الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٦ الصفحة 59

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٦

وَفَاءَ لَهُ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالصَّلاَةِ عَلَيْهِ. (١)

كَمَا يَدُل عَلَى هَذَا التَّخْصِيصِ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: أَمَّا أَنَا فَلاَ أُصَلِّي عَلَيْهِ (٢)

وَذُكِرَ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ عَدَمَ صَلاَةِ الإِْمَامِ عَلَى الْمُنْتَحِرِ أَمْرٌ مُسْتَحْسَنٌ، لَكِنَّهُ لَوْ صَلَّى عَلَيْهِ فَلاَ بَأْسَ. فَقَدْ ذَكَرَ فِي الإِْقْنَاعِ: وَلاَ يُسَنُّ لِلإِْمَامِ الأَْعْظَمِ وَإِمَامِ كُل قَرْيَةٍ - وَهُوَ وَالِيهَا فِي الْقَضَاءِ - الصَّلاَةُ عَلَى قَاتِل نَفْسِهِ عَمْدًا، وَلَوْ صَلَّى عَلَيْهِ فَلاَ بَأْسَ. (٣)

خَامِسًا: تَكْفِينُ الْمُنْتَحِرِ وَدَفْنُهُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ:

٣٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ تَكْفِينِ الْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ وَدَفْنِهِ، وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُمَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ كَالصَّلاَةِ عَلَيْهِ وَغُسْلِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْمُنْتَحِرُ؛ لأَِنَّ الْمُنْتَحِرَ لاَ يَخْرُجُ عَنِ الإِْسْلاَمِ بِارْتِكَابِهِ قَتْل نَفْسِهِ كَمَا مَرَّ. (٤)

_________

(١) المغني ٢ / ٤١٨، ٤١٩، والإقناع ١ / ٢٢٨. وحديث: " أمر بالصلاة على من عليه دين " أخرجه البخاري (٤ / ٤٦٧ - الفتح - ط السلفية) .

(٢) حديث: " أما أنا فلا أصلي عليه " أخرجه النسائي (٤ / ٦٦ - ط المكتبة التجارية) وإسناده صحيح، وأخرج أصله مسلم في صحيحه كما تقدم.

(٣) الإقناع ١ / ٢٢٨.

(٤) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيلعي ١ / ٢٣٨، والشرح الصغير ١ / ٥٤٣، وكشاف القناع ٢ / ٨٥، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٣٢.

انْتِسَابٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الاِنْتِسَابُ لُغَةً: مَصْدَرُ انْتَسَبَ، وَانْتَسَبَ فُلاَنٌ إِلَى فُلاَنٍ: عَزَا نَفْسَهُ إِلَيْهِ، وَالنِّسْبَةُ وَالنُّسْبَةُ وَالنَّسَبُ: الْقَرَابَةُ، وَيَكُونُ الاِنْتِسَابُ إِلَى الآْبَاءِ وَإِلَى الْقَبَائِل، (١) وَإِلَى الْبِلاَدِ، وَيَكُونُ إِلَى الصَّنَائِعِ.

وَالاِنْتِسَابُ فِي الاِصْطِلاَحِ لاَ يَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ الْمَعَانِي

أَنْوَاعُ الاِنْتِسَابِ

:

أ - الاِنْتِسَابُ لِلأَْبَوَيْنِ:

٢ - وَيَكُونُ بِالْبُنُوَّةِ أَوِ التَّبَنِّي.

فَإِذَا كَانَ بِالْبُنُوَّةِ فَحُكْمُهُ الْوُجُوبُ عِنْدَ الصِّدْقِ، وَالْحُرْمَةُ عِنْدَ الْكَذِبِ (٢)، لِقَوْل النَّبِيِّ أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ، فَلَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ، وَلَنْ يُدْخِلَهَا اللَّهُ جَنَّتَهُ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ احْتَجَبَ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَفَضَحَهُ عَلَى رُءُوسِ الأَْوَّلِينَ وَالآْخِرِينَ. (٣)

وَإِذَا كَانَ بِالتَّبَنِّي - فَحُكْمُهُ الْحُرْمَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى

_________

(١) المصباح المنير، ومختار الصحاح مادة: (نسب) .

(٢) فتح القدير ٣ / ٢٦١، وابن عابدين ٢ / ٥٩٢.

(٣) حديث: " أيما امرأة. . . . . . " أخرجه أبو داود (٢ / ٦٩٥ - ٦٩٦ ط عزت عبيد دعاس) وفي إسناده جهالة. (التلخيص لابن حجر ٣ / ٢٢٦ - ط دار المحاسن) .

﴿ادْعُوهُمْ لآِبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ (١) (ر: نَسَب، وَتَبَنِّي)

ب - الاِنْتِسَابُ إِلَى وَلاَءِ الْعَتَاقَةِ:

٣ - مِنْ آثَارِهِ: الإِْرْثُ وَالْعَقْل (الْمُشَارَكَةُ فِي تَحَمُّل الدِّيَةِ) فِي الْجُمْلَةِ.

فَإِذَا مَاتَ الْعَتِيقُ وَلاَ وَارِثَ لَهُ بِنَسَبٍ وَلاَ نِكَاحٍ، وَلَمْ تَسْتَغْرِقْ فُرُوضُ الْوَارِثِينَ التَّرِكَةَ، وَلَيْسَ لَهُ عَصَبَةٌ بِالنَّسَبِ - يَكُونُ الْمَال كُلُّهُ، أَوِ الْبَاقِي بَعْدَ الْفَرْضِ لِمَنْ أَعْتَقَهُ. وَفِي تَقْدِيمِ ذَوِي الأَْرْحَامِ، وَالرَّدِّ عَلَيْهِ رَأْيَانِ (٢) (ر: إِرْث، وَلاَء)

ج - الاِنْتِسَابُ إِلَى وَلاَءِ الْمُوَالاَةِ:

٤ - قَال بِهِ الْحَنَفِيَّةُ، فَإِذَا أَسْلَمَ رَجُلٌ مُكَلَّفٌ عَلَى يَدِ آخَرَ وَوَالاَهُ أَوْ وَالَى غَيْرَهُ عَلَى أَنْ يَرِثَهُ إِذَا مَاتَ، وَيَعْقِل عَنْهُ إِذَا جَنَى، صَحَّ هَذَا الْعَقْدُ، وَعَقْلُهُ (دِيَتُهُ) عَلَيْهِ، وَإِرْثُهُ لَهُ، وَكَذَا لَوْ شُرِطَ الإِْرْثُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَكَذَا لَوْ وَالَى صَبِيٌّ عَاقِلٌ بِإِذْنِ أَبِيهِ أَوْ وَصِيِّهِ صَحَّ لِعَدَمِ الْمَانِعِ (٣)

د - الاِنْتِسَابُ إِلَى الصَّنْعَةِ أَوِ الْقَبِيلَةِ أَوِ الْقَرْيَةِ:

٥ - الاِنْتِسَابُ إِلَى الصَّنْعَةِ أَوِ الْقَبِيلَةِ أَوِ الْقَرْيَةِ

_________

(١) سورة الاحزاب / ٥ وانظر القرطبي ١٤ / ١٢٠ ط دار الكتب، والألوسي ٢١ / ١٤٨.

(٢) ابن عابدين ٥ / ٧٤، والشرح الصغير ٤ / ٥٧١ ط دار المعارف، والقليوبي ٣ / ١٤٥، والمغني ٦ / ٣٥٦.

(٣) ابن عابدين ٥ / ٧٨.

كَالنَّجَّارِ وَالْخَزَفِيِّ - جَائِزٌ، وَكَفُلاَنٍ الْقُرَشِيِّ وَالتَّمِيمِيِّ؛ نِسْبَةً إِلَى قُرَيْشٍ وَإِلَى تَمِيمٍ، وَالْبُخَارِيِّ، وَالْقُرْطُبِيِّ نِسْبَةً إِلَى بُخَارَى، وَقُرْطُبَةَ، وَعَلَى ذَلِكَ إِجْمَاعُ الأُْمَّةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ.

هـ - انْتِسَابُ وَلَدِ الْمُلاَعَنَةِ:

٦ - إِذَا قَذَفَ الرَّجُل زَوْجَتَهُ، وَنَفَى نَسَبَ الْوَلَدِ مِنْهُ، وَتَمَّ اللِّعَانُ بَيْنَهُمَا بِشُرُوطِهِ، نَفَى الْحَاكِمُ نَسَبَهُ عَنْ أَبِيهِ وَأَلْحَقَهُ بِأُمِّهِ. (١) ر: (لِعَان)

و الاِنْتِسَابُ إِلَى الْقَرَابَةِ مِنْ جِهَةِ الأُْمِّ:

٧ - لِلاِنْتِسَابِ إِلَى الأُْمِّ وَأُصُولِهَا وَفُرُوعِهَا أَحْكَامٌ مُتَعَدِّدَةٌ، مِثْل حُكْمِ النَّظَرِ، وَالإِْرْثِ، وَالْوِلاَيَةِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ، وَالْوَصِيَّةِ، وَحُرْمَةِ النِّكَاحِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامٍ تَتَرَتَّبُ عَلَى هَذِهِ النِّسْبَةِ. وَيُرَاجَعُ فِي ذَلِكَ تِلْكَ الأَْبْوَابُ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ وَالْمُصْطَلَحَاتُ الْمُخْتَصَّةُ بِتِلْكَ الأَْبْوَابِ، نَحْوَ (إِرْث، وِلاَيَة، نِكَاح، نَظَر، سَفَر)

انْتِشَاءٌ

.

انْظُرْ: سُكْر، مُخَدِّر

_________

(١) ابن عابدين ٢ / ٥٨٩، والقليوبي وعميرة ٤ / ٣٤ ط الحلبي، والشرح الصغير ٢ / ٦٥٧ ط المعارف، والمغني ٧ / ٤٢٣.

انْتِشَارٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الاِنْتِشَارُ مَصْدَرُ: انْتَشَرَ، يُقَال انْتَشَرَ الْخَبَرُ: إِذَا ذَاعَ. وَانْتَشَرَ النَّهَارُ: طَال وَامْتَدَّ. (١)

وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

٢ - أ - الاِسْتِفَاضَةُ. يُقَال اسْتَفَاضَ الْخَبَرُ: إِذَا ذَاعَ وَانْتَشَرَ. (٣) وَلاَ تَكُونُ الاِسْتِفَاضَةُ إِلاَّ فِي الأَْخْبَارِ، بِخِلاَفِ الاِنْتِشَارِ

ب - الإِْشَاعَةُ. أَشَاعَ الْخَبَرَ بِمَعْنَى أَظْهَرَهُ فَانْتَشَرَ (٤)

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

يُطْلِقُ الْفُقَهَاءُ لَفْظَ الاِنْتِشَارِ عَلَى مَعْنَيَيْنِ:

الأَْوَّل: بِمَعْنَى إِنْعَاظِ الذَّكَرِ، أَيْ قِيَامُهُ.

الثَّانِي: بِمَعْنَى شُيُوعِ الشَّيْءِ.

٣ - فَالاِنْتِشَارُ بِالْمَعْنَى الأَْوَّل لَهُ أَثَرٌ فِي تَرَتُّبِ الأَْحْكَامِ الْفِقْهِيَّةِ عَلَيْهِ، وَمِنْ ذَلِكَ:

_________

(١) لسان العرب والمصباح المنير والمفردات للراغب مادة (نشر) .

(٢) ابن عابدين ١ / ١١٣ ط ثالثة، والدسوقي ١ / ١٢١ ط دار الفكر، والمهذب ٢ / ١٥٦ ط دار المعرفة.

(٣) لسان العرب، وابن عابدين ٢ / ٩٧، والحطاب ٢ / ٣٨٣ ط النجاح ليبيا.

(٤) لسان العرب، والقليوبي ٤ / ٣٢ ط الحلبي.

أ - حِل الْمُطَلَّقَةِ ثَلاَثًا لِمَنْ طَلَّقَهَا، فَمَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلاَثًا لاَ تَحِل لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، وَيَطَأَهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلاَ تَحِل لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (١) وَلاَ تَحِل إِلاَّ بِالْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ، وَأَدْنَاهُ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ، وَلاَ بُدَّ مِنَ الاِنْتِشَارِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدِ الاِنْتِشَارُ فَلاَ تَحِل، لِمَا رُوِيَ أَنَّ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيَّ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَبَتَّ طَلاَقَهَا، فَتَزَوَّجَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزُّبَيْرِ، فَجَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ وَطَلَّقَنِي ثَلاَثَ تَطْلِيقَاتٍ، فَتَزَوَّجَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَإِنَّهُ وَاَللَّهِ يَا رَسُول اللَّهِ مَا مَعَهُ إِلاَّ مِثْل هَذِهِ الْهُدْبَةِ، فَتَبَسَّمَ رَسُول اللَّهِ ﷺ، فَقَال: لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ، لاَ وَاَللَّهِ حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ (٢)، فَقَدْ عَلَّقَ النَّبِيُّ ﷺ الْحُكْمَ بِذَوْقِ الْعُسَيْلَةِ وَذَلِكَ لاَ يَحْصُل مِنْ غَيْرِ انْتِشَارٍ، وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ. (٣)

ب - وَمِنْ ذَلِكَ أَثَرُ الاِنْتِشَارِ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الزِّنَا. وَفِي ذَلِكَ خِلاَفٌ. فَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ، وَمُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي إِكْرَاهِ غَيْرِ السُّلْطَانِ، إِذَا أُكْرِهَ الرَّجُل فَزَنَى، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لأَِنَّ الْوَطْءَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِالاِنْتِشَارِ، وَالإِْكْرَاهُ يُنَافِيهِ، فَإِذَا وُجِدَ

_________

(١) سورة البقرة / ٢٣٠.

(٢) حديث رفاعة: " أتريدين. . . " متفق عليه، واللفظ لمسلم، أخرجه البخاري في الطلاق (٩ / ٣٦١ - ٥٢٦٠) ط السلفية، ومسلم في النكاح (٢ / ١٠٥٥ / ٣٣) ط عبد الباقي.

(٣) الاختيار ٣ / ١٥٠ ط دار المعرفة، ومنح الجليل ٢ / ٥٧ ط النجاح، والمهذب ٢ / ١٠٥، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ١٨٧ ط دار الفكر.

الاِنْتِشَارُ انْتَفَى الإِْكْرَاهُ، فَيَلْزَمُهُ الْحَدُّ.

وَفِي الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ، وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، فِي إِكْرَاهِ ذِي السُّلْطَانِ، أَنَّهُ إِذَا أُكْرِهَ الرَّجُل عَلَى الزِّنَا فَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (١) وَلأَِنَّ الاِنْتِشَارَ مُتَرَدِّدٌ، لأَِنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، لأَِنَّ الاِنْتِشَارَ قَدْ يَكُونُ طَبْعًا لاَ طَوْعًا كَمَا فِي النَّائِمِ. (٢) ر: (إِكْرَاه)

٤ - أَمَّا الاِنْتِشَارُ بِالْمَعْنَى الثَّانِي: وَهُوَ الشُّيُوعُ، فَقَدْ ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ فِي ثُبُوتِ الْهِلاَل بِالْخَبَرِ الْمُنْتَشِرِ، (٣) وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (اسْتِفَاضَة - صَوْم) .

وَذَكَرُوهُ فِي انْتِشَارِ حُرْمَةِ النِّكَاحِ بِسَبَبِ الرَّضَاعِ إِلَى أُصُول الْمُرْضِعَةِ وَفُرُوعِهَا. (٤)

وَانْتِشَارِ الْحُرْمَةِ أَيْضًا بِسَبَبِ الزِّنَا - وَيُنْظَرُ فِي (رَضَاع - وَنِكَاح) .

مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

٥ - تَتَعَدَّدُ الْمَسَائِل الْفِقْهِيَّةُ الَّتِي تُبْنَى الأَْحْكَامُ فِيهَا

_________

(١) حديث: " رفع عن أمتي. . . " عزاه السيوطي إلى الطبراني في الكبير عن ثوبان. انظر فيض القدير (٤ / ٣٤ / ٤٤٦١) وضعفه المناوي فيه، والصواب رواية البيهقي عن ابن عمر بلفظ " وضع عن أمتي. . . " وأخرجه الحاكم عن ابن عباس (٢ / ١٩٨) بلفظ " تجاوز الله عن أمتي الخطأ. . . " وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي.

(٢) الهداية ٢ / ١٠٤ ط المكتبة الإسلامية، ومنح الجليل ٤ / ٣٩٣، ومغني المحتاج ٤ / ١٤٥ ط الحلبي، والمهذب ٢ / ٢٦٨، والمغني ٨ / ١٨٧ ط الرياض.

(٣) الحطاب ٢ / ٣٨٣.

(٤) المغني ٧ / ٥٤٥، والمهذب ٢ / ١٥٦.

عَلَى الاِنْتِشَارِ، وَذَلِكَ فِي بَابِ الْوُضُوءِ، وَبَابِ الْغُسْل، وَبَابِ الصَّوْمِ، وَفِي النَّظَرِ إِلَى الأَْجْنَبِيَّةِ، وَفِي الْمُحَرَّمَاتِ فِي بَابِ النِّكَاحِ، وَبَابِ الرَّضَاعِ. (١)

انْتِفَاعٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الاِنْتِفَاعُ مَصْدَرُ: انْتَفَعَ مِنَ النَّفْعِ، وَهُوَ ضِدُّ الضُّرِّ، وَهُوَ مَا يَتَوَصَّل بِهِ الإِْنْسَانُ إِلَى مَطْلُوبِهِ.

فَالاِنْتِفَاعُ: الْوُصُول إِلَى الْمَنْفَعَةِ، يُقَال انْتَفَعَ بِالشَّيْءِ: إِذَا وَصَل بِهِ إِلَى مَنْفَعَةٍ. (٢)

وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِهَذَا اللَّفْظِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ قَدْرِي بَاشَا فِي مُرْشِدِ الْحَيْرَانِ أَنَّ (الاِنْتِفَاعَ الْجَائِزَ هُوَ حَقُّ الْمُنْتَفِعِ فِي اسْتِعْمَال الْعَيْنِ وَاسْتِغْلاَلِهَا مَا دَامَتْ قَائِمَةً عَلَى حَالِهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ رَقَبَتُهَا مَمْلُوكَةً) (٣)

٢ - وَاسْتُعْمِل هَذَا اللَّفْظُ غَالِبًا مَعَ كَلِمَةِ (حَقٍّ) فَيُقَال: حَقُّ الاِنْتِفَاعِ، وَيُرَادُ بِهِ الْحَقُّ الْخَاصُّ بِشَخْصِ الْمُنْتَفِعِ غَيْرُ الْقَابِل لِلاِنْتِقَال لِلْغَيْرِ. وَقَدْ يُسْتَعْمَل مَعَ كَلِمَتَيْ (مِلْكٌ وَتَمْلِيكٌ) فَيُقَال: مِلْكُ الاِنْتِفَاعِ، وَتَمْلِيكُ الاِنْتِفَاعِ. وَلَعَل الْمُرَادَ بِالْمِلْكِ وَالتَّمْلِيكِ أَيْضًا - حَقُّ الصَّرْفِ الشَّخْصِيِّ الَّذِي يُبَاشِرُ الإِْنْسَانُ بِنَفْسِهِ فَقَطْ (٤) . .

_________

(١) ابن عابدين ١ / ١١٣، ١١٥، و٢٨٥ و٥ / ٢٤١، والدسوقي ١ / ١٢١، ٥٢٣.

(٢) المصباح المنير، ومعجم متن اللغة مادة (نفع) .

(٣) مرشد الحيران مادة (١٣) .

(٤) الفروق للقرافي ١ / ١٨٧.

مُقَارَنَةٌ بَيْنَ حَقِّ الاِنْتِفَاعِ وَمِلْكِ الْمَنْفَعَةِ:

٣ - يُفَرِّقُ الْفُقَهَاءُ بَيْنَ حَقِّ الاِنْتِفَاعِ وَمِلْكِ الْمَنْفَعَةِ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَنْشَأِ وَالْمَفْهُومِ وَالآْثَارِ. وَخُلاَصَةُ مَا قِيل فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَجْهَانِ:

الأَْوَّل: سَبَبُ حَقِّ الاِنْتِفَاعِ أَعَمُّ مِنْ سَبَبِ مِلْكِ الْمَنْفَعَةِ، لأَِنَّهُ كَمَا يَثْبُتُ بِبَعْضِ الْعُقُودِ كَالإِْجَارَةِ وَالإِْعَارَةِ مَثَلًا، كَذَلِكَ يَثْبُتُ بِالإِْبَاحَةِ الأَْصْلِيَّةِ، كَالاِنْتِفَاعِ مِنَ الطُّرُقِ الْعَامَّةِ وَالْمَسَاجِدِ وَمَوَاقِعِ النُّسُكِ، وَيَثْبُتُ أَيْضًا بِالإِْذْنِ مِنْ مَالِكٍ خَاصٍّ. كَمَا لَوْ أَبَاحَ شَخْصٌ لآِخَرَ أَكْل طَعَامٍ مَمْلُوكٍ لَهُ، أَوِ اسْتِعْمَال بَعْضِ مَا يُمْلَكُ

أَمَّا الْمَنْفَعَةُ فَلاَ تُمْلَكُ إِلاَّ بِأَسْبَابٍ خَاصَّةٍ، وَهِيَ الإِْجَارَةُ وَالإِْعَارَةُ وَالْوَصِيَّةُ بِالْمَنْفَعَةِ وَالْوَقْفِ، عَلَى تَفْصِيلٍ وَخِلاَفٍ سَيَأْتِي.

وَعَلَى ذَلِكَ، فَكُل مَنْ يَمْلِكُ الْمَنْفَعَةَ يَسُوغُ لَهُ الاِنْتِفَاعُ، وَلاَ عَكْسَ، فَلَيْسَ كُل مَنْ لَهُ الاِنْتِفَاعُ يَمْلِكُ الْمَنْفَعَةَ، كَمَا فِي الإِْبَاحَةِ مَثَلًا.

الثَّانِي: أَنَّ الاِنْتِفَاعَ الْمَحْضَ حَقٌّ ضَعِيفٌ بِالنِّسْبَةِ لِمِلْكِ الْمَنْفَعَةِ؛ لأَِنَّ صَاحِبَ الْمَنْفَعَةِ يَمْلِكُهَا وَيَتَصَرَّفُ فِيهَا تَصَرُّفَ الْمُلاَّكِ فِي الْحُدُودِ الشَّرْعِيَّةِ، بِخِلاَفِ حَقِّ الاِنْتِفَاعِ الْمُجَرَّدِ، لأَِنَّهُ رُخْصَةٌ لاَ يَتَجَاوَزُ شَخْصَ الْمُنْتَفِعِ.

وَعَلَى هَذَا فَمَنْ مَلَكَ مَنْفَعَةَ شَيْءٍ يَمْلِكُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِنَفْسِهِ، أَوْ أَنْ يَنْقُلَهَا إِلَى غَيْرِهِ، وَمَنْ مَلَكَ الاِنْتِفَاعَ بِالشَّيْءِ لاَ يَمْلِكُ أَنْ يَنْقُلَهُ إِلَى غَيْرِهِ. فَالْمَنْفَعَةُ أَعَمُّ أَثَرًا مِنَ الاِنْتِفَاعِ، يَقُول الْقَرَافِيُّ: تَمْلِيكُ الاِنْتِفَاعِ نُرِيدُ بِهِ أَنْ يُبَاشِرَهُ هُوَ بِنَفْسِهِ فَقَطْ، وَتَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ هُوَ أَعَمُّ وَأَشْمَل، فَيُبَاشِرُ بِنَفْسِهِ، وَيُمَكِّنُ غَيْرَهُ مِنَ الاِنْتِفَاعِ بِعِوَضٍ

كَالإِْجَارَةِ وَبِغَيْرِ عِوَضٍ كَالْعَارِيَّةِ.

مِثَال الأَْوَّل: سُكْنَى الْمَدَارِسِ، وَالرِّبَاطَاتِ وَالْمَجَالِسِ، فِي الْجَوَامِعِ، وَالْمَسَاجِدِ، وَالأَْسْوَاقِ، وَمَوَاضِعِ النُّسُكِ، كَالْمَطَافِ وَالْمَسْعَى وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِنَفْسِهِ فَقَطْ. وَلَوْ حَاوَل أَنْ يُؤَاجِرَ بَيْتَ الْمَدْرَسَةِ أَوْ يُسْكِنَ غَيْرَهُ أَوْ يُعَاوِضَ عَلَيْهِ بِطَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمُعَاوَضَاتِ امْتَنَعَ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ النَّظَائِرِ الْمَذْكُورَةِ مَعَهُ.

وَأَمَّا مَالِكُ الْمَنْفَعَةِ، فَكَمَنِ اسْتَأْجَرَ دَارًا أَوِ اسْتَعَارَهَا، فَلَهُ أَنْ يُؤَاجِرَهَا مِنْ غَيْرِهِ أَوْ يَسْكُنَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَيَتَصَرَّفَ فِي هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ تَصَرُّفَ الْمُلاَّكِ فِي أَمْلاَكِهِمْ عَلَى جَرْيِ الْعَادَةِ، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي مَلَكَهُ (١)

وَمِثْلُهُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ نُجَيْمٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ أَنَّ الْمُوصَى لَهُ يَمْلِكُ الْمَنْفَعَةَ، وَلَهُ حَقُّ الإِْعَارَةِ، وَالْمُسْتَأْجِرُ يُمْكِنُهُ الإِْعَارَةُ وَالإِْجَارَةُ لِلْغَيْرِ فِيمَا لاَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الْمُسْتَعْمِلِينَ. وَيَمْلِكُ الْمُسْتَعِيرُ وَالْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ السُّكْنَى الْمَنْفَعَةَ، فَيُمْكِنُ لَهُمَا نَقْل الْمَنْفَعَةِ إِلَى الْغَيْرِ بِدُونِ عِوَضٍ، لَكِنَّ الْحَنَفِيَّةَ وَالشَّافِعِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ لاَ يُجِيزُونَ لِلْمُسْتَعِيرِ أَنْ يُؤَجِّرَ الْمُسْتَعَارَ لِلْغَيْرِ، خِلاَفًا لِلْمَالِكِيَّةِ (٢)

٤ - وَمِلْكُ الْمَنْفَعَةِ قَدْ يَكُونُ حَقًّا شَخْصِيًّا غَيْرَ تَابِعٍ لِلْعَيْنِ الْمَمْلُوكَةِ، كَمَا هُوَ ثَابِتٌ لِلْمُسْتَعِيرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ فِي الإِْعَارَةِ وَالإِْجَارَةِ، وَقَدْ يَكُونُ حَقًّا عَيْنِيًّا تَابِعًا لِلْعَيْنِ الْمَمْلُوكَةِ مُنْتَقِلًا مِنْ مَالِكٍ إِلَى مَالِكٍ بِالتَّبَعِ ضِمْنَ انْتِقَال الْمِلْكِيَّةِ، وَلاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي الْعَقَارِ، وَهَذَا

_________

(١) الفروق للقرافي ١ / ١٨٧.

(٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص١٤٣، وكشاف القناع ٤ / ٥٧ ط ثالثة، ونهاية المحتاج ٥ / ١١٨، والدسوقي ٣ / ٤٣٣.