الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٩ الصفحة 14

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٩

الْبَيْعُ الْجَبْرِيُّ

تَعْرِيفُهُ:

١ - الْبَيْعُ الْجَبْرِيُّ مُرَكَّبٌ مِنْ لَفْظَيْنِ: " الْبَيْعُ " وَ" الْجَبْرِيُّ "

فَالْبَيْعُ مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ (١) . وَالْجَبْرِيُّ: مِنْ جَبَرَهُ عَلَى الأَْمْرِ جَبْرًا: حَمَلَهُ عَلَيْهِ قَهْرًا (٢) .

فَالْبَيْعُ الْجَبْرِيُّ فِي اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ هُوَ: الْبَيْعُ الْحَاصِل مِنْ مُكْرَهٍ بِحَقٍّ، أَوِ الْبَيْعُ عَلَيْهِ نِيَابَةً عَنْهُ، لإِيفَاءِ حَقٍّ وَجَبَ عَلَيْهِ، أَوْ لِدَفْعِ ضَرَرٍ، أَوْ تَحْقِيقِ مَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ (٣) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الإِْكْرَاهُ عَلَى الْبَيْعِ:

٢ - الإِْكْرَاهُ فِي اللُّغَةِ: حَمْل الإِْنْسَانِ عَلَى أَمْرٍ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ (٤) .

_________

(١) أسنى المطالب ٢ / ٢

(٢) المصباح المنير مادة: " جبر "

(٣) تعريف استخلصناه من أمثلة البيع الجبري، من كتب الفقه

(٤) مختار الصحاح، والمصباح المنير مادة " كره "، وابن عابدين ٥ / ٨٠.

وَفِي الشَّرْعِ: فِعْلٌ يُوجِدُهُ الْمُكْرِهُ فَيَدْفَعُ الْمُكْرَهَ إِلَى مَا طَلَبَ مِنْهُ (١) .

فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْعِ الْجَبْرِيِّ: أَنَّ الْبَيْعَ الْجَبْرِيَّ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِحَقٍّ، أَمَّا الْبَيْعُ بِالإِْكْرَاهِ فَهُوَ فِي الأَْصْل أَعَمُّ، لَكِنَّ الْغَالِبَ إِطْلاَقُهُ عَلَى الإِْكْرَاهِ بِلاَ حَقٍّ.

ب - بَيْعُ التَّلْجِئَةِ:

٣ - بَيْعُ التَّلْجِئَةِ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: أَنْ يُظْهِرَا عَقْدًا وَهُمَا لاَ يُرِيدَانِهِ، يَلْجَأُ إِلَيْهِ صَاحِبُ الْمَال خَوْفًا مِنْ عَدُوٍّ أَوْ سُلْطَانٍ جَائِرٍ (٢) .

فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْعِ الْجَبْرِيِّ أَنَّ بَيْعَ التَّلْجِئَةِ فِيهِ صُورَةُ الْبَيْعِ لاَ حَقِيقَتُهُ.

حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ:

٤ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ الْبَيْعِ الْجَبْرِيِّ بِاخْتِلاَفِ سَبَبِهِ، فَإِنْ كَانَ لإِيفَاءِ حَقٍّ، كَبَيْعِ مَالِهِ لإِيفَاءِ دَيْنٍ حَالٍّ، وَبِطَلَبِ صَاحِبِ الْحَقِّ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَكَذَا إِذَا كَانَ لِمَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ، كَتَوْسِعَةِ الْمَسْجِدِ الَّذِي ضَاقَ عَلَى الْمُصَلِّينَ، أَوِ الطَّرِيقِ الْعَامِّ (٣) .

وَيَقُومُ الْبَيْعُ فِي الْفِقْهِ الإِْسْلاَمِيِّ - كَسَائِرِ الْعُقُودِ الْقَوْلِيَّةِ - عَلَى التَّرَاضِي الْحُرِّ عَلَى إِنْشَائِهِ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ٨٠

(٢) حاشية ابن عابدين ٤ / ٢٤٤

(٣) الدسوقي ٣ / ٦ - ٧

مِنَ الْجَانِبَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (١)

وَخَبَرِ: إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ (٢) وَلاَ يُقِرُّ الْفُقَهَاءُ بَيْعًا لَمْ يَقُمْ عَلَى التَّرَاضِي مِنَ الْجَانِبَيْنِ: الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي، إِلاَّ مَا تُوجِبُهُ الْمَصْلَحَةُ الْعَامَّةُ لإِحْقَاقِ حَقٍّ، أَوْ تَحْقِيقِ مَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ، أَوْ دَفْعِ ضَرَرٍ خَاصٍّ أَوْ عَامٍّ، وَهُوَ مَا يُسَمَّى فِي عُرْفِهِمْ: الإِْكْرَاهُ الْمَشْرُوعُ، أَوِ الإِْكْرَاهُ بِحَقٍّ.

وَمِنْهَا: الْعُقُودُ الْجَبْرِيَّةُ الَّتِي يُجْرِيهَا الْحَاكِمُ، إِمَّا مُبَاشَرَةً نِيَابَةً عَمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ إِجْرَاؤُهَا، إِذَا امْتَنَعَ عَنْهَا، أَوْ يُجْبَرُ هُوَ عَلَى إِجْرَائِهَا.

وَيَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ أَمْثِلَةً لِلْجَبْرِ الْمَشْرُوعِ عَلَى الْبَيْعِ مِنْهَا:

إِجْبَارُ الْمَدِينِ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ:

٥ - يُجْبَرُ الْمَدِينُ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ لإِيفَاءِ دَيْنٍ حَالٍّ، إِذَا امْتَنَعَ عَنْ أَدَائِهِ وَلَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ، فَيَجْبُرُهُ الْحَاكِمُ عَلَى وَفَاءِ الدَّيْنِ بِالتَّعْزِيرِ عَلَيْهِ بِالْحَبْسِ أَوِ الضَّرْبِ، فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى الاِمْتِنَاعِ قَضَى الْحَاكِمُ الدَّيْنَ مِنْ مَالِهِ جَبْرًا عَلَيْهِ، إِذَا كَانَ لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ.

هَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ.

_________

(١) سورة النساء / ٢٩

(٢) حديث: " إنما البيع عن تراض " أخرجه ابن ماجه (٢ / ٧٣٧ - ط الحلبي) . وقال البوصيري: إسناده صحيح ورجاله موثقون.

أَمَّا إِذَا كَانَ مَالُهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الدَّيْنِ كَالْعَقَارِ وَالْعُرُوضِ، فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الإِْمَامَ يَبِيعُ مَالَهُ عَلَيْهِ جَبْرًا نِيَابَةً عَنْهُ (١) .

وَعِنْدَ الإِْمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ، لاَ يَبِيعُ الْحَاكِمُ مَالَهُ عَلَيْهِ، بَل يَحْبِسُهُ حَتَّى يَقُومَ بِإِيفَاءِ الدَّيْنِ بِبَيْعِ مَالِهِ أَوْ غَيْرِهِ؛ لأَِنَّ وِلاَيَةَ الْحَاكِمِ - فِي نَظَرِ الإِْمَامِ - عَلَى مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، لاَ عَلَى مَالِهِ، فَلَمْ يَنْفُذْ بَيْعُهُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَلأَِنَّ الْبَيْعَ تِجَارَةٌ وَلاَ يَصِحُّ إِلاَّ بِتَرَاضٍ، وَفِيهِ أَيْضًا نَوْعٌ مِنَ الْحَجْرِ الَّذِي لاَ يُجِيزُهُ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَدْ خَالَفَهُ صَاحِبَاهُ فِي ذَلِكَ، فَأَجَازَا بَيْعَ الْحَاكِمِ مَالَهُ لِوَفَاءِ دَيْنِهِ بَيْعًا جَبْرِيًّا، وَرَأْيُهُمَا هُوَ الْمُفْتَى بِهِ فِي الْمَذْهَبِ (٢) .

بَيْعُ الْمَرْهُونِ:

٦ - إِذَا رَهَنَ عَيْنًا بِدَيْنٍ حَالٍّ أَوْ مُؤَجَّلٍ، وَحَل الأَْجَل، وَامْتَنَعَ الْمَدِينُ عَنْ أَدَاءِ الدَّيْنِ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَى بَيْعِ الْمَرْهُونِ، أَوْ بَاعَ عَلَيْهِ نِيَابَةً عَنْهُ، لأَِنَّهُ حَقٌّ وَجَبَ عَلَيْهِ، فَإِذَا امْتَنَعَ عَنْ أَدَائِهِ قَامَ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ فِي أَدَائِهِ، كَالإِْيفَاءِ فِي جِنْسِ الدَّيْنِ. وَلِلتَّفْصِيل ر: (رَهْن) .

وَقَال الإِْمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ: لاَ يَبِيعُ عَرَضَهُ

_________

(١) روضة الطالبين ٤ / ١٣٧، وبداية المجتهد ٢ / ٣٠٧ - ٣٠٨، والدسوقي ٣ / ٢٦٩، والإنصاف ٥ / ٢٧٦، والمغني ٤ / ٤٨٤، والاختيار لتعليل المختار ٢ / ٩٨

(٢) ابن عابدين ٥ / ٩٥، والاختيار ٢ / ٩٨

وَلاَ عَقَارَهُ، بَل يَحْبِسُهُ حَتَّى يَرْضَى بِبَيْعِ مَالِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ (١) .

جَبْرُ الْمُحْتَكِرِ:

٧ - إِذَا كَانَ عِنْدَ إِنْسَانٍ طَعَامٌ فَاضِلٌ عَنْ حَاجَتِهِ، يَحْتَاجُ إِلَيْهِ النَّاسُ وَامْتَنَعَ عَنْ بَيْعِهِ لَهُمْ، أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَى بَيْعِهِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ (٢) . وَلِلتَّفْصِيل ر: (احْتِكَار)

الْجَبْرُ عَلَى الْبَيْعِ لِلنَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ:

٨ - إِذَا امْتَنَعَ الْمُكَلَّفُ عَنِ الإِْنْفَاقِ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ كَالزَّوْجَةِ وَالأَْوْلاَدِ وَالأَْبَوَيْنِ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ نَقْدٌ ظَاهِرٌ بَاعَ الْحَاكِمُ عُرُوضَهُ أَوْ عَقَارَهُ لِلإِْنْفَاقِ عَلَيْهِمْ.

وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي (النَّفَقَة) .

الأَْخْذُ بِالشُّفْعَةِ جَبْرًا:

٩ - الشُّفْعَةُ حَقٌّ مَنَحَهُ الشَّرْعُ لِلشَّرِيكِ الْقَدِيمِ، أَوِ الْجَارِ الْمُلاَصِقِ، فَيَتَمَلَّكُ الشِّقْصَ الْمَبِيعَ عَنْ مُشْتَرِيهِ بِمَا قَامَ عَلَيْهِ مِنَ الثَّمَنِ وَالتَّكَالِيفِ جَبْرًا عَلَيْهِ.

وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ (شُفْعَة) .

_________

(١) روضة الطالبين ٤ / ٨٨، وحاشية الدسوقي ٣ / ١٥١، والمغني ٤ / ٤٤٧، وابن عابدين ٥ / ٣٢٥

(٢) ابن عابدين ٥ / ٢٥٦، وقليوبي ٢ / ١٥٦.

بَيْعُ الْجُزَافِ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْجُزَافُ اسْمٌ مِنْ جَازَفَ مُجَازَفَةً مِنْ بَابِ قَاتَل، وَالْجُزَافُ بِالضَّمِّ خَارِجٌ عَنِ الْقِيَاسِ وَالْقِيَاسُ بِكَسْرِ الْجِيمِ.

وَهُوَ فِي اللُّغَةِ مِنَ الْجَزْفِ، أَيِ الأَْخْذُ بِكَثْرَةٍ، وَجَزَفَ فِي الْكَيْل جَزْفًا: أَكْثَرَ مِنْهُ. وَيُقَال لِمَنْ يُرْسِل كَلاَمَهُ إِرْسَالًا مِنْ غَيْرِ قَانُونٍ: جَازَفَ فِي كَلاَمِهِ، فَأُقِيمَ نَهْجُ الصَّوَابِ فِي الْكَلاَمِ مَقَامَ الْكَيْل وَالْوَزْنِ (١) .

وَبَيْعُ الْجُزَافِ اصْطِلاَحًا: هُوَ بَيْعُ مَا يُكَال، أَوْ يُوزَنُ، أَوْ يُعَدُّ، جُمْلَةً بِلاَ كَيْلٍ وَلاَ وَزْنٍ، وَلاَ عَدٍّ (٢) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٢ - الأَْصْل أَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ عَقْدِ الْبَيْعِ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مَعْلُومًا، وَلَكِنْ لاَ يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِهِ مِنْ كُل وَجْهٍ، بَل يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِعَيْنِ الْمَبِيعِ وَقَدْرِهِ وَصِفَتِهِ، وَفِي بَيْعِ الْجُزَافِ يَحْصُل الْعِلْمُ

_________

(١) لسان العرب، والمصباح المنير مادة " جزف "

(٢) الشرح الصغير ٣ / ٣٥

بِالْقَدْرِ، كَبَيْعِ صُبْرَةِ طَعَامٍ، دُونَ مَعْرِفَةِ كَيْلِهَا أَوْ وَزْنِهَا، وَبَيْعِ قَطِيعِ الْمَاشِيَةِ دُونَ مَعْرِفَةِ عَدَدِهَا، وَبَيْعِ الأَْرْضِ دُونَ مَعْرِفَةِ مِسَاحَتِهَا، وَبَيْعِ الثَّوْبِ دُونَ مَعْرِفَةِ طُولِهِ.

وَبَيْعُ الْجُزَافِ اسْتُثْنِيَ مِنَ الأَْصْل لِحَاجَةِ النَّاسِ وَاضْطِرَارِهِمْ إِلَيْهِ، بِمَا يَقْتَضِي التَّسْهِيل فِي التَّعَامُل. قَال الدُّسُوقِيُّ: الأَْصْل فِي بَيْعِ الْجُزَافِ مَنْعُهُ، وَلَكِنَّهُ خُفِّفَ فِيمَا شَقَّ عِلْمُهُ مِنَ الْمَعْدُودِ، أَوْ قَل جَهْلُهُ فِي الْمَكِيل وَالْمَوْزُونِ (١) .

وَدَلِيلُهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵄ كُنَّا نَشْتَرِي الطَّعَامَ مِنَ الرُّكْبَانِ جُزَافًا، فَنَهَانَا رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ نَبِيعَهُ حَتَّى نَنْقُلَهُ مِنْ مَكَانِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: رَأَيْتُ النَّاسَ فِي عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا ابْتَاعُوا الطَّعَامَ جُزَافًا يَضْرِبُونَ فِي أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِ، وَذَلِكَ حَتَّى يُؤْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ.

وَفِي رِوَايَةٍ: يُحَوِّلُوهُ وَفِي أُخْرَى: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ يَشْتَرِي الطَّعَامَ جُزَافًا فَيَحْمِلُهُ إِلَى أَهْلِهِ (٢) فَدَل عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَعَامَلُونَ بِبَيْعِ الْجُزَافِ، فَيَكُونُ هَذَا دَالًّا عَلَى جَوَازِهِ، وَأَلْفَاظُ الرِّوَايَةِ

_________

(١) الدسوقي ٣ / ٢٠

(٢) حديث: " كنا نشتري الطعام من الركبان جزافا، فنهانا رسول الله ﷺ أن نبيعه حتى ننقله من مكانه ". أخرجه مسلم (٣ / ١١٦١ ط الحلبي)

تَدُل عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي عَهْدِ الرَّسُول ﷺ، مِمَّا يُفِيدُ حُكْمَ الرَّفْعِ.

وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِهِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، وَالأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ جَوَازُهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ (١) .

شُرُوطُ بَيْعِ الْجُزَافِ:

٣ - اشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ لِجَوَازِ بَيْعِ الْجُزَافِ سِتَّةَ شُرُوطٍ:

(أ) أَنْ يُرَى الْمَبِيعُ جُزَافًا حَال الْعَقْدِ، أَوْ قَبْلَهُ إِذَا اسْتَمَرَّ عَلَى حَالِهِ إِلَى وَقْتِ الْعَقْدِ دُونَ تَغْيِيرٍ، وَهَذَا مَا لَمْ يَلْزَمْ عَلَى الرُّؤْيَةِ فَسَادُ الْمَبِيعِ، كَقِلاَل الْخَل الْمُطَيَّنَةِ يُفْسِدُهَا فَتْحُهَا، فَيُكْتَفَى بِرُؤْيَتِهَا فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ.

(ب) أَنْ يَجْهَل الْمُتَبَايِعَانِ مَعًا قَدْرَ الْكَيْل أَوِ الْوَزْنِ أَوِ الْعَدَدِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَعْلَمُ قَدْرَهَا فَلاَ يَصِحُّ.

(ج) أَنْ يَحْزِرَا وَيُقَدِّرَا قَدْرَهُ عِنْدَ إِرَادَةِ الْعَقْدِ عَلَيْهِ.

(د) أَنْ تَسْتَوِيَ الأَْرْضُ الَّتِي يُوضَعُ عَلَيْهَا الْمَبِيعُ.

(هـ) أَلاَ يَكُونَ مَا يُرَادُ بَيْعُهُ جُزَافًا كَثِيرًا جِدًّا،

_________

(١) نهاية المحتاج ٣ / ٣٩٢، وحاشية الدسوقي ٣ / ٢٠، وكشاف القناع ٣ / ١٦٩، وتبيين الحقائق ٤ / ٥، وروضة الطالبين ٣ / ٣٥٨

لِتَعَذُّرِ تَقْدِيرِهِ. سَوَاءٌ كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا أَوْ مَعْدُودًا.

كَمَا يُشْتَرَطُ أَلاَ يَقِل جِدًّا إِنْ كَانَ مَعْدُودًا، لأَِنَّهُ لاَ مَشَقَّةَ فِي مَعْرِفَةِ قَدْرِهِ بِالْعَدِّ.

أَمَّا إِنْ كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا فَيَجُوزُ وَإِنْ قَل جِدًّا.

وَأَنْ يَشُقَّ عَدُّهُ وَلاَ تُقْصَدُ أَفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ، سَوَاءٌ قَل ثَمَنُهُ أَوْ لَمْ يَقِل كَالْبَيْضِ. وَإِذَا قُصِدَتْ أَفْرَادُهُ جَازَ بَيْعُهُ جُزَافًا إِنْ قَل ثَمَنُهُ بِالنِّسْبَةِ لِبَعْضِهَا مَعَ بَعْضٍ. وَمُنِعَ مِنْ بَيْعِهِ جُزَافًا إِنْ لَمْ يَقِل ثَمَنُهَا كَالثِّيَابِ.

أَمَّا إِذَا لَمْ يَشُقَّ عَدُّهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُبَاعَ جُزَافًا، سَوَاءٌ أَقُصِدَتْ أَفْرَادُهُ أَمْ لَمْ تُقْصَدْ، قَل ثَمَنُهَا أَوْ لَمْ يَقِل (١) .

وَانْفَرَدَ الْمَالِكِيَّةُ فِي تَفْصِيل الشُّرُوطِ عَلَى هَذَا النَّحْوِ، وَإِنْ كَانَ مِنْهَا مَا شَارَكَهُمْ غَيْرُهُمْ فِي اعْتِبَارِهَا، كَمَا فِي الشَّرْطِ الأَْوَّل وَالثَّانِي وَالرَّابِعِ. كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ.

وَلِبَيْعِ الْجُزَافِ صُوَرٌ تَخْتَلِفُ أَحْكَامُهَا عَلَى التَّفْصِيل التَّالِي:

بَيْعُ الصُّبْرَةِ جُزَافًا:

٤ - الصُّبْرَةُ هِيَ: الْكَوْمَةُ الْمُجْتَمِعَةُ مِنَ الطَّعَامِ وَنَحْوِهِ. وَالصُّبْرَةُ الْمَجْهُولَةُ الْقَدْرِ الْمَعْلُومَةُ بِالرُّؤْيَةِ، إِمَّا أَنْ تُبَاعَ بِثَمَنٍ إِجْمَالِيٍّ، وَإِمَّا أَنْ تُبَاعَ

_________

(١) الشرح الصغير ٣ / ٣٥ - ٣٧

عَلَى أَسَاسِ السِّعْرِ الإِْفْرَادِيِّ، كَمَا لَوْ قَال: كُل صَاعٍ مِنْهَا بِكَذَا.

فَأَمَّا النَّوْعُ الأَْوَّل، فَقَدْ قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ نَعْلَمُ فِي جَوَازِهِ خِلاَفًا إِنْ كَانَ مِمَّا يَتَسَاوَى أَجْزَاؤُهُ. وَيُشْتَرَطُ عِنْدَ الْجَمِيعِ أَنْ لاَ يَكُونَ مِنَ الأَْمْوَال الرِّبَوِيَّةِ إِذَا بِيعَ شَيْءٌ مِنْهَا بِجِنْسِهِ كَمَا يَأْتِي (١) .

وَأَمَّا الثَّانِي: وَهُوَ بَيْعُ الصُّبْرَةِ الَّتِي يُجْهَل مِقْدَارُ كَيْلِهَا أَوْ وَزْنِهَا عَلَى أَسَاسِ سِعْرِ وَحْدَةِ الْكَيْل أَوِ الْوَزْنِ، فَقَدْ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: إِلَى جَوَازِ بَيْعِ الصُّبْرَةِ الَّتِي يُجْهَل عَدَدُ صِيعَانِهَا مُجَازَفَةً، بِأَنْ يَقُول: بِعْتُكَ هَذِهِ الصُّبْرَةَ مِنَ الطَّعَامِ كُل صَاعٍ بِدِرْهَمٍ؛ لأَِنَّ رُؤْيَةَ الصُّبْرَةِ تَكْفِي فِي تَقْدِيرِهَا، وَلاَ يَضُرُّ الْجَهْل بِجُمْلَةِ الثَّمَنِ؛ لأَِنَّ بِالإِْمْكَانِ مَعْرِفَتُهُ بِالتَّفْصِيل بِكَيْل الصُّبْرَةِ، فَيَرْتَفِعُ الْغَرَرُ، وَتَزُول الْجَهَالَةُ.

وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِلَى أَنَّ الْبَيْعَ يَجُوزُ فِي قَفِيزٍ وَاحِدٍ، وَلاَ يَجُوزُ فِي الصُّبْرَةِ كُلِّهَا، إِلاَّ إِذَا عُرِفَ عَدَدُ الصِّيعَانِ، وَذَلِكَ لِتَعَذُّرِ صَرْفِ الْبَيْعِ إِلَى الْكُل لِلْجَهَالَةِ بِالْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ، فَيُصْرَفُ إِلَى الأَْقَل وَهُوَ مَعْلُومٌ.

فَإِذَا زَالَتِ الْجَهَالَةُ بِتَسْمِيَةِ جُمْلَةِ الْقُفْزَانِ، أَوْ بِأَنْ تُكَال الصُّبْرَةُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ، جَازَ بَيْعُ

_________

(١) المغني ٤ / ١٤٤