الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٤
الثَّالِثُ: حَبْسُ صَدَقَةٍ، الرَّابِعُ: صَدَقَةٌ مُحَرَّمَةٌ وَهُمَا كَالثَّانِي، الْخَامِسُ: مَوْقُوفَةٌ فَقَطْ لاَ يَصِحُّ إِلاَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَإِنَّهُ يَجْعَلُهَا بِمُجَرَّدِ هَذَا اللَّفْظِ مَوُقُوفَةً عَلَى الْفُقَرَاءِ وَإِذَا كَانَ مُفِيدًا لِخُصُوصِ الْمَصْرِفِ؛ أَعْنِي الْفُقَرَاءَ لَزِمَ كَوْنُهُ مُؤَبَّدًا لأَِنَّ جِهَةَ الْفُقَرَاءِ لاَ تَنْقَطِعُ، قَال الصَّدْرُ الشَّهِيدُ: وَمَشَايِخُ بَلْخٍ يُفْتُونَ بِقَوْل أَبِي يُوسُفَ، وَنَحْنُ نُفْتِي بِقَوْلِهِ أَيْضًا لِمَكَانِ الْعُرْفِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ رَدُّ هِلاَلٍ قَوْل أَبِي يُوسُفَ بِأَنَّ الْوَقْفَ يَكُونُ عَلَى الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ وَلَمْ يُبَيِّنْ فَيَبْطُل؛ لأَِنَّ الْعُرْفَ إِذَا كَانَ يَصْرِفُهُ إِلَى الْفُقَرَاءِ كَانَ كَالتَّنْصِيصِ عَلَيْهِمْ، السَّادِسُ: مَوْقُوفَةٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ صَحَّ عِنْدَ هِلاَلٍ أَيْضًا لِزَوَال الاِحْتِمَال بِالتَّنْصِيصِ عَلَى الْفُقَرَاءِ، السَّابِعُ: مَحْبُوسَةٌ، الثَّامِنُ: حَبْسٌ، وَهُمَا بَاطِلاَنِ، وَلَوْ كَانَ فِي " حَبْسٌ " مِثْل هَذَا الْعُرْفِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَقَوْلِهِ: مَوْقُوفَةٌ، التَّاسِعُ: لَوْ قَال: هِيَ لِلسَّبِيلِ، إِنْ تَعَارَفُوهُ وَقْفًا مُؤَبَّدًا لِلْفُقَرَاءِ كَانَ كَذَلِكَ وَإِلاَ سُئِل فَإِنْ قَال: أَرَدْتُ الْوَقْفَ صَارَ وَقْفًا لأَِنَّهُ مْحْتَمِلٌ لَفْظَهُ، أَوْ قَال: أَرَدْتُ مَعْنَى صَدَقَةٍ فَهُوَ نَذْرٌ فَيَتَصَدَّقُ بِهَا أَوْ بِثَمَنِهَا، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ كَانَتْ مِيرَاثًا، ذَكَرَهُ فِي النَّوَازِل، الْعَاشِرِ: جَعَلْتُهَا لِلْفُقَرَاءِ، إِنْ تَعَارَفُوهُ وَقْفًا عَمِل بِهِ وَإِلاَ سُئِل، فَإِنْ أَرَادَ الْوَقْفَ فَهِيَ وَقْفٌ، أَوِ الصَّدَقَةَ فَهِيَ نَذْرٌ، وَهَذَا عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ لأَِنَّهُ أَدْنَى، فَإِثْبَاتُهُ بِهِ عِنْدَ الاِحْتِمَال أَوْلَى، الْحَادِيَ
عَشَرَ: مُحَرَّمَةٌ، الثَّانِيَ عَشَرَ: وَقْفٌ، وَهُوَ صَحِيحٌ وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ أَهْل الْحِجَازِ، الثَّالِثَ عَشَرَ: حَبْسٌ مَوْقُوفَةٌ، وَهُوَ كَالاِقْتِصَارِ عَلَى مَوْقُوفَةٍ، الرَّابِعَ عَشَرَ: جَعَلْتُ نُزُل كَرْمِي وَقْفًا، صَارَ وَقْفًا فِيهِ ثَمَرَةٌ أَوْ لاَ، الْخَامِسَ عَشَرَ: جَعَلْتُ غَلَّتَهُ وَقْفًا كَذَلِكَ، السَّادِسَ عَشَرَ: مَوْقُوفَةٌ لِلَّهِ بِمَنْزِلَةِ صَدَقَةٍ مَوْقُوفَةٍ، الْكُل فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَجَزَمَ فِي الْبَزَّازِيَةِ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ بِقَوْلِهِ: وَقْفٌ أَوْ مَوْقُوفَةٌ، السَّابِعَ عَشَرَ: صَدَقَةٌ فَقَطْ كَانَتْ صَدَقَةً فَإِنْ لَمْ يَتَصَدَّقْ حَتَّى مَاتَ كَانَتْ مِيرَاثًا، كَذَا فِي الْخَصَّافِ. الثَّامِنَ عَشَرَ: هَذِهِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى وَجْهِ الْخَيْرِ أَوْ عَلَى وَجْهِ الْبِرِّ تَكُونُ وَقْفًا عَلَى الْفُقَرَاءِ. التَّاسِعَ عَشَرَ: صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ فِي الْحَجِّ عَنِّي وَالْعُمْرَةِ عَنِّي يَصِحُّ الْوَقْفُ، وَلَوْ لَمْ يَقُل عَنِّي لاَ يَصِحُّ الْوَقْفُ. الْعِشْرُونَ: صَدَقَةٌ لاَ تُبَاعُ تَكُونُ نَذْرًا بِالصَّدَقَةِ لاَ وَقْفًا وَلَوْ زَادَ " وَلاَ تُوهَبُ وَلاَ تُورَثُ " صَارَتْ وَقْفًا عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَالثَّلاَثَةُ فِي الإِْسْعَافِ. الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: اشْتَرُوا مِنْ غَلَّةِ دَارِي هَذِهِ كُل شَهْرٍ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ خُبْزًا وَفَرِّقُوهُ عَلَى الْمَسَاكِينِ، صَارَتِ الدَّارُ وَقَفًا. الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: هَذِهِ بَعْدَ وَفَاتِي صَدَقَةٌ يُتَصَدَّقُ بِعَيْنِهَا، أَوْ تُبَاعُ وَيُتَصَدَّقُ بِثَمَنِهَا، ذَكَرَهُمَا فِي الذَّخِيرَةِ، الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: أَوْصَى أَنْ يُوقَفَ ثُلُثُ مَالِهِ جَازَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَيَكُونُ لِلْفُقَرَاءِ، وَعِنْدَهُمَا لاَ يَجُوزُ إِلاَّ أَنْ يَقُول لِلَّهِ أَبَدًا كَذَا
فِي التَّتَارْخَانِيَّةِ. الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: هَذَا الدُّكَّانُ مَوْقُوفَةٌ بَعْدَ مَوْتِي وَمُسْبَلٌ، وَلَمْ يُعَيِّنْ مَصْرِفًا لاَ يَصِحُّ، الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: دَارِي هَذِهِ مُسْبَلَةٌ إِلَى الْمَسْجِدِ بَعْدَ مَوْتِي يَصِحُّ إِنْ خَرَجَتْ مِنَ الثُّلُثِ وَعَيَّنَ الْمَسْجِدَ وَإِلاَّ فَلاَ. السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: سَبَلْتُ هَذِهِ الدَّارَ فِي وَجْهِ إِمَامِ مَسْجِدِ كَذَا عَنْ جِهَةِ صَلَوَاتِي، وَصِيَامَاتِي تَصِيرُ وَقْفًا وَإِنْ لَمْ تَقَعْ عَنْهُمَا، وَالثَّلاَثَةُ فِي الْقُنْيَةِ، السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: جَعَلْتُ حُجْرَتِي لِدُهْنِ سِرَاجِ الْمَسْجِدِ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ صَارَتِ الْحُجْرَةُ وَقْفًا عَلَى الْمَسْجِدِ، كَمَا قَال: وَلَيْسَ لِلْمُتَوَلِّي أَنْ يَصْرِفَ إِلَى غَيْرِ الدُّهْنِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ، الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: ذَكَرَ قَاضِيخَانُ مِنْ كِتَابِ الْوَصَايَا: رَجُلٌ قَال: ثُلُثُ مَالِي وَقْفٌ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، قَال أَبُو نَصْرٍ: إِنْ كَانَ مَالُهُ نَقْدًا فَهَذَا الْقَوْل بَاطِلٌ، بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: هَذِهِ الدَّرَاهِمُ وَقْفٌ، وَإِنْ كَانَ مَالُهُ ضِيَاعًا تَصِيرُ وَقَفًا عَلَى الْفُقَرَاءِ (١) .
مَا يَقُومُ مَقَامَ اللَّفْظِ:
١٢ - كَمَا يَصِحُّ الْوَقْفُ بِاللَّفْظِ فَإِنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ اللَّفْظِ مَا يَأْتِي:
أ - الإِْشَارَةُ الْمُفْهَمَةُ مِنَ الأَْخْرَسِ (٢) .
_________
(١) البحر الرائق ٥ / ٢٠٥ - ٢٠٦.
(٢) مغني المحتاج ٢ / ٣٨١، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٤٩٠، ومعونة أولي النهى ٥ / ٧٤٠.
ب - الْكِتَابَةُ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنَ الأَْخْرَسِ أَمْ مِنَ النَّاطِقِ كَالْكِتَابَةِ عَلَى أَبْوَابِ الْمَدَارِسِ وَالرُّبُطِ وَالْكُتُبِ، لَكِنْ قَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا وَجَدَ مَكْتُوبًا عَلَى كِتَابٍ: وَقْفٌ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى طَلَبَةِ الْعِلْمِ بِالْمَدْرَسَةِ الْفُلاَنِيَّةِ، فَإِنْ كَانَتْ مَشْهُورَةً بِالْكُتُبِ ثَبَتَتْ وَقْفِيَّتُهُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَشْهُورَةً بِذَلِكَ لَمْ تَثْبُتْ وَقْفِيَّتُهُ، وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَصِحُّ الْوَقْفُ بِكِتَابَةِ النَّاطِقِ مَعَ نِيَّتِهِ (١) .
ج - الْفِعْل: كَمَنْ يَبْنِي مَسْجِدًا أَوْ رِبَاطًا أَوْ مَدْرَسَةً وَيُخَلِّي بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ مَا أَعَدَّهُ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ وَقْفًا وَلَوْ لَمْ يَتَلَفَّظْ، وَكَمَنَ يَجْعَل أَرْضَهُ مَقْبَرَةً وَيَأْذَنُ لِلنَّاسِ إِذْنًا عَامًا بِالدَّفْنِ فِيهَا، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمَذْهَبِ، أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَإِنَّ الأَْصْل عِنْدَهُمْ أَنَّ الْوَقْفَ لاَ يَصِحُّ إِلاَّ بِاللَّفْظِ أَوِ الإِْشَارَةِ أَوِ الْكِتَابَةِ إِلاَّ أَنَّهُمُ اسْتَثْنُوا مِنِ اشْتِرَاطِ اللَّفْظِ مَا إِذَا بَنَى شَخْصٌ مَسْجِدًا فِي أَرْضٍ مَوَاتٍ، وَنَوَى جَعْلَهُ مَسْجِدًا، فَإِنَّهُ يَصِيرُ مَسْجِدًا وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى لَفْظٍ؛ لأَِنَّ الْفِعْل مَعَ النِّيَّةِ هُنَا مُغْنِيَانِ عَنِ الْقَوْل، وَوَجَّهَهُ السُّبْكِيُّ بِأَنَّ الْمَوَاتَ لَمْ يَدْخُل فِي مِلْكِ مَنْ أَحْيَاهُ مَسْجِدًا (٢) .
_________
(١) الشرح الصغير ٢ / ٢٩٩، والدسوقي ٤ / ٨٥، ومغني المحتاج ٢ / ٣٨١.
(٢) الشرح الصغير ٢ / ٢٩٩، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٤٩، والإنصاف ٧ / ٣ - ٤، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣٦٩ - ٣٧٠، ومغني المحتاج ٢ / ٣٨١.
قَال الإِْسْنَوِيُّ: وَقِيَاسُ ذَلِكَ إِجْزَاؤُهُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ أَيْضًا مِنَ الْمَدَارِسِ وَالرُّبُطِ وَغَيْرِهَا (١) .
أَمَّا مَنْ بَنَى مَسْجِدًا فِي مِلْكِهِ فَلاَ يَصِيرُ وَقَفًا إِلاَّ بِالْقَوْل، قَال الشِّيرَازِيُّ فِي الْمُهَذَّبِ: لاَ يَصِحُّ الْوَقْفُ إِلاَّ بِالْقَوْل، فَإِنْ بَنَى مَسْجِدًا وَصَلَّى فِيهِ أَوْ أَذِنَ لِلنَّاسِ بِالصَّلاَةِ فِيهِ لَمْ يَصِرْ وَقْفًا؛ لأَِنَّهُ إِزَالَةُ مِلْكٍ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ فَلَمْ يَصِحَّ مِنْ غَيْرِ قَوْلٍ مَعَ الْقُدْرَةِ كَالْعِتْقِ (٢) .
وَقَال الرَّمْلِيُّ: لَوْ قَال: أَذِنْتُ فِي الاِعْتِكَافِ فِيهِ صَارَ مَسْجِدًا بِذَلِكَ؛ لأَِنَّ الاِعْتِكَافَ لاَ يَصِحُّ إِلاَّ فِي مَسْجِدٍ بِخِلاَفِ الصَّلاَةِ (٣) .
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ الْوَقْفَ لاَ يَصِحُّ إِلاَّ بِالْقَوْل وَحْدَهُ (٤) .
ب - الْقَبُول:
١٣ - يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ الْقَبُول مِنَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَوْ عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ عَلَى الْوَجْهِ الآْتِي:
إِنْ كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ جِهَةً لاَ يُتَصَوَّرُ مِنْهَا الْقَبُول كَالْمَسَاجِدِ وَالْقَنَاطِرِ، أَوْ كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ جِهَةً غَيْرَ مَحْصُورَةٍ، كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، فَإِنَّ الْوَقْفَ لاَ يَفْتَقِرُ إِلَى الْقَبُول وَيَكْفِي الإِْيجَابُ فِي
_________
(١) مغني المحتاج ٢ / ٣٨١، ٣٨٢.
(٢) المهذب ١ / ٤٩٩.
(٣) مغني المحتاج ٢ / ٣٨٢.
(٤) الإنصاف ٧ / ٣ - ٤.
انْعِقَادِهِ، وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَفِي احْتِمَالٍ ذَكَرَهُ النَّاظِمُ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ يُشْتَرُطُ الْقَبُول فِي الْمَوْقُوفِ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَيَقْبَلُهُ نَائِبُ الإِْمَامِ (١) .
وَإِنْ كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا كَزَيْدٍ مَثَلًا فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي اشْتِرَاطِ قَبُولِهِ:
فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَفِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ قَبُول الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ الْمُعَيَّنِ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْقَبُول، فَإِنْ كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ مَحْجُورًا عَلَيْهِ مَثَلًا قَبِل عَنْهُ وَلِيُّهُ.
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ قَبُول الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ الْمُعَيَّنِ؛ لأَِنَّ اسْتِحْقَاقَ الْمَنْفَعَةِ كَاسْتِحْقَاقِ الْعَتِيقِ مَنْفَعَةَ نَفْسِهِ بِالإِْعْتَاقِ، وَلأَِنَّ الْوَقْفَ إِزَالَةُ مِلْكٍ يَمْنَعُ الْبَيْعَ وَالْهِبَةَ وَالْمِيرَاثَ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الْقَبُول (٢) .
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٦٠، والإسعاف ص١٧، وحاشية الدسوقي ٤ / ٨٨، وجواهر الإكليل ٢ / ١٠٨، ومغني المحتاج ٢ / ٣٨٣، والروضة ٥ / ٣٢٤، والإنصاف ٧ / ٢٦، والفروع ٤ / ٥٨٩، ومعونة أولي النهى ٥ / ٧٨٠.
(٢) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٦٠، والإسعاف ص١٧، وحاشية الدسوقي ٤ / ٨٨، وجواهر الإكليل ٢ / ١٠٨، ومغني المحتاج ٢ / ٣٨٣، والروضة ٥ / ٣٢٤، وتحفة المحتاج ٦ / ٢٥١، والمغني ٥ / ٦٠٠، ٦٠١، والإنصاف ٧ / ٢٧، وكشاف القناع ٤ / ٢٥٢، ومعونة أولي النهى ٥ / ٧٨٠ - ٧٨١.
وَاشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ - عَلَى الْقَوْل بِاشْتِرَاطِ الْقَبُول مِنَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ الْمُعَيَّنِ كَمَا فِي الأَْصَحِّ - أَنْ يَكُونَ الْقَبُول عَلَى الْفَوْرِ عَقِبَ الإِْيجَابِ إِنْ كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ أَوْ وَلِيُّهُ حَاضِرًا، فَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَلاَ تُشْتَرَطُ الْفَوْرِيَّةُ فِي الْقَبُول عَقِبَ الإِْيجَابِ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ الْقَبُول عَقِبَ بُلُوغِ الْخَبَرِ إِلَيْهِ وَإِنْ طَال الزَّمَنُ. قَال الشَّبْرَامَلْسِيُّ: وَلَوْ مَاتَ الْوَاقِفُ هَل يَكْفِي قَبُول الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ لاَ يَكْفِي؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ عَدَمُ صِحَّةِ الْقَبُول لإِلْحَاقِهِمُ الْوَقْفَ بِالْعُقُودِ دُونَ الْوَصِيَّةِ (١) .
وَقَال الْحَارِثِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: يُشْتَرَطُ اتِّصَال الْقَبُول بِالإِْيجَابِ فَإِنْ تَرَاخَى عَنْهُ بَطَل كَمَا يَبْطُل فِي الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ، لَكِنْ قَال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إِذَا اشْتُرِطَ الْقَبُول عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ الْمُعَيَّنِ فَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يُشْتَرَطَ الْمَجْلِسَ، بَل يُلْحَقُ بِالْوَصِيَّةِ وَالْوَكَالَةِ، فَيَصِحُّ مُعَجَّلًا وَمُؤَجَّلًا بِالْقَوْل وَالْفِعْل، فَأَخْذُ رِيْعِهِ قَبُولٌ، وَتَصَرُّفُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ الْمُعَيَّنِ يَقُومُ مَقَامَ الْقَبُول بِالْقَوْل (٢) .
رَدُّ الْمَوْقُوفِ:
١٤ - الرَّدُّ لاَ يُتَصَوَّرُ إِلاَّ مِنَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ الْمُعَيَّنِ، فَإِذَا رَدَّ وَلَمْ يَقْبَل مَا وُقِفَ عَلَيْهِ فَقَدْ قَال الْحَنَفِيَّةُ:: لَوْ كَانَ الْوَقْفُ لَشَخْصٍ بِعَيْنِهِ وَآخِرُهُ
_________
(١) نهاية المحتاج وحاشية الشبراملسي ٥ / ٣٦٩، ومغني المحتاج ٢ / ٣٨٣.
(٢) الإنصاف ٧ / ٢٨، والاختيارات الفقهية ص١٧٣.
لِلْفُقَرَاءِ فَإِنْ قَبِلَهُ كَانَتِ الْغَلَّةُ لَهُ، وَإِنْ رَدَّهُ تَكُونُ لِلْفُقَرَاءِ وَيَصِيرُ كَأَنَّهُ مَاتَ، وَمَنْ قَبِل مَا وُقِفَ عَلَيْهِ فَلَيْسَ لَهُ الرَّدُّ بَعْدَهُ، وَمَنْ رَدَّهُ أَوَّل مَرَّةٍ لَيْسَ لَهُ الْقَبُول بَعْدَهُ (١) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ إِنْ رَدَّ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ الْمُعَيَّنَ فَالْمَنْقُول فِي الْمَسْأَلَةِ كَمَا فِي ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ عَرَفَةَ وَغَيْرِ وَاحِدٍ قَوْلاَنِ: أَحَدُهُمَا لِلإِْمَامِ مَالِكٍ وَهُوَ الرَّاجِحُ: أَنَّهُ يَكُونُ وَقْفًا عَلَى غَيْرِ مَنْ رَدَّهُ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ، وَهَذَا إِذَا جَعَلَهُ الْوَاقِفُ حَبْسًا مُطْلَقًا، أَمَّا إِنْ قَصَدَ الْوَاقِفُ الْمُعَيِّنُ بِخُصُوصِهِ فَرَدَّ، فَإِنَّهُ يَعُودُ مِلْكًا لِلْوَاقِفِ.
وَالْقَوْل الثَّانِي لِمُطَرِّفٍ:: وَهُوَ أَنَّهُ يَرْجِعُ مِلْكًا لِلْوَاقِفِ أَوْ لِوَرَثَتِهِ (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ:: لَوْ رَدَّ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ الْمُعَيَّنُ الْعَيْنَ الْمَوْقُوفَةَ بَطَل حَقُّهُ، سَوَاءً اشْتَرَطَ الْقَبُول مِنَ الْمُعَيِّنِ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ، وَلَوْ رَجَعَ بَعْدَ الرَّدِّ لَمْ يَعُدْ لَهُ، لَكِنْ قَال الرُّويَانِيُّ:: إِنْ رَجَعَ قَبْل حُكْمِ الْحَاكِمِ بِرَدِّهِ إِلَى غَيْرِهِ كَانَ لَهُ، وَإِنْ حَكَمَ بِهِ لِغَيْرِهِ بَطَل حَقُّهُ، وَهَذَا فِي الْبَطْنِ الأَْوَّل، أَمَّا الْبَطْنُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ فَنَقَل الإِْمَامُ وَالْغَزَالِيُّ أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ قَبُولُهُ قَطْعًا؛ لأَِنَّ اسْتِحْقَاقَهُمْ لاَ يَتَّصِل بِالإِْيجَابِ، وَنَقَلاَ فِي ارْتِدَادِهِ بِرَدِّهِمْ وَجْهَيْنِ (٣) .
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٦٠، والإسعاف ص١٧.
(٢) حاشية الدسوقي ٤ / ٨٨، والشرح الصغير ٢ / ٣٠٠.
(٣) روضة الطالبين ٥ / ٣٢٤، ٣٢٥، ومغني المحتاج ٢ / ٣٨٣.
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ الْقَبُول فِي الْوَقْفِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانَ عَلَى مُعَيَّنٍ أَمْ كَانَ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَعَلَى ذَلِكَ فَلاَ يَبْطُل الْوَقْفُ عَلَى الْمُعَيَّنِ بِرَدِّهِ، فَقَبُولُهُ وَرَدُّهُ سَوَاءٌ، وَقَال أَبُو الْمَعَالِي: إِنَّهُ يَرْتَدُّ بِرَدِّهِ كَالْوَكِيل إِذَا رَدَّ الْوَكَالَةَ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ لَهَا الْقَبُول، وَعَلَى الْقَوْل بِاشْتِرَاطِ الْقَبُول فَإِنْ رَدَّهُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ بَطَل فِي حَقِّهِ دُونَ مَنْ بَعْدَهُ (١) . قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَإِنْ قُلْنَا يَفْتَقِرُ إِلَى الْقَبُول فَرَدَّهُ مَنْ وُقِفَ عَلَيْهِ بَطَل فِي حَقِّهِ، وَصَارَ كَالْوَقْفِ الْمُنْقَطِعِ الاِبْتِدَاءِ، يَخْرُجُ فِي صِحَّتِهِ فِي حَقِّ مَنْ سِوَاهُ وَبُطْلاَنِهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، فَإِنْ قُلْنَا بِصِحَّتِهِ فَهَل يَنْتَقِل فِي الْحَال إِلَى مَنْ بَعْدَهُ أَوْ يُصْرَفُ فِي الْحَال إِلَى مَصْرِفِ الْوَقْفِ الْمُنْقَطِعِ إِلَى أَنْ يَمُوتَ الَّذِي رَدَّهُ ثُمَّ يَنْتَقِل إِلَى مَنْ بَعْدَهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ (٢) .
لُزُومُ الْوَقْفِ:
١٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي لُزُومِ الْوَقْفِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْوَقْفَ مَتَى صَدَرَ مِمَّنْ هُوَ أَهْلٌ لِلتَّصَرُّفِ مُسْتَكْمِلًا شَرَائِطَهُ أَصْبَحَ لاَزِمًا، وَانْقَطَعَ حَقُّ
_________
(١) الإنصاف ٧ / ٢٧، ٢٨، وكشاف القناع ٤ / ٢٥٢، والمغني ٥ / ٦٠١، ومعونة أولي النهى ٥ / ٧٨٠.
(٢) المغني لابن قدامة ٥ / ٦٠١.
الْوَاقِفِ فِي التَّصَرُّفِ فِي الْعَيْنِ الْمَوْقُوفَةِ بِأَيِّ تَصَرُّفٍ يُخِل بِالْمَقْصُودِ مِنَ الْوَقْفِ، فَلاَ يُبَاعُ وَلاَ يُوهَبُ وَلاَ يُورَثُ؛ وَذَلِكَ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ، وَلاَ يُبَاعُ وَلاَ يُوهَبُ وَلاَ يُورَثُ (١) (وَلأَِنَّ الْوَقْفَ تَبَرُّعٌ يَمْنَعُ الْبَيْعَ وَالْهِبَةَ وَالْمِيرَاثَ فَلَزِمَ بِمُجَرَّدِ صُدُورِ الصِّيغَةِ مِنَ الْوَاقِفِ كَالْعِتْقِ، وَيُفَارِقُ الْهِبَةَ فَإِنَّهَا تَمْلِيكٌ مُطْلَقٌ، وَالْوَقْفُ تَحْبِيسُ الأَْصْل وَتَسْبِيل الْمَنْفَعَةِ، فَهُوَ بِالْعِتْقِ أَشْبَهُ، فَإِلْحَاقُهُ بِهِ أَوْلَى. .
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الْوَقْفُ جَائِزٌ غَيْرُ لاَزِمٍ - كَمَا سَبَقَ - وَلِلْوَاقِفِ الرُّجُوعُ فِيهِ حَال حَيَاتِهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ وَيُورِثُ عَنْهُ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الْوَقْفُ عِنْدَهُ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ:: أَنْ يَحْكُمَ بِهِ الْقَاضِي، أَوْ يُخْرِجَهُ مَخْرَجَ الْوَصِيَّةِ، وَلَكِنَّ الْفَتْوَى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى قَوْل أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَهُوَ اللُّزُومُ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلًا عَنِ الْفَتْحِ: وَالْحَقُّ تَرْجِيحُ قَوْل عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ بِلُزُومِهِ؛ لأَِنَّ الأَْحَادِيثَ وَالآْثَارَ مُتَضَافِرَةٌ عَلَى ذَلِكَ، وَاسْتَمَرَّ عَمَل الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَتَرَجَّحَ قَوْلُهُمَا.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الْوَقْفَ لاَ يَلْزَمُ إِلاَّ بِالْقَبْضِ وَإِخْرَاجِ الْوَاقِفِ لَهُ عَنْ يَدِهِ؛ لأَِنَّهُ تَبَرُّعٌ
_________
(١) حديث: " تصدق بأصله لا يباع ولا يوهب ولا يورث ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ٣٩٢) .