الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٥
وُلُوغِ كَلْبٍ وَاحِدٍ مَرَّاتٍ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ أَوْ وُلُوغِ كِلاَبٍ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ قَبْل غَسْلِهِ لِتَدَاخُل مُسَبِّبَاتِ الأَْسْبَابِ الْمُتَّفِقَةِ فِي الْمُسَبِّبِ كَنَوَاقِضِ الْوُضُوءِ وَمُوجِبَاتِ الْحَدِّ وَالْقِصَاصِ.
وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَتَعَدَّدُ الْغَسْل بِوُلُوغِ كَلْبٍ أَوْ كِلاَبٍ.
وَفِي قَوْلٍ ثَانٍ عِنْدِ الشَّافِعِيَّةِ: يَجِبُ لِكُل وَلْغَةٍ سَبْعٌ.
وَفِي قَوْلٍ ثَالِثٍ عِنْدَهُمْ: يَكْفِي لِوَلْغَاتِ الْكَلْبِ الْوَاحِدِ سَبْعٌ، وَيَجِبُ لِكُل كَلْبٍ سَبْعٌ. (١)
وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (كَلْب ف ١٩) .
د - شَهَادَةُ ثِقَةٍ بِوُلُوغِ الْكَلْبِ:
٨ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا أَخْبَرَهُ رَجُلٌ ثِقَةٌ بِوُلُوغِ الْكَلْبِ فِي أَحَدِ الإِْنَائَيْنِ بِعَيْنِهِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ إِنَاءَانِ يَعْلَمُ أَنَّ الْكَلْبَ وَلَغَ فِي أَحَدِهِمَا وَلاَ يَعْلَمُ عَيْنَهُ، فَيَجِبُ قَبُول خَبَرِهِ وَيُحْكَمُ بِنَجَاسَةِ ذَلِكَ الْمُعَيَّنِ وَطَهَارَةِ الآْخَرِ وَحِينَئِذٍ لاَ يَجُوزُ الاِجْتِهَادُ.
قَال النَّوَوِيُّ: وَأَمَّا إِذَا أَخْبَرَهُ ثِقَةٌ بِوُلُوغِهِ فِي هَذَا، وَثِقَةٌ بِوُلُوغِهِ فِي ذَاكَ فَيُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِمَا مِنَ احْتِمَال الْوُلُوغِ فِي وَقْتَيْنِ، وَمَتَى أَمْكَنَ صِدْقُ
_________
(١) البحر الرائق ١ ١٣٦، وروضة الطالبين ١ ٣٢، ومواهب الجليل ١ ١٧٩، وجواهر الاكليل ١ ١٣ - ١٤، والمغني ١ ٥٦، ومغني المحتاج ١ ٨٤.
الْخَبَرَيْنِ الثِّقَتَيْنِ وَجَبَ الْعَمَل بِخَبَرِهِمَا. (١)
وَإِذَا أَخْبَرَهُ ثِقَةٌ بِوُلُوغِهِ فِي هَذَا دُونَ ذَاكَ حِينَ بَدَأَ حَاجِبُ الشَّمْسِ يَوْمَ الْخَمِيسِ مَثَلًا، فَقَال الآْخَرُ: بَل وَلَغَ فِي ذَاكَ دُونَ ذَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَقَدْ اخْتَلَفَ الشَّافِعِيَّةُ فِيهَا، فَقَطَعَ الصَّيْدَلاَنِيُّ وَالْبَغَوِيُّ بِأَنَّهُ يَجْتَهِدُ فِيهِمَا وَيَسْتَعْمِل مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ طَهَارَتُهُ، وَلاَ يَجُوزُ أَخْذُ أَحَدِهِمَا بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ؛ لأَِنَّ الْمُخْبِرَيْنِ اتَّفَقَا عَلَى نَجَاسَةِ أَحَدِهِمَا فَلاَ يَجُوزُ إِلْغَاءُ قَوْلِهِمَا.
وَقَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَجُمْهُورُ الْخُرَاسَانِيِّينَ بِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ تُبْنَى عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْمَشْهُورَيْنِ فِي الْبَيِّنَتَيْنِ إِذَا تَعَارَضَتَا، أَصَحُّهَمَا تَسْقُطَانِ.
وَالثَّانِي يُسْتَعْمَلاَنِ. وَفِي الاِسْتِعْمَال ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهُمَا: بِالْقُرْعَةِ، وَالثَّانِي: بِالْقِسْمَةِ، وَالثَّالِثُ: يُوقَفُ حَتَّى يَصْطَلِحَ الْمُتَنَازِعَانِ. (٢)
وَقَال: إِنْ قُلْنَا يَسْقُطَانِ سَقَطَ خَبَرُ الثِّقَتَيْنِ وَبَقِيَ الْمَاءُ عَلَى أَصْل الطَّهَارَةِ فَيَتَوَضَّأُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ وَلَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِمَا جَمِيعًا، قَالُوا: لأَِنَّ تَكَاذُبَهُمَا وَهَّنَ خَبَرَهُمَا، وَلاَ يُمْكِنُ الْعَمَل بِقَوْلِهِمَا لِلتَّعَارُضِ فَسَقَطَ، قَالُوا: وَإِنْ قُلْنَا تُسْتَعْمَلاَنِ لِمَ يَجِئْ قَوْل الْقِسْمَةِ بِلاَ خِلاَفٍ وَامْتِنَاعُهُ وَاضِحٌ،
_________
(١) المجموع ١ ١٧٧ - ١٧٨.
(٢) المجموع ١ ١٧٧ - ١٧٨، ومغني المحتاج ١ ٢٨.
وَأَمَّا الْقُرْعَةُ فَقَطَعَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّهَا لاَ تَجِيءُ أَيْضًا كَمَا قَطَعَ بِهِ الشِّيرَازِيُّ، وَحَكَىَ صَاحِبُ الْمُذْهَبِ وَجْهًا: أَنَّهُ يُقْرِعُ وَيَتَوَضَّأُ بِمَا اقْتَضَتِ الْقَرْعَةُ طَهَارَتَهُ وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ. وَأَمَّا الْوَقْفُ فَقَدْ جَزَمَ الشِّيرَازِيُّ بِأَنَّهُ لاَ يَجِيءُ، وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مَجِيءُ الْوَقْفِ.
فَعَلَى هَذَا يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي وَيُعِيدُ الصَّلاَةَ لأَِنَّهُ تَيَمَّمَ وَمَعَهُ مَاءٌ مَحْكُومٌ بِطَهَارَتِهِ، وَوَجْهُ جَرَيَانِ الْوَقْفِ أَنَّهُ لَيْسَ هُنَا مَا يَمْنَعُهُ بِخِلاَفِ الْقِسْمَةِ وَالْقُرْعَةِ، وَوَجْهُ قَوْل الشِّيرَازِيِّ: لاَ يَجِيءُ الْوَقْفُ، الْقِيَاسُ عَلَى مَنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ إِنَاءَانِ وَاجْتَهَدَ وَتَحَيَّرَ فِيهِمَا فَإِنَّهُ يُرِيقُهُمَا وَيُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ بِلاَ إِعَادَةٍ لأَِنَّهُ مَعْذُورٌ فِي الإِْرَاقَةِ وَلَمْ يَقُولُوا بِالْوَقْفِ، فَكَذَا هُنَا. (١)
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ إِنْ أَخَبْرَهُ أَنَّ كَلْبًا وَلَغَ فِي هَذَا الإِْنَاءِ لَزِمَ قَبُول خَبَرِهِ، سَوَاءٌ كَانَ بَصِيرًا أَوْ ضَرِيرًا؛ لأَِنَّ لِلضَّرِيرِ طَرِيقًا إِلَى الْعِلْمِ بِذَلِكَ بِالْخَبَرِ وَالْحِسِّ. وَإِنْ أَخْبَرَهُ أَنَّ كَلْبًا وَلَغَ فِي هَذَا الإِْنَاءِ وَلَمْ يَلْغُ فِي هَذَا. وَقَال آخَرُ: لَمْ يَلْغُ فِي الأَْوَّل وَإِنَّمَا وَلَغَ فِي الثَّانِي، وَجَبَ اجْتِنَابُهُمَا، فَيُقْبَل قَوْل كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الإِْثْبَاتِ دُونَ النَّفْيِ؛ لأَِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَعْلَمَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا خَفِيَ عَلَى الآْخَرِ، إِلاَّ أَنْ يُعِيِّنَا وَقْتًا مُعَيَّنًا وَكَلْبًا
_________
(١) المجموع ١ ١٧٨.
وَاحِدًا يَضِيقُ الْوَقْتُ عَنْ شُرْبِهِ مِنْهُمَا فَيَتَعَارَضُ قَوْلاَهُمَا وَيَسْقُطَانِ. وَيُبَاحُ اسْتِعْمَال كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
فَإِنْ قَال أَحَدُهُمَا: شَرِبَ مِنْ هَذَا الإِْنَاءِ، وَقَال الآْخَرُ: نَزَل وَلَمْ يَشْرَبْ. قُدِّمَ قَوْل الْمُثْبِتِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَتَحَقَّقْ شُرْبُهُ مِثْل الضَّرِيرِ الَّذِي يُخْبِرُ عَنْ حِسِّهِ، فَيُقَدَّمُ قَوْل الْبَصِيرِ لأَِنَّهُ أَعْلَمُ. (١)
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْمُسْلِمَ قَبُول خَبَرِ مُسْلِمٍ عَدْلٍ - وَلَوْ عَبْدًا أَوْ أَمَةً - بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ بِوُلُوغِ الْكَلْبِ فِيهِ، وَأَمَّا الْفَاسِقُ وَالْمَسْتُورُ فَيَتَحَرَّى الْمُسْلِمُ فِي خَبَرِهِ.
وَلَوْ أَخْبَرَ عَدْلٌ بِطَهَارَةِ الْمَاءِ وَعَدْلٌ بِنَجَاسَتِهِ حُكِمَ بِطَهَارَتِهِ. (٢)
_________
(١) المغني ١ ٦٥.
(٢) الدر المختار ٥ ٢١٢٠ - ٢٢١، والفتاوى الهندية ٥ ٣٠٩.
وَلِيمَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْوَلِيمَةُ فِي اللُّغَةِ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْوَلْمِ وَهُوَ الْجَمْعُ، لأَِنَّ الزَّوْجَيْنِ يَجْتَمِعَانِ، وَهِيَ اسْمٌ لِطَعَامِ الْعُرْسِ وَالإِْمْلاَكِ، وَقِيل: هِيَ كُل طَعَامٍ صُنِعَ لِعُرْسٍ وَغَيْرِهِ أَوْ كُل طَعَامٍ يُتَّخَذُ لِجَمْعٍ. (١) وَفِي الاِصْطِلاَحِ تَقَعُ الْوَلِيمَةُ عَلَى كُل طَعَامٍ يُتَّخَذُ لِسُرُورٍ حَادِثٍ مِنْ عُرْسٍ وَإِمْلاَكٍ وَغَيْرِهِمَا، لَكِنَّ اسْتِعْمَالَهَا مُطْلَقَةً فِي الْعُرْسِ أَشْهَرُ وَفِي غَيْرِهِ بِقَيْدٍ. (٢)
وَذَكَرَ الْعُلَمَاءُ لِلْوَلاَئِمِ الَّتِي يُدْعَى إِلَيْهَا النَّاسُ أَسْمَاءً خَاصَّةً. (٣) تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (دَعْوَة ف ٢٦) .
وَيَنْحَصِرُ الْكَلاَمُ فِي هَذَا الْمَقَامِ عَلَى بَيَانِ الأَْحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِوَلِيمَةِ الْعُرْسِ، أَمَّا الأَْحْكَامُ
_________
(١) لسان العرب والمصباح المنير.
(٢) مغني المحتاج ٣ / ٢٤٤، والمطلع على أبواب المقنع ص ٣٢٧ - ٣٢٨، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٢٢١، والدسوقي ٢ / ٣٢١.
(٣) مغني المحتاج ٣ / ٢٤٥، والمبدع ٧ / ١٧٩.
الْمُتَعَلِّقَةُ بِسَائِرِ الْوَلاَئِمِ فَتُنْظَرُ فِي الْمُصْطَلَحَاتِ الْخَاصَّةِ بِهَا وَفِي مُصْطَلَحِ (دَعْوَة) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أـ الدَّعْوَةُ:
٢ - مِنْ مَعَانِي الدَّعْوَةِ فِي اللُّغَةِ: الضِّيَافَةُ، وَهِيَ بِفَتْحِ الدَّال عِنْدَ جُمْهُورِ الْعَرَبِ، وَتَيْمُ الرِّبَابِ تَكْسِرُهَا، وَذَكَرَهَا قُطْرُبٌ بِالضَّمِّ وَغَلَّطُوهُ. (١)
وَيَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ الدَّعْوَةَ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَالصِّلَةُ بَيْنَ الدَّعْوَةِ وَالْوَلِيمَةِ أَنَّ الدَّعْوَةَ أَعَمُّ مِنَ الْوَلِيمَةِ. (٢)
ب - الْمَأْدُبَةُ:
٣ - الْمَأْدُبَةُ لُغَةً: الطَّعَامُ الَّذِي يَصْنَعُهُ الرَّجُل وَيَدْعُو إِلَيْهِ النَّاسَ. (٣)
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: كُل طَعَامٍ صُنِعَ لِدَعْوَةٍ مَأْدُبَةٌ. (٤)، وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمَأْدُبَةِ وَالْوَلِيمَةِ أَنَّ الْوَلِيمَةَ أَخَصُّ مِنَ الْمَأْدُبَةِ.
_________
(١) تحرير ألفاظ التنبيه للنووي ص ٢١٦.
(٢) فتح الباري ٩ / ١٤٩ ط دار الريان للتراث - القاهرة.
(٣) لسان العرب مادة (أدب) .
(٤) البحر الرائق ٧ / ٣٠٢، وحاشية القليوبي ٣ / ٢٩٤، والمغني ٧ / ١.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْوَلِيمَةِ وَلَهُمْ رَأْيَانِ:
الأَْوَّل: ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ وَلِيمَةَ الْعَرَبِ سُنَّةٌ، زَادَ الْحَنَفِيَّةُ وَفِيهَا مَثُوبَةٌ عَظِيمَةٌ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا مَنْدُوبَةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ. (١)، وَاسْتَدَل هَؤُلاَءِ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْوَلِيمَةَ مَسْنُونَةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَ فِي الْمَال حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ (٢) .
وَقَالُوا: سَبَبُ الْوَلِيمَةِ عَقْدُ النِّكَاحِ وَهُوَ غَيْرُ وَاجِبٍ فَفَرْعُهُ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ غَيْرَ وَاجِبٍ، وَلأَِنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ لَتَقَدَّرَتْ كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ وَلَكَانَ لَهَا بَدَلٌ عِنْدَ الإِْعْسَارِ، كَمَا يَعْدِل الْمُكَفِّرُ فِي إِعْسَارِهِ إِلَى الصِّيَامِ، فَدَل عَدَمُ تَقْدِيرِهَا وَبَدَلِهَا عَلَى سُقُوطِ وُجُوبِهَا، وَلأَِنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ لَكَانَ مَأْخُوذًا
_________
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٢ / ٣٣٧، والزرقاني ٤ / ٥٢، ومغني المحتاج ٣ / ٢٤٤، وروضة الطالبين ٧ / ٢٣٢، والمغني ٧ / ١ - ٢، والإنصاف للمرداوي ٨ / ٢١٦، والفتاوى الهندية ٥ / ٣٤٣، وبريقه محمودية ٤ / ١٧٦.
(٢) حديث " ليس في المال حق سوى الزكاة. . " أخرجه ابن ماجه (١ / ٥٧٠ - ط الحلبي)، من حديث فاطمة بنت قيس، وذكر ابن حجر في التلخيص (٢ / ١٦٠ - ط شركة الطباعة الفنية) أن في إسناده راويا ضعيفا.
بِفِعْلِهَا حَيًّا، وَمَأْخُوذَةً مِنْ تَرِكَتِهِ مَيِّتًا كَسَائِرِ الْحُقُوقِ. (١)
الثَّانِي: ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ وَالإِْمَامُ أَحْمَدَ فِي قَوْلٍ ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ إِلَى أَنَّ الْوَلِيمَةَ وَاجِبَةٌ، لِمَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ أَثَرَ صُفْرَةٍ فَقَال لَهُ: مَهْيَمْ - أَيْ مَا الْخَبَرُ؟ - قَال: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَْنْصَارِ. فَقَال: أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ (٢) .، وَهَذَا أَمْرٌ يَدُل عَلَى الْوُجُوبِ، وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَا نَكَحَ قَطُّ إِلاَّ أَوْلَمَ فِي ضِيقٍ أَوْ سَعَةٍ، وَلأَِنَّ فِي الْوَلِيمَةِ إِعْلاَنًا لِلنِّكَاحِ، فَرْقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السِّفَاحِ، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ أَعْلِنُوا النِّكَاحَ (٣)، وَلأَِنَّهُ لَمَّا كَانَتْ إِجَابَةُ الدَّاعِي إِلَيْهَا وَاجِبَةً، دَل عَلَى أَنَّ فِعْل الْوَلِيمَةِ وَاجِبٌ، لأَِنَّ وُجُوبَ الْمُسَبِّبِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ السَّبَبِ. (٤)
_________
(١) الحاوي للماوردي ١٢ / ١٩٢، وتحفة المحتاج ٧ / ٤٢٤ - ٤٢٥.
(٢) حديث أن النبي ﷺ رأى على عبد الرحمن بن عوف أثر صفرة. . أخرجه البخاري (الفتح ٧ / ١١٢ - ١١٣ - ط السلفية) .
(٣) حديث " أعلنوا النكاح. . . " أخرجه أحمد (٤ / ٥ - ط الميمنة) من حديث عبد الله بن الزبير، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٤ / ٢٨٩ - ط القدسي) وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير والأوسط، ورجال أحمد ثقات.
(٤) الحاوي للماوردي ١٢ / ١٩١ - ١٩٢.
الْقَضَاءُ بِالْوَلِيمَةِ:
٥ - نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى مَسْأَلَةِ الْقَضَاءِ بِالْوَلِيمَةِ أَوْ عَدَمِ الْقَضَاءِ بِهَا، وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ بِنَاءً عَلَى اخْتِلاَفِهِمْ فِي وُجُوبِ الْوَلِيمَةِ أَوْ نَدْبِهَا.
وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ عَدَمَ الْقَضَاءِ بِالْوَلِيمَةِ، لأَِنَّهَا مَنْدُوبَةٌ عِنْدَهُمْ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَحَمَلُوا الأَْمْرَ فِي قَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁: " أَوْلِمْ. . . " عَلَى النَّدْبِ.
وَقَال خَلِيلٌ: وَصُحِّحَ الْقَضَاءُ بِالْوَلِيمَةِ: أَيْ عَلَى الزَّوْجِ إِنْ طَالَبَتْهُ الزَّوْجَةُ وَأَبَى مِنْهَا، وَأَشَارَ خَلِيلٌ بِهَذَا إِلَى قَوْل أَبِي الأُْصْبُعِ بْنِ سَهْلٍ: الصَّوَابُ الْقَضَاءُ بِهَا لِقَوْلِهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ: " أَوْلِمْ. . . " وَالأَْصْل فِي الأَْمْرِ الْوُجُوبُ مَعَ الْعَمَل بِهِ عِنْدَ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ.
وَمَحَل الْخِلاَفِ - كَمَا قَال الدُّسُوقِيُّ - مَا لَمْ تَشْتَرِطْ عَلَى الزَّوْجِ أَوْ يَجْرِ بِهَا الْعُرْفُ، وَإِلاَّ قَضَى بِهَا اتِّفَاقًا. . . أَيْ عِنْدَهُمْ. (١)
_________
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٢ / ٣٢١، ٣٣٧، وشرح الزرقاني على مختصر خليل ٤ / ٣٢، ٥٢، وشرح منح الجليل على مختصر خليل ٢ / ١٤٠، والتاج والإكليل بهامش مواهب الجليل ٣ / ٥٢٢، وجواهر الإكليل شرح مختصر خليل ١ / ٣١٨، ٣٢٢.
حِكْمَةُ الْوَلِيمَةِ:
٦ - الْوَلِيمَةُ: عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لإِشْهَارِ النِّكَاحِ، قَال مَالِكٌ: كَانَ رَبِيعَةُ يَقُول: إِنَّمَا يُسْتَحَبُّ الطَّعَامُ فِي الْوَلِيمَةِ لإِثْبَاتِ النِّكَاحِ وَإِظْهَارِهِ وَمَعْرِفَتِهِ؛ لأَِنَّ الشُّهُودَ يَهْلَكُونَ، قَال ابْنُ رُشْدٍ: يُرِيدُ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أَمَرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِالْوَلِيمَةِ وَحَضَّ عَلَيْهَا. (١) بِقَوْلِهِ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁: أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ (٢) . وَبِمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الآْثَارِ، وَقَوْلُهُ صَحِيحٌ يُؤَيِّدُهُ مَا رُوِيَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِبَنِي زُرَيْقٍ فَسَمِعُوا غِنَاءً وَلَعِبًا، فَقَال: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: نِكَاحُ فُلاَنٍ يَا رَسُول اللَّهِ، فَقَال: كَمُل دِينُهُ، هَذَا النِّكَاحُ لاَ السِّفَاحُ، وَلاَ نِكَاحُ السِّرِّ حَتَّى يُسْمَعُ دُفٌّ أَوْ يُرَى دُخَانٌ (٣) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: الظَّاهِرُ أَنَّ سِرَّهَا - أَيْ حِكْمَةُ الْوَلِيمَةِ - رَجَاءُ صَلاَحِ الزَّوْجَةِ بِبَرَكَتِهَا، فَكَانَتْ كَالْفِدَاءِ لَهَا. (٤)
_________
(١) التاج والإكليل لمختصر خليل بهامش مواهب الجليل ٣ / ٥٢٢ (دار الفكر - بيروت) وحاشية الدسوقي ٢ / ٣٣٧، ومواهب الجليل لشرح مختصر خليل ٤ / ٢.
(٢) حديث: " أولم ولو. . . " تقدم تخريجه ف ٤.
(٣) حديث " ان النبي ﷺ مر هو وأصحابه ببني زريق. . أخرجه البيهقي في السنن (٧ / ٢٩٠ - ط دائرة المعارف العثمانية)، ثم ذكر أن في إسناده راويًا ضعيفا.
(٤) تحفة المحتاج مع حاشيتي الشرواني والعبادي ٧ / ٤٢٥ (دار صادر) .