الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٨
وَجْهًا أَنَّهُ يَكْفِي قَطْعُ ثَلاَثَةٍ مِنَ الأَْرْبَعَةِ، وَقَال: إِنَّهُ الأَْقْوَى، وَسُئِل عَمَّنْ قَطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْوَدَجَيْنِ لَكِنْ فَوْقَ الْجَوْزَةِ؟ فَقَال: هَذَا فِيهِ نِزَاعٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تَحِل. (١) وَالتَّفْصِيل يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى: (تَذْكِيَة) .
ج - مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجِنَايَةِ:
٤ - الْفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْجُرُوحَ - فِيمَا عَدَا الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ - تَنْقَسِمُ إِلَى جَائِفَةٍ وَغَيْرِ جَائِفَةٍ.
قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّ الْجَائِفَةَ هِيَ الَّتِي تَصِل إِلَى الْجَوْفِ مِنَ الْبَطْنِ أَوِ الظَّهْرِ أَوِ الْوَرِكِ أَوِ الثَّغْرِ (ثُغْرَةِ النَّحْرِ) أَوِ الْحَلْقِ أَوِ الْمَثَانَةِ، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ مَا وَصَل مِنَ الرَّقَبَةِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي لَوْ وَصَل إِلَيْهِ مِنَ الشَّرَابِ قَطْرَةٌ لأَفْطَرَ يَكُونُ جَائِفَةً؛ لأَِنَّهُ لاَ يُفْطِرُ إِلاَّ إِذَا كَانَ وَصَل إِلَى الْجَوْفِ.
وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، فَإِنْ نَفَذَتْ فَهِيَ جَائِفَتَانِ (٢) قَال ﵊ فِي
_________
(١) منار السبيل في شرح الدليل ٢ / ٤٢٢ - ٤٢٣ المكتب الإسلامي، ونيل المآرب بشرح دليل الطالب ٢ / ١٥٩ ط الفلاح.
(٢) الاختيار شرح المختار ٥ / ٤٢ ط دار المعرفة، وبدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ٧ / ٢٩٦، وتكملة فتح القدير ٨ / ٨١٣، والمهذب في شرح فقه الإمام الشافعي ٢ / ٢٠٠ - ٢٠١، ومنار السبيل في شرح الدليل ٢ / ٣٥٢ - ٣٥٣، ط المكتب الإسلامي، ونيل المآرب بشرح دليل الطالب ٢ / ١٣٥ ط الفلاح.
الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ (١) وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ أَنَّهُ حَكَمَ فِي جَائِفَةٍ نَفَذَتْ بِثُلُثَيِ الدِّيَةِ (٢) لأَِنَّهَا إِنْ نَفَذَتْ فَهِيَ جَائِفَتَانِ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ قَالُوا: إِنَّ الْجَائِفَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالْبَطْنِ وَالظَّهْرِ، وَفِيهَا ثُلُثٌ مِنَ الدِّيَةِ الْمُخَمَّسَةِ، فَإِنْ نَفَذَتْ فَهِيَ جَائِفَتَانِ. (٣) وَالتَّفْصِيل فِي (الْجِنَايَات، وَالدِّيَات) .
بَلْغَمٌ
انْظُرْ: نُخَامَة.
_________
(١) حديث: " في الجائفة ثلث الدية " أخرجه ابن أبي شيبة (٩ / ٢١٠ - ٢١١ - الدار السلفية - بمبي) مرسلا، وله طرق يتقوى بها: (نصب الراية للزيلعي ٤ / ٣٧٥ - ط المجلس العلمي) .
(٢) الأثر عن أبي بكر ﵁: " أنه حكم في جائفة. . . " أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٩ / ٣٦٩ - ط المجلس العلمي) .
(٣) الشرح الكبير ٤ / ٢٧٠ - ٢٧١، وشرح الزرقاني على مختصر خليل ٨ / ٣٤ - ٣٥.
بُلُوغٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْبُلُوغُ لُغَةً: الْوُصُول، يُقَال بَلَغَ الشَّيْءُ يَبْلُغُ بُلُوغًا وَبَلاَغًا: وَصَل وَانْتَهَى،
وَبَلَغَ الصَّبِيُّ: احْتَلَمَ وَأَدْرَكَ وَقْتَ التَّكْلِيفِ، وَكَذَلِكَ بَلَغَتِ الْفَتَاةُ. (١)
وَاصْطِلاَحًا: انْتِهَاءُ حَدِّ الصِّغَرِ فِي الإِْنْسَانِ، لِيَكُونَ أَهْلًا لِلتَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ. أَوْ هُوَ: قُوَّةٌ تَحْدُثُ فِي الصَّبِيِّ، يَخْرُجُ بِهَا عَنْ حَالَةِ الطُّفُولِيَّةِ إِلَى غَيْرِهَا. (٢)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْكِبَرُ:
٢ - الْكِبَرُ وَالصِّغَرُ مَعْنَيَانِ إِضَافِيَّانِ، فَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ كَبِيرًا بِالنِّسْبَةِ لآِخَرَ، صَغِيرًا لِغَيْرِهِ،
_________
(١) لسان العرب المحيط، والمصباح المنير مادة: " بلغ " ورد المحتار على الدر المختار ٥ / ٩٧.
(٢) شرح الزرقاني ٥ / ٢٩٠، والشرح الصغير على أقرب المسالك ١ / ١٣٣ ط دار المعارف بمصر.
وَلَكِنَّ الْفُقَهَاءَ يُطْلِقُونَ الْكِبَرَ فِي السِّنِّ عَلَى مَعْنَيَيْنِ.
الأَْوَّل: أَنْ يَبْلُغَ الإِْنْسَانُ مَبْلَغَ الشَّيْخُوخَةِ وَالضَّعْفِ بَعْدَ تَجَاوُزِهِ مَرْحَلَةَ الْكُهُولَةِ. (١)
الثَّانِي: أَنْ يُرَادَ بِهِ الْخُرُوجُ عَنْ حَدِّ الصِّغَرِ بِدُخُول مَرْحَلَةِ الشَّبَابِ، فَيَكُونُ بِمَعْنَى الْبُلُوغِ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ.
ب - الإِْدْرَاكُ:
٣ - الإِْدْرَاكُ: لُغَةً مَصْدَرُ أَدْرَكَ، وَأَدْرَكَ الصَّبِيُّ وَالْفَتَاةُ: إِذَا بَلَغَا. وَيُطْلَقُ الإِْدْرَاكُ فِي اللُّغَةِ وَيُرَادُ بِهِ: اللَّحَاقُ، يُقَال: مَشَيْتُ حَتَّى أَدْرَكْتُهُ. وَيُرَادُ بِهِ أَيْضًا: الْبُلُوغُ فِي الْحَيَوَانِ وَالثَّمَرِ. كَمَا يُسْتَعْمَل فِي الرُّؤْيَةِ فَيُقَال: أَدْرَكْتُهُ بِبَصَرِي: أَيْ رَأَيْتُهُ.
وَقَدِ اسْتَعْمَل الْفُقَهَاءُ الإِْدْرَاكَ بِمَعْنَى: بُلُوغِ الْحُلُمِ، فَيَكُونُ مُسَاوِيًا لِلَفْظِ الْبُلُوغِ بِهَذَا الإِْطْلاَقِ،
وَيُطْلِقُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الإِْدْرَاكَ وَيُرِيدُونَ بِهِ أَوَانَ النُّضْجِ. (٢)
_________
(١) القاموس المحيط، والمصباح المنير، والتعريفات للجرجاني ص ٩٧، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص ١٢٢.
(٢) لسان العرب المحيط، والمصباح المنير، وطلبة الطلبة والتعريفات للجرجاني، والكليات لأبي البقاء، والمغرب في ترتيب المعرب، والنظم المستعذب ١ / ٣٤٩ ط الحلبي، وحاشية قليوبي ٣ / ٦٤ ط الحلبي.
ج الْحُلْمُ وَالاِحْتِلاَمُ:
٤ - الاِحْتِلاَمُ: مَصْدَرُ احْتَلَمَ، وَالْحُلْمُ: اسْمُ الْمَصْدَرِ. وَهُوَ لُغَةً: رُؤْيَا النَّائِمِ مُطْلَقًا، خَيْرًا كَانَ الْمَرْئِيُّ أَوْ شَرًّا. وَفَرَّقَ الشَّارِعُ بَيْنَهُمَا، فَخَصَّ الرُّؤْيَا بِالْخَيْرِ، وَخَصَّ الْحُلْمَ بِضِدِّهِ.
ثُمَّ اسْتَعْمَل الاِحْتِلاَمَ وَالْحُلْمَ بِمَعْنًى أَخَصَّ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ: أَنْ يَرَى النَّائِمُ أَنَّهُ يُجَامِعُ، سَوَاءٌ أَكَانَ مَعَ ذَلِكَ إِنْزَالٌ أَمْ لاَ ثُمَّ اسْتَعْمَل هَذَا اللَّفْظَ بِمَعْنَى الْبُلُوغِ،
وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْحُلْمُ وَالاِحْتِلاَمُ وَالْبُلُوغُ بِهَذَا الْمَعْنَى أَلْفَاظًا مُتَرَادِفَةً.
د - الْمُرَاهَقَةُ:
٥ - الْمُرَاهَقَةُ: مُقَارَبَةُ الْبُلُوغِ، وَرَاهَقَ الْغُلاَمُ وَالْفَتَاةُ مُرَاهَقَةً: قَارَبَا الْبُلُوغَ، وَلَمْ يَبْلُغَا،
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
وَبِهَذَا تَكُونُ الْمُرَاهَقَةُ وَالْبُلُوغُ لَفْظَيْنِ مُتَبَايِنَيْنِ (١) . (٢)
هـ - الأَْشُدُّ:
٦ - الأَْشُدُّ لُغَةً: بُلُوغُ الرَّجُل الْحُنْكَةَ وَالْمَعْرِفَةَ. وَالأَْشُدُّ: طَوْرٌ يَبْتَدِئُ بَعْدَ انْتِهَاءِ حَدِّ الصِّغَرِ،
_________
(١) لسان العرب المحيط، والمصباح المنير، والتعريفات للجرجاني مادة " رهق "، وابن عابدين ٥ / ٤٢١
(٢) لسان العرب المحيط، والمصباح المنير، والتعريفات للجرجاني مادة " رهق " وابن عابدين ٥ / ٤٢١.
أَيْ مِنْ وَقْتِ بُلُوغِ الإِْنْسَانِ مَبْلَغَ الرِّجَال إِلَى سِنِّ الأَْرْبَعِينَ، وَقَدْ يُطْلَقُ الأَْشُدُّ عَلَى الإِْدْرَاكِ وَالْبُلُوغِ. وَقِيل: أَنْ يُؤْنَسَ مِنْهُ الرُّشْدُ مَعَ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا. فَالأَْشُدُّ مُسَاوٍ لِلْبُلُوغِ فِي بَعْضِ إِطْلاَقَاتِهِ (١) .
الرُّشْدُ:
٧ - الرُّشْدُ لُغَةً: خِلاَفُ الضَّلاَل. وَالرُّشْدُ، وَالرَّشَدُ، وَالرَّشَادُ: نَقِيضُ الضَّلاَل، وَهُوَ: إِصَابَةُ وَجْهِ الأَْمْرِ وَالاِهْتِدَاءُ إِلَى الطَّرِيقِ.
وَالرُّشْدُ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: الصَّلاَحُ فِي الْمَال لاَ غَيْرُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ: أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ. وَقَال الْحَسَنُ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ: الصَّلاَحُ فِي الدِّينِ وَالْمَال. (٢)
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (رُشْد) (وَالْوِلاَيَةُ عَلَى الْمَال) .
وَلَيْسَ لِلرُّشْدِ سِنٌّ مُعَيَّنَةٌ، وَقَدْ يَحْصُل قَبْل
_________
(١) لسان العرب المحيط، والمغرب في ترتيب المعرب، والكليات لأبي البقاء، تحفة المودود بأحكام المولود ص ٢٣٥ ط مطبعة المدني، وتفسير القرطبي ١٦ / ١٩٤ ط مكتبة دار الكتب المصرية.
(٢) لسان العرب والمغرب في ترتيب المعرب، والمصباح المنير، والكليات لأبي البقاء مادة: " رشد " والمغني والشرح الكبير ٤ / ٤١٥، ٤١٦، ونهاية المحتاج ٤ / ٣٤٦، ٣٥٣، وشرح منهاج الطالبين مع الحاشيتين عليه ٢ / ٣٠١، ٣٠٢.
الْبُلُوغِ، وَهَذَا نَادِرٌ لاَ حُكْمَ لَهُ، وَقَدْ يَحْصُل مَعَ الْبُلُوغِ أَوْ بَعْدَهُ، وَفِي اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ: كُل رَشِيدٍ بَالِغٌ، وَلَيْسَ كُل بَالِغٍ رَشِيدًا.
عَلاَمَاتُ الْبُلُوغِ الطَّبِيعِيَّةِ فِي الذَّكَرِ، وَالأُْنْثَى، وَالْخُنْثَى:
٨ - لِلْبُلُوغِ عَلاَمَاتٌ طَبِيعِيَّةٌ ظَاهِرَةٌ، مِنْهَا مَا هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالأُْنْثَى، وَمِنْهَا مَا يَخْتَصُّ بِأَحَدِهِمَا. وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ الْعَلاَمَاتِ الْمُشْتَرَكَةِ:
الاِحْتِلاَمُ:
٩ - الاِحْتِلاَمُ: خُرُوجُ الْمَنِيِّ مِنَ الرَّجُل أَوِ الْمَرْأَةِ فِي يَقَظَةٍ أَوْ مَنَامٍ لِوَقْتِ إِمْكَانِهِ (١) . لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَْطْفَال مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ (٢) وَلِحَدِيثِ: خُذْ مِنْ كُل حَالِمٍ دِينَارًا. (٣)
الإِْنْبَاتُ:
١٠ - الإِْنْبَاتُ: ظُهُورُ شَعْرِ الْعَانَةِ، وَهُوَ الَّذِي يَحْتَاجُ فِي إِزَالَتِهِ إِلَى نَحْوِ حَلْقٍ، دُونَ الزَّغَبِ الضَّعِيفِ الَّذِي يَنْبُتُ لِلصَّغِيرِ. وَنَجِدُ فِي كَلاَمِ
_________
(١) شرح منهج الطالبين وحاشية قليوبي ٢ / ٣٠٠.
(٢) سورة النور / ٥٩.
(٣) حديث: " خذ من كل حالم دينارا. . . " أخرجه الترمذي (٣ / ١١ ط - الحلبي) والحاكم (١ / ٣٩٨ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي.
بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: أَنَّ الإِْنْبَاتَ إِذَا جُلِبَ وَاسْتُعْمِل بِوَسَائِل صِنَاعِيَّةٍ مِنَ الأَْدْوِيَةِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّهُ لاَ يَكُونُ مُثْبِتًا لِلْبُلُوغِ، قَالُوا: لأَِنَّهُ قَدْ يُسْتَعْجَل الإِْنْبَاتُ بِالدَّوَاءِ وَنَحْوِهِ لِتَحْصِيل الْوِلاَيَاتِ وَالْحُقُوقِ الَّتِي لِلْبَالِغِينَ. (١)
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اعْتِبَارِ الإِْنْبَاتِ عَلاَمَةً عَلَى الْبُلُوغِ، عَلَى أَقْوَالٍ ثَلاَثَةٍ:
١١ - الأَْوَّل: أَنَّ الإِْنْبَاتَ لَيْسَ بِعَلاَمَةٍ عَلَى الْبُلُوغِ مُطْلَقًا. أَيْ لاَ فِي حَقِّ اللَّهِ وَلاَ فِي حَقِّ الْعِبَادِ. وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ، وَرِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ عَلَى مَا فِي بَابِ الْقَذْفِ مِنَ الْمُدَوَّنَةِ، وَنَحْوُهُ لاِبْنِ الْقَاسِمِ فِي بَابِ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ، قَال الدُّسُوقِيُّ: وَظَاهِرُهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ الآْدَمِيِّينَ. (٢)
١٢ - الثَّانِي: أَنَّ الإِْنْبَاتَ عَلاَمَةُ الْبُلُوغِ مُطْلَقًا. وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ذَكَرَهَا ابْنُ عَابِدِينَ وَصَاحِبُ الْجَوْهَرَةِ، إِلاَّ أَنَّ ابْنَ حَجَرٍ نَقَل أَنَّ مَالِكًا لاَ يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَى مَنْ لَمْ يَثْبُتْ بُلُوغُهُ بِغَيْرِ الإِْنْبَاتِ؛ لأَِنَّ الشُّبْهَةَ فِيهِ تَمْنَعُ مِنْ إِقَامَةِ الْحَدِّ،
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْل بِحَدِيثٍ نَبَوِيٍّ، وَآثَارٍ عَنِ الصَّحَابَةِ. فَأَمَّا الْحَدِيثُ: فَمَا وَرَدَ أَنَّ
_________
(١) الجمل على المنهج ٣ / ٣٣٨، وكشاف القناع ٦ / ٤٥٤.
(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي٣ / ٢٩٣.
النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا حَكَّمَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَحَكَمَ بِقَتْل مُقَاتِلَتِهِمْ وَسَبْيِ ذَرَارِيِّهِمْ، وَأَمَرَ أَنْ يُكْشَفَ عَنْ مُؤْتَزِرِهِمْ، فَمَنْ أَنْبَتَ فَهُوَ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ فَهُوَ مِنَ الذُّرِّيَّةِ. بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَال: لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ (١)
وَمِنْ هُنَا قَال عَطِيَّةُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: كُنْتُ مَعَهُمْ يَوْمَ قُرَيْظَةَ. فَأَمَرَ أَنْ يُنْظَرَ إِلَيَّ هَل أَنْبَتُّ، فَكَشَفُوا عَانَتِي، فَوَجَدُوهَا لَمْ تَنْبُتْ، فَجَعَلُونِي فِي السَّبْيِ (٢) .
وَأَمَّا مَا وَرَدَ عَنِ الصَّحَابَةِ، فَمِنْهُ أَنَّ عُمَرَ ﵁ كَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ أَنْ لاَ يَقْتُل إِلاَّ مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمَوَاسِي، وَلاَ يَأْخُذَ الْجِزْيَةَ إِلاَّ مِمَّنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمَوَاسِي وَأَنَّ غُلاَمًا مِنَ الأَْنْصَارِ شَبَّبَ بِامْرَأَةٍ فِي شِعْرِهِ، فَرُفِعَ إِلَى عُمَرَ فَلَمْ يَجِدْهُ أَنْبَتَ فَقَال: لَوْ أَنْبَتَّ الشَّعْرَ لَحَدَدْتُكَ (٣) .
_________
(١) حديث: " لقد حكمت فيهم بحكم الله. . . " أخرجه النسائي في مختصر العلو للذهبي (ص ٨٧ـ المكتب الإسلامي) وأصله في البخاري (الفتح ٧ / ٤١١ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٣٨٩ - ط الحلبي) .
(٢) قول عطية القرظي: كنت معهم يوم قريظة أخرجه أبو داود (٤ / ٥٦١ - ط عزت عبيد دعاس) والترمذي (٤ / ١٤٥ - ط الحلبي) وقال: حسن صحيح.
(٣) أورد الخبرين صاحب المغني ٤ / ٥٠٩ و٨ / ٤٧٦ وانظر الشرح الكبير والدسوقي ٣ / ٢٩٣، وفتح الباري ٥ / ٢٧٧.
١٣ - الْقَوْل الثَّالِثُ: إِنَّ الإِْنْبَاتَ بُلُوغٌ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ دُونَ بَعْضٍ. وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ، وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ.
فَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الإِْنْبَاتَ يَقْتَضِي الْحُكْمَ بِبُلُوغِ وَلَدِ الْكَافِرِ، وَمَنْ جُهِل إِسْلاَمُهُ، دُونَ الْمُسْلِمِ وَالْمُسْلِمَةِ. وَهُوَ عِنْدَهُمْ أَمَارَةٌ عَلَى الْبُلُوغِ بِالسِّنِّ أَوْ بِالإِْنْزَال، وَلَيْسَ بُلُوغًا حَقِيقَةً. قَالُوا: وَلِهَذَا لَوْ لَمْ يَحْتَلِمْ، وَشَهِدَ عَدْلاَنِ بِأَنَّ عُمُرَهُ دُونَ خَمْسَةَ عَشْرَةَ سَنَةً، لَمْ يُحْكَمْ بِبُلُوغِهِ بِالإِْنْبَاتِ.
وَإِنَّمَا فَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِ فِي ذَلِكَ لِسُهُولَةِ مُرَاجَعَةِ آبَاءِ الْمُسْلِمِ وَأَقَارِبِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؛ وَلأَِنَّ الصَّبِيَّ الْمُسْلِمَ مُتَّهَمٌ فِي الإِْنْبَاتِ، فَرُبَّمَا تَعَجَّلَهُ بِدَوَاءٍ دَفْعًا لِلْحَجْرِ عَنْ نَفْسِهِ وَتَشَوُّفًا لِلْوِلاَيَاتِ، بِخِلاَفِ الْكَافِرِ فَإِنَّهُ لاَ يَسْتَعْجِلُهُ. (١)
١٤ - وَيَرَى بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الإِْنْبَاتَ يُقْبَل عَلاَمَةً فِي أَعَمِّ مِمَّا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ، فَقَدْ قَال ابْنُ رُشْدٍ: إِنَّ الإِْنْبَاتَ عَلاَمَةٌ فِيمَا بَيْنَ الشَّخْصِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنَ الآْدَمِيِّينَ مِنْ قَذْفٍ وَقَطْعٍ وَقَتْلٍ.
وَأَمَّا فِيمَا بَيْنَ الشَّخْصِ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَلاَ خِلاَفَ - يَعْنِي عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - أَنَّهُ لَيْسَ بِعَلاَمَةٍ.
_________
(١) نهاية المحتاج ٤ / ٣٤٧، والمنهج وشرحه وحاشية الجمل ٣ / ٣٣٨، ٣٣٩، وقد نقل صاحب المغني وابن حجر في الفتح قول الشافعي في الكافر وهو ما ذكرناه هنا، وأن قوله في المسلم اختلف، ولم نجد هذا الاختلاف في كتب الشافعية.