الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣
وَصِيَّتُهُ هُوَ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ فَأَقَل مِمَّا يُقَارِبُهَا إِذَا أَصَابَ وَجْهَ الْوَصِيَّةِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ اخْتِلاَطٌ (١) .
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ مِنْ مُمَيِّزٍ عَاقِلٍ لِلْوَصِيَّةِ.
وَقَال الْمَرْدَاوِيُّ: إِذَا جَاوَزَ الصَّبِيُّ الْعَشْرَ صَحَّتْ وَصِيَّتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ وَلاَ تَصِحُّ مِمَّنْ لَهُ دُونَ السَّبْعِ، وَفِيمَا بَيْنَ السَّبْعِ وَالْعَشْرِ رِوَايَتَانِ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا تَصِحُّ. (٢)
وَأَمَّا وَصِيَّةُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّتِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ إِلَى أَنَّهُ تَجُوزُ وَصِيَّةُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ.
وَقَيَّدَ الْحَنَفِيَّةُ نَفَاذَ الْوَصِيَّةِ إِذَا كَانَتْ بِالْقُرْبِ وَأَبْوَابِ الْخَيْرِ، مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ وَاعْتَبَرُوا جَوَازَ الْوَصِيَّةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مِنْ بَابِ الاِسْتِحْسَانِ قَالُوا: وَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ أَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِمَعْنَى النَّظَرِ لَهُ كَيْلاَ يُتْلِفَ مَالَهُ وَيَبْقَى كَلًّا عَلَى غَيْرِهِ وَذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ لاَ فِيمَا يَنْفُذُ مِنَ الثُّلُثِ بَعْدَ وَفَاتِهِ حَال اسْتِغْنَائِهِ وَذَلِكَ إِذَا وَافَقَتْ وَصِيَّتُهُ وَصَايَا أَهْل الْخَيْرِ وَالصَّلاَحِ كَالْوَصِيَّةِ بِالْحَجِّ أَوْ
_________
(١) الشَّرْح الصَّغِير وَحَاشِيَة الصَّاوِي عَلَيْهِ ٤ / ٥٨٠.
(٢) كَشَّاف الْقِنَاع ٤ / ٣٣٦، وَالإِْنْصَاف ٧ / ١٨٥، وَالْمُغْنِي ٦ / ١٠١.
لِلْمَسَاكِينِ أَوْ لِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ.
الْقَوْل الثَّانِي: لاَ تَصِحُّ وَصِيَّةُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ كَتَبَرُّعَاتِهِ وَهُوَ الْقِيَاسُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالْقَوْل الْمُقَابِل الْمَذْهَبِ عِنْدِ الشَّافِعِيَّةِ. (١)
أَمَّا السَّكْرَانُ: فَقَدْ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ السَّكْرَانَ مِنْ مُبَاحٍ لاَ تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ، وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ وَصِيَّةِ السَّكْرَانِ إِذَا كَانَ مُتَعَدِّيًا بِسُكْرِهِ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
الأَْوَّل: يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وُوَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ صِحَّةَ وَصِيَّةِ السَّكْرَانِ الْمُتَعَدِّي بِسُكْرِهِ لأَِنَّ سُكْرَهُ بِمُحَرَّمٍ لاَ يُبْطِل تَكْلِيفَهُ فَتَلْزَمُهُ الأَْحْكَامُ.
الثَّانِي: يَرَى الْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنَ الْمَذَاهِبِ أَنَّهُ لاَ تَصِحُّ وَصِيَّةُ السَّكْرَانِ الْمُتَعَدِّي بِسُكْرِهِ لأَِنَّهُ حِينَئِذٍ غَيْرُ عَاقِلٍ أَشْبَهَ الْمَجْنُونَ.
الثَّالِثُ: يَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ وَصِيَّةَ السَّكْرَانِ الْمُمَيِّزِ صَحِيحَةٌ أَمَّا غَيْرُ الْمُمَيِّزِ حَال الإِْيصَاءِ
_________
(١) اللُّبَاب ٢ / ٧١، وَحَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٥ / ٩٤، وَالشَّرْح الصَّغِير ٤ / ٥٨٠، وَمُطَالَب أُولِي النُّهَى ٤ / ٤٤٣، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٣٩، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج ٧ / ٤، وَالإِْنْصَاف ٦ / ١٨٥.
فَلاَ تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ. (١)
ب - الْحُرِّيَّةُ:
١٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى اشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةِ، فَلاَ تَصِحُّ وَصِيَّةُ الْعَبْدِ، لأَِنَّهُ تَبَرُّعٌ، وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْل التَّبَرُّعِ، وَلأَِنَّهُ لاَ يَمْلِكُ شَيْئًا حَتَّى يُمَلِّكَهُ لِغَيْرِهِ (٢) .
ج - الرِّضَا وَالاِخْتِيَارُ ج - أَنْ يَكُونَ الْمُوصِي رَاضِيًا مُخْتَارًا لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ إِيجَابُ مِلْكٍ، فَلاَ بُدَّ فِيهِ مِنَ الرِّضَا، كَإِيجَابِ الْمِلْكِ بِسَائِرِ الأَْشْيَاءِ وَالتَّصَرُّفَاتِ مِنْ بَيْعٍ وَهِبَةٍ وَنَحْوِهِمَا، فَلاَ تَصِحُّ وَصِيَّةُ الْمُكْرَهِ وَالْهَازِل وَالْمُخْطِئِ؛ لأَِنَّ هَذِهِ الْعَوَارِضَ تُفَوِّتُ الرِّضَا. (٣)
وَصَايَا غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ ٢١ - لاَ يُشْتَرَطُ إِسْلاَمُ الْمُوصِي لِصِحَّةِ
_________
(١) الْحَموِي مَعَ الأَْشْبَاهِ ٢ / ١٥١، وَالشَّرْح الصَّغِير ٤ / ٥٨٠، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٣٩، ٢٧٩، وَمُطَالَب أُولِي النُّهَى ٤ / ٤٤٤، وَالإِْنْصَاف ٧ / ١٨٧، وَالْمُغْنِي ٦ / ٣٠٢، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٤ / ٣٣٦.
(٢) الاِخْتِيَار ٥ / ٦٤، وَالشَّرْح الصَّغِير ٤ / ٥٨٠، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٣٩، وَمُطَالَب أُولِي النُّهَى ٤ / ٤٤٣ - ٤٤٤.
(٣) الْبَدَائِع ٧ / ٣٣٥، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٢ / ٧، ٣ / ٣٩، وَالشَّرْح الصَّغِير ٢ / ٥٤٨ـ٥٥٠.
الْوَصِيَّةِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ فِي الْجُمْلَةِ، فَتَصِحُّ وَصِيَّةُ غَيْرِ الْمُسْلِمِ بِمَا تَصِحُّ بِهِ وَصِيَّةُ الْمُسْلِمِ.
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى صِحَّةِ وَصِيَّةِ الْكَافِرِ وَلَوْ كَانَ مُرْتَدًّا أَوْ حَرْبِيًّا وَلَوْ كَانَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَقَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ صِحَّةَ وَصِيَّةِ الْمُرْتَدِّ بِأَنْ لاَ يَمُوتَ أَوْ يُقْتَل كَافِرًا لأَِنَّ مِلْكَهُ مَوْقُوفٌ.
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ وَصِيَّةَ الْمُرْتَدِّ فِي حَال رِدَّتِهِ بَاطِلَةٌ. (١)
وَيَتَوَقَّفُ مِنْ وَصَايَا الْمُرْتَدِّ مَا يَصِحُّ مِنَ الْمُسْلِمِ وَيَبْطُل مَا لاَ يَصِحُّ مِنَ الْمُسْلِمِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ تَصَرُّفَاتُ الْمُرْتَدِّ نَافِذَةٌ لِلْحَال فَيَصِحُّ مِنْهُ مَا يَصِحُّ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ انْتَقَل إِلَيْهِمْ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ لِقَوْمٍ مُعَيَّنِينَ حَتَّى لَوْ أَوْصَى بِمَا هُوَ قُرْبَةٌ عِنْدَهُمْ، مَعْصِيَةٌ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ وَكَانَ ذَلِكَ لِقَوْمٍ غَيْرِ مُعَيَّنِينَ لاَ يَصِحُّ عِنْدَهُمَا.
وَأَمَّا الْمُرْتَدَّةُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ مِنْ وَصَايَاهَا مَا يَصِحُّ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِي انْتَقَلَتْ إِلَيْهِمْ. (٢)
_________
(١) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٦ / ١٣١، وَالْخَرَشِيّ ٨ / ١٦٨ وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٣٩، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٤ / ٣٥٢ - ٣٥٣، وَمُطَالَب أُولِي النُّهَى ٦ / ١٨٥.
(٢) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٦ / ١٣١ - ١٣٢.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: وَأَمَّا إِسْلاَمُ الْمُوصِي فَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ وَصِيَّتِهِ فَتَصِحُّ وَصِيَّةُ الذِّمِّيِّ بِالْمَال لِلْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ فِي الْجُمْلَةِ لأَِنَّ الْكُفْرَ لاَ يُنَافِي أَهْلِيَّةَ التَّمْلِيكِ أَلاَ تَرَى أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُ الْكَافِرِ وَهِبَتُهُ فَكَذَا وَصِيَّتُهُ وَكَذَا الْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنُ إِذَا أَوْصَى لِلْمُسْلِمِ أَوِ الذِّمِّيِّ يَصِحُّ فِي الْجُمْلَةِ لِمَا ذَكَرْنَا غَيْرَ أَنَّهُ إِنْ كَانَ دَخَل وَارِثُهُ مَعَهُ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ وَأَوْصَى بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ وُقِفَ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ عَلَى إِجَازَةِ وَارِثِهِ لأَِنَّهُ بِالدُّخُول مُسْتَأْمَنًا الْتَزَمَ أَحْكَامَ الإِْسْلاَمِ أَوْ أَلْزَمَهُ مِنْ غَيْرِ الْتِزَامِهِ لإِمْكَانِ إِجْرَاءِ الأَْحْكَامِ عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ وَمِنْ أَحْكَامِ الإِْسْلاَمِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ مِمَّنْ لَهُ وَارِثٌ تَقِفُ عَلَى إِجَازَةِ وَارِثِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ أَصْلًا تَصِحُّ مِنْ جَمِيعِ الْمَال كَمَا فِي الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ لَهُ وَارِثٌ لَكِنَّهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ لأَِنَّ امْتِنَاعَ الزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ وَحَقُّهُمْ غَيْرُ مَعْصُومٍ لأَِنَّهُ لاَ عِصْمَةَ لأَِنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ فَلأَِنْ لاَ يَكُونَ لِحَقِّهِمُ الَّذِي فِي مَال مُورِّثِهِمْ عِصْمَةٌ أَوْلَى.
وَذَكَرَ فِي الأَْصْل: لَوْ أَوْصَى الْحَرْبِيُّ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِوَصِيَّةٍ ثُمَّ أَسْلَمَ أَهْل الدَّارِ أَوْ صَارُوا ذِمَّةً ثُمَّ اخْتَصَمَا إِلَيْنَا فِي تِلْكَ الْوَصِيَّةِ فَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً بِعَيْنِهَا أَجَزْتُهَا، وَإِنْ كَانَتْ قَدِ اسْتُهْلِكَتْ مِنْ
قَبْل الإِْسْلاَمِ أَبْطَلْتُهَا لأَِنَّ الْحَرْبِيَّ مِنْ أَهْل التَّمْلِيكِ، أَلاَ يَرَى أَنَّهُ مِنْ أَهْل سَائِرِ التَّمْلِيكَاتِ كَالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ فَكَانَتْ وَصِيَّتُهُ جَائِزَةً فِي نَفْسِهَا إِلاَّ أَنَّهُ لَيْسَ لَنَا وِلاَيَةُ إِجْرَاءِ أَحْكَامِ الإِْسْلاَمِ وَتَنْفِيذِهَا فِي دَارِهِمْ فَإِذَا أَسْلَمُوا أَوْ صَارُوا ذِمَّةً قَدَرْنَا عَلَى التَّنْفِيذِ فَنُنَفِّذُهَا مَا دَامَ الْمُوصَى بِهِ قَائِمًا، فَأَمَّا إِذَا صَارَ مُسْتَهْلَكًا أَبْطَلْنَا الْوَصِيَّةَ وَأَلْحَقْنَاهَا بِالْعَدَمِ لأَِنَّ أَهْل الْحَرْبِ إِذَا أَسْلَمُوا أَوْ صَارُوا ذِمَّةً لاَ يُؤْخَذُونَ بِمَا اسْتَهْلَكَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا اغْتَصَبَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ بَل يَبْطُل ذَلِكَ، كَذَا هَذَا. (١)
الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الْمُوصَى لَهُ ٢٢ - الْمُوصَى لَهُ مَنْ تَبَرَّعَ لَهُ الْمُوصِي بِجُزْءٍ مِنْ مَالِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُوصَى لَهُ مَا يَأْتِي:
أَوَّلًا: أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى لَهُ مَوْجُودًا:
٢٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ كَوْنِ الْمُوصَى لَهُ مَوْجُودًا (حِينَ الْوَصِيَّةِ) عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمُوصَى لَهُ مَوْجُودًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا لاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ، وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ، وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمَذْهَبِ وَعَلَى هَذَا إِذَا قَال:
_________
(١) بَدَائِع الصَّنَائِع ٧ / ٣٣٥.
أَوْصَيْتُ بِثُلُثِ مَالِي لِمَا فِي بَطْنِ فُلاَنَةَ فَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا حَال الْوَصِيَّةِ صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ وَإِلاَّ فَلاَ.
وَجَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: مَنْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِزَيْدٍ وَبَكْرٍ، وَبَكْرٌ مَيِّتٌ وَهُوَ يَعْلَمُ أَوْ لاَ يَعْلَمُ، أَوْ لِزَيْدٍ وَبَكْرٍ إِنْ كَانَ حَيًّا وَهُوَ مَيِّتٌ، أَوْ لَهُ وَلِمَنْ كَانَ فِي هَذَا الْبَيْتِ وَلَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ، أَوْ لَهُ وَلِعَقِبِهِ، أَوْ لَهُ وَلِوَلَدِ بَكْرٍ فَمَاتَ وَلَدُهُ قَبْل مَوْتِ الْمُوصِي، أَوْ لَهُ وَلِفُقَرَاءِ وَلَدِهِ، أَوْ لِمَنِ افْتَقَرَ مِنْ وَلَدِهِ وَفَاتَ شَرْطُهُ عِنْدَ مَوْتِهِ فَلِزَيْدٍ كُلُّهُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ، لأَِنَّ الْمَعْدُومَ أَوِ الْمَيِّتَ لاَ يَصْلُحُ مُسْتَحِقًّا فَلَمْ تَثْبُتِ الْمُزَاحَمَةُ لِزَيْدٍ، وَصَارَ كَمَا لَوْ أَوْصَى لَزِيدٍ وَجِدَارٍ، وَكَذَا الْعَقِبُ لأَِنَّ الْعَقِبَ مَنْ يَعْقُبُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَيَكُونُ مَعْدُومًا فِي الْحَال. (١)
الْقَوْل الثَّانِي: ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ كَوْنُ الْمُوصَى لَهُ مَوْجُودًا حَال الْوَصِيَّةِ وَعَلَى ذَلِكَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِمَنْ سَيَكُونُ مِنْ حَمْلٍ مَوْجُودٍ أَوْ سَيُوجَدُ فَيَسْتَحِقُّهُ إِنِ اسْتَهَل صَارِخًا.
_________
(١) بَدَائِع الصَّنَائِع ٧ / ٣٣٥، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٦ / ١٠٥، الإِْنْصَاف ٧ / ٢٣١، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٤٠، وَأَسْنَى الْمَطَالِب ٣ / ٣٠، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٦ / ١٠٠.
وَجَزَمَ ابْنُ رَزِينٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ بِصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ لِلْمَعْدُومِ. (١)
ثَانِيًا: أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى لَهُ أَهْلًا لِلتَّمَلُّكِ:
٢٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى لَهُ الْمُعَيَّنُ حَال الْوَصِيَّةِ أَهْلًا لِلتَّمَلُّكِ.
وَقَدْ فَرَّعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ مَسَائِل مِنْهَا:
أ - الْوَصِيَّةُ لِلْمَيِّتِ ٢٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَوْصَى لِمَيِّتٍ وَلاَ يَعْلَمُ الْمُوصِي حِينَ الْوَصِيَّةِ أَنَّهُ مَيِّتٌ فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ بَاطِلَةٌ لأَِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْل التَّمَلُّكِ.
أَمَّا إِذَا لَمْ يَعْلَمِ الْمُوصِي حَال الْوَصِيَّةِ أَنَّ الْمُوصَى لَهُ مَيِّتٌ فَقَدْ أَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ الْوَصِيَّةَ وَيُصْرَفُ الشَّيْءُ الْمُوصَى بِهِ عِنْدَهُمْ لِلْمَيِّتِ فِي وَفَاءِ دَيْنِهِ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَإِلاَّ فَلِوَارِثِهِ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلاَ وَارِثَ لَهُ بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ وَلاَ يَأْخُذُهَا بَيْتُ الْمَال. (٢)
_________
(١) الشَّرْح الصَّغِير ٤ / ٥٨١ - ٥٨٢، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٦ / ١٠٠، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٤٠، وَالإِْنْصَاف ٧ / ٢٣١.
(٢) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٦ / ١٠٥، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٦ / ١١٦، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٤٠، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٤ / ٣٦٥، وَالشَّرْح الصَّغِير ٤ / ٥٨١ - ٥٨٢.
ب - الْوَصِيَّةُ لِلْحَمْل:
٢٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ لِلْحَمْل إِنْ كَانَ مَوْجُودًا حَال الْوَصِيَّةِ لأَِنَّ الْحَمْل يَرِثُ وَالْوَصِيَّةُ كَالْمِيرَاثِ وَيُعْلَمُ كَوْنُ الْحَمْل مَوْجُودًا بِأَنْ يُولَدَ حَيًّا لأَِقَل مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ الْوَصِيَّةِ إِنْ كَانَتِ الأُْمُّ ذَاتَ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ، لأَِنَّ أَقَل مُدَّةِ الْحَمْل سِتَّةُ أَشْهُرٍ، فَإِذَا وَضَعَتْهُ حَيًّا لأَِقَل مِنْهَا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا حِينَهَا. أَوْ تَضَعُهُ لأَِقَل مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِنْ لَمْ تَكُنِ الأُْمُّ ذَاتَ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ وَلِسَنَتَيْنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ الْمُوصِي بِأَنَّهَا حَامِلٌ فَتَثْبُتُ الْوَصِيَّةُ لَهُ إِنْ وَضَعَتْهُ مَا بَيْنَ سَنَتَيْنِ مِنْ يَوْمِ أَوْصَى، لأَِنَّ وُجُودَهُ فِي الْبَطْنِ عِنْدَ الْوَصِيَّةِ ثَبَتَ بِإِقْرَارِ الْمُوصِي فَإِنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِيهِ لأَِنَّهُ مُوجِبٌ لَهُ مَا هُوَ خَالِصُ حَقِّهِ بِنَاءً عَلَى هَذَا الإِْقْرَارِ وَهُوَ الثُّلُثُ فَيَلْحَقُ بِمَا لَوْ صَارَ مَعْلُومًا يَقِينًا بِأَنْ وَضَعَتْهُ لأَِقَل مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَإِنِ انْفَصَل الْحَمْل مَيِّتًا بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ لاِنْتِفَاءِ أَهْلِيَّةِ الْمِلْكِ (١) .
_________
(١) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٥ / ٤١٨، وَالشَّرْح الْكَبِير مَعَ الدُّسُوقِيّ ٤ / ٤٢٣، مُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٤٠، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٦ / ٩٩ - ١٠٠، وَأَسْنَى الْمَطَالِب ٣ / ٣٠ - ٣١، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٤ / ٣٥٦.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَصِحُّ لِلْمُوصَى لَهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ مَوْجُودًا حِينَ الْوَصِيَّةِ، أَمْ مُنْتَظَرَ الْوُجُودِ كَالْحَمْل، وَتَصِحُّ لِمَنْ سَيَكُونُ مِنْ حَمْلٍ مَوْجُودٍ أَوْ سَيُوجَدُ إِنِ اسْتَهَل صَارِخًا وَنَحْوَهُ، مِمَّا يَدُل عَلَى تَحَقُّقِ حَيَاتِهِ، لَكِنْ فِي قَوْلٍ: لاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ غَلَّةِ الْمُوصَى بِهِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَمْلِكُ إِلاَّ بَعْدَ وَضْعِهِ حَيًّا، فَتَكُونُ الْغَلَّةُ لِوَارِثِ الْمُوصِي.
وَفِي الْقَوْل الآْخَرِ: تُوقَفُ وَتُدْفَعُ لِلْمُوصَى لَهُ إِذَا اسْتَهَل كَالْمُوصَى بِهِ، وَيُوَزَّعُ الشَّيْءُ الْمُوصَى بِهِ لِمَنْ سَيَكُونُ إِنْ وَلَدَتْ لأَِكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ، بِحَسَبِ الْعَدَدِ، أَيْ إِنَّ الذَّكَرَ كَالأُْنْثَى عِنْدَ الإِْطْلاَقِ، فَإِنْ نَصَّ الْمُوصِي عَلَى تَفْضِيلٍ عُمِل بِهِ. (١)
ثَالِثًا: أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى لَهُ مَعْلُومًا غَيْرَ مَجْهُولٍ:
٢٧ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى اشْتِرَاطِ كَوْنِ الْمُوصَى لَهُ مَعْلُومًا غَيْرَ مَجْهُولٍ أَيْ مُعَيَّنًا بِشَخْصِهِ كَزَيْدٍ أَوْ بِنَوْعِهِ كَالْمَسَاكِينِ.
وَفَرَّعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ مَسَائِل مِنْهَا:
أ - الْوَصِيَّةُ لِمُبْهَمٍ:
٢٨ - لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لأَِحَدِ هَذَيْنِ
_________
(١) الشَّرْح الْكَبِير ٤ / ٤٢٣، وَالشَّرْح الصَّغِير ٤ / ٥٨١ - ٥٨٢.