الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٥ الصفحة 30

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٥

فَقَال الْكَاسَانِيُّ: إِنَّ الْجَلاَّلَةَ هِيَ الإِْبِل أَوِ الْبَقَرُ أَوِ الْغَنَمُ الَّتِي أَغْلَبُ أَكْلِهَا النَّجَاسَاتِ فَيُكْرَهُ أَكْلُهَا، لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْل لُحُومِ الإِْبِل الْجَلاَّلَةِ، (١) وَلأَِنَّهَا إِذَا كَانَ الْغَالِبُ مِنْ أَكْلِهَا النَّجَاسَاتِ يَتَغَيَّرُ لَحْمُهَا وَيُنْتِنُ، فَيُكْرَهُ أَكْلُهُ كَالطَّعَامِ الْمُنْتِنِ. وَرُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْجَلاَّلَةِ أَنْ تُشْرَبَ أَلْبَانُهَا. (٢) أَيْضًا، وَذَلِكَ لأَِنَّ لَحْمَهَا إِذَا تَغَيَّرَ يَتَغَيَّرُ لَبَنُهَا.

وَأَمَّا مَا رُوِيَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ رُكُوبِهَا فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهَا أَنْتَنَتْ فَيَمْتَنِعُ مِنَ اسْتِعْمَالِهَا حَتَّى لاَ يَتَأَذَّى النَّاسُ بِنَتِنِهَا.

وَقِيل: لاَ يَحِل الاِنْتِفَاعُ بِهَا، وَلَوْ لِغَيْرِ الأَْكْل، وَالأَْوَّل هُوَ الأَْصَحُّ، لأَِنَّ النَّهْيَ لَيْسَ لِمَعْنًى يَرْجِعُ إِلَى ذَاتِهَا، بَل لِعَارِضٍ جَاوَرَهَا، فَكَانَ الاِنْتِفَاعُ بِهَا حَلاَلًا فِي ذَاتِهِ، مَمْنُوعًا لِغَيْرِهِ.

٧٠ - وَتَزُول الْكَرَاهِيَةُ بِحَبْسِهَا عَنْ أَكْل النَّجَاسَةِ وَعَلَفِهَا بِالْعَلَفِ الطَّاهِرِ.

وَهَل لِحَبْسِهَا تَقْدِيرٌ زَمَنِيٌّ، أَوْ لَيْسَ لَهُ تَقْدِيرٌ؟ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَال: كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ لاَ يُوَقِّتُ فِي حَبْسِهَا، وَقَال: تُحْبَسُ حَتَّى تَطِيبَ، وَهُوَ قَوْل

_________

(١) حديث: " أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل لحوم الإبل الجلالة، أخرجه الدراقطني من حديث عبد الله بن عمر ﵄ بلفظ " نهى رسول الله ﷺ عن الإبل الجلالة أن يؤكل لحمها، ولا يشرب لبنها، ولا يحمل عليها إلا الأدم، ولا يذكيها وسنن البيهقي ٩ / ٣٣٣ ط الهند) .

(٢) حديث أن رسول الله صلى عليه وسلم " نهى عن الجلالة أن تشرب ألبانها " سبق تخريجه آنفا.

مُحَمَّدٍ وَأَبِي يُوسُفَ أَيْضًا.

وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا تُحْبَسُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، وَرَوَى ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي النَّاقَةِ وَالشَّاةِ وَالْبَقَرَةِ الْجَلاَّلاَتِ أَنَّهَا إِنَّمَا تَكُونُ جَلاَّلَةً إِذَا أَنْتَنَتْ وَتَغَيَّرَتْ وَوُجِدَ مِنْهَا رِيحٌ مُنْتِنَةٌ، فَهِيَ الَّتِي لاَ يُؤْكَل لَحْمُهَا وَلاَ يُشْرَبُ لَبَنُهَا. هَذَا إِذَا كَانَتْ لاَ تَخْلِطُ وَلاَ تَأْكُل إِلاَّ الْجِلَّةَ أَوِ الْعَذِرَةَ (١) غَالِبًا، فَإِنْ خَلَطَتْ فَلَيْسَتْ جَلاَّلَةً فَلاَ تُكْرَهُ، لأَِنَّهَا لاَ تُنْتِنُ.

٧١ - وَلاَ يُكْرَهُ أَكْل الدَّجَاجَةِ الْمُخْلاَةِ (٢) وَإِنْ كَانَتْ تَتَنَاوَل النَّجَاسَةَ، لأَِنَّهَا لاَ يَغْلِبُ عَلَيْهَا أَكْلُهَا، بَل تَخْلِطُهَا بِالْحَبِّ. وَقِيل: إِنَّمَا لاَ تُكْرَهُ، لأَِنَّهَا لاَ تُنْتِنُ كَمَا تُنْتِنُ الإِْبِل، وَالْحُكْمُ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّتِنِ. وَلِهَذَا قَالُوا فِي الْجَدْيِ إِذَا ارْتَضَعَ بِلَبَنِ خِنْزِيرَةٍ حَتَّى كَبِرَ: إِنَّهُ لاَ يُكْرَهُ أَكْلُهُ، لأَِنَّ لَحْمَهُ لاَ يَتَغَيَّرُ وَلاَ يُنْتِنُ. وَهَذَا يَدُل عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ لِلنَّتِنِ لاَ لِتَنَاوُل النَّجَاسَةِ.

وَالأَْفْضَل أَنْ تُحْبَسَ الدَّجَاجَةُ الْمُخْلاَةُ حَتَّى يَذْهَبَ مَا فِي بَطْنِهَا مِنَ النَّجَاسَةِ، وَذَلِكَ عَلَى سَبِيل التَّنَزُّهِ.

_________

(١) العذرة (بفتح فكسر): هي براز الإنسان، أي الفضلات الغائطية التي تخرج منه، وقد تستعمل فيما يخرج من كل حيوان، وأصل معنى العذرة فناء الدار، ثم سمي بها السلح والرجيع، لأنه كان يلقى بأفنية الدور، كما سمي براز الإنسان غائطا، لأن الإنسان في العادة يلتمس

(٢) الدجاجة المخلاة (بتشديد اللام وبصيغة المفعول من التخلية) هي المرسلة التي تخالط النجاسات وليست محبوسة في حظيرة أو بيت لتعلف علفا، كما في رد المحتار (١ / ١٤٩) .

وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا تُحْبَسُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، وَكَأَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ، لأَِنَّ مَا فِي جَوْفِهَا مِنَ النَّجَاسَةِ يَزُول فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ غَالِبًا.

هَذِهِ خُلاَصَةُ مَا أَفَادَهُ صَاحِبُ " الْبَدَائِعِ " (١) وَيُؤْخَذُ مِنَ " الدُّرِّ الْمُخْتَارِ " وَحَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ عَلَيْهِ، وَتَقْرِيرُ الرَّافِعِيِّ أَنَّ كَرَاهَةَ الْجَلاَّلَةِ تَنْزِيهِيَّةٌ لاَ تَحْرِيمِيَّةٌ، وَأَنَّ صَاحِبَ " التَّجْنِيسِ " اخْتَارَ حَبْسَ الدَّجَاجَةِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، وَالشَّاةِ أَرْبَعَةً، وَالإِْبِل وَالْبَقَرَةِ عَشْرَةً، وَأَنَّ السَّرَخْسِيَّ قَال: الأَْصَحُّ عَدَمُ التَّقْدِيرِ وَأَنَّهَا تُحْبَسُ حَتَّى تَزُول الرَّائِحَةُ الْمُنْتِنَةُ. (٢)

٧٢ - وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ قَرِيبٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، فَقَدْ قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا ظَهَرَ تَغَيُّرٌ فِي لَحْمِ الْجَلاَّلَةِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مِنَ الدَّوَابِّ أَمْ مِنَ الطُّيُورِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ التَّغَيُّرُ فِي الطَّعْمِ أَمِ اللَّوْنِ أَمِ الرِّيحِ، فَفِيهَا وَجْهَانِ لأَِصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الرَّافِعِيِّ الْحُرْمَةُ، وَعِنْدَ النَّوَوِيِّ الْكَرَاهَةُ، وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ، لأَِنَّ النَّهْيَ فِي الْحَدِيثِ إِنَّمَا هُوَ لِتَغَيُّرِ اللَّحْمِ فَلاَ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ.

وَيُلْحَقُ بِالْجَلاَّلَةِ وَلَدُهَا الَّذِي يُوجَدُ فِي بَطْنِهَا بَعْدَ ذَكَاتِهَا، إِذَا وُجِدَ مَيِّتًا وَظَهَرَ فِيهِ التَّغَيُّرُ، وَكَذَلِكَ الْعَنْزُ الَّتِي رُبِّيَتْ بِلَبَنِ كَلْبَةٍ أَوْ خِنْزِيرَةٍ إِذَا تَغَيَّرَ - لَحْمُهَا. فَإِنْ عُلِفَتِ الْجَلاَّلَةُ، أَوْ لَمْ تُعْلَفْ، فَطَابَ لَحْمُهَا حَل بِلاَ كَرَاهَةٍ، لِزَوَال عِلَّةِ الْكَرَاهَةِ وَهِيَ التَّغَيُّرُ. وَلاَ تَقْدِيرَ لِمُدَّةِ الْعَلَفِ. وَتَقْدِيرُهَا بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي الْبَعِيرِ، وَثَلاَثِينَ فِي الْبَقَرِ، وَسَبْعَةٍ فِي الشَّاةِ، وَثَلاَثَةٍ فِي الدَّجَاجَةِ بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ. وَلاَ يَكْفِي

_________

(١) بدائع الصنائع ٥ / ٣٩ - ٤٠.

(٢) الدر المختار مع حاشية ابن عابدين عليه ٥ / ١٩٤ - ١٩٦ و٢١٧ وتقرير الرافعي ٢ / ٣٠٥.

الْغُسْل أَوِ الطَّبْخُ لِلْحُكْمِ بِطِيبِ اللَّحْمِ. (١) وَإِذَا حَرُمَ أَوْ كُرِهَ أَكْل الْجَلاَّلَةِ حَرُمَ أَوْ كُرِهَ سَائِرُ أَجْزَائِهَا كَبَيْضِهَا وَلَبَنِهَا، وَيُكْرَهُ رُكُوبُهَا مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ، لأَِنَّ لِعَرَقِهَا حُكْمَ لَبَنِهَا وَلَحْمِهَا.

٧٣ - وَرَوَى الْحَنَابِلَةُ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ قَوْلَيْنِ:

(أَوَّلُهُمَا) أَنَّ الْجَلاَّلَةَ تَحْرُمُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الأَْصْحَابُ.

(الثَّانِي) أَنَّهَا تُكْرَهُ. (٢)

وَرَوَوْا عَنْ أَحْمَدَ فِيمَا تَزُول بِهِ الْكَرَاهَةُ رِوَايَتَيْنِ:

(إِحْدَاهُمَا) أَنَّ الْجَلاَّلَةَ مُطْلَقًا تُحْبَسُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ.

(الثَّانِيَةُ) أَنَّ الطَّائِرَ يُحْبَسُ ثَلاَثَةً، وَالشَّاةَ سَبْعَةً، وَمَا عَدَا ذَلِكَ (مِنَ الإِْبِل وَالْبَقَرِ وَنَحْوِهِمَا فِي الْكِبَرِ) أَرْبَعِينَ يَوْمًا.

وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ: بِأَنَّ الطُّيُورَ وَالأَْنْعَامَ الْجَلاَّلَةَ مُبَاحَةٌ، لَكِنْ قَال ابْنُ رُشْدٍ: إِنَّ مَالِكًا كَرِهَ الْجَلاَّلَةَ. (٣)

وَدَلِيل تَحْرِيمِ الْجَلاَّلَةِ عِنْدَ مَنْ حَرَّمَهَا مَا ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَال: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْل الْجَلاَّلَةِ وَأَلْبَانِهَا. (٤)

وَوَجْهُ حَبْسِهَا ثَلاَثًا أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄

_________

(١) نهاية المحتاج ٨ / ١٤٧ - ١٤٨.

(٢) المغني ١١ / ٧١ - ٧٣، والمحلى لابن حزم ٧ / ٤١٠.

(٣) الشرح الصغير بحاشية الصاوي ١ / ٢٢٣، والشرح الكبير بحاشية الدسوقي ٢ / ١١٥، وحاشيتا الرهوني وكنون علي الزرقاني في باب المباح ٣ / ٣٩، وباب الأعيان النجسة ١ / ٦٧، وبداية المجتهد ١ / ٤٥٢.

(٤) حديث: " نهى رسول الله ﷺ عن أكل الجلالة وألبانها " رواه أبو داود (٤ / ١٤٨ - ١٤٩ - ط عزت عبيد دعاس) والترمذي (٤ / ٢٧٠ ط الحلبي) وذكر ابن حجر في التلخيص (٤ / ١٥٦ - نشر اليماني) الاختلاف في سنده، وذكر له شاهدا وقواه.

كَانَ إِذَا أَرَادَ أَكْلَهَا حَبَسَهَا ثَلاَثًا وَأَطْعَمَهَا الطَّاهِرَاتِ (١) .

وَوَجْهُ حَبْسِ الإِْبِل أَرْبَعِينَ يَوْمًا مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَال: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ الإِْبِل الْجَلاَّلَةِ أَنْ يُؤْكَل لَحْمُهَا، وَلاَ يُشْرَبُ لَبَنُهَا، وَلاَ يُحْمَل عَلَيْهَا إِلاَّ الأُْدُمَ. (٢) وَلاَ يَرْكَبُهَا النَّاسُ حَتَّى تُعْلَفَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً. (٣)

أَجْزَاءُ الْحَيَوَانِ وَمَا انْفَصَل مِنْهُ:

حُكْمُ الْعُضْوِ الْمُبَانِ:

٧٤ - إِنَّ الْعُضْوَ الَّذِي يُبَانُ مِنَ الْحَيَوَانِ، أَيْ يُفْصَل مِنْهُ، يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ فِي حِل أَكْلِهِ وَحُرْمَتِهِ بِحَسَبِ الأَْحْوَال. وَتَفْصِيل ذَلِكَ كَمَا يَلِي:

أ - الْعُضْوُ الْمُبَانُ مِنْ حَيَوَانٍ حَيٍّ:

يُعْتَبَرُ كَمَيْتَةِ هَذَا الْحَيَوَانِ فِي حِل الأَْكْل وَحُرْمَتِهِ، فَالْمُبَانُ مِنَ السَّمَكِ الْحَيِّ أَوِ الْجَرَادِ الْحَيِّ يُؤْكَل عِنْدَ الْجُمْهُورِ، لأَِنَّ مَيْتَتَهُمَا تُؤْكَل.

وَالْمَالِكِيَّةُ يَقُولُونَ فِي الْجَرَادِ: إِنْ كَانَتِ الإِْبَانَةُ خَالِيَةً عَنْ نِيَّةِ التَّذْكِيَةِ، أَوْ خَالِيَةً عَنِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا لَمْ يُؤْكَل الْمُبَانُ، وَإِنْ كَانَتْ مَصْحُوبَةً بِالنِّيَّةِ وَالتَّسْمِيَةِ أُكِل الْمُبَانُ إِنْ كَانَ هُوَ الرَّأْسُ، وَلاَ يُؤْكَل

_________

(١) الأثر عن ابن عمر بلفظ: " كان يحبس الدجاجة الجلالة ثلاثا " أخرجه ابن أبي شيبة (٨ / ٣٣٥ - ط الدار السلفية) وصححه ابن حجر في الفتح (٩ / ٦٤٨ - ط السلفية) .

(٢) الأدم بضمتين: الجلود، جمع أديم، وهو الجلد.

(٣) حديث: عبد الله بن عمر أنه قال " نهى رسول الله عن الإبل الجلالة " أخرجه الدارقطني (٤ / ٢٨٣ - ط دار المحاسن) والبيهقي (٩ / ٣٣٣ - ط دائرة المعارف العثمانية) . وقال البيهقي: ليس هذا بالقوي.

إِنْ كَانَ جَنَاحًا أَوْ يَدًا أَوْ نَحْوَهُمَا.

وَالْمُبَانُ مِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ ذَاتِ الدَّمِ السَّائِل لاَ يُؤْكَل، سَوَاءٌ أَكَانَ أَصْلُهُ مَأْكُولًا كَالأَْنْعَامِ، أَمْ غَيْرَ مَأْكُولٍ كَالْخِنْزِيرِ، فَإِنَّ مَيْتَةَ كُلٍّ مِنْهُمَا لاَ تُؤْكَل بِلاَ خِلاَفٍ، (١) فَكَذَلِكَ مَا أُبِينَ مِنْهُ حَيًّا، فَقَدْ قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيْتَةٌ. (٢)

ب - الْعُضْوُ الْمُبَانُ مِنَ الْمَيْتَةِ:

حُكْمُهُ حُكْمُ سَائِرِ الْمَيْتَةِ فِي الأَْكْل وَعَدَمِهِ بِلاَ خِلاَفٍ.

ج - الْعُضْوُ الْمُبَانُ مِنَ الْمُذَكَّى الْمَأْكُول فِي أَثْنَاءِ تَذْكِيَتِهِ قَبْل تَمَامِهَا:

حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُبَانِ مِنَ الْحَيِّ. فَلَوْ قَطَعَ إِنْسَانٌ حُلْقُومَ الشَّاةِ وَبَعْضَ مَرِّيئِهَا لِلتَّذْكِيَةِ، فَقَطَعَ إِنْسَانٌ آخَرُ يَدَهَا أَوْ أَلْيَتَهَا، فَالْمَقْطُوعُ نَجِسٌ حَرَامُ الأَْكْل، كَالْمَقْطُوعِ مِنَ الْحَيِّ، وَهَذَا لاَ خِلاَفَ فِيهِ أَيْضًا.

د - الْعُضْوُ الْمُبَانُ مِنَ الْمُذَكَّى الْمَأْكُول بَعْدَ تَمَامِ تَذْكِيَتِهِ وَقَبْل زُهُوقِ رُوحِهِ:

يَحِل أَكْلُهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، لأَِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمُذَكَّى، لأَِنَّ بَقَاءَ رَمَقٍ مِنَ الْحَيَاةِ هُوَ رَمَقٌ فِي طَرِيقِ

_________

(١) مواهب الجليل ٣ / ٢٢٨، والمحلى لابن حزم ٧ / ٤٤٩.

(٢) حديث: " ما قطع من البهيمة. . . . " رواه أحمد (٥ / ٢١٨ - ط الميمنية) وأبو داود (٣ / ٢٧٧ - ط عزت عبيد دعاس) والترمذي (٤ / ٧٤ ط استنبول) وقال: هذا حديث حسن غريب.

الزَّوَال الْعَاجِل، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَوْتِ. (١)

هـ - الْعُضْوُ الْمُبَانُ مِنَ الْمَصِيدِ بِآلَةِ الصَّيْدِ: إِمَّا أَنْ يَبْقَى الْمَصِيدُ بَعْدَ إِبَانَتِهِ حَيًّا حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً، وَإِمَّا أَنْ تَصِيرَ حَيَاتُهُ حَيَاةَ مَذْبُوحٍ: فَفِي الْحَالَةِ الأُْولَى: يَكُونُ عُضْوًا مُبَانًا مِنْ حَيَوَانٍ حَيٍّ، فَيَكُونُ كَمَيْتَتِهِ.

وَفِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ: يَكُونُ عُضْوًا مُبَانًا بِالتَّذْكِيَةِ، وَيَخْتَلِفُ النَّظَرُ إِلَيْهِ، لأَِنَّ لَهُ صِفَتَيْنِ شِبْهَ مُتَعَارِضَتَيْنِ:

(الصِّفَةُ الأُْولَى) أَنَّهُ عُضْوٌ أُبِينَ قَبْل تَمَامِ التَّذْكِيَةِ فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمُبَانِ مِنَ الْحَيِّ فَلاَ يَحِل.

(وَالصِّفَةُ الثَّانِيَةُ) أَنَّ التَّذْكِيَةَ سَبَبٌ فِي حِل الْمُذَكَّى، وَكُلٌّ مِنَ الْمُبَانِ وَالْمُبَانِ مِنْهُ مُذَكًّى، لأَِنَّ التَّذْكِيَةَ بِالصَّيْدِ هِيَ تَذْكِيَةٌ لِلْمَصِيدِ كُلِّهِ لاَ لِبَعْضِهِ، فَيَحِل الْعُضْوُ كَمَا يَحِل الْبَاقِي.

وَلِهَذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ (٢) (ر: صَيْدٌ) .

حُكْمُ أَجْزَاءِ الْحَيَوَانِ الْمُذَكَّى:

٧٥ - لاَ شَكَّ أَنَّ التَّذْكِيَةَ حِينَمَا تَقَعُ عَلَى الْحَيَوَانِ الْمَأْكُول تَقْتَضِي إِبَاحَةَ أَكْلِهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَقَدْ يَكُونُ لِبَعْضِ الأَْجْزَاءِ حُكْمٌ خَاصٌّ: فَالدَّمُ الْمَسْفُوحُ مَثَلًا، حَرَامٌ بِالإِْجْمَاعِ، وَهُوَ مَا سَال مِنَ الذَّبِيحَةِ، وَمَا بَقِيَ بِمَكَانِ الذَّبْحِ، وَمَا تَسَرَّبَ إِلَى دَاخِل الْحَيَوَانِ مِنَ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ. وَأَمَّا مَا بَقِيَ فِي

_________

(١) المحلى لابن حزم ٧ / ٤٤٩، والمغني لابن قدامة بأعلى الشرح الكبير ١١ / ٥٣، وحاشية ابن عابدين ٥ / ١٩٧.

(٢) يؤيد هذا النظر الثاني حل الغنمة مثلا إذا فصل رأسها كله بالذبح.

الْعُرُوقِ وَاللَّحْمِ وَالْكَبِدِ وَالطِّحَال وَالْقَلْبِ فَإِنَّهُ حَلاَل الأَْكْل، حَتَّى إِنَّهُ لَوْ طُبِخَ اللَّحْمُ فَظَهَرَتِ الْحُمْرَةُ فِي الْمَرَقِ لَمْ يَنْجُسْ وَلَمْ يَحْرُمْ. وَقَدْ ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ أَشْيَاءَ تُكْرَهُ أَوْ تَحْرُمُ مِنَ الذَّبِيحَةِ. وَفِيمَا يَلِي تَفْصِيل مَا قَالُوهُ وَمَا قَالَهُ غَيْرُهُمْ فِي ذَلِكَ:

٧٦ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: (١) يَحْرُمُ مِنْ أَجْزَاءِ الْحَيَوَانِ سَبْعَةٌ: الدَّمُ الْمَسْفُوحُ، وَالذَّكَرُ، وَالأُْنْثَيَانِ، وَالْقُبُل (أَيْ فَرْجُ الأُْنْثَى وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْحَيَا)، وَالْغُدَّةُ، وَالْمَثَانَةُ (وَهِيَ مَجْمَعُ الْبَوْل)، وَالْمَرَارَةُ (وَهِيَ وِعَاءُ الْمُرَّةِ الصَّفْرَاءِ، وَتَكُونُ مُلْصَقَةً بِالْكَبِدِ) .

وَهَذِهِ الْحُرْمَةُ فِي نَظَرِهِمْ لِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿وَيُحِل لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾، (٢) وَهَذِهِ السَّبْعَةُ مِمَّا تَسْتَخْبِثُهُ الطِّبَاعُ السَّلِيمَةُ فَكَانَتْ مُحَرَّمَةً، وَقَدْ دَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَى خُبْثِهَا، لِمَا رَوَى الأَْوْزَاعِيُّ عَنْ وَاصِل بْنِ أَبِي جَمِيلَةَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَال: كَرِهَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنَ الشَّاةِ: الذَّكَرَ، وَالأُْنْثَيَيْنِ، وَالْقُبُل، وَالْغُدَّةَ، وَالْمَرَارَةَ، وَالْمَثَانَةَ، وَالدَّمَ. (٣)

وَالْمُرَادُ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ قَطْعًا، بِدَلِيل أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الأَْشْيَاءِ السِّتَّةِ وَبَيْنَ الدَّمِ فِي الْكَرَاهَةِ، وَالدَّمُ الْمَسْفُوحُ مُحَرَّمٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ.

٧٧ - وَالْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَال: الدَّمُ حَرَامٌ، وَأَكْرَهُ السِّتَّةَ. فَأَطْلَقَ وَصْفَ الْحَرَامِ عَلَى الدَّمِ

_________

(١) البدائع ٥ / ٦١، والدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٥ / ٦١، والدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٥ / ٤٣٧.

(٢) سورة الأعراف / ١٥٧.

(٣) حديث مجاهد: " كره رسول الله من الشاة. . . . " أخرجه البيهقي (١٠ / ٧ ط - دائرة المعارف العثمانية) وأعله بالانقطاع ثم رواه من حديث ابن عباس وضعفه.

الْمَسْفُوحِ، وَسَمَّى مَا سِوَاهُ مَكْرُوهًا، لأَِنَّ الْحَرَامَ الْمُطْلَقَ مَا ثَبَتَتْ حُرْمَتُهُ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ، وَحُرْمَةُ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ قَدْ ثَبَتَتْ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿قُل لاَ أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا. . .﴾ الآْيَةَ، وَانْعَقَدَ الإِْجْمَاعُ أَيْضًا عَلَى حُرْمَتِهِ. فَأَمَّا حُرْمَةُ مَا سِوَاهُ مِنَ الأَْجْزَاءِ فَلَمْ تَثْبُتْ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ بَل بِالاِجْتِهَادِ، أَوْ بِظَاهِرِ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ الْمُحْتَمِل لِلتَّأْوِيل، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾، أَوْ بِالْحَدِيثِ السَّابِقِ ذِكْرُهُ. لِذَلِكَ فَصَّل أَبُو حَنِيفَةَ بَيْنَهُمَا فِي الْوَصْفِ فَسَمَّى الدَّمَ حَرَامًا، وَالْبَاقِي مَكْرُوهًا.

وَقِيل: إِنَّ الْكَرَاهَةَ فِي الأَْجْزَاءِ السِّتَّةِ تَنْزِيهِيَّةٌ، لَكِنَّ الأَْوْجَهَ كَمَا فِي " الدُّرِّ الْمُخْتَارِ " أَنَّهَا تَحْرِيمِيَّةٌ. (١)

٧٨ - هَذَا، وَالدَّمُ الْمَسْفُوحُ مُتَّفَقٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ كَمَا مَرَّ.

وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ اسْتِثْقَال أَكْل عَشْرَةٍ - دُونَ تَحْرِيمٍ - الأُْنْثَيَانِ وَالْعَسِيبُ وَالْغُدَّةُ وَالطِّحَال وَالْعُرُوقُ وَالْمَرَارَةُ وَالْكُلْيَتَانِ وَالْمَثَانَةُ وَأُذُنَا الْقَلْبِ. (٢)

٧٩ - وَالْحَنَابِلَةُ قَالُوا بِكَرَاهَةِ أَكْل الْغُدَّةِ وَأُذُنِ الْقَلْبِ. أَمَّا الْغُدَّةُ فَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَرِهَ أَكْلَهَا، رَوَى ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنْ أَبِيهِ.

وَأَمَّا أُذُنُ الْقَلْبِ فَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِهَا،

_________

(١) البدائع ٥ / ٦١، والدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٥ / ٤٧٧.

(٢) التاج والإكليل بهامش الحطاب ٣ / ٢٢٧.

نَقَل ذَلِكَ أَبُو طَالِبٍ الْحَنْبَلِيُّ. (١)

حُكْمُ مَا انْفَصَل مِنَ الْحَيَوَانِ

٨٠ - مِنَ الْمُقَرَّرِ فِي مَوْضُوعِ " النَّجَاسَةِ " أَنَّ الْمَائِعَاتِ الْمُنْفَصِلَةَ مِنَ الْحَيَوَانِ، وَالْفَضَلاَتِ، وَالْبَيْضِ، وَالْجَنِينِ، تَارَةً تَكُونُ نَجِسَةً، وَتَارَةً تَكُونُ طَاهِرَةً، فَمَا كَانَ نَجِسًا مِنْهَا فِي مَذْهَبٍ مِنَ الْمَذَاهِبِ فَهُوَ غَيْرُ مَأْكُولٍ فِي ذَلِكَ الْمَذْهَبِ، وَمَا كَانَ طَاهِرًا فَتَارَةً يَكُونُ مَأْكُولًا، وَتَارَةً يَكُونُ غَيْرَ مَأْكُولٍ، إِذْ لاَ يَلْزَمُ مِنَ الطَّهَارَةِ حِل الأَْكْل، فَإِنَّ الطَّاهِرَ قَدْ يَكُونُ مُضِرًّا أَوْ مُسْتَقْذَرًا فَلاَ يَحِل أَكْلُهُ.

وَيَكْفِينَا هُنَا أَنْ نَضْرِبَ أَمْثِلَةً لِمَا يَكْثُرُ السُّؤَال عَنْهُ:

أَوَّلًا - الْبَيْضُ:

٨١ - إِنْ خَرَجَ الْبَيْضُ مِنْ حَيَوَانٍ مَأْكُولٍ فِي حَال حَيَاتِهِ، أَوْ بَعْدَ تَذْكِيَتِهِ شَرْعًا، أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَهُوَ مِمَّا لاَ يَحْتَاجُ إِلَى التَّذْكِيَةِ كَالسَّمَكِ، فَبَيْضُهُ مَأْكُولٌ إِجْمَاعًا، إِلاَّ إِذَا فَسَدَ.

وَفَسَّرَ الْمَالِكِيَّةُ الْبَيْضَ الْفَاسِدَ بِأَنَّهُ مَا فَسَدَ بَعْدَ انْفِصَالِهِ بِعَفَنٍ، أَوْ صَارَ دَمًا، أَوْ صَارَ مُضْغَةً، أَوْ فَرْخًا مَيِّتًا.

وَفَسَّرَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ الَّذِي تَغَيَّرَ بِحَيْثُ أَصْبَحَ غَيْرَ صَالِحٍ لِلتَّخَلُّقِ، فَلاَ يَضُرُّ عِنْدَهُمْ صَيْرُورَتُهُ دَمًا، إِذَا قَال أَهْل الْخِبْرَةِ: إِنَّهُ صَالِحٌ لِلتَّخَلُّقِ.

_________

(١) مطالب أولي النهى ٦ / ٣١٧، لكن قال ابن قدامة في المغني (١١ / ٨٩) " يكره أكل الغدة وأذن القلب، لما روي عن مجاهد قال: كره رسول الله ﷺ من الشاة ستا. . . . (وذكر بينها هذين) ولأن النفس تعافهما وتستخبثهما، ولا أظن أحمد كرههما إلا لذلك، لا للخبر لأنه قال فيه: