الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٧
فَقِيل: هُوَ تَصْدِيقُ الرَّسُول ﷺ فِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، مَعَ إِظْهَارِ الْخُضُوعِ وَالْقَبُول لِمَا أَتَى بِهِ. فَهُوَ اعْتِقَادٌ بِالْجَنَانِ، وَقَوْلٌ بِاللِّسَانِ، وَعَمَلٌ بِالأَْرْكَانِ.
وَالْمُرَادُ بِالاِعْتِقَادِ: الإِْيمَانُ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ وَالْقَدَرِ، عَلَى مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ جِبْرِيل ﵇.
وَالْمُرَادُ بِقَوْل اللِّسَانِ: النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ.
وَالْمُرَادُ بِالْعَمَل بِالْجَوَارِحِ: فِعْلُهَا وَكَفُّهَا تَبَعًا لِلأَْمْرِ وَالنَّهْيِ.
قَال ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلاَنِيُّ: هَذَا قَوْل السَّلَفِ، وَهُوَ أَيْضًا قَوْل الْمُعْتَزِلَةِ، إِلاَّ أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ جَعَلُوا الأَْعْمَال شَرْطًا فِي صِحَّةِ الإِْيمَانِ، وَالسَّلَفَ جَعَلُوهَا شَرْطًا فِي كَمَالِهِ.
وَقِيل: الإِْيمَانُ هُوَ: التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ فَقَطْ، وَهُوَ قَوْل بَعْضِ الْفُقَهَاءِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ هَذَا هُوَ الْوَضْعُ اللُّغَوِيُّ لِلَفْظِ (الإِْيمَانِ) وَأَنَّ الأَْصْل عَدَمُ النَّقْل. وَلَيْسَتِ الأَْعْمَال عِنْدَهُمْ دَاخِلَةً فِي مُسَمَّى الإِْيمَانِ. فَإِذَا وُجِدَ لَدَى الإِْنْسَانِ الإِْيمَانُ وُجِدَ كَامِلًا، وَإِنْ زَال زَال دَفْعَةً وَاحِدَةً.
أَمَّا عَلَى قَوْل السَّلَفِ الْمُتَقَدِّمِ، فَإِنَّ الإِْيمَانَ دَرَجَاتٌ بِحَسَبِ قُوَّةِ التَّصْدِيقِ لِوُضُوحِ الأَْدِلَّةِ وَجَوْدَةِ الْفَهْمِ. وَيَزِيدُ الإِْيمَانُ بِالطَّاعَاتِ، وَيَنْقُصُ بِالْمَعَاصِي، وَيُفَاضَل النَّاسُ فِيهِ.
وَاسْتَشْهَدَ لَهُمْ بِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (١) وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ (٢) .
_________
(١) سورة التوبة / ١٢٤.
(٢) وانظر لما مضى من هذه المسألة: فتح الباري (١ / ٤٦، ٤٧، ٧٣ ط السلفية)، وكتاب الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام (ص ٥٤، ٧٢ ط المطبعة العمومية، بدمشق) مع كتاب الإيمان لابن أبي شيبة، وكتاب الإيمان لابن تيمية (ص ٢٤١ - ٢٦٠)، وشرح العقائد النسفية (ص ١٥٦ وما بعدها) . وحديث: " يخرج من النار من كان. . . " أخرجه البخاري ضمن حديث الشفاعة (الفتح ٣ / ٤٧٣ - ٤٧٤ ط السلفية)، ومسلم (٤ / ١٨٣١ ط الحلبي) .
الْفَرْقُ بَيْنَ الإِْسْلاَمِ وَالإِْيمَانِ:
٢ - الإِْسْلاَمُ لُغَةً: الاِسْتِسْلاَمُ، وَشَرْعًا: النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَالْعَمَل بِالْفَرَائِضِ، فَالإِْيمَانُ أَخَصُّ مِنَ الإِْسْلاَمِ، إِذْ يُؤْخَذُ فِي مَعْنَى الإِْيمَانِ - مَعَ النُّطْقِ وَالْعَمَل - التَّصْدِيقُ، وَالإِْحْسَانُ أَخَصُّ مِنَ الإِْيمَانِ. فَكُل مُحْسِنٍ مُؤْمِنٌ، وَكُل مُؤْمِنٍ مُسْلِمٌ، وَلاَ عَكْسَ.
قَال الأَْزْهَرِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قَالَتِ الأَْعْرَابُ آمَنَّا قُل لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُل الإِْيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (١) قَال: الإِْسْلاَمُ إِظْهَارُ الْخُضُوعِ وَالْقَبُول لِمَا أَتَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَبِهِ يُحْقَنُ الدَّمُ. فَإِنْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ الإِْظْهَارِ اعْتِقَادٌ وَتَصْدِيقٌ بِالْقَلْبِ فَذَلِكَ هُوَ الإِْيمَانُ، الَّذِي يُقَال لِلْمَوْصُوفِ بِهِ هُوَ مُؤْمِنٌ مُسْلِمٌ.
فَأَمَّا مَنْ أَظْهَرَ قَبُول الشَّرِيعَةِ وَاسْتَسْلَمَ؛ لِدَفْعِ الْمَكْرُوهِ، فَهُوَ فِي الظَّاهِرِ مُسْلِمٌ، وَبَاطِنُهُ غَيْرُ مُصَدِّقٍ، فَذَلِكَ الَّذِي يَقُول: أَسْلَمْتُ. وَحُكْمُهُ فِي الظَّاهِرِ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ (٢) .
وَفِي الْعَقَائِدِ النَّسَفِيَّةِ وَشَرْحِهَا أَنَّ الإِْيمَانَ وَالإِْسْلاَمَ شَيْءٌ وَاحِدٌ، أَوْ أَنَّ أَحَدَهُمَا لاَ يَنْفَكُّ عَنِ الآْخَرِ (٣) .
_________
(١) سورة الحجرات / ١٤.
(٢) لسان العرب مادة " أمن ".
(٣) شرح العقائد النسفية ص ١٦٠.
وَيَرَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الإِْيمَانَ وَالإِْسْلاَمَ إِذَا أُفْرِدَ أَحَدُهُمَا دَخَل فِيهِ الآْخَرُ، وَدَل بِانْفِرَادِهِ عَلَى مَا يَدُل عَلَيْهِ الآْخَرُ بِانْفِرَادِهِ. وَإِنْ قَرَنَ بَيْنَهُمَا تَغَايَرَا، عَلَى وِزَانِ مَا قَالُوهُ فِي (الْفَقِيرِ) (وَالْمِسْكِينِ) (١)
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - الإِْيمَانُ وَاجِبٌ، بَل هُوَ أَعْظَمُ الْفَرَائِضِ. وَلاَ يُعْتَبَرُ التَّصْدِيقُ إِلاَّ مَعَ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ مِنَ الْقَادِرِ (٢) . وَالاِمْتِنَاعُ مِنَ التَّلَفُّظِ - مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ - مُنَافٍ لِلإِْذْعَانِ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي جَوَازِ التَّقْلِيدِ فِي الإِْيمَانِ، عَلَى قَوْلَيْنِ (٣) .
٤ - وَالإِْيمَانُ شَرْطٌ فِي قَبُول الْعِبَادَاتِ؛ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى ﴿مَنْ عَمِل صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤) وَقَوْلِهِ ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ (٥) وَنَحْوِهِمَا مِنَ الآْيَاتِ.
أَمَّا صِحَّةُ الأَْعْمَال ظَاهِرًا وَجَرَيَانُ الأَْحْكَامِ عَلَى الشَّخْصِ، كَاسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ وَالصَّلاَةِ عَلَيْهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَيُشْتَرَطُ لَهَا الإِْسْلاَمُ فَقَطْ، إِذِ التَّصْدِيقُ وَالاِعْتِقَادُ أَمْرٌ بَاطِنٌ لاَ تَتَعَلَّقُ بِهِ الأَْحْكَامُ الظَّاهِرَةُ.
وَقَدْ يَكُونُ الإِْسْلاَمُ شَرْطَ وُجُوبٍ، كَوُجُوبِ
_________
(١) كشاف اصطلاحات الفنون ٣ / ٦٩٧.
(٢) شرح جمع الجوامع ٢ / ٤١٧.
(٣) المصدر نفسه ٢ / ٤٠٣.
(٤) سورة النحل / ٩٧.
(٥) سورة النور / ٣٩.
الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْجِهَادِ حَيْثُ وَجَبَتْ، فَإِنَّمَا تَجِبُ ظَاهِرًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
مِنْ أَجْل ذَلِكَ، وَأَنَّ مَبَاحِثَ الْفِقْهِ مُنَصَّبَةٌ عَلَى الأُْمُورِ الظَّاهِرَةِ، فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ يَسْتَعْمِلُونَ غَالِبًا فِي بَيَانِهِمْ لِلأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لَفْظَ (الإِْسْلاَمِ)، وَيَجْعَلُونَهُ مُتَعَلِّقُ الأَْحْكَامِ، دُونَ لَفْظِ (الإِْيمَانِ)
وَلِذَلِكَ يُنْظَرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ (ر: إِسْلاَمٌ) .
٥ - وَإِذَا وُجِدَتِ الرِّدَّةُ - بِارْتِكَابِ أَحَدِ الْمُكَفِّرَاتِ اخْتِيَارًا - أَبْطَلَتِ الإِْسْلاَمَ وَالإِْيمَانَ ظَاهِرًا. وَخَرَجَ صَاحِبُهُ مِنْهُ إِلَى الْكُفْرِ اتِّفَاقًا (ر: رِدَّةٌ) .
٦ - أَمَّا الْفِسْقُ وَالْمَعَاصِي فَلاَ يَخْرُجُ بِهِمَا الْمُؤْمِنُ مِنَ الإِْيمَانِ عَلَى قَوْل أَهْل السُّنَّةِ. وَعِنْدَ الْخَوَارِجِ يَخْرُجُ بِهِمَا مِنَ الإِْيمَانِ وَيَدْخُل فِي الْكُفْرِ. وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ يَخْرُجُ مِنَ الإِْيمَانِ، وَلاَ يَدْخُل الْكُفْرَ، بَل هُوَ فِي مَنْزِلَةٍ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ (١) .
٧ - وَفِي حُكْمِ الاِسْتِثْنَاءِ فِي الإِْيمَانِ، بِأَنْ يَقُول الإِْنْسَانُ: أَنَا مُؤْمِنٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ اخْتِلاَفٌ، وَالْحَقِيقَةُ أَنَّهُ خِلاَفٌ لَفْظِيٌّ؛ لأَِنَّهُ لَوْ قَصَدَ حَقِيقَةَ التَّعْلِيقِ لاَ يَكُونُ مُؤْمِنًا بِالإِْجْمَاعِ، وَلَوْ قَصَدَ التَّبَرُّكَ وَالتَّأَدُّبَ، بِإِسْنَادِ الأَْمْرِ وَالتَّفْوِيضِ إِلَى اللَّهِ ﷾ تَبَرُّكًا، فَلاَ يُمْكِنُ الْقَوْل بِأَنَّهُ غَيْرُ مُؤْمِنٍ (٢) .
شُعَبُ الإِْيمَانِ:
٨ - الإِْيمَانُ أَصْلٌ تَنْشَأُ عَنْهُ الأَْعْمَال الصَّالِحَةُ وَتَنْبَنِي
_________
(١) كتاب الإيمان لابن تيمية ص ٢٨٠، وجمع الجوامع وشرحه وحاشية البناني ٢ / ٤١٨، وشرح العقائد النسفية للتفتازاني ص ١٤١.
(٢) الإيمان لأبي عبيد ص ٦٧، وشرح العقائد النسفية ص ١٦٢.
عَلَيْهِ، كَمَا تَنْبَنِي فُرُوعُ الشَّجَرَةِ عَلَى أَصْلِهَا وَتَتَغَذَّى مِنْهُ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الإِْيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ، أَوْ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَعْلاَهَا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَْذَى عَنِ الطَّرِيقِ. وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِْيمَانِ (١) . وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا جُمْلَةً فِي أَوَّل سُورَةِ (الْمُؤْمِنُونَ) . وَتَتَبَّعَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بَاقِيَ الْعَدَدِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (٢) .
وَإِتْمَامًا لِهَذَا الْمُصْطَلَحِ تُرَاجَعُ كُتُبُ الْعَقَائِدِ وَالتَّوْحِيدِ.
إِيهَامٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْيهَامُ لُغَةً: إِيقَاعُ الْغَيْرِ فِي الظَّنِّ (٣) . وَاصْطِلاَحًا: الإِْيقَاعُ فِي الْوَهْمِ (٤) . إِلاَّ أَنَّ الْفُقَهَاءَ وَالأُْصُولِيِّينَ يَخْتَلِفُونَ فِي مَعْنَى الْوَهْمِ، فَهُوَ عِنْدَ أَغْلَبِ الْفُقَهَاءِ مُرَادِفٌ لِلشَّكِّ، فَالشَّكُّ عِنْدَهُمْ هُوَ التَّرَدُّدُ بَيْنَ وُجُودِ الشَّيْءِ وَعَدَمِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الطَّرَفَانِ فِي التَّرَدُّدِ سَوَاءً، أَمْ كَانَ أَحَدُهُمَا رَاجِحًا (٥) .
_________
(١) حديث: " الإيمان بضع وستون شعبة. . . " أخرجه مسلم (١ / ٦٣ ط الحلبي) .
(٢) انظر فتح الباري في شرح كتاب (الإيمان) من صحيح البخاري ١ / ٥٣، والجامع لشعب الإيمان للبيهقي ط الدار السلفية في بومبي بالهند، ومختصر شعب الإيمان للبيهقي اختصره أبو جعفر القزويني ط المنيرية ١٣٥٥ هـ، والجامع في شعب الإيمان للحليمي. بيروت دار الفكر.
(٣) لسان العرب المحيط مادة: " وهم ".
(٤) جمع الجوامع ٢ / ٣٠٠ ط مصطفى الحلبي، والمجموع ١ / ١٦٨، ١٦٩ ط السلفية، والخرشي ١ / ٣١١ ط دار صادر، والمغني ١ / ٦٤ ط الرياض.
(٥) المراجع السابقة.
وَعِنْدَ أَصْحَابِ الأُْصُول وَبَعْضِ الْفُقَهَاءِ: الْوَهْمُ هُوَ إِدْرَاكُ الطَّرَفِ الْمَرْجُوحِ (١) .
وَالْبَعْضُ يُطْلِقُ الإِْيهَامَ وَيُرِيدُ بِهِ الظَّنَّ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْغِشُّ:
٢ - الْغِشُّ: أَنْ يَكْتُمَ الْبَائِعُ عَنِ الْمُشْتَرِي عَيْبًا فِي الْمَبِيعِ لَوِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ لَمَا اشْتَرَاهُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ (٣) .
التَّدْلِيسُ:
٣ - التَّدْلِيسُ: الْعِلْمُ بِالْعَيْبِ وَكِتْمَانُهُ (٤) .
الْغَرَرُ:
٤ - الْغَرَرُ: مَا يَكُونُ مَجْهُول الْعَاقِبَةِ، وَلاَ يُدْرَى أَيَكُونُ أَمْ لاَ (٥) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٥ - إِيهَامُ اللُّقِيِّ وَالرِّحْلَةِ مِنْ تَدْلِيسِ الإِْسْنَادِ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ، لَكِنْ لاَ يُعْتَبَرُ سَبَبًا لِتَجْرِيحِ الرَّاوِي.
فَإِيهَامُ اللُّقِيِّ: كَقَوْل مَنْ عَاصَرَ الزُّهْرِيَّ مَثَلًا وَلَمْ يَلْقَهُ: قَال الزُّهْرِيُّ، مُوهِمًا أَيْ مُوقِعًا فِي الْوَهْمِ - أَيِ الذِّهْنِ - أَنَّهُ سَمِعَهُ.
وَإِيهَامُ الرِّحْلَةِ نَحْوُ أَنْ يُقَال: حَدَّثَنَا وَرَاءَ النَّهْرِ، مُوهِمًا جَيْحُونَ، وَالْمُرَادُ نَهْرُ مِصْرَ، كَأَنْ يَكُونَ
_________
(١) جمع الجوامع ٢ / ٣٠٠، والطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٢٤٩ ط دار الإيمان.
(٢) جواهر الإكليل ٢ / ٤٥، والدسوقي ٣ / ١٦٩ نشر دار الفكر.
(٣) نهاية المحتاج ٤ / ٦٩ ط الحلبي.
(٤) الخرشي ٥ / ١٤، ١٨٠، وجواهر الإكليل ٢ / ٤٥.
(٥) التعريفات للجرجاني ١٤١، والقليوبي ٢ / ١٦١، والفروق للقرافي ٣ / ٢٦٥.
بِالْجِيزَةِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَارِيضِ لاَ كَذِبَ فِيهِ (١) .
وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ: إِيهَامُ الْبَائِعِ الْمُشْتَرِيَ سَلاَمَةَ الْمَبِيعِ الْمَعِيبِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَمُوجِبُ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي فِي الْجُمْلَةِ (٢) عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ مَوْطِنُهُ خِيَارُ الْعَيْبِ.
إِيوَاءٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْيوَاءُ لُغَةً: مَصْدَرُ آوَى - وَهُوَ مُتَعَدٍّ - ضَمُّ الإِْنْسَانِ غَيْرَهُ إِلَى مَكَانٍ يُقِيمُ وَيَأْمَنُ فِيهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ (٣) وَمُجَرَّدُهُ أَوَى، وَهُوَ لاَزِمٌ. وَقَدْ يُسْتَعْمَل مُتَعَدِّيًا، يُقَال: أَوَى إِلَى فُلاَنٍ إِذَا الْتَجَأَ وَانْضَمَّ إِلَيْهِ. وَالْمَأْوَى لِكُل حَيَوَانٍ سَكَنُهُ (٤) .
وَهُوَ فِي الشَّرِيعَةِ كَذَلِكَ، فَقَدْ قَال ﵊ لِلأَْنْصَارِ: أَسْأَلُكُمْ لِرَبِّي ﷿ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَسْأَلُكُمْ لِنَفْسِي وَلأَِصْحَابِي أَنْ تُؤْوُونَا. . (٥) أَيْ تَضُمُّونَا إِلَيْكُمْ،
_________
(١) جمع الجوامع ٢ / ١٦٥، فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت ٢ / ١٤٩ ط دار صادر.
(٢) المحلى على المنهاج بحاشيتي قليوبي وعميرة ٢ / ٢١٠، وجواهر الإكليل ٢ / ٤٢، والمغني ٤ / ١٥٧.
(٣) سورة يوسف / ٩٩.
(٤) لسان العرب، والمغرب، مادة " أوى ".
(٥) حديث: " أسألكم لربي ﷿ أن تعبدوه. . . " أخرجه أحمد (٤ / ١١٩ - ١٢٠ - ط الميمنية) وقال الهيثمي: رواه أحمد هكذا مرسلا، ورجاله رجال الصحيح، وقد ذكر الإمام أحمد بعده سندا إلى الشعبي عن أبي مسعود - عقبة بن عامر - قال بنحو هذا. . . وفيه مجالد وفيه ضعف، وحديثه حسن إن شاء الله. (المجمع ٦ / ٤٨ - ط القدسي) .
وَقَال صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: لاَ يَأْوِي الضَّالَّةَ إِلاَّ ضَالٌّ (١) أَيْ يَأْخُذُهَا وَيَضُمُّهَا إِلَيْهِ وَهَكَذَا (٢) .
الْحُكْمُ الْعَامُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٢ - حَيْثُمَا كَانَ الإِْيوَاءُ لِغَايَةٍ مَشْرُوعَةٍ كَانَ الإِْيوَاءُ مَشْرُوعًا، مَا لَمْ يَقُمْ عَلَى مَنْعِهِ دَلِيلٌ، كَإِيوَاءِ الْيَتِيمِ، وَإِيوَاءِ الْمُشَرَّدِ، وَإِيوَاءِ الضَّيْفِ، وَإِيوَاءِ الْفَارِّ مِنَ الظَّالِمِ، وَإِيوَاءِ اللُّقَطَةِ الَّتِي لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَمْتَنِعَ بِنَفْسِهَا.
وَحَيْثُمَا كَانَ الإِْيوَاءُ لِغَايَةٍ غَيْرِ مَشْرُوعَةٍ، فَهُوَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ كَإِيوَاءِ الْجَاسُوسِ وَالْجَانِي (٣) لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَدِينَةِ مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٤) .
٣ - وَإِيوَاءُ الْعَيْنِ الْمَسْرُوقَةِ مِنْ قِبَل مَالِكِهَا شَرْطٌ لِقَطْعِ سَارِقِهَا، وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ الْفُقَهَاءُ بِالْحِرْزِ.
لِقَوْلِهِ ﷺ: لاَ تُقْطَعُ الْيَدُ فِي ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ، فَإِذَا ضَمَّهُ الْجَرِينُ قُطِعَتْ فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ، وَلاَ تُقْطَعُ فِي حَرِيسَةِ الْجَبَل، فَإِذَا آوَى الْمَرَاحُ قُطِعَتْ فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ (٥)
_________
(١) حديث: " لا يأوي الضالة إلا ضال. . . ". أخرجه ابن ماجه (٢ / ٨٣٦ - ط الحلبي) وأصله في صحيح مسلم (٣ / ١٣٥١ - ط الحلبي) .
(٢) مجمع بحار الأنوار للفتني الكجراني، والنهاية في غريب الحديث، والفائق في غريب الحديث مادة: " أوى "
(٣) عمدة القاري ١٥ / ٩٤.
(٤) حديث: " من أحدث فيها حدثا. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٨١ - ط السلفية) . ومسلم (٢ / ٩٩٥ - ٩٩٦ - ط الحلبي) .
(٥) المغني ٨ / ٢٥٨. وحديث: " لا تقطع اليد في ثمر معلق. . . " أخرجه النسائي (٨ / ٨٤ - ٨٥ ط المكتبة التجارية) وإسناده حسن، (التلخيص الحبير ٤ / ٦٤ - ط شركة الطباعة الفنية المتحدة) . والجرين: هو موضع تجفيف الثمر (سنن النسائي بشرح السيوطي ٨ / ٨٥) . والمجن: هو الترس (لسان العرب) . وحريسة الجبل هي: الشاة مما يحرس بالجبل (الفائق في غريب الحديث) .
كَمَا فَصَّل ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ فِي كِتَابِ السَّرِقَةِ. (ر: سَرِقَةٌ) .
٤ - وَإِيوَاءُ الْمَبِيعِ إِلَى الْمُشْتَرِي - بِمَعْنَى نَقْلِهِ وَضَمِّهِ إِلَى الْمُشْتَرِي - فِي الْمَنْقُولاَتِ شَرْطٌ عِنْدَ الْبَعْضِ؛ لِجَوَازِ بَيْعِ الْمُشْتَرِي لَهُ، لِقَوْل ابْنِ عُمَرَ: لَقَدْ رَأَيْتُ النَّاسَ فِي عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَبْتَاعُونَ جُزَافًا - يَعْنِي الطَّعَامَ - يَضْرِبُونَ أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِمْ حَتَّى يُؤْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ (١) .
الأَْيَّامُ الْبِيضُ
التَّعْرِيفُ:
١ - الأَْيَّامُ الْبِيضُ هِيَ: الْيَوْمُ الثَّالِثَ عَشَرَ وَالرَّابِعَ عَشَرَ وَالْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ كُل شَهْرٍ عَرَبِيٍّ. وَسُمِّيَتْ بِيضًا لاِبْيِضَاضِ لَيَالِيِهَا بِالْقَمَرِ؛ لأَِنَّهُ يَطْلُعُ فِيهَا مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا. وَلِذَلِكَ قَال ابْنُ بَرِّيٍّ: الصَّوَابُ أَنْ يُقَال: أَيَّامُ الْبِيضِ، بِالإِْضَافَةِ لأَِنَّ الْبِيضَ مِنْ صِفَةِ اللَّيَالِيِ - أَيْ أَيَّامِ اللَّيَالِيِ الْبَيْضَاءِ.
_________
(١) حديث ابن عمر: " لقد رأيت الناس في عهد رسول الله ﷺ. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٣٤٧ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١١٦١ - ط الحلبي) واللفظ للبخاري.
وَقَال الْمُطَرِّزِيُّ: مَنْ فَسَّرَهَا بِالأَْيَّامِ فَقَدْ أَبْعَد (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الأَْيَّامُ السُّودُ:
٢ - الأَْيَّامُ السُّودُ أَوْ أَيَّامُ اللَّيَالِيِ السُّودِ: هِيَ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ وَتَالِيَاهُ، بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْقَمَرَ فِي هَذِهِ اللَّيَالِيِ يَكُونُ فِي تَمَامِ الْمِحَاقِ (٢) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - يُسْتَحَبُّ صَوْمُ الأَْيَّامِ الْبِيضِ مِنْ كُل شَهْرٍ؛ لِكَثْرَةِ الأَْحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، وَمِنْهَا مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: مَنْ صَامَ مِنْ كُل شَهْرٍ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فَذَاكَ صِيَامُ الدَّهْرِ (٣)
وَعَنْ مِلْحَانَ الْقَيْسِيِّ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا أَنْ نَصُومَ الْبِيضَ: ثَلاَثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ، وَقَال: هُوَ كَهَيْئَةِ الدَّهْرِ (٤) وَهَذَا يَنْطَبِقُ عَلَى كُل شُهُورِ الْعَامِ عَدَا شَهْرَ ذِي الْحِجَّةِ، فَلاَ يُصَامُ فِيهِ الْيَوْمُ الثَّالِثَ عَشَرَ؛ لأَِنَّهُ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ الَّتِي وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ صَوْمِهَا.
وَالأَْوْجَهُ كَمَا يَقُول الشَّافِعِيَّةُ أَنْ يُصَامَ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. وَصَوْمُ هَذِهِ الأَْيَّامِ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (٥) .
_________
(١) لسان العرب، والمغرب، والمصباح المنير مادة: " بيض "
(٢) مغني المحتاج ١ / ٤٤٧ ط مصطفى الحلبي.
(٣) حديث: " من صام من كل شهر ثلاثة أيام. . . " أخرجه ابن ماجه (١ / ٤٥ - ط الحلبي) وصححه ابن خزيمة (٣ / ٣٠١ - ط المكتب الإسلامي) .
(٤) حديث ملحان: " كان يأمرنا بأن نصوم البيض. . . " أخرجه أبو داود (٢ / ٨٢١ - ط عزت عبيد دعاس) وصححه البخاري كما في مختصر سنن أبي داود (٣ / ٣٣٠ - نشر دار المعرفة) .
(٥) بدائع الصنائع ٢ / ٧٩ ط أولى، ونهاية المحتاج ٣ / ٢٠٢ ط المكتبة الإسلامية، والمغني ٣ / ١٧٧.