الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٤
الأُْولَى فَإِنَّ أَرْضَ الْوَقْفِ إِذَا غَصَبَهَا غَاصِبٌ وَأَجْرَى عَلَيْهَا الْمَاءَ حَتَّى صَارَتْ بَحْرًا لاَ تَصْلُحُ لِلزِّرَاعَةِ يَضْمَنُ قِيمَتَهَا وَيَشْتَرِي بِقِيمَتِهَا أَرْضًا أُخْرَى، فَتَكُونُ الثَّانِيَةُ وَقْفًا عَلَى شَرَائِطِ الأُْولَى، وَكَذَلِكَ أَرْضُ الْوَقْفِ إِذَا قَل نُزْلُهَا (رَيْعُهَا) لآِفَةٍ وَصَارَتْ بِحَيْثُ لاَ تَصْلُحُ لِلزِّرَاعَةِ أَوْ لاَ تَفْضُل غَلَّتُهَا عَنْ مُؤَنِهَا يَكُونُ صَلاَحُ الْوَقْفِ فِي الاِسْتِبْدَال بِأَرْضٍ أُخْرَى فَيَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْوَاقِفُ وِلاَيَةَ الاِسْتِبْدَال وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الضَّرُورَةُ دَاعِيَةً إِلَيْهِ فِي الْحَال (١) .
وَقَال مُحَمَّدٌ وَيُوسُفُ بْنُ خَالِدٍ السَّمْتِيُّ: الْوَقْفُ صَحِيحٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ وَهُوَ الْقِيَاسُ (٢) .
وَقَدْ وَجَّهَ السَّرَخْسِيُّ رَأْيَ مُحَمَّدٍ فِي كَوْنِ فَسَادِ شَرْطِ الاِسْتِبْدَال لاَ يُؤَثِّرُ فِي صِحَّةِ الْوَقْفِ فَقَال: وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - وَهُوَ قَوْل أَهْل الْبَصْرَةِ - الْوَقْفُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، لأَِنَّ هَذَا الشَّرْطَ لاَ يُؤَثِّرُ فِي الْمَنْعِ مِنْ زَوَالِهِ وَالْوَقْفُ يَتِمُّ بِذَلِكَ، وَلاَ يَنْعَدِمُ بِهِ مَعْنَى التَّأْبِيدِ فِي أَصْل الْوَقْفِ فَيَتِمُّ الْوَقْفُ بِشُرُوطِهِ وَيَبْقَى الاِسْتِبْدَال شَرْطًا فَاسِدًا فَيَكُونُ بَاطِلًا فِي نَفْسِهِ كَالْمَسْجِدِ إِذَا شَرَطَ الاِسْتِبْدَال بِهِ، أَوْ شَرَطَ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ قَوْمٌ
_________
(١) البحر الرائق ٥ / ٢٣٩، والإسعاف ص٣١، وفتح القدير ٦ / ٢٢٨، وفتاوى قاضيخان بهامش الهندية ٣ / ٣٠٦.
(٢) الإسعاف ص٣١، والبحر الرائق ٥ / ٢٣٩، والهداية مع فتح القدير ٦ / ٢٢٧، ٢٢٨.
دُونَ قَوْمٍ، فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ وَاتِّخَاذُ الْمَسْجِدِ صَحِيحٌ فَهَذَا مِثْلُهُ (١) .
وَقَال بَعْضُ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ: الْوَقْفُ وَالشَّرْطُ فَاسِدَانِ (٢) .
وَنَقَل الْكَمَال ابْنُ الْهُمَامِ عَنِ الأَْنْصَارِيِّ أَنَّ الشَّرْطَ صَحِيحٌ لَكِنْ لاَ يَبِيعُهَا إِلاَّ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ وَيَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ - إِذَا رَفَعَ إِلَيْهِ وَلاَ مَنْفَعَةَ فِي الْوَقْفِ - أَنْ يَأْذَنَ فِي بَيْعِهَا إِذَا رَآهُ أَنْظَرَ لأَِهْل الْوَقْفِ (٣) .
وَلَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ أَنْ يَبِيعَهَا وَيَشْتَرِيَ بِثَمَنِهَا أَرْضًا أُخْرَى وَلَمْ يَزِدْ صَحَّ اسْتِحْسَانًا، وَصَارَتِ الثَّانِيَةُ وَقْفًا بِشَرَائِطِ الأُْولَى وَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى إِيقَافِهَا لأَِنَّ الأَْرْضَ تَعَيَّنَتْ لِلْوَقْفِ فَيَقُومُ ثَمَنُهَا مَقَامَهَا فِي الْحُكْمِ، وَبِمُجَرَّدِ شِرَاءِ أَرْضٍ بِثَمَنِهَا تَصِيرُ وَقْفًا عَلَى شَرَائِطِ الأُْولَى مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ وَقْفٍ.
وَالْقِيَاسُ أَنَّ الْوَقْفَ بَاطِلٌ لأَِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ إِقَامَةَ أَرْضٍ أُخْرَى مَقَامَ الأُْولَى (٤) .
الصِّيغَةُ الثَّانِيَةُ: لَوْ شَرَطَ أَنَّ لِلْقَيِّمِ الاِسْتِبْدَال وَلَمْ يَشْرُطْهُ لِنَفْسِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَبْدِل لِنَفْسِهِ، لأَِنَّ
_________
(١) المبسوط ١٢ / ٤١، ٤٢.
(٢) الإسعاف ص٣١، وفتاوى الخانية ٣ / ٣٠٦.
(٣) فتح القدير ٦ / ٢٢٨.
(٤) الإسعاف ص٣١، والبحر الرائق ٥ / ٢٤٠، وفتح القدير ٦ / ٢٢٩.
إِفَادَتَهُ الْوِلاَيَةَ لِغَيْرِهِ بِذَلِكَ فَرْعُ كَوْنِهِ يَمْلِكُهَا (١) .
وَلَوْ شَرَطَ الاِسْتِبْدَال لِرَجُلٍ آخَرَ مَعَ نَفْسِهِ مَلَكَ الْوَاقِفُ الاِسْتِبْدَال وَحْدَهُ، وَلاَ يَمْلِكُهُ فُلاَنٌ وَحْدَهُ (٢) .
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَلَوْ شَرَطَ الاِسْتِبْدَال لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ، أَوْ لِنَفْسِهِ وَغَيْرِهِ فَالاِسْتِبْدَال جَائِزٌ عَلَى الصَّحِيحِ وَقِيل اتِّفَاقًا.
وَلَوْ وَقَفَ أَرْضَهُ وَشَرَطَ أَنْ يَسْتَبْدِلَهَا بِأَرْضٍ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَبْدِلَهَا بِدَارٍ، وَلَوْ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ الْبَدَل دَارًا لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَبْدِلَهَا بِأَرْضٍ، وَلَوْ شَرَطَ أَرْضَ قَرْيَةٍ لاَ يَسْتَبْدِلُهَا بِأَرْضِ غَيْرِهَا، لِتَفَاوُتِ أَرَاضِي الْقُرَى مُؤْنَةً وَاسْتِغْلاَلًا فَيَلْزَمُ الشَّرْطُ.
وَلَوْ لَمْ يُقَيِّدِ الْبَدَل بِأَرْضٍ وَلاَ دَارٍ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَبْدِل بِهَا مِنْ جِنْسِ الْعَقَارَاتِ بِأَيِّ أَرْضٍ أَوْ دَارٍ أَوْ بَلَدٍ شَاءَ لِلإِْطْلاَقِ (٣) .
وَإِنْ شَرَطَ الاِسْتِبْدَال فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَبْدِل الأَْرْضَ الثَّانِيَةَ بِأَرْضٍ ثَالِثَةٍ لأَِنَّ الشَّرْطَ وُجِدَ فِي الأُْولَى فَقَطْ إِلاَّ أَنْ يَذْكُرَ عِبَارَةً تُفِيدُ ذَلِكَ (٤) .
_________
(١) فتح القدير ٦ / ٢٢٨.
(٢) البحر الرائق ٥ / ٢٤٠، وفتح القدير ٦ / ٢٢٩.
(٣) البحر الرائق ٥ / ٢٤٠، والإسعاف ص٣٢، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣٨٧.
(٤) الدر المختار وابن عابدين ٣ / ٣٨٨، وفتح القدير ٦ / ٢٢٨.
وَالاِسْتِبْدَال فِي حَالَةِ اشْتِرَاطِهِ يَجُوزُ وَلَوْ كَانَتِ الْعَيْنُ ذَاتَ رَيْعٍ وَنَفْعٍ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ الاِسْتِبْدَال لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ، فَلاَ يَلْزَمُ خُرُوجُ الْوَقْفِ عَنِ الاِنْتِفَاعِ وَلاَ مُبَاشَرَةُ الْقَاضِي لَهُ وَلاَ عَدَمُ رَيْعٍ يُعَمَّرُ بِهِ (١) .
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ:
٩٢ - أَلاَّ يَشْرُطَ الْوَاقِفُ الاِسْتِبْدَال حِينَ الْوَقْفِ، سَوَاءٌ شَرَطَ عَدَمَ الاِسْتِبْدَال أَوْ سَكَتَ لَكِنْ صَارَ الْوَقْفُ بِحَيْثُ لاَ يُنْتَفَعُ بِهِ بِالْكُلِّيَّةِ بِأَنْ لاَ يَحْصُل مِنْهُ شَيْءٌ أَصْلًا أَوْ لاَ يَفِي بِمُؤْنَتِهِ، فَالاِسْتِبْدَال فِي هَذِهِ الصُّورَةِ جَائِزٌ عَلَى الأَْصَحِّ إِذَا كَانَ بِإِذْنِ الْقَاضِي وَرَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ (٢) .
وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الْبَحْرِ الرَّائِقِ أَنَّهُ قَدِ اخْتَلَفَ كَلاَمُ قَاضِيخَانْ، فَفِي مَوْضِعٍ جَوَّزَ لِلْقَاضِي الاِسْتِبْدَال بِلاَ شَرْطٍ مِنَ الْوَاقِفِ حَيْثُ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ مَنَعَ مِنْهُ وَلَوْ صَارَتِ الأَْرْضُ بِحَالٍ لاَ يُنْتَفَعُ بِهَا، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْقَاضِي الاِسْتِبْدَال بِالشُّرُوطِ الآْتِيَةِ:
أ - أَنْ يَخْرُجَ الْمَوْقُوفُ عَنِ الاِنْتِفَاعِ بِالْكُلِّيَّةِ.
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٨٨.
(٢) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٨٧.
ب - أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ رَيْعٌ لِلْوَقْفِ يُعَمَّرُ بِهِ.
ج - أَلاَّ يَكُونَ الْبَيْعُ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ.
د - أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَبْدِل قَاضِيَ الْجَنَّةِ، الْمُفَسَّرَ بِذِي الْعِلْمِ وَالْعَمَل، لِئَلاَّ يَحْصُل التَّطَرُّقُ إِلَى إِبْطَال أَوْقَافِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَاضِي الْجَنَّةِ هُوَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ: الْقُضَاةُ ثَلاَثَةٌ: وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ وَاثْنَانِ فِي النَّارِ " (١) .
هـ - أَنْ يَكُونَ الْبَدَل عَقَارًا لاَ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ.
وأَنْ لاَ يَبِيعَهُ مِمَّنْ لاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ لَهُ وَلاَ مِمَّنْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ.
ز - أَنْ يَكُونَ الْبَدَل وَالْمُبْدَل مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، لِمَا فِي الْخَانِيَّةِ: لَوْ شَرَطَ اسْتِبْدَالَهَا بِدَارٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ اسْتِبْدَالُهَا بِأَرْضٍ وَبِالْعَكْسِ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلًا عَنِ الْعَلاَّمَةِ قِنَالِي زَادَةَ: وَالظَّاهِرُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ اتِّحَادِ الْجِنْسِ فِي الْمَوْقُوفَةِ لِلاِسْتِغْلاَل، لأَِنَّ الْمَنْظُورَ فِيهَا كَثْرَةُ الرَّيْعِ وَقِلَّةُ الْمَرَمَّةِ وَالْمُؤْنَةِ، فَلَوِ اسْتَبْدَل الْحَانُوتَ بِأَرْضٍ تُزْرَعُ وَيَحْصُل مِنْهَا غَلَّةٌ قَدَّرَ أُجْرَةَ الْحَانُوتِ كَانَ أَحْسَنَ، لأَِنَّ الأَْرْضَ أَدْوَمُ وَأَبْقَى وَأَغْنَى عَنْ كُلْفَةِ التَّرْمِيمِ وَالتَّعْمِيرِ بِخِلاَفِ الْمَوْقُوفَةِ لِلسُّكْنَى، لِظُهُورٍ أَنَّ قَصْدَ الْوَاقِفِ الاِنْتِفَاعُ بِالسَّكَنِ.
ح - فِي الْقُنْيَةِ مُبَادَلَةُ دَارِ الْوَقْفِ بِدَارٍ أُخْرَى
_________
(١) حديث: " القضاة ثلاثة. . " أخرجه أبو داود (٤ / ٥ - ط حمص) من حديث بريدة.
إِنَّمَا يَجُوزُ إِذَا كَانَتْ فِي مَحَلَّةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ مَحَلَّةٍ أُخْرَى خَيْرًا، وَالْعَكْسُ لاَ يَجُوزُ وَإِنْ كَانَتِ الْمَمْلُوكَةُ أَكْثَرَ مِسَاحَةً وَقِيمَةً وَأُجْرَةً، لاِحْتِمَال خَرَابِهَا فِي أَدْوَنِ الْمَحَلَّتَيْنِ لِدَنَاءَتِهَا وَقِلَّةِ الرَّغْبَةِ فِيهَا (١) .
وَجَاءَ فِي الْبَحْرِ الرَّائِقِ عَنْ شَرْحِ مَنْظُومَةِ ابْنِ وَهْبَانَ، لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ عَدَمَ الاِسْتِبْدَال، أَوْ يَكُونُ النَّاظِرُ مَعْزُولًا قَبْل الاِسْتِبْدَال، أَوْ إِذَا هَمَّ بِالاِسْتِبْدَال انْعَزَل هَل يَجُوزُ اسْتِبْدَالُهُ؟ قَال الطَّرَسُوسِيُّ: إِنَّهُ لاَ نَقْل فِيهِ وَمُقْتَضَى قَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَبْدِل إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي الاِسْتِبْدَال (٢) .
وَجَاءَ فِي الْبَحْرِ الرَّائِقِ أَيْضًا: رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ إِذَا ضَعُفَتِ الأَْرْضُ الْمَوْقُوفَةُ عَنِ الاِسْتِغْلاَل وَالْقَيِّمُ يَجِدُ بِثَمَنِهَا أُخْرَى هِيَ أَكْثَرُ رَيْعًا كَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا وَيَشْتَرِيَ بِثَمَنِهَا مَا هُوَ أَكْثَرُ رَيْعًا، ثُمَّ قَال: وَمِنَ الْمَشَايِخِ مَنْ لَمْ يُجَوِّزْ بَيْعَهُ تَعَطَّل الْوَقْفُ أَوْ لَمْ يَتَعَطَّل، وَكَذَا لَمْ يُجَوِّزِ الاِسْتِبْدَال فِي الْوَقْفِ، وَقَال قَاضِيخَانْ: لَوْ كَانَ الْوَقْفُ مُرْسَلًا أَيْ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ شَرْطُ الاِسْتِبْدَال فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَالاِسْتِبْدَال بِهِ وَلَوْ كَانَ أَرْضُ الْوَقْفِ سَبِخَةً لاَ يُنْتَفَعُ بِهَا لأَِنَّ سَبِيل
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٨٨، والبحر الرائق ٥ / ٢٤٠ - ٢٤١، والإسعاف ص٣٢.
(٢) البحر الرائق ٥ / ٢٤١.
الْوَقْفِ أَنْ يَكُونَ مُؤَبَّدًا لاَ يُبَاعُ، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ وَلاَيَةُ الاِسْتِبْدَال بِالشَّرْطِ وَبِدُونِ الشَّرْطِ لاَ تَثْبُتُ (١) .
الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: ٩٣ - أَلاَّ يَشْرُطَ الْوَاقِفُ الاِسْتِبْدَال وَلِلْوَقْفِ رَيْعٌ وَغَلاَّتٌ وَغَيْرُ مُعَطَّلٍ، وَلَكِنْ فِي الاِسْتِبْدَال نَفْعٌ فِي الْجُمْلَةِ وَبَدَلُهُ خَيْرٌ مِنْهُ نَفْعًا وَرَيْعًا، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَهَذَا لاَ يَجُوزُ اسْتِبْدَالُهُ عَلَى الأَْصَحِّ الْمُخْتَارِ كَذَا حَرَّرَهُ الْعَلاَّمَةُ قِنَالِي زَادَةَ (٢) .
ثُمَّ نَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الأَْشْبَاهِ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ اسْتِبْدَال الْعَامِرِ إِلاَّ فِي أَرْبَعِ مَسَائِل:
الأُْولَى: إِذَا شَرَطَ الْوَاقِفُ الاِسْتِبْدَال.
الثَّانِيَةُ: إِذَا غَصَبَهُ غَاصِبٌ وَأَجْرَى عَلَيْهِ الْمَاءَ حَتَّى صَارَ بَحْرًا فَيَضْمَنُ الْقِيمَةَ وَيَشْتَرِي الْمُتَوَلِّي بِهَا أَرْضًا بَدَلًا.
الثَّالِثَةُ: أَنْ يَجْحَدَهُ الْغَاصِبُ وَلاَ بَيِّنَةَ وَأَرَادَ دَفْعَ الْقِيمَةِ فَلِلْمُتَوَلِّي أَخْذُهَا لِيَشْتَرِيَ بِهَا بَدَلًا.
الرَّابِعَةُ: أَنْ يَرْغَبَ إِنْسَانٌ فِيهِ بِبَدَلٍ أَكْثَرَ غَلَّةً وَأَحْسَنَ صُقْعًا فَيَجُوزُ عَلَى قَوْل أَبِي يُوسُفَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي فَتَاوَى قَارِئِ الْهِدَايَةِ، قَال صَاحِبُ النَّهْرِ: قَوْل قَارِئِ الْهِدَايَةِ: وَالْعَمَل عَلَى قَوْل أَبِي يُوسُفَ مَعَارَضٌ بِمَا قَالَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ:
_________
(١) البحر الرائق ٥ / ٢٢٣.
(٢) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٨٧.
نَحْنُ لاَ نُفْتِي بِقَوْل أَبِي يُوسُفَ (١) .
الاِسْتِبْدَال بِالْمَوْقُوفِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ:
٩٤ - أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَلَهُمْ تَفْصِيلٌ آخَرُ: إِذْ أَنَّهُمْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْعَقَارِ وَالْمَنْقُول فِي بَيْعِهِ وَاسْتِبْدَال غَيْرِهِ بِهِ، فَأَجَازُوا الاِسْتِبْدَال فِي الْمَنْقُول إِذَا لَمْ تُوجَدْ جِهَةٌ تُنْفِقُ عَلَيْهِ وَخِيفَ عَلَيْهِ الْهَلاَكُ أَوْ تَعَطَّلَتْ مَنَافِعُهُ وَصَارَ لاَ يُنْتَفَعُ بِهِ فِيمَا حُبِسَ مِنْ أَجْلِهِ.
جَاءَ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ وَحَاشِيَةِ الدُّسُوقِيِّ عَلَيْهِ: الْفَرَسُ الْمَوْقُوفُ فِي سَبِيل اللَّهِ كَالْغَزْوِ وَالرِّبَاطِ تَكُونُ نَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَال، فَإِنْ عُدِمَ بَيْتُ الْمَال فَإِنَّهُ يُبَاعُ وَيُعَوَّضُ بَدَلَهُ سِلاَحٌ وَنَحْوُهُ مِمَّا لاَ يَحْتَاجُ لِنَفَقَةٍ. وَكَذَلِكَ يُبَاعُ كُل حَبْسٍ لاَ يُنْتَفَعُ بِهِ - غَيْرَ عَقَارٍ - كَفَرَسٍ يُكْلَبُ أَيْ يُصَابُ بِدَاءِ الْكَلْبِ وَأَصْبَحَ لاَ يُنْتَفَعُ بِهِ فِيمَا حُبِسَ عَلَيْهِ أَوْ كَثَوْبٍ يَخْلَقُ أَوْ عَبْدٍ يَهْرَمُ أَوْ كُتُبٍ تَبْلَى، وَإِذَا بِيعَ جُعِل ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ إِنْ أَمْكَنَ أَوْ شِقْصِهِ - أَيْ فِي جُزْءٍ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ - إِنْ لَمْ يُمْكِنْ شِرَاءُ الشَّيْءِ كَامِلًا، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تُصُدِّقَ بِالثَّمَنِ (٢)، كَمَا أَنَّ ذُكُورَ الْحَيَوَانَاتِ الْمَوْقُوفَةِ لِلْغَزْوِ وَكَانَ فِيهَا مَا يَزِيدُ لِتَحَصُّل اللَّبَنِ وَالنِّتَاجِ إِذَا كَبُرَتْ وَأَصْبَحَتْ لاَ يُنْتَفَعُ بِهَا فَإِنَّهَا تُبَاعُ وَيُجْعَل ثَمَنُ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي
_________
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٣ / ٣٨٩.
(٢) الشرح الصغير ٢ / ٣٠٧، والدسوقي ٤ / ٩٠ - ٩١.
إِنَاثٍ لِتَحْصِيل اللَّبَنِ وَالنِّتَاجِ مِنْهَا لِيَدُومَ الْوَقْفُ.
قَال الدَّرْدِيرُ: يَعْنِي أَنَّ مَنْ وَقَفَ شَيْئًا مِنَ النَّعَامِ لِيُنْتَفَعَ بِأَلْبَانِهَا وَأَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا فَنَسْلُهَا كَأَصْلِهَا فِي التَّحْبِيسِ فَمَا فَضَل مِنْ ذُكُورِ نَسْلِهَا عَنِ النَّزْوِ، وَمَا كَبُرَ مِنْ إِنَاثِهَا، فَإِنَّهُ يُبَاعُ وَيُعَوَّضُ عَنْهُ إِنَاثٌ صِغَارٌ لِتَمَامِ النَّفْعِ وَتَكُونُ وَقْفًا كَأَصْلِهَا (١) .
أَمَّا الْعَقَارُ فَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَوْ خَرِبَ وَصَارَ لاَ يُنْتَفَعُ بِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ دَارًا أَوْ حَوَانِيتَ أَوْ غَيْرَهَا كَمَا لاَ يَجُوزُ اسْتِبْدَالُهُ بِمِثْلِهِ غَيْرِ خَرِبٍ، قَال مَالِكٌ: لاَ يُبَاعُ الْعَقَارُ الْمُحَبَّسُ وَلَوْ خَرِبَ، وَبَقَاءُ أَحْبَاسِ السَّلَفِ دَاثِرَةً دَلِيلٌ عَلَى مَنْعِ ذَلِكَ، لَكِنْ رَوَى أَبُو الْفَرَجِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الإِْمَامَ إِذَا رَأَى بَيْعَ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةٍ جَازَ وَيُجْعَل ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ (٢) .
كَمَا أَجَازَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ مُعَاوَضَةَ الرَّبْعِ الْخَرِبِ، فَفِي التَّاجِ وَالإِْكْلِيل: يُمْنَعُ بَيْعُ مَا خَرِبَ مِنْ رَبْعِ الْحَبْسِ مُطْلَقًا، قَال ابْنُ الْجَهْمِ: إِنَّمَا لَمْ يُبَعِ الرَّبْعُ الْمُحَبَّسُ إِذَا خَرِبَ، لأَِنَّهُ يَجِدُ مَنْ يُصْلِحُهُ بِإِيجَارَتِهِ سِنِينَ، فَيَعُودُ كَمَا كَانَ، وَاخْتُلِفَ فِي مُعَاوَضَةِ الرَّبْعِ الْخَرِبِ بِرَبْعٍ غَيْرِ خَرِبٍ،
_________
(١) الشرح الصغير ٢ / ٣٠٧ - ٣٠٨، والدسوقي ٤ / ٩١.
(٢) الشرح الصغير ٢ / ٣٠٨، والدسوقي ٤ / ٩١.
وَقَال ابْنُ رُشْدٍ: إِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْقِطْعَةُ مِنَ الأَْرْضِ الْمُحَبَّسَةِ انْقَطَعَتْ مَنْفَعَتُهَا جُمْلَةً وَعَجَزَ عَنْ عِمَارَتِهَا وَكَرَائِهَا فَلاَ بَأْسَ بِالْمُعَاوَضَةِ فِيهَا بِمَكَانٍ يَكُونُ حَبْسًا مَكَانَهَا، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِحُكْمٍ مِنَ الْقَاضِي بَعْدَ ثُبُوتِ ذَلِكَ السَّبَبِ، وَالْغِبْطَةُ فِي ذَلِكَ لِلْمُعَوَّضِ عَنْهُ وَيُسَجَّل ذَلِكَ وَيُشْهَدُ بِهِ (١) .
وَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ بَيْعَ الْعَقَارِ لِضَرُورَةِ تَوْسِيعِ مَسْجِدٍ جَامِعٍ وَسَوَاءٌ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى مُعَيَّنِينَ أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنِينَ. وَالْمُرَادُ بِالْمَسْجِدِ الْجَامِعِ الَّذِي تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ، قَال ابْنُ رُشْدٍ: ظَاهِرُ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي كُل مَسْجِدٍ وَهُوَ قَوْل سَحْنُونٍ. وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ مَالِكٍ وَالأَْخَوَيْنِ وَأَصْبَغَ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّ ذَلِكَ فِي مَسَاجِدِ الْجَوَامِعِ إِنِ احْتِيجَ لِذَلِكَ، لاَ فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ إِذْ لَيْسَتِ الضَّرُورَةُ فِيهَا كَالْجَوَامِعِ.
كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ الْوَقْفِ لِتَوْسِعَةِ مَقْبَرَةٍ أَوْ طَرِيقٍ لِمُرُورِ النَّاسِ، فَيَجُوزُ بَيْعُ الْوَقْفِ لِذَلِكَ وَلَوْ جَبْرًا عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ أَوِ النَّاظِرِ، وَأَمَرَ الْمُسْتَحِقُّونَ وُجُوبًا بِجَعْل ثَمَنِهِ فِي حَبْسٍ غَيْرِهِ، وَلاَ يُجْبِرُهُمُ الْحَاكِمُ عَلَى الْجَعْل فِي حَبْسٍ غَيْرِهِ، أَيْ لاَ يَقْضِي عَلَيْهِمْ بِهِ.
_________
(١) التاج والإكليل ٦ / ٤٢.