الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٤
إِذْنِ النَّاظِرِ فَهُوَ لَهُ مَا لَمْ يَنْوِ أَنَّهُ لِلْوَقْفِ، وَإِنْ كَانَ الْبَانِي هُوَ مُتَوَلِّيَ الْوَقْفِ فَإِنْ كَانَ بِمَال الْوَقْفِ فَهُوَ وَقْفٌ، سَوَاءً بَنَاهُ لِلْوَقْفِ أَوْ لِنَفْسِهِ أَوْ أَطْلَقَ، وَإِنْ كَانَ الْبِنَاءُ مِنْ مَالِهِ لِلْوَقْفِ أَوْ أَطْلَقَ فَهُوَ وَقْفٌ إِلاَّ إِذَا كَانَ الْبَانِي هُوَ الْوَاقِفَ وَأَطْلَقَ فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ بَنَاهُ الْمُتَوَلِّي مِنْ مَالِهِ لِنَفْسِهِ وَأَشْهَدَ أَنَّهُ لَهُ قَبْل الْبِنَاءِ فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْبَانِي مُتَوَلِّيًا فَإِنْ بَنَى بِإِذْنِ الْمُتَوَلِّي لِيَرْجِعَ فَهُوَ وَقْفٌ، وَإِلاَّ فَإِنْ بَنَى لِلْوَقْفِ فَوَقْفٌ، وَإِنْ بَنَى لِنَفْسِهِ أَوْ أَطْلَقَ لَهُ رَفَعَهُ إِنْ لَمْ يُضِرَّ بِالأَْرْضِ، وَلَوْ غَرَسَ فِي الْمَسْجِدِ يَكُونُ لِلْمَسْجِدِ، لأَِنَّهُ لاَ يَغْرِسُ فِيهِ لِنَفْسِهِ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ كَانَ الْبَانِي أَوِ الْغَارِسُ فِي أَرْضِ الْوَقْفِ مِنَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ وَلَوْ بِالْوَصْفِ كَالإِْمَامِ وَالْمُدَرِّسِ وَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا الْبِنَاءَ أَوِ الْغِرَاسَ مَمْلُوكٌ لَهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُ وَيَسْتَحِقُّهُ وَارِثُهُ بِالْفَرِيضَةِ الشَّرْعِيَّةِ إِنْ مَاتَ، وَإِنْ بَيَّنَ أَنَّهُ وَقْفٌ أَوْ مَاتَ وَلَمْ يُبَيِّنْ فَهُوَ وَقْفٌ فَلاَ يُورَثُ عَنْهُ قَل أَوْ كَثُرَ، وَلَوْ كَانَ الْبَانِي أَوِ الْغَارِسُ أَجْنَبِيًّا فَإِنْ بَيَّنَ أَنَّهُ وَقْفٌ كَانَ وَقْفًا وَإِنْ بَيَّنَ أَنَّهُ مِلْكُهُ أَوْ مَاتَ وَلَمْ يُبَيِّنْ فَهُوَ مِلْكٌ لَهُ وَلِوَارِثِهِ وَلَهُ نَقْضُهُ أَوْ قِيمَتُهُ مَنْقُوضًا، وَهَذَا إِذَا كَانَ الْوَقْفُ لاَ يَحْتَاجُ لَهُ وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ يَحْتَاجُ لِهَذَا الْبِنَاءِ فَيُوَفَّى لَهُ مِنْ غَلَّتِهِ، وَذَلِكَ كَمَا لَوْ بَنَى النَّاظِرُ أَوْ أَصْلَحَ فَإِنَّهُ يُوَفَّى لَهُ جَمِيعُ مَا صَرَفَهُ فِي
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٤٢٨ - ٤٢٩، والإسعاف ص٢٢.
الْبِنَاءِ وَيُجْعَل الْبِنَاءُ وَقْفًا (١) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ وَقَفَ أَرْضًا غَيْرَ مَغْرُوسَةٍ عَلَى مُعَيَّنٍ، امْتَنَعَ عَلَيْهِ غَرْسُهَا وَيَنْتَفِعُ بِهَا فِيمَا تَصْلُحُ لَهُ غَيْرَ مَغْرُوسَةٍ إِلاَّ إِنْ نَصَّ الْوَاقِفُ عَلَيْهِ أَوْ شَرَطَ لَهُ جَمِيعَ الاِنْتِفَاعَاتِ كَمَا رَجَّحَهُ السُّبْكِيُّ، وَمِثْل الْغَرْسِ الْبِنَاءُ. فَلَوْ وَقَفَ أَرْضًا خَالِيَةً مِنَ الْبِنَاءِ لاَ يَجُوزُ بِنَاؤُهَا، مَا لَمْ يُشْتَرَطْ لَهُ جَمِيعُ الاِنْتِفَاعَاتِ، وَضَابِطُهُ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ كُل مَا غَيَّرَ الْوَقْفَ بِالْكُلِّيَّةِ عَنِ اسْمِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ حَال الْوَقْفِ، بِخِلاَفِ مَا يَبْقَى الاِسْمُ مَعَهُ، نَعَمْ إِنْ تَعَذَّرَ الْمَشْرُوطُ جَازَ إِبْدَالُهُ (٢) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لَوْ غَرَسَ أَوْ بَنَى نَاظِرٌ فِيمَا هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ وَحْدَهُ فَالْغَرْسُ أَوِ الْبِنَاءُ لِغَارِسِهِ أَوْ بَانِيهِ، وَهُوَ مِلْكٌ مُحْتَرَمٌ لَهُ، فَلَيْسَ لأَِحَدٍ طَلَبُهُ بِقَلْعِهِ، لِمِلْكِهِ لَهُ وَلأَِصْلِهِ، وَإِنْ كَانَ الْغَارِسُ أَوِ الْبَانِي شَرِيكًا فِي الْوَقْفِ بِأَنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى جَمَاعَةٍ فَغَرَسَ فِيهِ أَحَدُهُمْ أَوْ بَنَى فَالْغَرْسُ وَالْبِنَاءُ لَهُ غَيْرُ مُحْتَرَمٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْغَارِسُ أَوِ الْبَانِي نَاظِرًا فَقَطْ أَيْ غَيْرَ مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ فَغَرْسُهُ وَبِنَاؤُهُ لَهُ غَيْرُ مُحْتَرَمٍ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إِبْقَاؤُهُ بِغَيْرِ رِضَا أَهْل الْوَقْفِ.
وَيَتَوَجَّهُ إِنْ غَرَسَ أَوْ بَنَى مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ أَوْ نَاظِرٌ
_________
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤ / ٩٦.
(٢) نهاية المحتاج مع حاشية الشبراملسي ٥ / ٣٨٦، ٣٨٧.
فِي وَقْفٍ أَنَّهُ لَهُ إِنْ أَشْهَدَ أَنَّ غَرْسَهُ وَبِنَاءَهُ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ بِذَلِكَ فَهُمَا لِلْوَقْفِ لِثُبُوتِ يَدِ الْوَقْفِ عَلَيْهِمَا، وَلَوْ غَرَسَهُ أَوْ بَنَاهُ لِلْوَقْفِ أَوْ مِنْ مَال الْوَقْفِ فَهُوَ وَقْفٌ، وَيَتَوَجَّهُ فِي غَرْسِ أَجْنَبِيٍّ وَبِنَائِهِ أَنَّهُ لِلْوَقْفِ بِنِيَّتِهِ، وَالتَّوْجِيهَانِ لِصَاحِبِ الْفُرُوعِ، وَقَال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَدُ الْوَقْفِ ثَابِتَةٌ عَلَى الْمُتَّصِل بِهِ مَا لَمْ تَأْتِ حُجَّةٌ تَدْفَعُ مُوجِبَهَا كَمَعْرِفَةِ كَوْنِ الْغَارِسِ غَرَسَهَا لَهُ بِحُكْمِ إِجَارَةٍ أَوْ إِعَارَةٍ أَوْ غَصْبٍ وَيَدُ الْمُسْتَأْجِرِ عَلَى الْمَنْفَعَةِ فَلَيْسَ لَهُ دَعْوَى الْبِنَاءِ بِلاَ حُجَّةٍ، وَيَدُ أَهْل عَرْصَةٍ مُشْتَرَكَةٍ ثَابِتَةٌ عَلَى مَا فِيهَا بِحُكْمِ الاِشْتِرَاكِ إِلاَّ مَعَ بَيِّنَةٍ بِاخْتِصَاصِهِ بِبِنَاءٍ وَنَحْوِهِ (١) .
قِسْمَةُ الْمَوْقُوفِ بَيْنَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ:
٨٤ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُتَّبَعُ شَرْطُ الْوَاقِفِ فِي قِسْمَةِ غَلَّةِ الْمَوْقُوفِ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ مِنْ تَسْوِيَةٍ أَوْ تَفْضِيلٍ بَيْنَهُمْ أَوْ تَقْدِيمِ أَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ وَهَكَذَا (٢) .
وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلأَْوْقَافِ الَّتِي لَهَا غَلَّةٌ وَشَرَطَ الْوَاقِفُ كَيْفِيَّةَ التَّصَرُّفِ فِيهَا، وَقَدْ تَمَّ تَفْصِيل ذَلِكَ وَبَيَانُ أَقْوَال الْفُقَهَاءِ فِيهِ فِي الشُّرُوطِ الصَّحِيحَةِ لِلْوَاقِفِينَ.
_________
(١) شرح منتهى الإرادات ٢ / ٥٠٦.
(٢) المهذب ١ / ٤٥٠، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٥٠١ - ٥٠٢، والإسعاف ص١٢٦، والشرح الكبير ٤ / ٨٨ - ٨٩.
أَمَّا إِذَا كَانَ الْمَوْقُوفُ دَارًا لِلسُّكْنَى مَثَلًا أَوْ أَرْضًا مَوْقُوفَةً لِلزِّرَاعَةِ وَكَانَتِ الدَّارُ أَوِ الأَْرْضُ لاَ تَسْتَوْعِبُ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِمْ فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - إِلَى أَنَّ قِسْمَةَ أَعْيَانِ الْوَقْفِ بَيْنَ الْمُسْتَحِقِّينَ لاَ تَجُوزُ، لأَِنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ لاَ مِلْكَ لَهُ فِي الْعَيْنِ الْمَوْقُوفَةِ عِنْدَ هَؤُلاَءِ الْفُقَهَاءِ إِنَّمَا حَقُّهُ فِي مَنْفَعَةِ الْمَوْقُوفِ، فَإِذَا جَازَتِ الْقِسْمَةُ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ فَإِنَّمَا تَجُوزُ فِي الْمَنَافِعِ.
أَمَّا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فَالْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْمِلْكَ فِي الْمَوْقُوفِ يَكُونُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ. وَفِيمَا يَلِي تَفْصِيل أَقْوَال الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ.
قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا قَضَى قَاضٍ بِجَوَازِ وَقْفِ الْمُشَاعِ وَنَفَذَ قَضَاؤُهُ وَصَارَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْمُخْتَلِفَاتِ، فَإِنْ طَلَبَ بَعْضُهُمُ الْقِسْمَةَ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لاَ يُقَسَّمُ وَلَكِنْ يَتَهَايَئُونَ.
وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنْ فَتَاوَى ابْنِ الشَّلَبِيِّ أَنَّ الْقِسْمَةَ بِطَرِيقِ التَّهَايُؤِ التَّنَاوُبُ فِي الْعَيْنِ الْمَوْقُوفَةِ كَمَا إِذَا كَانَ الْمَوْقُوفُ أَرْضًا مَثَلًا بَيْنَ جَمَاعَةٍ فَتَرَاضَوْا عَلَى أَنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَأْخُذُ مِنَ الأَْرْضِ الْمَوْقُوفَةِ قِطْعَةً مُعَيَّنَةً يَزْرَعُهَا لِنَفْسِهِ هَذِهِ السَّنَةَ، ثُمَّ فِي السَّنَةِ الأُْخْرَى يَأْخُذُ كُلٌّ مِنْهُمْ قِطْعَةً غَيْرَهَا فَذَلِكَ سَائِغٌ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِلاَزِمٍ فَلَهُمْ إِبْطَالُهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ بِقِسْمَةٍ، إِذِ الْقِسْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ أَنْ يَخْتَصَّ بِبَعْضٍ مِنَ الْعَيْنِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى الدَّوَامِ.
ثُمَّ قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَلاَ يَجُوزُ اسْتِدَامَةُ التَّهَايُؤِ لأَِنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي فِي طُول الزَّمَانِ إِلَى دَعْوَى الْمِلْكِيَّةِ أَوْ دَعْوَى كُلٍّ مِنْهُمْ أَنَّ مَا فِي يَدِهِ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ.
وَبَيَّنَ ابْنُ عَابِدِينَ أَنَّ قِسْمَةَ الْعَيْنِ الْمَوْقُوفَةِ قِسْمَةَ مِلْكٍ عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ لاَ تَجُوزُ، لأَِنَّ حَقَّهُمْ لَيْسَ فِي الْعَيْنِ، وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ (١) .
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمَالِكِيَّةُ فِي جَوَازِ قِسْمَةِ الْوَقْفِ قِسْمَةَ مُهَايَأَةٍ، فَقَدْ جَاءَ فِي حَاشِيَةِ الدُّسُوقِيِّ عَلَى الشَّرْحِ الْكَبِيرِ: أَمَّا الْحَبْسُ (أَيِ الْوَقْفُ) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ قَسْمُ رِقَابِهِ اتِّفَاقًا، وَأَمَّا قِسْمَتُهُ لِلاِغْتِلاَل بِأَنْ يَأْخُذَ هَذَا كِرَاءَهُ شَهْرًا مَثَلًا وَالآْخَرُ كَذَلِكَ فَقِيل: يُقَسَّمُ وَيُجْبَرُ مَنْ أَبَى لِمَنْ طَلَبَ، وَيَنْفُذُ بَيْنَهُمْ إِلَى أَنْ يَحْصُل مَا يُوجِبُ تَغْيِيرَ الْقِسْمَةِ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ يُوجِبُ التَّغْيِيرَ.
وَقِيل: لاَ يُقَسَّمُ بِحَالٍ وَهُوَ مَا يُفِيدُهُ كَلاَمُ الإِْمَامِ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَقِيل: يُقَسَّمُ قِسْمَةَ اغْتِلاَلٍ بِتَرَاضِيهِمْ، فَإِنْ أَبَى أَحَدُهُمُ الْقِسْمَةَ لاَ يُجْبَرُ عَلَيْهَا، وَاسْتَظْهَرَ الْحَطَّابُ الْقَوْل الثَّالِثَ.
وَسَوَاءٌ عَلَى مَا اسْتَظْهَرَهُ قُسِّمَ قِسْمَةَ اغْتِلاَلٍ أَوْ قِسْمَةَ انْتِفَاعٍ بِأَنْ يَنْتَفِعَ كُل وَاحِدٍ بِالسُّكْنَى بِنَفْسِهِ أَوْ بِالزِّرَاعَةِ بِنَفْسِهِ مُدَّةً، وَإِنْ كَانَتِ الأَْقْوَال
_________
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٣ / ٣٦٧ - ٣٦٩، وفتح القدير ٦ / ٢١٢، والبحر الرائق ٥ / ٢٢٤.
الثَّلاَثَةُ إِنَّمَا هِيَ فِي قِسْمَةِ الاِغْتِلاَل (١) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ قِسْمَةَ الْوَقْفِ بَيْنَ أَرْبَابِهِ مُمْتَنِعَةٌ مُطْلَقًا، لأَِنَّ فِيهِ تَغْيِيرًا لِشَرْطِ الْوَاقِفِ، وَلاَ مَانِعَ مِنْ مُهَايَأَةٍ رَضُوا بِهَا كُلُّهُمْ إِذْ لاَ تَغْيِيرَ فِيهَا لِعَدَمِ لُزُومِهَا (٢) .
وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْمِلْكَ فِي الْمَوْقُوفِ إِنَّمَا هُوَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ أَجَازُوا قِسْمَةَ عَيْنِ الْمَوْقُوفِ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ إِلاَّ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ ذَلِكَ إِذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى جِهَةٍ وَاحِدَةٍ.
فَقَدْ جَاءَ فِي شَرْحِ مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ: يَصِحُّ قَسْمُ مَوْقُوفٍ وَلَوْ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى جِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْفُرُوعِ، قَال عَنْ شَيْخِهِ تَقِيِّ الدِّينِ: صَرَّحَ الأَْصْحَابُ بِأَنَّ الْوَقْفَ إِنَّمَا تَجُوزُ قِسْمَتُهُ إِذَا كَانَ عَلَى جِهَتَيْنِ، فَأَمَّا الْوَقْفُ عَلَى جِهَةٍ وَاحِدَةٍ فَلاَ تُقَسَّمُ عَيْنُهُ قِسْمَةً لاَزِمَةً اتِّفَاقًا لِتَعَلُّقِ حَقِّ الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ، لَكِنْ تَجُوزُ الْمُهَايَأَةُ بِلاَ مُنَاقَلَةٍ، ثُمَّ قَال: وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا عَنِ الأَْصْحَابِ وَجْهٌ، يَعْنِي كَغَيْرِهِ مِنَ الْوُجُوهِ الْمَحْكِيَّةِ، قَال: وَظَاهِرُ كَلاَمِ الأَْصْحَابِ أَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْوَقْفِ عَلَى جِهَةٍ أَوْ
_________
(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣ / ٤٩٩، ومنح الجليل ٣ / ٦٢٣.
(٢) تحفة المحتاج ٤ / ٣٠٦، ومغني المحتاج ٢ / ٣٩٣.
جِهَتَيْنِ، وَفِي الْمَنْهَجِ: لُزُومُهَا إِذَا اقْتَسَمُوا بِأَنْفُسِهِمْ (١) .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ قِسْمَةَ الْمُهَايَأَةِ الَّتِي يَقُول بِهَا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِنَّمَا تَكُونُ إِذَا كَانَتْ عَلَى قَوْمٍ أَوْ جَمَاعَةٍ مُعَيَّنِينَ.
أَمَّا إِذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى مَنْ لاَ يُحَاطُ بِهِمْ كَالْفُقَرَاءِ فَإِنَّ النَّاظِرَ يُعْطِي مِنَ الْغَلَّةِ بِالاِجْتِهَادِ.
قَال الْمَالِكِيَّةُ: يُفَضِّل النَّاظِرُ أَهْل الْحَاجَةِ وَالْعِيَال الْفُقَرَاءَ بِالاِجْتِهَادِ فِي غَلَّةٍ وَسُكْنَى (٢) .
التَّصَرُّفَاتُ اللاَّزِمَةُ عِنْدَ تَعَطُّل الْمَوْقُوفِ:
إِذَا تَعَطَّلَتْ مَنَافِعُ الْمَوْقُوفِ فَالتَّصَرُّفَاتُ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ تُجْرَى عَلَيْهِ هِيَ:
أ - عِمَارَةُ مَا يَحْتَاجُ إِلَى الْعِمَارَةِ إِنْ أَمْكَنَ.
ب - بَيْعُهُ وَالاِسْتِبْدَال بِهِ غَيْرَهُ.
ج - رُجُوعُهُ إِلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ (٣) .
وَلِلْفُقَهَاءِ فِي هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ تَفْصِيلٌ بَيَانُهُ كَالآْتِي:
_________
(١) شرح منتهى الإرادات ٣ / ٥١٣.
(٢) ينظر شرح منتهى الإرادات ٢ / ٥٠١، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٤ / ٩٦، وفتح القدير ٦ / ٢٤٥.
(٣) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣٨٢، ٣٨٣، وفتح القدير ٦ / ٢٣٨، وحاشية الدسوقي ٤ / ٩٠، والخرشي ٧ / ٩٤، ومغني المحتاج ٢ / ٣٩١، ٣٩٣، وكشاف القناع ٤ / ٢٩٢ - ٢٩٤، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٥١٤ - ٥١٦، والمغني ٥ / ٦٣١ - ٦٣٢.
أَوَّلًا: عِمَارَةُ الْمَوْقُوفِ: ٨٥ - الْغَرَضُ مِنْ عِمَارَةِ الْمَوْقُوفِ بَقَاءُ عَيْنِهِ صَالِحَةً لِلاِنْتِفَاعِ تَحْقِيقًا لِلْغَرَضِ الأَْصْلِيِّ مِنَ الْوَقْفِ.
وَتَتِمُّ عِمَارَةُ الْمَوْقُوفِ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ:
أَوَّلُهُمَا: تَعَهُّدُهُ بِالْحِفْظِ وَالصِّيَانَةِ وَعَمَل مَا يُحَقِّقُ الاِنْتِفَاعَ بِهِ عَلَى الدَّوَامِ حَتَّى وَلَوْ كَانَ صَالِحًا لِلاِنْتِفَاعِ بِهِ الآْنَ وَلَيْسَ بِهِ خَلَلٌ.
يَقُول ابْنُ عَابِدِينَ تَعْلِيقًا عَلَى قَوْل الدُّرِّ الْمُخْتَارِ " وَيَبْدَأُ مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ بِعِمَارَتِهِ قَبْل الصَّرْفِ إِلَى الْمُسْتَحِقِّينَ ": وَالْعِمَارَةُ اسْمٌ لِمَا يُعْمَرُ بِهِ الْمَكَانُ بِأَنْ يُصْرَفَ إِلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ حَتَّى يَبْقَى إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ دُونَ الزِّيَادَةِ إِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ ذَلِكَ، فَلَوْ كَانَ الْوَقْفُ شَجَرًا يُخَافُ هَلاَكُهُ كَانَ لِلنَّاظِرِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ غَلَّتِهِ قَصِيلًا (زَرْعًا) فَيَغْرِزُهُ، لأَِنَّ الشَّجَرَ يَفْسُدُ عَلَى امْتِدَادِ الزَّمَانِ. . . وَكَذَا إِذَا كَانَتِ الأَْرْضُ سَبِخَةً لاَ يَنْبُتُ فِيهَا شَيْءٌ كَانَ لَهُ أَنْ يُصْلِحَهَا، وَمِنْ ذَلِكَ دَفْعُ الْمَرْصَدِ (أَيِ الدَّيْنِ) الَّذِي عَلَى الْمَوْقُوفِ فَإِنَّ الْمَرْصَدَ دَيْنٌ عَلَى الْوَقْفِ لِضَرُورَةِ تَعْمِيرِهِ فَإِذَا وُجِدَ فِي الْوَقْفِ مَالٌ وَلَوْ فِي كُل سَنَةٍ شَيْءٌ دُفِعَ حَتَّى تَتَخَلَّصَ رَقَبَةُ الْوَقْفِ وَيَصِيرَ يُؤَجَّرُ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ لَزِمَ النَّاظِرَ ذَلِكَ، وَكَوْنُ
التَّعْمِيرِ مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْخَرَابُ بِصُنْعِ أَحَدٍ (١) .
وَمِمَّا يُصْرَفُ فِيهِ رَيْعُ الْمَوْقُوفِ عَلَى عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ - كَمَا يَقُول الشَّافِعِيَّةُ - السُّلَّمُ، وَالْبَوَارِي لِلتَّظْلِيل بِهَا، وَالْمَكَانِسُ لِيُكْنَسَ بِهَا، وَالْمَسَاحِي لِيُنْقَل بِهَا التُّرَابُ، وَظُلَّةٌ تَمْنَعُ إِفْسَادَ خَشَبِ الْبَابِ بِمَطَرٍ وَنَحْوِهِ إِنْ لَمْ يَضُرَّ بِالْمَارَّةِ (٢) .
ثَانِيهُمَا: أَنْ تَتِمَّ الْعِمَارَةُ بِالْبِنَاءِ وَالتَّرْمِيمِ وَالتَّجْصِيصِ لِمَا تَشَقَّقَ أَوْ تَهَدَّمَ مِنَ الأَْبْنِيَةِ الْمَوْقُوفَةِ.
يَقُول الْخَرَشِيُّ: يَبْدَأُ بِمَرَمَّةِ الْوَقْفِ وَإِصْلاَحِهِ لِبَقَاءِ عَيْنِهِ وَدَوَامِ مَنْفَعَتِهِ.
وَيَقُول الشِّرْبِينِيُّ: يُصْرَفُ رَيْعُ الْمَوْقُوفِ عَلَى عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ فِي الْبِنَاءِ وَالتَّجْصِيصِ الْمُحْكَمِ وَالسُّلَّمِ وَالْبَوَارِي. . . إِلَخْ (٣) .
أ - تَقْدِيمُ الْعِمَارَةِ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْمَصَارِفِ:
٨٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ عِمَارَةَ الْوَقْفِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى جَمِيعِ الْمَصَارِفِ
_________
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣٧٦.
(٢) مغني المحتاج ٢ / ٣٩٣.
(٣) الخرشي ٧ / ٩٣ - ٩٤، وحاشية الدسوقي ٤ / ٩٠، ومغني المحتاج ٣ / ٣٩٣.
الأُْخْرَى، سَوَاءٌ شَرَطَ الْوَاقِفُ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَشْرُطْ، لأَِنَّ قَصْدَ الْوَاقِفِ صَرْفُ الْغَلَّةِ مُؤَبَّدًا، وَلاَ تَبْقَى دَائِمَةً إِلاَّ بِالْعِمَارَةِ، فَيَثْبُتُ شَرْطُ الْعِمَارَةِ اقْتِضَاءً.
بَل إِنَّ الْمَالِكِيَّةَ نَصُّوا عَلَى أَنَّ الْوَاقِفَ لَوْ شَرَطَ عَدَمَ الْبَدْءِ مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ بِإِصْلاَحِهِ، أَوْ شَرَطَ عَدَمَ الْبَدْءِ بِنَفَقَتِهِ فِيمَا يَحْتَاجُ لِنَفَقَةٍ فَلاَ يُتَّبَعُ شَرْطُهُ، لأَِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى إِبْطَال الْوَقْفِ مِنْ أَصْلِهِ بَل يَبْدَأُ بِمَرَمَّتِهِ وَالنَّفَقَةِ عَلَيْهِ مِنْ غَلَّتِهِ لِتَبْقَى عَيْنُهُ (١) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُتَبَّعُ شَرْطُ الْوَاقِفِ، فَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ كَالْعَقَارِ وَنَحْوِهِ مِنْ سِلاَحٍ وَمَتَاعٍ وَكُتُبٍ لَمْ تَجِبْ عِمَارَتُهُ عَلَى أَحَدٍ إِلاَّ بِشَرْطٍ، فَإِنْ شَرَطَ الْوَاقِفُ عِمَارَتَهُ عُمِل بِهِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ شَرَطَ الْبَدَاءَةَ بِالْعِمَارَةِ أَوْ تَأْخِيرَهَا فَيُعْمَل بِمَا شَرَطَ، فَإِنْ شَرَطَ تَقْدِيمَ الْجِهَةِ عَلَى الْعِمَارَةِ عُمِل بِهِ، لَكِنْ قَال الْحَارِثِيُّ: مَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَى تَعْطِيل الْوَقْفِ، فَإِنْ أَدَّى إِلَيْهِ قُدِّمَتِ الْعِمَارَةُ حِفْظًا لأَِصْل الْوَقْفِ، فَإِنْ أَطْلَقَ الْوَاقِفُ وَلَمْ يُحَدِّدْ فَإِنَّ الْعِمَارَةَ تُقَدَّمُ عَلَى أَرْبَابِ الْوَظَائِفِ، قَال فِي التَّنْقِيحِ: مَا لَمْ يُفْضِ إِلَى تَعْطِيل مَصَالِحِهِ فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا حَسَبَ الإِْمْكَانِ (٢) .
وَقَدْ فَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ الْعِمَارَةِ
_________
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣٧٦، ٣٧٧، والبحر الرائق ٥ / ٢٢٥، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤ / ٩٠، ومغني المحتاج ٢ / ٣٩٣، ونهاية المحتاج ٥ / ٣٩٣.
(٢) كشاف القناع ٤ / ٢٦٦، وشرح المنتهى ٢ / ٥٠٧.