الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٧ الصفحة 60

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٧

بَيَانُ الْكَفَّارَةِ:

١٣٨ - كَفَّارَةُ الْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى إِذَا حَنِثَ فِيهَا وَهِيَ مُنْعَقِدَةٌ قَدْ ذَكَرَهَا اللَّهُ ﷿ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ حَيْثُ قَال: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَْيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِين مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١)

فَقَدْ بَيَّنَتِ الآْيَةُ الْكَرِيمَةُ أَنَّ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ الْمَعْقُودَةِ وَاجِبَةٌ عَلَى التَّخْيِيرِ ابْتِدَاءً، وَالتَّرْتِيبِ انْتِهَاءً، فَالْحَالِفُ إِذَا حَنِثَ وَجَبَ عَلَيْهِ إِحْدَى خِصَالٍ ثَلاَثٍ: إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ، أَوْ كِسْوَتُهُمْ، أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، فَإِذَا عَجَزَ عَنِ الثَّلاَثِ وَجَبَ عَلَيْهِ صِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ.

وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ نَصٌّ قُرْآنِيٌّ قَاطِعٌ، غَيْرَ أَنَّ فِي التَّفَاصِيل اخْتِلاَفَاتٍ مَنْشَؤُهَا الاِجْتِهَادُ، وَمَوْضِعُ بَسْطِهَا (الْكَفَّارَاتُ) .

هَل تَتَعَدَّدُ الْكَفَّارَةُ بِتَعَدُّدِ الْيَمِينِ؟

١٣٩ - لاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ مَنْ حَلَفَ يَمِينًا فَحَنِثَ فِيهَا وَأَدَّى مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنَ الْكَفَّارَةِ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ يَمِينًا أُخْرَى وَحَنِثَ فِيهَا تَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ أُخْرَى، وَلاَ تُغْنِي الْكَفَّارَةُ الأُْولَى عَنْ كَفَّارَةِ الْحِنْثِ فِي هَذِهِ الْيَمِينِ الثَّانِيَةِ.

وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ فِيمَنْ حَلَفَ أَيْمَانًا وَحَنِثَ فِيهَا، ثُمَّ أَرَادَ التَّكْفِيرَ، هَل تَتَدَاخَل الْكَفَّارَاتُ فَتُجْزِئُهُ كَفَّارَةٌ

_________

(١) سورة المائدة / ٨٩.

وَاحِدَةٌ؟ أَوْ لاَ تَتَدَاخَل فَيَجِبُ عَلَيْهِ لِكُل يَمِينٍ كَفَّارَةٌ؟

فَإِنَّ الْكَفَّارَاتِ تَتَدَاخَل عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَأَحَدِ الأَْقْوَال عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَلاَ تَتَدَاخَل عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَلاَ الشَّافِعِيَّةِ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (الْكَفَّارَاتِ) .

وَمِثْل الْحَلِفِ بِاللَّهِ الْحَلِفُ بِالنُّذُورِ، وَمِثْلُهُ أَيْضًا الْحَلِفُ بِالطَّلاَقِ عِنْدَ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، كَمَا لَوْ قَال: إِنْ فَعَلْتِ كَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ، قَاصِدًا الْمَنْعَ، أَوْ يَلْزَمُنِي الطَّلاَقُ إِنْ فَعَلْتِ كَذَا. (١)

أَحْكَامُ الْيَمِينِ التَّعْلِيقِيَّةِ

حُكْمُ تَعْلِيقِ الْكُفْرِ:

١٤٠ - سَبَقَ بَيَانُ الْخِلاَفِ فِي أَنَّ تَعْلِيقَ الْكُفْرِ عَلَى مَا لاَ يُرِيدُهُ الإِْنْسَانُ يُعْتَبَرُ يَمِينًا أَوْ لاَ يُعْتَبَرُ.

فَالْقَائِلُونَ بِعَدَمِ اعْتِبَارِهِ يَمِينًا لاَ يُرَتِّبُونَ عَلَى الْحِنْثِ فِيهِ كَفَّارَةً، فَيَسْتَوِي عِنْدَهُمْ أَنْ يَبَرَّ فِيهِ وَأَنْ يَحْنَثَ، لَكِنَّهُمْ يَذْكُرُونَ حُكْمَ الإِْقْدَامِ عَلَيْهِ. وَالْقَائِلُونَ بِاعْتِبَارِهِ يَمِينًا يَجْعَلُونَهُ فِي مَعْنَى الْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى. وَفِي الْبَدَائِعِ مَا خُلاَصَتُهُ: أَنَّ الْحَلِفَ بِأَلْفَاظِ الْكُفْرِ يَمِينٌ اسْتِحْسَانًا؛ لأَِنَّهُ مُتَعَارَفٌ بَيْنَ النَّاسِ، فَإِنَّهُمْ يَحْلِفُونَ بِهَذِهِ الأَْلْفَاظِ مِنْ عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ. (٢) وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حَلِفًا شَرْعِيًّا لَمَا تَعَارَفُوهُ؛ لأَِنَّ الْحَلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى مَعْصِيَةٌ، فَدَل تَعَارُفُهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ جَعَلُوا ذَلِكَ كِنَايَةً عَنِ الْحَلِفِ بِاللَّهِ ﷿ وَإِنْ لَمْ يَعْقِل

_________

(١) الإنصاف ١١ / ٤٤ - ٤٥.

(٢) في هذا الكلام نظر ظاهر فليتأمل.

وَجْهَ الْكِنَايَةِ.

وَقَال إِبْرَاهِيمُ الْحَلَبِيُّ مَا خُلاَصَتُهُ: يُمْكِنُ تَقْرِيرُ وَجْهِ الْكِنَايَةِ، بِأَنْ يُقَال مَقْصُودُ الْحَالِفِ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ الاِمْتِنَاعُ عَنِ الشَّرْطِ، وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ النَّفْرَةَ عَنِ الْكُفْرِ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَهِيَ تَسْتَلْزِمُ تَعْظِيمَ اللَّهِ، كَأَنْ قَال: وَاللَّهِ الْعَظِيمِ لاَ أَفْعَل كَذَا. (١)

وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ يَكُونُ كَالْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى فِي شَرَائِطِ انْعِقَادِهِ وَبَقَائِهِ، وَفِي تَقْسِيمِهِ إِلَى غَمُوسٍ وَلَغْوٍ وَمُنْعَقِدٍ، وَفِي أَحْكَامِ الإِْقْدَامِ عَلَيْهِ وَالْبِرِّ وَالْحِنْثِ فِيهِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْحِنْثِ. غَيْرَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِيهِ نِسْبَةُ الْكُفْرِ إِلَى الْمُتَكَلِّمِ مُعَلَّقَةً عَلَى شَرْطٍ أَمْكَنَ الْقَوْل بِأَنَّهُ تَارَةً يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ، وَتَارَةً لاَ، وَإِذَا حَكَمَ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ عِنْدَ النُّطْقِ لَمْ يَكُنْ مُنْعَقِدًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ الإِْسْلاَمَ فِي انْعِقَادِ الْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى فَكَذَلِكَ يَشْتَرِطُونَهُ فِي انْعِقَادِ تَعْلِيقِ الْكُفْرِ، وَإِذَا حَكَمَ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ بِمُبَاشَرَةِ الشَّرْطِ بَعْدَ الْحَلِفِ بَطَل عِنْدَهُمْ بَعْدَ انْعِقَادِهِ، كَمَا تَبْطُل الْيَمِينُ بِاللَّهِ بَعْدَ انْعِقَادِهَا إِذَا كَفَّرَ قَائِلُهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ.

حُكْمُ الإِْقْدَامِ عَلَيْهِ:

١٤١ - مَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ نَطَقَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ مُنَجَّزَةً يَكُونُ كَافِرًا حَالًا مَتَى تَوَفَّرَتْ شَرَائِطُ الرِّدَّةِ، وَمَنْ عَلَّقَهَا عَلَى أَمْرٍ بِغَيْرِ قَصْدِ الْيَمِينِ يَكُونُ كَافِرًا فِي الْحَال أَيْضًا وَإِنْ كَانَ مَا عَلَّقَهَا عَلَيْهِ مُسْتَقْبَلًا؛ لأَِنَّ الرِّضَى بِالْكُفْرِ وَلَوْ فِي الْمُسْتَقْبَل ارْتِدَادٌ عَنِ الإِْسْلاَمِ فِي الْحَال، وَذَلِكَ كَأَنْ يَقُول إِنْسَانٌ: إِذَا كَانَ الْغَدُ فَهُوَ يَهُودِيٌّ، أَوْ إِذَا شَفَاهُ اللَّهُ عَلَى يَدِ هَذَا النَّصْرَانِيِّ فَهُوَ نَصْرَانِيٌّ.

_________

(١) البدائع ٣ / ٨، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٤٧.

وَأَمَّا مَنْ عَلَّقَ الْكُفْرَ بِقَصْدِ الْيَمِينِ فَالأَْصْل فِيهِ أَنَّهُ لاَ يَكْفُرُ، سَوَاءٌ أَعَلَّقَهُ عَلَى مَاضٍ أَمْ حَاضِرٍ أَمْ مُسْتَقْبَلٍ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ كَاذِبًا أَمْ لَمْ يَكُنْ؛ لأَِنَّهُ إِنَّمَا يَقْصِدُ الْمَنْعَ مِنَ الشَّرْطِ أَوِ الْحَثَّ عَلَى نَقِيضِهِ أَوِ الإِْخْبَارَ بِنَقِيضِهِ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَقًّا - تَرْوِيجًا لِكَذِبِهِ.

فَمَنْ قَال: إِنْ كَلَّمْتُ فُلاَنَةَ، أَوْ إِنْ لَمْ أُكَلِّمْهَا فَهُوَ بَرِيءٌ مِنَ الإِْسْلاَمِ، فَمَقْصُودُهُ مَنْعُ نَفْسِهِ مِنَ التَّكْلِيمِ فِي الصُّورَةِ الأُْولَى أَوْ حَثُّ نَفْسِهِ عَلَيْهِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ حَذَرًا مِنَ الْكُفْرِ، فَلاَ يَكُونُ رَاضِيًا بِالْكُفْرِ، وَمَنْ قَال: إِنْ لَمْ أَكُنِ اشْتَرَيْتُ هَذَا بِدِينَارٍ فَهُوَ يَهُودِيٌّ، وَأَرَادَ بِهَذَا حَمْل الْمُخَاطَبِ عَلَى تَصْدِيقِ مَا ادَّعَاهُ وَكَانَ كَاذِبًا عَمْدًا لاَ يَكُونُ رَاضِيًا بِالْكُفْرِ؛ لأَِنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ تَرْوِيجَ كَذِبِهِ بِتَعْلِيقِ الْكُفْرِ عَلَى نَقِيضِهِ.

هَذَا هُوَ الأَْصْل، وَلَكِنْ قَدْ يَكُونُ الْمُتَكَلِّمُ جَاهِلًا، فَيَعْتَقِدُ أَنَّ الْحَلِفَ بِصِيغَةِ الْكُفْرِ كُفْرٌ، أَوْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَكْفُرُ بِإِقْدَامِهِ عَلَى مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ أَوْ إِحْجَامِهِ عَمَّا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ.

فَفِي الصُّورَةِ الأُْولَى يُعْتَبَرُ كَافِرًا بِمُجَرَّدِ الْحَلِفِ لأَِنَّهُ تَكَلَّمَ بِمَا يَعْتَقِدُهُ كُفْرًا، فَكَانَ رَاضِيًا بِالْكُفْرِ حَالًا.

وَفِي الصُّورَتَيْنِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ يَكْفُرُ بِالإِْقْدَامِ عَلَى مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ وَالإِْحْجَامِ عَمَّا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ؛ لأَِنَّهُ عَمِل عَمَلًا يَعْتَقِدُهُ كُفْرًا، فَكَانَ رَاضِيًا بِالْكُفْرِ، وَلاَ يَكْفُرُ بِمُجَرَّدِ النُّطْقِ بِالْيَمِينِ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ إِلاَّ إِذَا كَانَ حِينَ النُّطْقِ عَازِمًا عَلَى الْحِنْثِ؛ لأَِنَّ الْعَزْمَ عَلَى الْكُفْرِ كُفْرٌ. (١)

١٤٢ - وَصَفْوَةُ الْقَوْل أَنَّ الْحَلِفَ بِالْكُفْرِ لاَ يُعَدُّ

_________

(١) ابن عابدين ٣ / ٥٥.

كُفْرًا، إِلاَّ إِذَا كَانَ قَائِلُهُ رَاضِيًا بِالْكُفْرِ، وَهَذَا هُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْغَمُوسِ وَغَيْرِهَا، وَيُقَابِلُهُ رَأْيَانِ فِي الْغَمُوسِ - أَيِ الْحَلِفِ عَلَى الْكَذِبِ الْعَمْدِ.

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لاَ يَكْفُرُ وَإِنِ اعْتَقَدَ الْكُفْرَ.

ثَانِيهِمَا: أَنَّهُ يَكْفُرُ وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدِ الْكُفْرَ.

وَوَجْهُ الأَْوَّل: أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُ مِنِ اعْتِقَادِ الْكُفْرِ الرِّضَى بِهِ، فَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ يُقْدِمُ عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ كُفْرًا لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ، وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِْيمَانِ. وَالْحَالِفُ غَرَضُهُ تَرْوِيجُ كَذِبِهِ أَوْ إِظْهَارُ امْتِنَاعِهِ، فَهُوَ حِينَمَا يَنْطِقُ بِمَا يَعْتَقِدُهُ كُفْرًا إِنَّمَا يَأْتِي بِهِ صُورَةً مَحْضَةً خَالِيَةً مِنَ الرِّضَى بِالْكُفْرِ.

وَوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْحَالِفَ لَمَّا عَلَّقَ الْكُفْرَ بِأَمْرٍ مُحَقَّقٍ كَانَ تَنْجِيزًا فِي الْمَعْنَى، كَأَنَّهُ قَال ابْتِدَاءً: هُوَ كَافِرٌ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ ﷺ قَال: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِْسْلاَمِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا فَهُوَ كَمَا قَال (١) .

حُكْمُ الإِْقْدَامِ عَلَى تَعْلِيقِ الْكُفْرِ فِي بَقِيَّةِ الْمَذَاهِبِ:

١٤٣ - قَال الْمَالِكِيَّةُ: يَحْرُمُ تَعْلِيقُ الْكُفْرِ بِقَصْدِ الْحَلِفِ، وَلاَ يَرْتَدُّ إِنْ فَعَل الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ، وَلْيَتُبْ إِلَى اللَّهِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَفَعَلَهُ أَمْ لَمْ يَفْعَلْهُ، لأَِنَّهُ ارْتَكَبَ ذَنْبًا.

فَإِنْ قَصَدَ الإِْخْبَارَ عَنْ نَفْسِهِ بِالْكُفْرِ كَانَ رِدَّةً، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ هَزْلًا (٢) وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَحْرُمُ تَعْلِيقُ الْكُفْرِ

_________

(١) حديث: " من حلف على يمين بملة. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١١ / ٥٣٧) ومسلم (١ / ١٠٤) ط عيسى الحلبي، واللفظ له.

(٢) الشرح الصغير وحاشية الصاوي عليه ١ / ٣٢٠، والشرح الكبير بحاشية الدسوقي ٢ / ١٢٨.

الَّذِي يَقْصِدُ بِهِ الْيَمِينَ عَادَةً، وَلاَ يَكْفُرُ بِهِ إِذَا قَصَدَ تَبْعِيدَ نَفْسِهِ عَنِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ أَوْ أَطْلَقَ، فَإِنْ قَصَدَ حَقِيقَةَ التَّعْلِيقِ، أَوْ قَصَدَ الرِّضَى بِالْكُفْرِ كَفَرَ مِنْ فَوْرِهِ، دُونَ تَوَقُّفٍ عَلَى حُصُول الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ، إِذِ الرِّضَى بِالْكُفْرِ كُفْرٌ، ثُمَّ إِنْ كَفَرَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ وَالْعَوْدَةُ إِلَى الإِْسْلاَمِ بِالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَكْفُرْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ أَيْضًا، وَنُدِبَ لَهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ ﷿ كَأَنْ يَقُول: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ. وَنُدِبَ لَهُ أَنْ يَنْطِقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ.

وَمَنْ مَاتَ أَوْ غَابَ وَتَعَذَّرَتْ مُخَاطَبَتُهُ، وَكَانَ قَدْ عَلَّقَ الْكُفْرَ وَلَمْ يُعْرَفْ قَصْدُهُ، فَمُقْتَضَى كَلاَمِ الأَْذْكَارِ لِلنَّوَوِيِّ أَنَّهُ لاَ يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ، وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ، خِلاَفًا لِمَا اعْتَمَدَهُ الإِْسْنَوِيُّ مِنَ الْحُكْمِ بِكُفْرِهِ إِذَا لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ قَرِينَةٌ تَصْرِفُهُ عَنِ الْكُفْرِ. (١)

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: يَحْرُمُ الإِْقْدَامُ عَلَى الْيَمِينِ بِالْكُفْرِ، سَوَاءٌ أَكَانَ بِصُورَةِ التَّعْلِيقِ نَحْوَ: إِنْ فَعَل كَذَا فَهُوَ يَهُودِيٌّ، أَمْ بِصُورَةِ الْقَسَمِ نَحْوَ: هُوَ يَهُودِيٌّ لَيَفْعَلَنَّ كَذَا. وَإِنْ قَصَدَ أَنَّهُ يَكْفُرُ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ كَفَرَ مُنَجَّزًا. (٢)

حُكْمُ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ فِيهِ:

١٤٤ - إِذَا قَصَدَ بِتَعْلِيقِ الْكُفْرِ تَأْكِيدَ خَبَرٍ، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا كَانَ الْحَالِفُ بَارًّا، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا كَانَ

_________

(١) تحفة المحتاج بشرح المنهاج ٨ / ٢١٥، ونهاية المحتاج ٨ / ١٦٩.

(٢) مطالب أولي النهى ٦ / ٣٧١ - ٣٧٢، والمغني بأعلى الشرح الكبير ١١ / ١٩٨ - ٢٠١.

الْحَالِفُ حَانِثًا، وَالْبِرُّ فِي الصُّورَةِ الأُْولَى، وَالْحِنْثُ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ مُقَارِنَانِ لِتَمَامِ الْيَمِينِ، فَلاَ حُكْمَ لَهُمَا سِوَى حُكْمِ الإِْقْدَامِ.

وَإِنَّمَا يَكُونُ لِلْبِرِّ وَالْحِنْثِ حُكْمٌ مُسْتَقِلٌّ إِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ تَأْكِيدَ الْحَثِّ أَوِ الْمَنْعِ، فَإِنَّهُمَا حِينَئِذٍ يَكُونَانِ مُتَأَخِّرَيْنِ.

وَالْخُلاَصَةُ: أَنَّ تَعْلِيقَ الْكُفْرِ بِقَصْدِ الْيَمِينِ إِنْ كَانَ صَادِقًا أَوْ غَمُوسًا أَوْ لَغْوًا فَلَيْسَ لِلْبِرِّ فِي الأَْوَّل وَالْحِنْثِ فِي الأَْخِيرَيْنِ حُكْمٌ سِوَى حُكْمِ الإِْقْدَامِ عَلَى التَّعْلِيقِ.

وَإِنْ كَانَ مُنْعَقِدًا، فَحُكْمُ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ فِيهِ هُوَ حُكْمُ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ فِي الْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى الْمُنْعَقِدَةِ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ وَاخْتِلاَفُ الْفُقَهَاءِ فِيهِ تَفْصِيلًا.

مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْحِنْثِ فِيهِ:

١٤٥ - سَبَقَ أَنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي تَعْلِيقِ الْكُفْرِ بِقَصْدِ الْيَمِينِ، أَهُوَ يَمِينٌ شَرْعِيَّةٌ أَمْ لاَ؟ فَمَنْ قَال: إِنَّهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ قَال: لاَ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْحِنْثِ فِيهِ، وَمَنْ قَال: إِنَّهُ يَمِينٌ قَال: إِنَّمَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْحِنْثِ فِيهِ إِنْ كَانَ مُنْعَقِدًا، فَإِنْ كَانَ لَغْوًا لَمْ تَجِبْ فِيهِ كَفَّارَةٌ، وَإِنْ كَانَ غَمُوسًا فَفِيهِ الْخِلاَفُ الَّذِي فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ بِاللَّهِ تَعَالَى.

أَحْكَامُ تَعْلِيقِ الطَّلاَقِ وَالظِّهَارِ وَالْحَرَامِ وَالْتِزَامِ الْقُرْبَةِ:

مُقَارَنَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى:

١٤٦ - سَبَقَ أَنَّ تَعْلِيقَ الْكُفْرِ فِي مَعْنَى الْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ يُعْتَبَرُ فِيهِ مَا يُعْتَبَرُ فِيهَا مِنْ شَرَائِطَ وَأَقْسَامٍ وَأَحْكَامٍ.

وَلَيْسَ لِبَقِيَّةِ التَّعْلِيقَاتِ هَذِهِ الصِّفَةُ، فَهِيَ تُخَالِفُ الْيَمِينَ بِاللَّهِ تَعَالَى فِي أُمُورٍ:

الأَْمْرُ الأَْوَّل: أَنَّهَا تُعْتَبَرُ مِنْ قَبِيل الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ، فَيَنْطَبِقُ عَلَيْهِ حَدِيثُ النَّهْيِ عَنِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ، بِخِلاَفِ تَعْلِيقِ الْكُفْرِ فَقَدْ قَرَّرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنِ الْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى، فَلاَ يَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهُ لِذَاتِهِ، لَكِنَّهُمْ قَرَّرُوا أَيْضًا أَنَّ يَمِينَ الطَّلاَقِ وَالْعَتَاقِ إِذَا كَانَتْ لِلاِسْتِيثَاقِ جَازَتْ عَلَى الأَْصَحِّ كَمَا تَقَدَّمَ.

الأَْمْرُ الثَّانِي: أَنَّهَا لاَ تَنْقَسِمُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ إِلَى غَمُوسٍ وَلَغْوٍ وَمُنْعَقِدَةٍ، بَل تُعْتَبَرُ كُلُّهَا مُنْعَقِدَةً، سَوَاءٌ أَقَصَدَ بِهَا تَأْكِيدَ خَبَرٍ أَمْ تَأْكِيدَ حَثٍّ أَوْ مَنْعٍ، فَمَنْ حَلَفَ بِالطَّلاَقِ وَنَحْوِهِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا وَقَعَ طَلاَقُهُ، وَكَذَا مَنْ كَانَ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ صَادِقٌ وَكَانَ مُخْطِئًا فِي اعْتِقَادِهِ (١) لأَِنَّ الطَّلاَقَ وَالْعِتْقَ وَالْتِزَامَ الْقُرْبَةِ يَسْتَوِي فِيهَا الْهَزْل وَالْجِدُّ؛ لِحَدِيثِ: ثَلاَثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ وَالطَّلاَقُ وَالرَّجْعَةُ (٢) .

وَيُقَاسُ بِالطَّلاَقِ الْعَتَاقُ وَالْتِزَامُ الْقُرْبَةِ، فَإِذَا كَانَ هَزْل هَذِهِ الثَّلاَثَةِ جِدًّا، فَالْكَذِبُ فِي الْحَلِفِ بِهَا يَكُونُ جِدًّا أَيْضًا، وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ بِاللَّهِ تَعَالَى كَذَلِكَ؛ لأَِنَّ هَزْلَهَا جِدٌّ أَيْضًا كَمَا سَبَقَ، لَكِنْ لَمْ يُلْحَقْ فِيهَا الْغَمُوسُ وَاللَّغْوُ بِالْهَزْل لأَِدِلَّةٍ أَخْرَجَتْهُمَا.

الأَْمْرُ الثَّالِثُ: أَنَّ هَذِهِ التَّعْلِيقَاتِ يَقَعُ جَزَاؤُهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ، فَتَعْلِيقُ الطَّلاَقِ يَقَعُ بِهِ الطَّلاَقُ عِنْدَ تَحَقُّقِ مَا عُلِّقَ عَلَيْهِ، وَكَذَا تَعْلِيقُ الْعَتَاقِ، وَأَمَّا تَعْلِيقُ الْتِزَامِ الْقُرْبَةِ فَيُخَيَّرُ الْحَالِفُ بِهِ

_________

(١) البدائع ٣ / ٨، وبلغة السالك ١ / ٣٣٠ - ٣٣١.

(٢) حديث: " ثلاث جدهن جد. . . " سبق تخريجه. (ف ٥٥) .

بَيْنَ مَا الْتَزَمَهُ وَبَيْنَ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَهُنَاكَ أَقْوَالٌ غَيْرُ ذَلِكَ سَبَقَ بَيَانُهَا.

حُكْمُ الإِْقْدَامِ عَلَيْهِ:

١٤٧ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْحَلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى لاَ يَجُوزُ (١) وَيَدْخُل فِي ذَلِكَ عِنْدَهُمُ الإِْقْسَامُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، نَحْوَ " وَأَبِي "، كَمَا يَدْخُل الْحَلِفُ بِالطَّلاَقِ وَنَحْوِهِ مِنَ التَّعْلِيقَاتِ، لَكِنَّهُمُ اسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ تَعْلِيقَ الْكُفْرِ، فَقَدْ جَعَلُوهُ كِنَايَةً عَنِ الْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى كَمَا تَقَدَّمَ، وَاسْتَثْنَوْا أَيْضًا تَعْلِيقَ الطَّلاَقِ وَالْعَتَاقِ بِقَصْدِ الاِسْتِيثَاقِ، فَأَجَازُوهُ لِشِدَّةِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ خُصُوصًا فِي زَمَانِنَا هَذَا، (٢) كَمَا تَقَدَّمَ.

وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِكَرَاهَةِ الْحَلِفِ بِالطَّلاَقِ وَالْعَتَاقِ (٣)، وَلِمَعْرِفَةِ بَاقِي الْمَذَاهِبِ فِي ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي مَوَاضِعِ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ.

حُكْمُ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ فِيهِ:

١٤٨ - إِذَا قَصَدَ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ التَّعْلِيقَاتِ تَأْكِيدَ خَبَرٍ، وَكَانَ صَادِقًا فِي الْوَاقِعِ، لَمْ يُتَصَوَّرْ فِيهَا حِنْثٌ؛ لأَِنَّهَا مَبْرُورَةٌ حِينَ النُّطْقِ بِهَا، وَلَيْسَ لِلْبِرِّ فِيهَا حُكْمٌ سِوَى حُكْمِ الإِْقْدَامِ عَلَيْهَا.

وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فِي الْوَاقِعِ لَمْ يُتَصَوَّرْ فِيهَا بِرٌّ؛ لأَِنَّ

_________

(١) عبر صاحب البدائع بكلمة " معصية " وعبر ابن عابدين بكلمة " محظور " (البدائع ٣ / ٨، وابن عابدين ٣ / ٤٥) والظاهر أن المقصود الكراهة التحريمية.

(٢) المقصود: زمان المؤلفين، ولعل هذه الحاجة قد زالت في زمان كتابة هذا الموضوع بالموسوعة، فقد شاع رأي ابن تيمية بعدم وقوع الطلاق الذي يقصد به اليمين.

(٣) مطالب أولي النهى ٦ / ٣٦٤.

الْحِنْثَ مُقَارِنٌ لِتَمَامِ الإِْتْيَانِ بِهَا، وَلَيْسَ لَهُ حُكْمٌ سِوَى حُكْمِ الإِْقْدَامِ عَلَيْهَا.

وَإِنْ قَصَدَ بِشَيْءٍ مِنْهَا تَأْكِيدَ الْحَثِّ أَوِ الْمَنْعِ، فَحُكْمُ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ فِيهَا هُوَ حُكْمُ الْحِنْثِ وَالْبِرِّ فِي الْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى الْمُنْعَقِدَةِ، فَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ وَبَيَانُ الاِخْتِلاَفِ فِيهِ، كَمَا سَبَقَ حُكْمُ الإِْبْرَارِ إِنْ كَانَ حَلِفًا عَلَى الْغَيْرِ.

مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْحِنْثِ فِيهِ:

١٤٩ - يَرَى الْجُمْهُورُ أَنَّ الْحِنْثَ فِي هَذِهِ التَّعْلِيقَاتِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُصُول الْجَزَاءِ، إِلاَّ تَعْلِيقَ الْتِزَامِ الْقُرْبَةِ، فَإِنَّهُ عِنْدَ الْحِنْثِ بِتَحَقُّقِ الشَّرْطِ يَتَخَيَّرُ الْحَالِفُ بَيْنَ مَا الْتَزَمَهُ وَبَيْنَ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ.

انْحِلاَل الْيَمِينِ:

الْيَمِينُ إِمَّا مُؤَكِّدَةٌ لِلْخَبَرِ الْمَاضِي أَوِ الْحَاضِرِ أَوِ الْمُسْتَقْبَل، وَإِمَّا مُؤَكِّدَةٌ لِلْحَثِّ أَوِ الْمَنْعِ.

١٥٠ - فَالْمُؤَكِّدَةُ لِلْخَبَرِ: إِنْ كَانَ مَاضِيًا أَوْ حَاضِرًا فَهِيَ مُنْحَلَّةٌ مِنْ حِينِ النُّطْقِ بِهَا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ صَادِقَةً أَمْ غَمُوسًا أَمْ لَغْوًا؛ لأَِنَّ الْبِرَّ وَالْحِنْثَ وَالإِْلْغَاءَ يَقْتَضِي كُلٌّ مِنْهَا انْحِلاَل الْيَمِينِ.

وَإِنْ كَانَ مُسْتَقْبَلًا صُدِّقَا يَقِينًا فَهِيَ مُنْحَلَّةٌ أَيْضًا مِنْ حِينِ النُّطْقِ بِهَا، نَحْوَ: وَاللَّهِ لأَمُوتَنَّ، أَوْ لَيَبْعَثَنَّ اللَّهُ الْخَلاَئِقَ؛ لأَِنَّهَا بَارَّةٌ مِنْ حِينِ النُّطْقِ بِهَا، وَلاَ يَتَوَقَّفُ بِرُّهَا عَلَى حُصُول الْمَوْتِ وَالْبَعْثِ.

وَإِنْ كَانَ مُسْتَقْبَلًا كَذِبًا عَمْدًا، كَقَوْل الْقَائِل: وَاللَّهِ لأَشْرَبَنَّ مَاءَ هَذَا الْكُوزِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ مَاءَ