤ / ١١٢، وهو الذي يبدو من شرح الخرشي ٥ / ١٦.

(٣) حاشية القليوبي على شرح المحلي ٢ / ١٥٩.

(٤) المغني ٤ / ٢٧١، والشرح الكبير في ذيله ٤ / ٢٤.

(٥) كشاف القناع ٣ / ١٦٢، وانظر الإنصاف ٤ / ٢٩٣.

لاَ يَصِيرُ قَابِضًا؛ لأَِنَّ قَبْضَهُ هُوَ قَبْضُ أَمَانَةٍ، حَتَّى لَوْ هَلَكَ قَبْل أَنْ يَصِل إِلَى سَيِّدِهِ لاَ يَضْمَنُهُ، فَلاَ يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الضَّمَانِ، وَهُوَ قَبْضُ الْمَبِيعِ، لأَِنَّهُ أَقْوَى، وَلأَِنَّهُ مَضْمُونٌ بِالثَّمَنِ، وَلِهَذَا لَوْ هَلَكَ قَبْل أَنْ يَرْجِعَ إِلَى مَالِكِهِ، انْفَسَخَ الْبَيْعُ وَرَجَعَ بِالثَّمَنِ (١) .

الثَّانِيَةُ: أَنْ يَبِيعَهُ الْمَالِكُ مِمَّنْ هُوَ فِي يَدِ غَيْرِهِ. وَهَذِهِ الصُّورَةُ جَائِزَةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، بِشَرْطِ الْقُدْرَةِ عَلَى الاِنْتِزَاعِ وَالتَّحْصِيل - لَكِنْ بِسُهُولَةٍ كَمَا هُوَ نَصُّ الْمَالِكِيَّةِ (٢) - وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ (٣)، وَالْقَوْل الثَّانِي الْمُصَوَّبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَمُقْتَضَى نَصِّ ابْنِ قُدَامَةَ وَغَيْرِهِ (٤) .

لَكِنَّ الْحَنَفِيَّةَ نَصُّوا عَلَى فَسَادِ هَذِهِ الصُّورَةِ (٥)، وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ الآْخَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (٦)، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (٧) .

وَعَلَّلَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِعَجْزِ الْبَائِعِ عَنِ التَّسْلِيمِ.

_________

(١) الدر المختار ورد المحتار ٤ / ١١٢. وانظر الهداية وشروحها ٦ / ٥٩، والعناية على التخصيص.

(٢) شرح الدردير ٣ / ١١.

(٣) شرح المحلي على المنهاج ٢ / ١٥٨، وانظر تحفة المحتاج ٤ / ٢٤٣.

(٤) انظر الإنصاف ٤ / ٢٩٣، والمغني ٤ / ٢٧١.

(٥) الدر المختار ورد المحتار ٤ / ١١٢، وانظر تبيين الحقائق ٤ / ٥٠، وقارن بالبدائع ٥ / ١٤٧.

(٦) شرح المحلي على المنهاج ٢ / ١٥٨.

(٧) كشاف القناع ٣ / ١٦٢ وانظر الإنصاف ٤ / ٢٩٣.

الثَّالِثَةُ: أَنْ يَبِيعَهُ الْمَالِكُ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ، وَلَيْسَ هُوَ فِي يَدِ أَحَدٍ.

وَهَذِهِ الصُّورَةُ جَائِزَةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (١)، وَفِي الْقَوْل الثَّانِي عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (٢) .

لَكِنَّ الْقَلْيُوبِيَّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، قَيَّدَهَا بِأَنْ يَكُونَ الْمُشْرِي قَادِرًا عَلَى رَدِّهِ بِلاَ مَشَقَّةٍ لاَ تُحْتَمَل عَادَةً، وَبِلاَ مُؤْنَةٍ لَهَا وَقْعٌ (٣) .

وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ عَدَمُ جَوَازِهَا (٤) .

الرَّابِعَةُ: أَنْ يَبِيعَهُ مِمَّنْ لاَ يَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِهِ.

وَالإِْجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِهَا، وَهِيَ مَحْمَل الْحَدِيثِ.

٣٥ - وَيَتَّصِل بِبَيْعِ الآْبِقِ، بَيْعُ الْمَغْصُوبِ:

أ - فَإِنْ بَاعَهُ مِنْ غَاصِبِهِ، جَازَ بِالاِتِّفَاقِ، وَعَبَّرَ الشَّافِعِيَّةُ بِالْجَوَازِ هُنَا (٥) لأَِنَّ الْمَبِيعَ مُسَلَّمٌ بِالْفِعْل إِلَى الْمُشْتَرِي (٦)، (وَقَبْضُهُ بَعْدَ الْبَيْعِ، كَقَبْضِهِ قَبْلَهُ، فِي الْمَضْمُونِيَّةِ) . . وَقَيَّدَهُ - مَعَ

_________

(١) رد المحتار ٤ / ١١٢، والشرح الكبير للدردير ٢ / ١١، وتحفة المحتاج ٤ / ٢٤٣.

(٢) الإنصاف ٤ / ٢٩٣.

(٣) حاشية القليوبي على شرح المنهاج ٢ / ١٥٨.

(٤) كشاف القناع ٣ / ١٦٢، والإنصاف ٤ / ٢٩٣.

(٥) شرح المحلي على المنهاج ٢ / ١٥٨، وانظر الشرح الكبير في ذيل المغني ٤ / ٢٥، والإنصاف ٤ / ٢٩٤.

(٦) الشرح الكبير للدردير ٣ / ١١.

ذَلِكَ - الْمَالِكِيَّةُ بِشَرْطِ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْغَاصِبَ عَزَمَ عَلَى رَدِّهِ لِرَبِّهِ (١) .

ب - وَإِنْ بَاعَهُ مِنْ قَادِرٍ عَلَى انْتِزَاعِهِ أَوْ رَدِّهِ صَحَّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (٢)، وَهُوَ الْقَوْل الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. لَكِنَّهُمْ قَيَّدُوهُ بِتَيَسُّرِ وُصُولِهِ إِلَى الْمُشْتَرِي بِلاَ مُؤْنَةٍ وَلاَ مَشَقَّةٍ مَلْحُوظَةٍ عَلَيْهِ (٣)، فَإِنِ احْتَاجَ الرَّدُّ إِلَى مُؤْنَةٍ انْتَفَى الْمَنْعُ (٤) . كَمَا قَيَّدَهُ الْمَالِكِيَّةُ بِكَوْنِ الْغَاصِبِ مُقِرًّا مَقْدُورًا عَلَيْهِ، وَإِلاَّ لاَ. لأَِنَّ الْمَشْهُورَ عِنْدَهُمْ مَنْعُ شِرَاءِ مَا فِيهِ خُصُومَةٌ (٥) . وَالْمُقَرَّرُ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ بَيْعُ الْمَغْصُوبِ عِنْدَهُمْ إِلاَّ مِنْ غَاصِبٍ (٦)، كَالْحَنَابِلَةِ.

وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ، لِعَجْزِ الْبَائِعِ بِنَفْسِهِ عَنِ التَّسْلِيمِ (٧) . وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ (٨) .

وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ بَيْعَ الْمَغْصُوبِ مِنْ غَيْرِ الْغَاصِبِ يَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا عَلَى التَّسْلِيمِ، فَلَوْ سَلَّمَ نَفَذَ، وَإِلاَّ لاَ.

_________

(١) شرح الخرشي ٥ / ١٧.

(٢) المرجع السابق نفسه، وشرح المحلي على المنهاج ٢ / ١٥٨، والإنصاف ٤ / ٢٩٤.

(٣) تحفة المحتاج وحاشية الشبراملسي عليها ٤ / ٢٤٣.

(٤) شرح المنهج وحاشية الجمل عليه ٣ / ٢٨.

(٥) شرح الخرشي ٥ / ١٧.

(٦) القوانين الفقهية (١٦٤) وقارن بالشرح الكبير للدردير ٣ / ١١. وقارن بكشاف القناع ٣ / ١٦٢.

(٧) شرح المحلي على المنهاج ٢ / ١٥٨.

(٨) الإنصاف ٤ / ٢٩٤.

وَفَرَّقُوا بَيْنَ بَيْعِ الآْبِقِ - فَإِنَّهُ فَاسِدٌ بَل غَيْرُ مُنْعَقِدٍ - وَبَيْنَ بَيْعِ الْمَغْصُوبِ - فَإِنَّهُ صَحِيحٌ - بِأَنَّ الْمَالِكَ فِي بَيْعِ الْمَغْصُوبِ قَادِرٌ عَلَى التَّسْلِيمِ بِقُدْرَةِ الْحَاكِمِ، إِلاَّ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ لَمْ يَنْفُذْ لِلْحَال لِقِيَامِ يَدِ الْغَاصِبِ صُورَةً، فَإِذَا سَلَّمَ زَال الْمَانِعُ فَيَنْفُذُ.

وَهَذَا بِخِلاَفِ الآْبِقِ، لأَِنَّهُ - كَمَا قَال الْكَاسَانِيُّ -: مَعْجُوزُ التَّسْلِيمِ عَلَى الإِْطْلاَقِ إِذْ لاَ تَصِل إِلَيْهِ يَدُ أَحَدٍ، لِمَا أَنَّهُ لاَ يُعْرَفُ مَكَانُهُ، فَكَانَ الْعَجْزُ مُتَقَرِّرًا، وَالْقُدْرَةُ مُحْتَمَلَةً مَوْهُومَةً، فَلاَ يَنْعَقِدُ مَعَ الاِحْتِمَال، فَأَشْبَهَ بَيْعُ الآْبِقِ بَيْعَ الطَّيْرِ الَّذِي لَمْ يُوجَدْ وَبَيْعَ السَّمَكِ الَّذِي لَمْ يُوجَدْ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ، كَذَا هَذَا (١) .

الأَْسْبَابُ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِلاَزِمِ الْعَقْدِ

وَهِيَ:

الرِّبَا، وَمَا هُوَ ذَرِيعَةٌ إِلَيْهِ، وَالْغَرَرُ.

وَفِيمَا يَلِي أَسْبَابُ النَّهْيِ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالرِّبَا.

٣٦ - الرِّبَا فِي اللُّغَةِ: الزِّيَادَةُ وَفِي الاِصْطِلاَحِ الْفِقْهِيِّ: عَرَّفَهُ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ: فَضْلٌ - وَلَوْ حُكْمًا - خَالٍ عَنْ عِوَضٍ بِمِعْيَارٍ شَرْعِيٍّ، مَشْرُوطٌ لأَِحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، فِي الْمُعَاوَضَةِ. (٢) وَقَيْدُ الْحُكْمِيَّةِ، لإِدْخَال رِبَا النَّسِيئَةِ وَأَكْثَرِ

_________

(١) بدائع الصنائع ٥ / ١٤٧.

(٢) انظر الدر المختار، ورد المحتار ٤ / ١٧٦، ١٧٧. والتعريف المذكور للتمرتاشي في تنوير الأبصار

الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ؛ لأَِنَّ الرِّبَا نَوْعَانِ: رَبَا الْفَضْل، وَرِبَا النَّسِيئَةِ.

وَالرِّبَا مُحَرَّمٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الأُْمَّةِ.

قَال ابْنُ قُدَامَةَ: أَجْمَعَتِ الأُْمَّةُ عَلَى أَنَّ الرِّبَا مُحَرَّمٌ (١) بِنَوْعَيْهِ: الْفَضْل وَالنَّسِيئَةِ، وَيَجْرِي رِبَا الْفَضْل وَرِبَا النَّسِيئَةِ فِي بَعْضِ مَسَائِل الصَّرْفِ وَتَفْصِيلُهُ فِي (الصَّرْفِ) .

وَالرِّبَا مِنَ الْكَبَائِرِ، وَلَمْ يَحِل فِي شَرِيعَةٍ قَطُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ (٢)﴾ وَفِي الْحَدِيثِ لَعَنَ اللَّهُ آكِل الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ. وَقَال: هُمْ سَوَاءٌ (٣) وَلَيْسَ الْقَصْدُ هُنَا ذِكْرُ أَحْكَامِ الرِّبَا وَشُرُوطِهِ وَمَسَائِلِهِ، بَل يُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ تَحْتَ عِنْوَانِ (رِبا) .

وَالْقَصْدُ هُنَا التَّعَرُّفُ عَلَى أَحْكَامِ بَعْضِ الْبُيُوعِ الرِّبَوِيَّةِ، وَهِيَ الَّتِي وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهَا فِي السُّنَّةِ، وَمِنْ هَذِهِ الْبُيُوعِ مَا يَلِي:

_________

(١) المغني والشرح الكبير في ذيله ٤ / ١٢٢

(٢) سورة البقرة / ٢٧٨ - ٢٧٩

(٣) حديث: " لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٢١٩ ط عيسى الحلبي) من حديث جابر بن عبد الله. وانظر حاشية القليوبي على شرح المحلي على المنهاج ٢ / ١٦٦

أ - بَيْعُ الْعِينَةِ:

٣٧ - هُوَ: بَيْعُ الْعَيْنِ بِثَمَنٍ زَائِدٍ نَسِيئَةً لِيَبِيعَهَا الْمُسْتَقْرِضُ بِثَمَنٍ حَاضِرٍ أَقَل لِيَقْضِيَ دَيْنَهُ، كَمَا عَرَّفَهُ الْحَنَفِيَّةُ (١) وَهُنَاكَ تَعْرِيفَاتٌ وَصُوَرٌ أُخْرَى اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا وَفِي حُكْمِهَا.

وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (بَيْعُ الْعِينَةِ) .

ب - بَيْعُ الْمُزَابَنَةِ.

٣٨ - الْمُزَابَنَةُ: بَيْعُ التَّمْرِ عَلَى النَّخِيل بِتَمْرٍ مَجْذُوذٍ مِثْل كَيْلِهِ خَرْصًا (أَيْ ظَنًّا وَتَقْدِيرًا) وَذَلِكَ بِأَنْ يُقَدَّرَ الرُّطَبُ الَّذِي عَلَى النَّخِيل بِمِقْدَارِ مِائَةِ صَاعٍ مَثَلًا بِطَرِيقِ الظَّنِّ وَالْحَزْرِ، فَيَبِيعَهُ بِقَدْرِهِ مِنَ التَّمْرِ (٢) .

وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى فَسَادِ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْبَيْعِ.

وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (بَيْعُ الْمُزَابَنَةِ) .

ج - بَيْعُ الْمُحَاقَلَةِ:

٣٩ - الْمُحَاقَلَةُ: بَيْعُ الْحِنْطَةِ فِي سُنْبُلِهَا بِحِنْطَةٍ مِثْل كَيْلِهَا خَرْصًا (٣) .

وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْمُحَاقَلَةِ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ قَال: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ.

وَلِلتَّفْصِيل (ر: بَيْعُ الْمُحَاقَلَةِ)

_________

(١) ابن عابدين ٤ / ٢٧٩

(٢) فتح القدير والهداية ٦ / ٥٣، وابن عابدين ٤ / ١٠٩

(٣) الهداية مع شروحها ٦ / ٥٤

د - بَيْعُ الْعَرَايَا:

٤٠ - هُوَ: بَيْعُ الرُّطَبِ عَلَى النَّخْل بِتَمْرٍ فِي الأَْرْضِ، أَوِ الْعِنَبِ فِي الشَّجَرِ بِزَبِيبٍ (١) .

وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ الْعَرَايَا.

وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (بَيْعُ الْعَرَايَا)

هـ - بَيْعُ الْعُرْبُونِ:

٤١ - بَيْعُ الْعُرْبُونِ هُوَ: أَنْ يَشْتَرِيَ السِّلْعَةَ وَيَدْفَعَ إِلَى الْبَائِعِ دِرْهَمًا أَوْ أَكْثَرَ عَلَى أَنَّهُ إِنْ أَخَذَ السِّلْعَةَ احْتَسَبَ بِهِ مِنَ الثَّمَنِ، وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهَا فَهُوَ لِلْبَائِعِ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِهِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ، وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِهِ عَلَى تَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي (بَيْعُ الْعُرْبُونِ) .

و النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ:

٤٢ - وَرَدَ فِيهِ حَدِيثُ جَابِرٍ ﵁. قَال: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ، حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ: صَاعُ الْبَائِعِ، وَصَاعُ الْمُشْتَرِي (٢)

_________

(١) شرح المحلي على المنهاج ٢ / ٢٣٨

(٢) حديث: " نهى عن بيع الطعام. . . " أخرجه ابن ماجه (٢ / ٧٥٠ ط الحلبي) من حديث جابر وضعفه البوصيري، وأخرجه البزار من حديث أبي هريرة، وجود إسناده ابن حجر كما في الدراية (٢ / ١٥٥ ط مطبعة الفجالة) .

وَفِي مَعْنَاهُ وَرَدَ أَيْضًا حَدِيثُ عُثْمَانَ ﵁. قَال: كُنْتُ أَبْتَاعُ التَّمْرَ مِنْ بَطْنٍ مِنَ الْيَهُودِ يُقَال لَهُمْ: بَنُو قَيْنُقَاعَ، وَأَبِيعُهُ بِرِبْحٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَال: يَا عُثْمَانُ إِذَا اشْتَرَيْتَ فَاكْتَل، وَإِذَا بِعْتَ فَكِل (١) .

كَمَا وَرَدَ أَيْضًا حَدِيثُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَحَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ ﵄. كَانَا يَبْتَاعَانِ التَّمْرَ، وَيَجْعَلاَنِهِ فِي غَرَائِرَ، ثُمَّ يَبِيعَانِهِ بِذَلِكَ الْكَيْل، فَنَهَاهُمَا رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيعَاهُ حَتَّى يَكِيلاَ لِمَنِ ابْتَاعَهُ مِنْهُمَا (٢) .

وَهَذِهِ الأَْحَادِيثُ تَدُل عَلَى أَنَّ مَنِ اشْتَرَى شَيْئًا مُكَايَلَةً، وَقَبَضَهُ ثُمَّ بَاعَهُ إِلَى غَيْرِهِ، لَمْ يَجُزْ تَسْلِيمُهُ بِالْكَيْل الأَْوَّل، حَتَّى يَكِيلَهُ عَلَى مَنِ اشْتَرَاهُ ثَانِيًا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ، كَمَا حَكَاهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي (٣) .

وَنَصَّ ابْنُ الْهُمَامِ عَلَى أَنَّ هَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ ﵃ (٤) .

_________

(١) حديث: " يا عثمان إذا اشتريت. . . . " أخرجه أحمد (١ / ٦٢ ط الميمنية) من حديث عثمان بن عفان وأورده الهيثمي في المجمع (٤ / ٩٨ ط القدسي) وقال: إسناده حسن

(٢) حديث يحيى بن أبي كثير أخرجه عبد الرزاق (٨ / ٣٩) وفي إسناده انقطاع بين يحيى بن أبي كثير وبين الصحابي راوي الحديث (التهذيب لابن حجر ١١ / ٢٧٠ ط دائرة المعارف العثمانية)

(٣) نيل الأوطار ٥ / ١٦١

(٤) فتح القدير ٦ / ١٣٩