الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٧
ب - السُّكْرُ:
٣٨ - مِنْ مَعَانِي السُّكْرِ: زَوَال الْعَقْل، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ أَسْكَرَهُ الشَّرَابُ: أَيْ أَزَال عَقْلَهُ. (١)
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: حَالَةٌ تَعْرِضُ لِلإِْنْسَانِ مِنْ تَنَاوُل الْمُسْكِرِ، يَتَعَطَّل مَعَهَا عَقْلُهُ، فَلاَ يُمَيِّزُ بَيْنَ الأُْمُورِ الْحَسَنَةِ وَالْقَبِيحَةِ (٢) .
وَالسُّكْرُ حَرَامٌ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَخَاصَّةً إِنْ كَانَ طَرِيقُهُ مُحَرَّمًا، كَأَنْ يَتَنَاوَل الْمُسْكِرَ مُخْتَارًا عَالِمًا بِأَنَّ مَا يَشْرَبُهُ يُغَيِّبُ الْعَقْل.
وَخُلاَصَةُ مَا قَالَهُ الْفُقَهَاءُ فِي السُّكْرِ هُوَ: أَنَّهُمْ لَمْ يَجْعَلُوا الْمُسْكِرَ مُسْقِطًا لِلتَّكْلِيفِ وَلاَ مُضَيِّعًا لِلْحُقُوقِ، وَلاَ مُخَفِّفًا لِمِقْدَارِ الْجِنَايَاتِ الَّتِي تَصْدُرُ مِنَ السَّكْرَانِ، لأَِنَّهُ جِنَايَةٌ، وَالْجِنَايَةُ لاَ يَصِحُّ أَنْ يَسْتَفِيدَ مِنْهَا صَاحِبُهَا. وَتَفْصِيل الأَْحْكَامِ الْخَاصَّةِ بِالسُّكْرِ مَحَلُّهَا مُصْطَلَحُ: (سُكْرٍ) .
ج - الْهَزْل:
٣٩ - الْهَزْل: ضِدُّ الْجِدِّ، أَوْ هُوَ اللَّعِبُ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: مَأْخُوذٌ مِنْ هَزَل فِي كَلاَمِهِ هَزْلًا: إِذَا مَزَحَ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: أَلاَّ يُرَادَ بِاللَّفْظِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ وَلاَ الْمَجَازِيَّ، بَل يُرَادُ بِهِ غَيْرُهُمَا (٣) .
وَالْهَزْل لاَ يُنَافِي الأَْهْلِيَّةَ، إِلاَّ أَنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي بَعْضِ الأَْحْكَامِ بِالنِّسْبَةِ لِلْهَازِل.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (هَزْلٍ) .
_________
(١) المصباح المنير مادة: " سكر ".
(٢) التلويح على التوضيح ٢ / ١٨٥ ط صبيح، وفتح الغفار ٣ / ١٠٦ ط الحلبي.
(٣) المصباح مادة: " هزل "، والتقرير والتحبير ٢ / ١٩٤ ط الأميرية، والتلويح على التوضيح ٢ / ١٨٧ ط صبيح.
د - السَّفَهُ:
٤٠ - السَّفَهُ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ: نَقْصٌ فِي الْعَقْل، وَأَصْلُهُ الْخِفَّةُ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: خِفَّةٌ تَعْتَرِي الإِْنْسَانَ فَتَبْعَثُهُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ بِخِلاَفِ مُقْتَضَى الْعَقْل، مَعَ عَدَمِ الاِخْتِلاَل فِي الْعَقْل (١) .
وَإِنَّمَا كَانَ السَّفَهُ مِنَ الْعَوَارِضِ الْمُكْتَسَبَةِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْعَوَارِضِ السَّمَاوِيَّةِ؛ لأَِنَّ السَّفِيهَ بِاخْتِيَارِهِ يَعْمَل عَلَى خِلاَفِ مُقْتَضَى الْعَقْل مَعَ بَقَاءِ الْعَقْل. (٢)
وَالْفَرْقُ بَيْنَ السَّفَهِ وَالْعَتَهِ ظَاهِرٌ، فَإِنَّ الْمَعْتُوهَ يُشَابِهُ الْمَجْنُونَ فِي بَعْضِ أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ، بِخِلاَفِ السَّفِيهِ فَإِنَّهُ لاَ يُشَابِهُ الْمَجْنُونَ لَكِنْ تَعْتَرِيهِ خِفَّةٌ، فَيُتَابِعُ مُقْتَضَاهَا فِي الأُْمُورِ الْمَالِيَّةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ وَرَوِيَّةٍ فِي عَوَاقِبِهَا؛ لِيَقِفَ عَلَى أَنَّ عَوَاقِبَهَا مَحْمُودَةٌ أَوْ مَذْمُومَةٌ. (٣)
وَالسَّفَهُ لاَ يُؤَثِّرُ فِي الأَْهْلِيَّةِ بِقِسْمَيْهَا، وَلاَ يُنَافِي شَيْئًا مِنَ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، فَالسَّفِيهُ يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ الْخِطَابُ بِحُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ الْعِبَادِ، إِلاَّ أَنَّ الشَّرِيعَةَ رَاعَتْ مَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ، فَقَرَّرَتْ أَنْ يُمْنَعَ السَّفِيهُ مِنْ حُرِّيَّةِ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ صِيَانَةً لَهُ، وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ مَحَلُّهُ مُصْطَلَحُ: (سَفَهٍ) .
هـ - السَّفَرُ:
٤١ - السَّفَرُ - بِفَتْحَتَيْنِ - مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ: قَطْعُ
_________
(١) المصباح مادة: " سفه "، والتلويح على التوضيح ٢ / ١٩١ ط صبيح، والتقرير والتحبير ٢ / ٢٠١ ط الأميرية، وكشف الأسرار ٤ / ٣٦٩ ط دار الكتاب العربي.
(٢) فتح الغفار ٣ / ١١٤ ط الحلبي.
(٣) التلويح ٢ / ١٩١ ط صبيح.
الْمَسَافَةِ، وَيُقَال ذَلِكَ إِذَا خَرَجَ لِلاِرْتِحَال أَوْ لِقَصْدِ مَوْضِعٍ فَوْقَ مَسَافَةِ الْعَدْوَى؛ لأَِنَّ الْعَرَبَ لاَ يُسَمُّونَ مَسَافَةَ الْعَدْوَى سَفَرًا. (١)
وَفِي الشَّرْعِ: الْخُرُوجُ بِقَصْدِ الْمَسِيرِ مِنْ مَحَل الإِْقَامَةِ إِلَى مَوْضِعٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مَسِيرَةُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فَمَا فَوْقَهَا بِسَيْرِ الإِْبِل وَمَشْيِ الأَْقْدَامِ. (٢) عَلَى خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ.
وَالسَّفَرُ لاَ يُؤَثِّرُ فِي الأَْهْلِيَّةِ بِقِسْمَيْهَا، إِلاَّ أَنَّهُمْ جَعَلُوهُ مِنَ الْعَوَارِضِ؛ لأَِنَّ الشَّارِعَ جَعَلَهُ سَبَبًا لِلتَّخْفِيفِ فِي الْعِبَادَاتِ، كَقَصْرِ الصَّلاَةِ الرُّبَاعِيَّةِ وَالْفِطْرِ فِي الصَّوْمِ لِلْمُسَافِرِ. (٣)
وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ مَحَلُّهُ مُصْطَلَحُ: (سَفَرٍ) .
و الْخَطَأُ:
٤٢ - الْخَطَأُ فِي اللُّغَةِ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ: مَا قَابَل الصَّوَابَ، وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ: مَا قَابَل الْعَمْدَ، وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْمُرَادُ بِهِ فِي عَوَارِضِ الأَْهْلِيَّةِ. (٤)
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: فِعْلٌ يَصْدُرُ مِنَ الإِْنْسَانِ بِلاَ قَصْدٍ إِلَيْهِ عِنْدَ مُبَاشَرَةِ أَمْرٍ مَقْصُودٍ سِوَاهُ (٥) .
وَالْخَطَأُ لاَ يُنَافِي الأَْهْلِيَّةَ بِنَوْعَيْهَا؛ لأَِنَّ الْعَقْل
_________
(١) المصباح مادة: " عدا " والعدوى: طلبك إلى وال ليعديك على من ظلمك، أي ينتقم منه باعتدائه عليك. والفقهاء يقولون: مسافة العدوى، استفارة من صاحبها يصل فيها الذهاب والعود بعدو واحد.
(٢) كشف الأسرار ٤ / ٣٧٦ ط دار الكتاب العربي.
(٣) التلويح ٢ / ١٩٣ ط صبيح، وفتح الغفار ٣ / ١١٧ ط الحلبي، والتقرير والتحبير ٢ / ٢٠٣ ط الأميرية، وجواهر الإكليل ١ / ٨٨ ط دار المعرفة، والروضة ١ / ٣٨٥ ط المكتب الإسلامي، وكشاف القناع ١ / ٥٠٤ ط النصر.
(٤) المصباح مادة: " خطأ ".
(٥) التلويح ٢ / ١٩٥ ط صبيح.
مَوْجُودٌ مَعَهُ، وَالْجِنَايَةُ فِيهِ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ التَّثَبُّتِ، وَلِذَا يُؤَاخَذُ بِهِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، فَلاَ تُقَدَّرُ الْعُقُوبَةُ فِيهِ بِقَدْرِ الْجِنَايَةِ نَفْسِهَا، وَإِنَّمَا بِقَدْرِ عَدَمِ التَّثَبُّتِ الَّذِي أَدَّى إِلَى حُصُولِهَا.
وَالْخَطَأُ يُعْذَرُ بِهِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ ﷾ إِذَا اجْتَهَدَ، كَمَا فِي مَسْأَلَةِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ فِي الصَّلاَةِ، وَاعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ شُبْهَةً تَدْرَأُ الْعُقُوبَةَ عَنِ الْمُخْطِئِ، وَأَمَّا حُقُوقُ الْعِبَادِ فَلاَ يُعْتَبَرُ الْخَطَأُ عُذْرًا فِيهَا، وَلِذَا فَإِنَّ الْمُخْطِئَ يَضْمَنُ مَا تَرَتَّبَ عَلَى خَطَئِهِ مِنْ ضَرَرٍ أَوْ تَلَفٍ. (١)
وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ مَحَلُّهُ مُصْطَلَحُ: (خَطَأٍ) .
ثَانِيًا: الْعَوَارِضُ الْمُكْتَسَبَةُ الَّتِي مِنْ غَيْرِ الإِْنْسَانِ نَفْسِهِ:
٤٣ - وَهِيَ عَارِضٌ وَاحِدٌ فَقَطْ وَهُوَ الإِْكْرَاهُ: وَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ: الْحَمْل عَلَى الأَْمْرِ قَهْرًا. (٢)
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: حَمْل الْغَيْرِ عَلَى مَا لاَ يَرْضَاهُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَلاَ يَخْتَارُ مُبَاشَرَتَهُ لَوْ تُرِكَ وَنَفْسَهُ. (٣)
وَهُوَ مُعْدِمٌ لِلرِّضَى لاَ لِلاِخْتِيَارِ؛ لأَِنَّ الْفِعْل يَصْدُرُ عَنِ الْمُكْرَهِ بِاخْتِيَارِهِ، لَكِنَّهُ قَدْ يَفْسُدُ الاِخْتِيَارُ بِأَنْ يَجْعَلَهُ مُسْتَنِدًا إِلَى اخْتِيَارٍ آخَرَ، وَقَدْ لاَ يُفْسِدُهُ بِأَنْ يَبْقَى الْفَاعِل مُسْتَقِلًّا فِي قَصْدِهِ.
هَذَا، وَالإِْكْرَاهُ سَوَاءٌ أَكَانَ مُلْجِئًا أَمْ غَيْرَ مُلْجِئٍ
_________
(١) التقرير والتحبير ٢ / ٢٠٤ ط الأميرية، وفتح الغفار ٣ / ١١٨ ط الحلبي.
(٢) المصباح مادة: " كره ".
(٣) التقرير والتحبير ٢ / ٢٠٦ ط الأميرية، والتلويح ٢ / ١٩٦ ط صبيح، وفتح الغفار ٣ / ١١٩ ط الحلبي.
كَمَا قَال الْحَنَفِيَّةُ - أَوْ إِكْرَاهًا بِحَقٍّ أَوْ بِغَيْرِ حَقٍّ - كَمَا قَال الشَّافِعِيَّةُ - لاَ يُؤَثِّرُ فِي أَهْلِيَّةِ الْوُجُوبِ لِبَقَاءِ الذِّمَّةِ، وَلاَ يُؤَثِّرُ فِي أَهْلِيَّةِ الأَْدَاءِ لِبَقَاءِ الْعَقْل وَالْبُلُوغِ، إِلاَّ أَنَّهُمْ عَدُّوهُ مِنَ الْعَوَارِضِ؛ لأَِنَّهُ يُفْسِدُ الاِخْتِيَارَ، وَيُجْعَل الْمُكْرَهُ - بِفَتْحِ الرَّاءِ - فِي بَعْضِ صُوَرِهِ آلَةً لِلْمُكْرِهِ - بِكَسْرِ الرَّاءِ - (١)
وَتَفْصِيل ذَلِكَ كُلِّهِ مَحَلُّهُ مُصْطَلَحُ: (إِكْرَاهٍ) .
إِهْمَالٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْهْمَال لُغَةً: التَّرْكُ، وَأَهْمَل أَمْرَهُ: لَمْ يُحَكِّمْهُ، وَأَهْمَلْتُ الأَْمْرَ: تَرَكْتُهُ عَنْ عَمْدٍ أَوْ نِسْيَانٍ، وَأَهْمَلَهُ إِهْمَالًا: خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ، أَوْ تَرَكَهُ وَلَمْ يَسْتَعْمِلْهُ.
وَمِنْهُ: الْكَلاَمُ الْمُهْمَل، وَهُوَ خِلاَفُ الْمُسْتَعْمَل. (٢)
وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَى الإِْهْمَال فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ عَمَّا وَرَدَ مِنْ مَعَانِيهِ فِي اللُّغَةِ حَسْبَمَا ذُكِرَ.
_________
(١) تبيين الحقائق ٥ / ١٩٠ ط دار المعرفة، والفتاوى الهندية ٥ / ٥٤ ط المكتبة الإسلامية، وجواهر الإكليل ٢ / ٩٧ ط دار المعرفة، وحاشية قليوبي ٢ / ٢٩٩ ط الحلبي، وكشاف القناع ٣ / ٤١٦ ط النصر، والحموي على ابن نجيم ١ / ١٩١ ط العامرة، والمنثور ٣ / ٣٤٥ ط الفليج، والأشباه لابن النجيم ص ١٦٠ ط الهلال.
(٢) لسان العرب، والمصباح المنير والصحاح وتاج العروس والقاموس المحيط مادة: " همل ".
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٢ - الإِْهْمَال فِي الأَْمَانَاتِ إِذَا أَدَّى إِلَى هَلاَكِهَا أَوْ ضَيَاعِهَا يُوجِبُ الضَّمَانَ، سَوَاءٌ أَكَانَ أَمَانَةً بِقَصْدِ الاِسْتِحْفَاظِ كَالْوَدِيعَةِ، أَمْ كَانَ أَمَانَةً ضِمْنَ عَقْدٍ كَالْمَأْجُورِ، أَمْ كَانَ بِطَرِيقِ الأَْمَانَةِ بِدُونِ عَقْدٍ وَلاَ قَصْدٍ، كَمَا لَوْ أَلْقَتِ الرِّيحُ فِي دَارِ أَحَدٍ ثَوْبَ جَارِهِ (١) .
فَالْعَيْنُ الْمُودَعَةُ - مَثَلًا - الأَْصْل فِيهَا أَنْ تَكُونَ أَمَانَةً فِي يَدِ الْوَدِيعِ، فَإِنْ تَلِفَتْ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ وَلاَ إِهْمَالٍ لَمْ يَضْمَنْ؛ لأَِنَّ الأَْمِينَ لاَ يَضْمَنُ إِلاَّ بِالتَّعَدِّي أَوِ الإِْهْمَال؛ لِقَوْلِهِ ﷺ لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ غَيْرِ الْمُغِل ضَمَانٌ، وَلاَ عَلَى الْمُسْتَوْدِعِ غَيْرِ الْمُغِل ضَمَانٌ (٢) .
وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (إِعَارَةٍ، الْوَدِيعَةِ) .
وَإِهْمَال الأَْجِيرِ الْخَاصِّ يَسْتَوْجِبُ الضَّمَانَ، أَمَّا الأَْجِيرُ الْمُشْتَرَكُ (٣) فَإِنَّهُ ضَامِنٌ مُطْلَقًا عِنْدَ جُمْهُورِ
_________
(١) مجلة الأحكام العدلية مادة: (٧٦٢ - ٧٦٨) .
(٢) رد المحتار على الدر المختار ٤ / ٥٠٣، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣ / ٤١٩، ٤٣٦، ٤٣٧، والمغني مع الشرح الكبير ٧ / ٢٨٠. وحديث: " ليس على المستعير غير المغل ضمان. . . " أخرجه الدارقطني من حديث عبد الله بن عمر ﵄ مرفوعا وقال: في إسناده عمرو وعبيدة وهما ضعيفان، وإنما يروى عن شريح القاضي غير مرفوع (سنن الدارقطني ٣ / ٤١ ط دار المحاسن، والتلخيص الحبير ٣ / ٩٧ ط شركة الطباعة الفنية المتحدة) .
(٣) الأجير المشترك هو: الذي يعمل للمؤجر ولغيره، كالطبيب والبناء. وهذا ما يؤخذ من تعريفات الفقهاء جميعا (رد المحتار ٦ / ٦٤، وحاشية الدسوقي ٤ / ٤، والمهذب ١ / ٤٠٨، وكشاف القناع ٤ / ٣٣) .
الْفُقَهَاءِ (١) عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ: (إِجَارَةٍ، وَضَمَانٍ) .
وَمُسْتَأْجِرُ الطَّاحُونِ وَنَحْوِهَا، إِنْ أَهْمَلَهَا حَتَّى سُرِقَ بَعْضُ أَدَوَاتِهَا عَلَيْهِ ضَمَانُهُ. (٢) وَإِهْمَال الْحَاذِقِ مِنْ طَبِيبٍ أَوْ خِتَانٍ أَوْ مُعَلِّمٍ يُوجِبُ ضَمَانَ مَا يَحْدُثُ بِسَبَبِ إِهْمَالِهِ.
فَلَوْ سَلَّمَ الْوَلِيُّ الصَّبِيَّ إِلَى سَبَّاحٍ لِيُعْلِمَهُ السِّبَاحَةَ، فَتَسَلَّمَهُ فَغَرِقَ، وَجَبَتْ عَلَيْهِ دِيَتُهُ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (دِيَةٍ) .
وَإِهْمَال الْقَاطِعِ الْحَاذِقِ فِي الْقِصَاصِ وَقَطْعِ يَدِ السَّارِقِ بِتَجَاوُزِهِ مَا أُمِرَ بِهِ، أَوِ الْقَطْعِ فِي غَيْرِ مَحَل الْقَطْعِ يُوجِبُ الضَّمَانَ؛ لأَِنَّهُ إِتْلاَفٌ نَتَجَ عَنْ إِهْمَالِهِ وَلاَ يَخْتَلِفُ ضَمَانُهُ بِالْعَمْدِ وَالْخَطَأِ.
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ نَعْلَمُ فِيهِ خِلاَفًا. (٣)
وَالْحَسْمُ بَعْدَ الْقَطْعِ فِي حَدِّ السَّرِقَةِ مُسْتَحَبٌّ لِلْمَقْطُوعِ عَلَى الأَْصَحِّ؛ لأَِنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ الْمُعَالَجَةُ وَدَفْعُ الْهَلاَكِ عَنْهُ بِنَزْفِ الدَّمِ، وَهَذَا عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ، وَمُفَادُهُ أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى الإِْمَامِ.
وَقِيل: إِنَّ الْحَسْمَ مِنْ تَوَابِعِ الْحَدِّ، وَهُوَ وَاجِبٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَيَلْزَمُ الإِْمَامَ فِعْلُهُ، وَلَيْسَ لَهُ إِهْمَالُهُ وَتَرْكُهُ، وَمُسْتَحَبٌّ لِلإِْمَامِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. (٤)
_________
(١) البدائع ٤ / ٢١١، والشرح الصغير ٤ / ٤٧، والمهذب ١ / ٤١٥، ونهاية المحتاج ٥ / ٣٠٧ و٣٠٨، وكشاف القناع ٤ / ٢٥، والمغني ٥ / ٥٢٤ - ٥٢٧ ط الرياض، والموسوعة الفقهية مصطلح (إجارة) ١ / ٢٨٨، ٢٩٧.
(٢) جامع الفصولين ٢ / ١٢٢ (ر: إجارة. ضمان) في الموسوعة الفقهية.
(٣) شرج المنهاج وحاشية قليوبي ٤ / ١٧٤، ونهاية المحتاج ٧ / ٣٣٣، والمغني مع الشرح الكبير ٦ / ١٢٠.
(٤) رد المحتار على الدر المختار ٣ / ٢٠٦، وشرح المنهاج ٤ / ١٩٨، ونهاية المحتاج ٧ / ٤٤٤، ٤٤٥، وحاشية الدسوقي ٤ / ٣٣٢، والمغني لابن قدامة ٨ / ٢٦٠، ٢٦١.
إِعْمَال الْكَلاَمِ أَوْلَى مِنْ إِهْمَالِهِ:
٣ - مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ قَاعِدَةُ: إِعْمَال الْكَلاَمِ أَوْلَى مِنْ إِهْمَالِهِ، وَهَذَا لأَِنَّ الْمُهْمَل لَغْوٌ، وَكَلاَمُ الْعَاقِل يُصَانُ عَنْهُ، فَيَجِبُ حَمْلُهُ مَا أَمْكَنَ عَلَى أَقْرَبِ وَجْهٍ يَجْعَلُهُ مَعْمُولًا بِهِ مِنْ حَقِيقَةٍ مُمْكِنَةٍ، وَإِلاَّ فَمَجَازٌ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الأَْصْل فِي الْكَلاَمِ الْحَقِيقَةُ، وَالْمَجَازُ فَرْعٌ عَنْهُ وَخَلَفٌ لَهُ.
وَاتَّفَقَ الأُْصُولِيُّونَ عَلَى أَنَّ الْحَقِيقَةَ إِذَا تَعَذَّرَتْ، أَوْ هُجِرَتْ يُصَارُ إِلَى الْمَجَازِ، وَتَعَذُّرُ الْحَقِيقَةِ: إِمَّا بِعَدَمِ إِمْكَانِهَا أَصْلًا؛ لِعَدَمِ وُجُودِ فَرْدٍ لَهَا مِنَ الْخَارِجِ، كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلاَدِهِ، وَلَيْسَ لَهُ إِلاَّ أَحْفَادٌ، فَيُصَارُ إِلَى الْمَجَازِ - وَهُوَ الصَّرْفُ إِلَى الأَْحْفَادِ - لِتَعَذُّرِ الْحَقِيقَةِ.
أَوْ بِعَدَمِ إِمْكَانِهَا شَرْعًا: كَالْوَكَالَةِ بِالْخُصُومَةِ، فَإِنَّ حَمْلَهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ - وَهِيَ التَّنَازُعُ - مَحْظُورٌ شَرْعًا، قَال تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَنَازَعُوا﴾ (١)، وَلِذَا تُحْمَل عَلَى الْمَجَازِ، وَهُوَ رَفْعُ الدَّعْوَى وَالإِْقْرَارِ وَالإِْنْكَارِ.
وَبِمَثَابَةِ التَّعَذُّرِ مَا لَوْ حَلَفَ لاَ يَأْكُل مِنْ هَذَا الْقِدْرِ، أَوْ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، أَوْ هَذَا الْبُرِّ، فَإِنَّ الْحَقِيقَةَ، وَهِيَ الأَْكْل مِنْ عَيْنِهَا مُمْكِنَةٌ لَكِنْ بِمَشَقَّةٍ، فَيُصَارُ فِي الأَْمْثِلَةِ الثَّلاَثَةِ إِلَى الْمَجَازِ، وَهُوَ الأَْكْل مِمَّا فِي الْقِدْرِ، أَوْ مِنْ ثَمَرِ الشَّجَرَةِ إِنْ كَانَ، وَإِلاَّ فَمِنْ ثَمَنِهَا، أَوْ مِمَّا يُتَّخَذُ مِنَ الْبُرِّ فِي الثَّالِثِ.
وَلَوْ أَكَل عَيْنَ الشَّجَرَةِ مَثَلًا لَمْ يَحْنَثْ.
وَمِثْل تَعَذُّرِ الْحَقِيقَةِ هَجْرُهَا، إِذِ الْمَهْجُورُ شَرْعًا أَوْ عُرْفًا كَالْمُتَعَذَّرِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لاَ يَضَعُ قَدَمَهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ، فَإِنَّ الْحَقِيقَةَ فِيهِ مُمْكِنَةٌ، لَكِنَّهَا مَهْجُورَةٌ، وَالْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ فِي الْعُرْفِ الدُّخُول، فَلَوْ وَضَعَ قَدَمَهُ
_________
(١) سورة الأنفال / ٤٦.
فِيهَا بِدُونِ دُخُولٍ لاَ يَحْنَثُ، وَلَوْ دَخَلَهَا رَاكِبًا حَنِثَ.
وَإِنْ تَعَذَّرَتِ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ أُهْمِل الْكَلاَمُ لِعَدَمِ الإِْمْكَانِ.
فَإِذَا تَعَذَّرَ إِعْمَال الْكَلاَمِ، بِأَنْ كَانَ لاَ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَعْنًى حَقِيقِيٍّ لَهُ مُمْكِنٍ؛ لِتَعَذُّرِ الْحَقِيقَةِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ الْمُتَقَدِّمَةِ، أَوْ لِتَزَاحُمِ الْمُتَنَافِيَيْنِ مِنَ الْحَقَائِقِ تَحْتَهَا، وَلاَ مُرَجِّحَ، وَلاَ عَلَى مَعْنًى مَجَازِيٍّ مُسْتَعْمَلٍ، أَوْ كَانَ يُكَذِّبُهُ الظَّاهِرُ مِنْ حِسٍّ، أَوْ مَا فِي حُكْمِهِ مِنْ نَحْوِ الْعَادَةِ، فَإِنَّهُ يُهْمَل حِينَئِذٍ، أَيْ يُلْغَى وَلاَ يُعْمَل بِهِ.
أَمَّا تَزَاحُمُ الْمُتَنَافِيَيْنِ: فَكَمَا لَوْ كَفَل وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا كَفَالَةُ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ، فَإِنَّهَا لاَ تَصِحُّ.
وَأَمَّا تَعَذُّرُ الْحَقِيقَةِ، وَعَدَمُ إِمْكَانِ الْحَمْل عَلَى الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُسْتَعْمَلٍ، فَكَمَا لَوْ قَال لِمَعْرُوفِ النَّسَبِ: هَذَا ابْنِي، فَإِنَّهُ كَمَا لاَ يَصِحُّ إِرَادَةُ الْحَقِيقَةِ مِنْهُ؛ لِثُبُوتِ نَسَبِهِ مِنَ الْغَيْرِ، لاَ يَصِحُّ أَيْضًا إِرَادَةُ الْمَجَازِ، وَهُوَ الإِْيصَاءُ لَهُ بِإِحْلاَلِهِ مَحَل الاِبْنِ فِي أَخْذِ مِثْل نَصِيبِهِ مِنَ التَّرِكَةِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ الْمَجَازَ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ، وَالْحَقِيقَةُ إِذَا لَمْ تَكُنْ مُسْتَعْمَلَةً لاَ يُصَارُ إِلَيْهَا، فَالْمَجَازُ أَوْلَى.
وَكَذَا لَوْ قَال لاِمْرَأَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ لأَِبِيهَا: هَذِهِ بِنْتِي، لَمْ تَحْرُمْ بِذَلِكَ أَبَدًا.
وَأَمَّا تَكْذِيبُ الْحِسِّ: فَكَدَعْوَى قَتْل الْمُورَثِ وَهُوَ حَيٌّ، أَوْ قَطْعُ الْعُضْوِ وَهُوَ قَائِمٌ، وَكَدَعْوَى الدُّخُول بِالزَّوْجَةِ وَهُوَ مَجْبُوبٌ.
وَأَمَّا مَا فِي حُكْمِ الْحِسِّ: فَكَدَعْوَى الْبُلُوغِ مِمَّنْ لاَ يَحْتَمِلُهُ سِنُّهُ أَوْ جِسْمُهُ، وَكَدَعْوَى صَرْفِ الْمُتَوَلِّي أَوِ الْوَصِيِّ عَلَى الْوَقْفِ أَوِ الصَّغِيرِ مَبْلَغًا لاَ يَحْتَمِلُهُ الظَّاهِرُ، فَإِنَّ كُل ذَلِكَ يُلْغَى، وَلاَ يُعْتَبَرُ وَلاَ يُعْمَل
بِهِ، وَإِنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ. (١)
وَيُرْجَعُ فِيمَا ذُكِرَ إِلَى مُصْطَلَحَاتِ (تَرْجِيحٍ، وَوَكَالَةٍ، وَكَفَالَةٍ، وَوِصَايَةٍ، وَوَصِيَّةٍ، وَوَقْفٍ) .
أَوْزَانٌ
انْظُرْ: مَقَادِيرَ.
أَوْسُقٌ
انْظُرْ: مَقَادِيرَ.
أَوْصَافٌ
انْظُرْ: صِفَةً.
_________
(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم، القاعدة التاسعة ص ١٣٥، ١٣٦ وما بعدها ط دار مكتبة الهلال / بيروت، والأشباه والنظائر للسيوطي القاعدة العاشرة ص ١٢٨، ١٢٩ وما بعدها ط مصطفى الحلبي بمصر، وجامع الفصولين ٢ / ١٨٧ الطبعة الأولى بالمطبعة الأميرية، ورد المحتار على الدر المختار ٤ / ٢٥٣، والتوضيح على التنقيح ١ / ٣٣٩.