الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٩
الْوَصْفِ الْمُجَاوِرِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (١) .
وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ عَلَى ذَلِكَ بِمَا يَأْتِي:
أ - الْبَيْعُ الْبَاطِل أَوِ الْفَاسِدُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ شَرْعًا، وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ يَكُونُ حَرَامًا، وَالْحَرَامُ لاَ يَصْلُحُ سَبَبًا لِتَرَتُّبِ الأَْثَرِ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ النَّهْيَ عَنِ التَّصَرُّفِ إِنَّمَا هُوَ لِبَيَانِ أَنَّ ذَلِكَ التَّصَرُّفَ قَدْ خَرَجَ عَنِ اعْتِبَارِهِ وَشَرْعِيَّتِهِ.
ب - قَال النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ (٢) وَالْبَيْعُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ وَقَعَ عَلَى غَيْرِ مَا أَمَرَ بِهِ الشَّارِعُ، فَيَكُونُ مَرْدُودًا، فَكَأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ.
ج - أَجْمَعَ سَلَفُ الأُْمَّةِ عَلَى الاِسْتِدْلاَل بِالنَّهْيِ عَلَى الْفَسَادِ (٣)، فَفَهِمُوا فَسَادَ الرِّبَا مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ (٤) وَقَوْلَهُ ﷺ: ﴿
_________
(١) حاشية الدسوقي ٣ / ٥٤، والقوانين الفقهية لابن جزي / ١٧٠، ونهاية المحتاج ٣ / ٤٢٩، وأشباه السيوطي / ٣١٢ ط عيسى الحلبي، وروضة الناظر / ١١٣، والمغني ٤ / ٢٢٩ وما بعدها، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ١٥٤، ١٥٦، ١٥٧، والبدائع ٥ / ٢٩٩، ٣٠٠، وبداية المجتهد ٢ / ١٢٥ - ١٦٧ - ١٦٩.
(٢) حديث: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ٣١ ط السلفية)، ومسلم (٣ / ١٣٤٢ ط الحلبي) .
(٣) ينظر كتاب تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد، لصلاح الدين بن كيكلدي العلائي، رسالة دكتوراه، تحقيق د. محمد إبراهيم السلقيني، من مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق.
(٤) سورة البقرة / ٢٧٨.
لاَ تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلاَّ مِثْلًا بِمِثْلٍ (١) وَنَهَى ﷺ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ (٢) .
هَذَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ: أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَإِنَّ سَبَبَ بُطْلاَنِ الْبَيْعِ عِنْدَهُمْ يَرْجِعُ إِلَى اخْتِلاَل رُكْنِ الْبَيْعِ أَوْ شَرْطٍ مِنْ شَرَائِطِ الاِنْعِقَادِ، فَإِذَا تَخَلَّفَ الرُّكْنُ أَوْ شَرْطٌ مِنْ شَرَائِطِ الاِنْعِقَادِ كَانَ الْبَيْعُ بَاطِلًا وَلاَ وُجُودَ لَهُ، لأَِنَّهُ لاَ وُجُودَ لِلتَّصَرُّفِ إِلاَّ مِنَ الأَْهْل فِي الْمَحَل حَقِيقَةً، وَيَكُونُ الْعَقْدُ فَائِتَ الْمَعْنَى مِنْ كُل وَجْهٍ، إِمَّا لاِنْعِدَامِ مَعْنَى التَّصَرُّفِ كَبَيْعِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ، أَوْ لاِنْعِدَامِ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ كَبَيْعِ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لاَ يَعْقِل.
أَمَّا اخْتِلاَل شَرْطٍ مِنْ شَرَائِطِ الصِّحَّةِ فَلاَ يُجْعَل الْبَيْعُ بَاطِلًا، كَمَا هُوَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، بَل يَكُونُ فَاسِدًا.
_________
(١) حديث: " لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٣٧٩ ط السلفية)، ومسلم (٣ / ١٢٠٨ ط الحلبي) .
(٢) جمع الجوامع ١ / ١٠٥، وروضة الناظر / ١١٣، والمستصفى للغزالي ٢ / ٢٦، ٢٧، وحاشية الدسوقي ٣ / ٥٤، وبداية المجتهد ٢ / ١٦٧ - ١٦٩، والفروق للقرافي ٢ / ٨٢، ٨٤، ونهاية المحتاج ٣ / ٤٢٩، والمنثور في القواعد ٣ / ٧، ٣١٣، والمغني ٤ / ٢٢٩ - ٢٥٨، ومنتهى الإرادات ٢ / ١٥٤ - ١٥٧. وحديث: " نهى عن بيع وشرط. . . ". أخرجه الطبراني في الأوسط كما في نصب الراية، ونقل الزيلعي عن ابن القطان أنه ضعيف (نصب الراية ٤ / ١٨ - ط المجلس العلمي) .
وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ مَشْرُوعٌ فَيُفِيدُ الْمِلْكَ فِي الْجُمْلَةِ، وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّهُ مَشْرُوعٌ بِأَصَلِهِ: النُّصُوصُ الْعَامَّةُ الْمُطْلَقَةُ فِي بَابِ الْبَيْعِ مِنْ نَحْوِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَحَل اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (١) وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا وَرَدَ مِنَ النُّصُوصِ الْعَامَّةِ فِي هَذَا الْبَابِ (٢) .
وَيُلْحَظُ هُنَا أَنَّ بَعْضَ الشَّافِعِيَّةِ يُسَايِرُونَ الْمَذْهَبَ الْحَنَفِيَّ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْبَيْعِ الْبَاطِل وَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ، رَغْمَ أَنَّ الْقَوَاعِدَ الْعَامَّةَ عِنْدَهُمْ تُخَالِفُ ذَلِكَ.
جَاءَ فِي أَسْنَى الْمَطَالِبِ: فَرَّقَ الأَْصْحَابُ بَيْنَ الْبَاطِل وَالْفَاسِدِ، فَقَالُوا: إِنْ رَجَعَ الْخَلَل إِلَى رُكْنِ الْعَقْدِ كَبَيْعِ الصَّبِيِّ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ رَجَعَ إِلَى شَرْطِهِ أَوْ صِفَتِهِ فَهُوَ فَاسِدٌ (٣) .
٧ - بَعْدَ هَذَا التَّفْرِيقِ بَيْنَ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْجُمْهُورِ، هُنَاكَ مِنَ الْبُيُوعِ الْبَاطِلَةِ مَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى بُطْلاَنِهَا بَيْنَ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ، كَالْبَيْعِ الَّذِي حَدَثَ خَلَلٌ فِي رُكْنِهِ، أَوْ فِي شَرْطٍ مِنْ شَرَائِطِ انْعِقَادِهِ، كَبَيْعِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَالْمَلاَقِيحِ وَالْمَضَامِينِ فَهَذِهِ مُتَّفَقٌ عَلَى بُطْلاَنِهَا.
وَهُنَاكَ مِنَ الْبُيُوعِ مَا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِي بُطْلاَنِهِ بَيْنَ
_________
(١) سورة البقرة / ٢٧٥.
(٢) البدائع ٥ / ٢٩٩، ٣٠٠، والزيلعي ٤ / ٦٣، والتلويح على التوضيح ٢ / ١٢٣، وجمع الجوامع ١ / ١٠٥ - ١٠٧.
(٣) أسنى المطالب شرح روض الطالب مع حاشية الرملي ٢ / ١٧١.
الْمَذَاهِبِ، وَهُوَ مَا رَجَعَ الْخَلَل فِيهَا لِغَيْرِ مَا سَبَقَ.
فَبَيْعُ الْفُضُولِيِّ مَثَلًا صَحِيحٌ، وَلَكِنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى الإِْجَازَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ بَاطِلٌ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَالْبَيْعُ عِنْدَ النِّدَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَاطِلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. وَمِثْل ذَلِكَ يُقَال فِي بَيْعِ الْمُعَاطَاةِ، وَبَيْعِ الْكَلْبِ الْمَأْذُونِ فِي اتِّخَاذِهِ، وَبَيْعِ النَّجْشِ، وَهَكَذَا.
وَيَرْجِعُ سَبَبُ الاِخْتِلاَفِ فِي الْحُكْمِ عَلَى مِثْل هَذِهِ الْبُيُوعِ بِالْبُطْلاَنِ أَوْ عَدَمِهِ إِلَى الاِخْتِلاَفِ فِي الدَّلِيل (١) .
مَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَيْعِ الْبَاطِل مِنْ أَحْكَامٍ:
٨ - الْبَيْعُ الْبَاطِل لاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَثَرٌ، لأَِنَّهُ لاَ وُجُودَ لَهُ إِلاَّ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ، وَهُوَ مَنْقُوضٌ مِنْ أَسَاسِهِ، وَلاَ يَحْتَاجُ لِحُكْمِ حَاكِمٍ لِنَقْضِهِ (٢) .
وَلاَ تَلْحَقُهُ الإِْجَازَةُ لأَِنَّهُ مَعْدُومٌ، وَالإِْجَازَةُ لاَ تَلْحَقُ الْمَعْدُومَ.
وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ فِي الْبَيْعِ الْمُجْمَعِ عَلَى بُطْلاَنِهِ، وَأَمَّا الْبَيْعُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ كَبَيْعِ الْفُضُولِيِّ،
فَإِنَّهُ إِذَا حَكَمَ حَاكِمٌ بِصِحَّتِهِ صَحَّ الْعَقْدُ قَضَاءً،
_________
(١) الفروق للقرافي ٢ / ٨٢، ٨٣، والفرق: ٧٠، ومنح الجليل ٢ / ٥٥٠، وبداية المجتهد ٢ / ١٩٣ وينظر ص ١٦٧.
(٢) البدائع ٥ / ٣٠٥، وابن عابدين ٤ / ١٠٥، وحاشية الدسوقي ٣ / ٥٤، ومنتهى الإرادات ٢ / ١٩٠
حَتَّى عِنْدَ مَنْ يَقُول بِبُطْلاَنِهِ وَهُمُ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ؛ لأَِنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ يَرْفَعُ الْخِلاَفَ. وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ: أَنَّهُ تَلْحَقُهُ الإِْجَازَةُ (١) .
وَإِذَا وَقَعَ الْبَيْعُ الْبَاطِل، فَإِنَّ وُجُودَهُ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ يَتَعَلَّقُ بِهِ بَعْضُ الأَْحْكَامِ. وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
أ - التَّرَادُّ:
٩ - إِذَا وَقَعَ الْبَيْعُ الْبَاطِل وَحَدَثَ فِيهِ تَسْلِيمُ شَيْءٍ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ وَجَبَ رَدُّهُ؛ لأَِنَّ الْبَيْعَ الْبَاطِل لاَ يُفِيدُ الْمِلْكَ بِالْقَبْضِ، وَيَجِبُ عَلَى كُلٍّ مِنَ الطَّرَفَيْنِ رَدُّ مَا أَخَذَهُ إِنْ كَانَ بَاقِيًا، وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ (٢) .
يَقُول ابْنُ رُشْدٍ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْبُيُوعَ الْفَاسِدَةَ إِذَا وَقَعَتْ وَلَمْ تَفُتْ، حُكْمُهَا الرَّدُّ، أَيْ أَنْ يَرُدَّ الْبَائِعُ الثَّمَنَ، وَيَرُدَّ الْمُشْتَرِي الْمَثْمُونَ (٣)
وَرَدُّ الْمَبِيعِ يَكُونُ مَعَ نَمَائِهِ الْمُتَّصِل وَالْمُنْفَصِل
_________
(١) ابن عابدين ٤ / ٧، ومنح الجليل ٢ / ٥٧٢، وكشاف القناع ٣ / ١٥٧، ونهاية المحتاج ٣ / ٣٨٩، ٣٩٠، وقليوبي وعميرة ٢ / ١٦٠، وحاشية الدسوقي ٣ / ٧١.
(٢) البدائع ٥ / ٣٠٥، وابن عابدين ٤ / ١٠٥ والدسوقي ٣ / ٧١، والقوانين الفقهية ص ١٧٢، ١٧٣، ونهاية المحتاج ٣ / ٣٦٤، ٤٣٥، وكشاف القناع ٣ / ١٥٠، المغني ٤ / ٢٥٢، ٢٥٣.
(٣) بداية المجتهد ٢ / ١٩٣ ط عيسى الحلبي.
وَأُجْرَةُ مِثْلِهِ مُدَّةَ بَقَائِهِ فِي يَدِهِ، وَإِنْ نَقَصَ ضَمِنَ نَقْصَهُ، لأَِنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ، فَأَجْزَاؤُهَا تَكُونُ مَضْمُونَةً أَيْضًا.
صَرَّحَ بِهَذَا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ مَا تُفِيدُهُ قَوَاعِدُ الْمَذْهَبِ الْحَنَفِيِّ.
أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَإِنَّ تَغَيُّرَ الذَّاتِ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ يُعْتَبَرُ فَوْتًا يَنْتَقِل الْحَقُّ فِيهِ إِلَى الضَّمَانِ (١)
ب - التَّصَرُّفُ فِي الْمَبِيعِ:
١٠ - إِذَا تَصَرَّفَ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ بَيْعًا بَاطِلًا بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَلاَ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ، لأَِنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ، فَيَكُونُ قَدْ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِدُونِ إِذْنِهِ، وَتَكُونُ تَصَرُّفَاتُهُ كَتَصَرُّفَاتِ الْغَاصِبِ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا التَّصَرُّفَ لاَ يَمْنَعُ الرَّدَّ لِعَدَمِ نُفُوذِهِ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَإِنَّ التَّصَرُّفَ فِي الْمَبِيعِ يُعْتَبَرُ مُفَوِّتًا، وَيَنْتَقِل الْحَقُّ فِيهِ إِلَى الضَّمَانِ (٢) .
ج - الضَّمَانُ:
١١ - إِذَا تَلِفَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، فَالصَّحِيحُ
_________
(١) روضة الطالبين ٣ / ٤٠٨، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٣ / ٨٤، والمغني ٤ / ٢٥٣، والقوانين الفقهية / ١٧٢، وبداية المجتهد ٢ / ١٩٣.
(٢) الفتاوى الخانية بهامش الهندية ٢ / ١٣٣، والدسوقي ٣ / ٧١، ٧٤، وحاشية الجمل على المنهج ٣ / ٨٤، ٨٥، والمغني ٤ / ٢٥٥.
عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ بِالْمِثْل فِي الْمِثْلِيِّ وَالْقِيمَةِ فِي الْمُتَقَوَّمِ.
وَالْقِيمَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تُقَدَّرُ بِأَقْصَى الْقِيَمِ فِي الْمُتَقَوَّمِ مِنْ وَقْتِ الْقَبْضِ إِلَى وَقْتِ التَّلَفِ، وَفِي وَجْهٍ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ التَّلَفِ، وَفِي وَجْهٍ يَوْمَ الْقَبْضِ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ يَوْمَ تَلِفَ بِبَلَدِ قَبْضِهِ فِيهِ، قَالَهُ الْقَاضِي، وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَيْهِ فِي الْغَصْبِ، وَلأَِنَّهُ قَبَضَهُ بِإِذْنِ مَالِكِهِ فَأَشْبَهَ الْعَارِيَّةُ، وَذَكَرَ الْخِرَقِيُّ فِي الْغَصْبِ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ أَكْثَرُ مَا كَانَتْ، فَيَخْرُجُ هَاهُنَا كَذَلِكَ، وَهُوَ أَوْلَى، لأَِنَّ الْعَيْنَ كَانَتْ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا فِي حَال زِيَادَتِهَا، وَعَلَيْهِ ضَمَانُ نَقْصِهَا مَعَ زِيَادَتِهَا، فَكَذَلِكَ فِي حَال تَلَفِهَا.
وَلِلْمَالِكِيَّةِ تَفْصِيلٌ فِي ذَلِكَ، يَقُولُونَ: إِنْ فَاتَ الْمَبِيعُ بِيَدِ الْمُشْتَرِي مَضَى الْمُخْتَلَفُ فِيهِ - وَلَوْ كَانَ الْخِلاَفُ خَارِجَ الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ - بِالثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ الْبَيْعُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُخْتَلَفًا فِيهِ - بَل مُتَّفَقًا عَلَى فَسَادِهِ - ضَمِنَ الْمُشْتَرِي قِيمَتَهُ إِنْ كَانَ مُقَوَّمًا حِينَ الْقَبْضِ، وَضَمِنَ مِثْل الْمِثْلِيِّ إِذَا بِيعَ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا، وَعُلِمَ كَيْلُهُ أَوْ وَزْنُهُ، وَلَمْ يَتَعَذَّرْ وُجُودُهُ، وَإِلاَّ ضَمِنَ قِيمَتَهُ يَوْمَ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ بِالرَّدِّ (١) .
_________
(١) ابن عابدين ٤ / ١٠٥، والبدائع ٥ / ٣٠٥، والدسوقي ٣ / ٧١، ومنح الجليل ٢ / ٥٧٧، ٥٧٨، وروضة الطالبين ٣ / ٤٠٨، وحاشية الجمل على المنهج ٣ / ٨٤، وأشباه السيوطي ص ٣٧٣، وكشاف القناع ٣ / ١٩٧، ١٩٨، والمغني ٤ / ٢٥٣.
وَلِلْحَنَفِيَّةِ رَأْيٌ آخَرُ، وَهُوَ: أَنَّ الْمَبِيعَ يَكُونُ أَمَانَةً عِنْدَ الْمُشْتَرِي، لاَ يَضْمَنُ إِلاَّ بِالتَّعَدِّي أَوِ التَّفْرِيطِ فِي الْحِفْظِ، لأَِنَّهُ مَالٌ قَبَضَهُ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ فِي عَقْدٍ وُجِدَ صُورَةً لاَ مَعْنًى، فَالْتَحَقَ بِالْعَدَمِ وَبَقِيَ إِذْنُهُ بِالْقَبْضِ (١) .
د - تَجَزُّؤُ الْبَيْعِ الْبَاطِل:
١٢ - الْمُرَادُ بِتَجَزُّؤِ الْبَيْعِ الْبَاطِل: أَنْ يَشْتَمِل الْبَيْعُ عَلَى مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَمَا لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ صَفْقَةً وَاحِدَةً، فَيَكُونُ فِي شِقٍّ مِنْهُ صَحِيحًا وَفِي الشِّقِّ الآْخَرِ بَاطِلًا، وَمِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: إِذَا اجْتَمَعَ الْحَلاَل وَالْحَرَامُ غُلِّبَ الْحَرَامُ. وَأَدْخَل الْفُقَهَاءُ تَحْتَ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَا يُسَمَّى بِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ،
وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ مَا يَجُوزُ وَمَا لاَ يَجُوزُ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ.
وَعَقْدُ الْبَيْعِ إِذَا كَانَ فِي شِقٍّ مِنْهُ صَحِيحًا، وَفِي الشِّقِّ الآْخَرِ بَاطِلًا، كَالْجَمْعِ بَيْنَ الْعَصِيرِ وَالْخَمْرِ، أَوْ بَيْنَ الْمُذَكَّاةِ وَالْمَيْتَةِ، وَبِيعَ ذَلِكَ صَفْقَةً وَاحِدَةً، فَالصَّفْقَةُ كُلُّهَا بَاطِلَةٌ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ - عَدَا ابْنَ الْقَصَّارِ مِنْهُمْ - وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيَّةِ (وَادَّعَى الإِْسْنَوِيُّ فِي كِتَابِ الْمُهِمَّاتِ أَنَّهُ
_________
(١) البدائع ٥ / ٣٠٥، وابن عابدين ٤ / ١٠٥، ودرر الحكام المادة (٣٧٠) ١ / ٣٣٤.
الْمَذْهَبُ) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ مَتَى بَطَل الْعَقْدُ فِي الْبَعْضِ بَطَل فِي الْكُل؛ لأَِنَّ الصَّفْقَةَ غَيْرُ مُتَجَزِّئَةٍ، أَوْ لِتَغْلِيبِ الْحَرَامِ عَلَى الْحَلاَل عِنْدَ اجْتِمَاعِهَا، أَوْ لِجَهَالَةِ الثَّمَنِ.
وَالْقَوْل الأَْظْهَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ الْقَصَّارِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهُ يَجُوزُ تَجْزِئَةُ الصَّفْقَةِ، فَيَصِحُّ الْبَيْعُ فِيمَا يَجُوزُ، وَيَبْطُل فِيمَا لاَ يَجُوزُ؛ لأَِنَّ الإِْبْطَال فِي الْكُل لِبُطْلاَنِ أَحَدِهِمَا لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ تَصْحِيحِ الْكُل لِصِحَّةِ أَحَدِهِمَا، فَيَبْقَيَانِ عَلَى حُكْمِهِمَا، وَيَصِحُّ فِيمَا يَجُوزُ، وَيَبْطُل فِيمَا لاَ يَجُوزُ.
وَقَال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: إِنْ عَيَّنَ ابْتِدَاءً لِكُل شِقٍّ حِصَّتَهُ مِنَ الثَّمَنِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تُعْتَبَرُ الصَّفْقَةُ صَفْقَتَيْنِ مُسْتَقِلَّتَيْنِ تَجُوزُ فِيهِمَا التَّجْزِئَةُ، فَتَصِحُّ وَاحِدَةٌ وَتَبْطُل الأُْخْرَى.
وَهَذِهِ إِحْدَى صُوَرِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
وَالصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ فِي شِقٍّ مِنْهُ صَحِيحًا، وَفِي الشِّقِّ الآْخَرِ مَوْقُوفًا، كَالْجَمْعِ بَيْنَ دَارِهِ وَدَارِ غَيْرِهِ، وَبَيْعِهِمَا صَفْقَةً وَاحِدَةً، فَإِنَّ الْبَيْعَ يَصِحُّ فِيهِمَا، وَيَلْزَمُ فِي مِلْكِهِ، وَيُوقَفُ اللُّزُومُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ عَلَى إِجَازَتِهِ، وَهَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ عَدَا زُفَرَ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى قَاعِدَةِ عَدَمِ جَوَازِ الْبَيْعِ بِالْحِصَّةِ ابْتِدَاءً، وَجَوَازُ ذَلِكَ بَقَاءً.
وَعِنْدَ زُفَرَ: يَبْطُل الْجَمِيعُ؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ عَلَى الْمَجْمُوعِ، وَالْمَجْمُوعُ لاَ يَتَجَزَّأُ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: يَجْرِي الْخِلاَفُ السَّابِقُ فِي الصُّورَةِ الأُْولَى؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ الْمَوْقُوفَ عِنْدَهُمْ بَاطِلٌ فِي الأَْصْل.
وَالصُّورَةُ الثَّالِثَةُ ذَكَرَهَا ابْنُ قُدَامَةَ، وَهِيَ: أَنْ يَبِيعَ مَعْلُومًا وَمَجْهُولًا، كَقَوْلِهِ: بِعْتُكَ هَذِهِ الْفَرَسَ وَمَا فِي بَطْنِ هَذِهِ الْفَرَسِ الأُْخْرَى بِأَلْفٍ، فَهَذَا الْبَيْعُ بَاطِلٌ بِكُل حَالٍ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَلاَ أَعْلَمُ فِي بُطْلاَنِهِ خِلاَفًا (١) .
هـ - تَصْحِيحُ الْبَيْعِ الْبَاطِل:
١٣ - تَصْحِيحُ الْبَيْعِ الْبَاطِل يُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ بِصُورَتَيْنِ.
الأُْولَى: إِذَا ارْتَفَعَ مَا يَبْطُل الْعَقْدَ، فَهَل يَنْقَلِبُ الْبَيْعُ صَحِيحًا؟
الثَّانِيَةُ: إِذَا كَانَتْ صِيغَةُ الْبَيْعِ الْبَاطِل تُؤَدِّي إِلَى مَعْنَى عَقْدٍ آخَرَ صَحِيحٍ، فَهَل يَتَحَوَّل الْبَيْعُ الْبَاطِل إِلَى عَقْدٍ آخَرَ صَحِيحٍ؟ وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي: أَمَّا الصُّورَةُ الأُْولَى: فَإِنَّ الْحَنَفِيَّةَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْبَيْعِ الْبَاطِل وَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ، فَيَصِحُّ عِنْدَهُمْ فِي
_________
(١) الأشباه لابن نجيم ١١٣، ١١٤، والبدائع ٥ / ١٤٥، وابن عابدين ٤ / ١٠٤، والاختيار ٢ / ٢٣، وجواهر الإكليل ٢ / ٦، والقوانين الفقهية ص ١٧٢، والدسوقي ٢ / ٢٦٦، والأشباه للسيوطي ص ١٢٠ - ١٢٢، والمنثور في القواعد ١ / ٣٨٢، ونهاية المحتاج ٣ / ٤٦١، وروضة الطالبين ٣ / ٤٢٠، والمغني ٤ / ٢٦١، ٢٦٢.