الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤١ الصفحة 69

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤١

د - أَنْ يُطَلِّقَهَا الزَّوْجُ الآْخَرُ.

هـ - أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا مِنْهُ (١)

وَقَدْ قَسَّمَ الْفُقَهَاءُ صُوَرَ نِكَاحِ الْمُحَلِّل إِلَى أَقْسَامٍ مِنْهَا:

الأُْولَى: أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى شَرْطٍ إِذَا أَحَلَّهَا بِإِصَابَةٍ لِلزَّوْجِ الأَْوَّل فَلاَ نِكَاحَ بَيْنَهُمَا وَهَذَا النِّكَاحُ بَاطِلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ قَوْل عَامَّةِ أَهْل الْعِلْمِ مِنْهُمُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَقَتَادَةُ وَاللَّيْثُ وَالثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ، لِحَدِيثِ: لَعَنَ رَسُول اللَّهِ ﷺ الْمُحِل وَالْمُحَلَّل لَهُ (٢) وَلِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُول اللَّهِ. قَال: هُوَ الْمُحَلِّل، لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّل وَالْمُحَلَّل لَهُ (٣)

_________

(١) كِفَايَة الأَْخْيَار ٢ / ١٠٩، وَالْحَاوِي الْكَبِير للماوردي ١١ / ٤٥٥، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَة ٦ / ٦٤٦، وَالشَّرْح الصَّغِير ٢ / ٤١٥ وَمَا بَعْدَهَا، وَابْن عَابِدِينَ ٢ / ٥٣٧ وَمَا بَعْدَهَا.

(٢) حَدِيث: " لَعَنَ رَسُول اللَّهِ ﷺ الْمَحَل وَالْمُحَلِّل لَهُ ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ (٣ / ٤١٩ ط الْحَلَبِيّ)، وَقَال: هَذَا حَدِيث حَسَن صَحِيح. وَصَحَّحَهُ ابْن الْقَطَّان وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ كَمَا فِي التَّلْخِيصِ الْحَبِيرِ (٣ / ١٧٠ ط شَرِكَة الطِّبَاعَةِ الْفَنِّيَّةِ)

(٣) حَدِيث: " ألا أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ. . . ". أَخْرَجَهُ ابْن مَاجَهْ (١ / ٦٢٢ - ٦٢٣ ط الْحَلَبِيّ)، وَالْحَاكِم (٢ / ١٩٩ ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ النِّظَامِيَّة) وَصَحَّحَهُ.

وَلِمَا رَوَاهُ قَبِيصَةُ بْنُ جَابِرٍ قَال: " سَمِعْتُ عُمَرَ وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ وَهُوَ يَقُول: وَاللَّهِ لاَ أُوتَى بِمُحِلٍّ وَلاَ مُحَلَّلٍ لَهُ إِلاَّ رَجَمْتُهُمَا " (١) وَلأَِنَّهُ إِلَى مُدَّةٍ أَوْ فِيهِ شَرْطٌ يَمْنَعُ بَقَاءَهُ فَأَشْبَهَ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ، بَل أَغْلَظُ مِنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ كَمَا قَال الْمَاوَرْدِيُّ أَحَدُهُمَا: جَهَالَةُ مُدَّتِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الإِْصَابَةَ فِيهِ مَشْرُوطَةٌ لِغَيْرِهِ فَكَانَ بِالْفَسَادِ أَخَصَّ.

وَلأَِنَّهُ نِكَاحٌ شُرِطَ فِيهِ انْقِطَاعُهُ قَبْل غَايَتِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَاطِلًا (٢)

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَصِحُّ نِكَاحُ الْمُحَلِّل بِكُل صُوَرِهِ إِلاَّ أَنَّهُ يُكْرَهُ عِنْدَهُمْ تَحْرِيمًا إِذَا كَانَ بِشَرْطِ التَّحْلِيل كَأَنْ يَقُول: تَزَوَّجْتُكِ عَلَى أَنْ أُحِلَّكِ لِلأَْوَّل، فَيَصِحُّ النِّكَاحُ وَيَلْغُو الشَّرْطُ.

وَخَالَفَهُمْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَبُو يُوسُفَ فَيَرَى

_________

(١) أَثَر عُمَر: (وَاللَّه لاَ أَوُتَى. . . ". عَزَاهُ بِهَذَا اللَّفْظِ ابْنُ قُدَامَة فِي الْمُغْنِي (٩ / ٥٥ ط هَجَرَ) إِلَى الأَْثْرَمِ وَأَخْرَجَهُ سَعِيد بْن مَنْصُور (الْقِسْم الثَّانِي مِنَ الْمُجَلَّدِ الثَّالِثِ / ٥١ ط عِلْمِي بِرَسٍّ) بِنَحْوِ هَذَا اللَّفْظِ.

(٢) الْحَاوِي الْكَبِير للماوردي ١١ / ٤٥٦، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ١٨٢، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَة ٦ / ٦٤٦، وَبُلُوغ الْمَرَام وَشَرْحه سُبُل السَّلاَمِ ٣ / ٢٤٦، وَكِفَايَة الأَْخْيَار ٢ / ١٠٩، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٥ / ٩٤.

فَسَادَ النِّكَاحِ فِيهَا لأَِنَّهُ فِي مَعْنَى النِّكَاحِ الْمُؤَقَّتِ وَلاَ تَحِل لِزَوْجِهَا الأَْوَّل (١)

الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَيَشْتَرِطَ فِي الْعَقْدِ أَنَّهُ إِذَا أَحَلَّهَا لِلزَّوْجِ الأَْوَّل طَلَّقَهَا فَهَذَا النِّكَاحُ بَاطِلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ وَأَبِي يُوسُفَ لأَِنَّهُ شَرْطٌ يَمْنَعُ دَوَامَ النِّكَاحِ فَأَشْبَهَ التَّأْقِيتَ. وَلِحَدِيثِ: لَعَنَ رَسُول اللَّهِ ﷺ الْمُحِل وَالْمُحَلَّل لَهُ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى صِحَّةِ هَذَا النِّكَاحِ وَبُطْلاَنِ الشَّرْطِ (٢)، لأَِنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ لاَ يُطَلِّقَهَا كَانَ النِّكَاحُ جَائِزًا وَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا، وَكَذَلِكَ إِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا وَجَبَ أَنْ يَصِحَّ النِّكَاحُ وَلاَ يَلْزَمُهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا كَمَا قَال الشَّافِعِيَّةُ، وَلأَِنَّ عُمُومَاتِ النِّكَاحِ تَقْتَضِي الْجَوَازَ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ مَا إِذَا شُرِطَ فِيهِ الإِْحْلاَل أَوْ لاَ، فَكَانَ هَذَا النِّكَاحُ صَحِيحًا، فَيَدْخُل كَمَا قَال أَبُو حَنِيفَةَ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ (٣)﴾ إِلاَّ أَنَّهُ كَرِهَ النِّكَاحَ بِهَذَا الشَّرْطِ، لأَِنَّهُ يُنَافِي الْمَقْصُودَ مِنَ النِّكَاحِ وَهُوَ السَّكَنُ وَالتَّوَالُدُ وَالتَّعَفُّفُ، لأَِنَّ ذَلِكَ

_________

(١) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٢ / ٥٤٠ وَمَا بَعْدَهَا.

(٢) الْبَدَائِع ٣ / ١٨٧، وَالشَّرْح الصَّغِير ٣ / ٤١٣، وَالْحَاوِي ١١ / ٤٥٧، وَالإِْنْصَاف ٨ / ١٦١، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٥ / ٩٤

(٣) سُورَة الْبَقَرَة / ٢٣٠

يَقِفُ عَلَى الْبَقَاءِ وَالدَّوَامِ عَلَى النِّكَاحِ. قَال الْكَاسَانِيُّ: وَهَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - مَعْنَى إِلْحَاقِ اللَّعْنِ بِالْمُحَلِّل فِي الْحَدِيثِ، وَأَمَّا إِلْحَاقُ اللَّعْنِ بِالْمُحَلَّل لَهُ فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ لِوَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ سَبَبٌ لِمُبَاشَرَةِ الزَّوْجِ الثَّانِي هَذَا النِّكَاحَ، لِقَصْدِ الْفِرَاقِ وَالطَّلاَقِ دُونَ الإِْبْقَاءِ وَتَحْقِيقِ وَمَا وُضِعَ لَهُ، وَالْمُسَبِّبُ شَرِيكُ الْمُبَاشِرِ فِي الإِْثْمِ وَالثَّوَابِ فِي التَّسَبُّبِ لِلْمَعْصِيَةِ وَالطَّاعَةِ.

ثَانِيهِمَا: أَنَّهُ بَاشَرَ مَا يُفْضِي إِلَى الَّذِي تَنْفِرُ مِنْهُ الطِّبَاعُ السَّلِيمَةُ وَتَكْرَهُهُ مِنْ عَوْدِهَا إِلَيْهِ - أَيِ الْمَرْأَةِ - مِنْ مُضَاجَعَةِ غَيْرِهِ إِيَّاهَا وَاسْتِمْتَاعِهِ بِهَا وَهُوَ الطَّلَقَاتُ الثَّلاَثُ، إِذْ لَوْلاَهَا لَمَا وَقَعَ فِيهِ فَكَانَ إِلْحَاقُهُ اللَّعْنَ بِهِ لأَِجْل الطَّلَقَاتِ (١)

وَقَدْ أَوَّل الْحَنَفِيَّةُ اللَّعْنَ الْوَارِدَ فِي شَأْنِ الْمُحَلِّل بِتَأْوِيلاَتٍ أُخْرَى مِنْهَا: أَنَّ اللَّعْنَ عَلَى مَنْ شَرَطَ الأَْجْرَ عَلَى التَّحْلِيل، وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَاللَّعْنُ عَلَى هَذَا الْحَمْل أَظْهَرُ، لأَِنَّهُ كَأَخْذِ الأُْجْرَةِ عَلَى عَسْبِ التَّيْسِ وَهُوَ حَرَامٌ، وَيُقَرِّبُهُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ سَمَّى الْمُحَلِّل بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ.

وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الْبَزَّازِيِّ: أَنَّهُ لَوْ زَوَّجَتِ الْمُطَلَّقَةُ نَفْسَهَا مِنَ الثَّانِي بِشَرْطِ أَنْ

_________

(١) الْبَدَائِع ٣ / ١٨٧ - ١٨٨، وَالْحَاوِي الْكَبِير للماوردي ١١ / ٤٥٧، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ١٨٣.

يُجَامِعَهَا وَيُطْلِقَهَا لِتَحِل لِلأَْوَّل قَال الإِْمَامُ: النِّكَاحُ وَالشَّرْطُ جَائِزَانِ حَتَّى إِذَا أَبَى الثَّانِي طَلاَقَهَا أَجْبَرَهُ الْقَاضِي عَلَى ذَلِكَ وَحَلَّتْ لِلأَْوَّل (١) .

الثَّالِثَةُ: أَنْ يَتَوَاطَأَ الْعَاقِدَانِ قَبْل الْعَقْدِ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَحَلَّهَا لِلزَّوْجِ الأَْوَّل طَلَّقَهَا ثُمَّ عَقَدَ بِذَلِكَ الْقَصْدِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الشَّرْطِ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ.

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ ذَكَرَهُ الْقَاضِي إِلَى صِحَّةِ هَذَا النِّكَاحِ، لِخُلُوِّهِ مِنْ شَرْطٍ يُفْسِدُهُ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى طَلاَقَهَا لِغَيْرِ الإِْحْلاَل أَوْ مَا لَوْ نَوَتِ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ، وَلأَِنَّ الْعَقْدَ إِنَّمَا يَبْطُل بِمَا شُرِطَ لاَ بِمَا قُصِدَ (٢) .

قَال مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: إِنَّ امْرَأَةً طَلَّقَهَا زَوْجُهَا ثَلاَثًا وَكَانَ مِسْكِينٌ أَعْرَابِيٌّ يَقْعُدُ بِبَابِ الْمَسْجِدِ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ لَهُ: هَل لَكَ فِي امْرَأَةٍ تَنْكِحُهَا فَتَبِيتَ مَعَهَا اللَّيْلَةَ، فَتُصْبِحَ فَتُفَارِقَهَا؟ فَقَال: نَعَمْ، وَكَانَ ذَلِكَ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: إِنَّكَ إِذَا أَصْبَحْتَ

_________

(١) الْبَدَائِع ٣ / ١٨٧، وَرَدّ الْمُحْتَارِ عَلَى الدَّرِّ الْمُخْتَارِ ٢ / ٥٤٠ - ٥٤١

(٢) الْبَدَائِع ٢ / ١٨٧، وَحَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٢ / ٥٤٠، وَالْحَاوِي الْكَبِير للماوردي ١١ / ٤٥٧، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ١٨٣، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَة ٦ / ٦٤٦، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٥ / ٩٥

فَإِنَّهُمْ سَيَقُولُونَ لَكَ فَارِقْهَا، فَلاَ تَفْعَل فَإِنِّي مُقِيمَةٌ لَكَ مَا تَرَى، وَاذْهَبْ إِلَى عُمَرَ، فَلَمَّا أَصْبَحَتْ أَتَوْهُ وَأَتَوْهَا، فَقَالَتْ: كَلِّمُوهُ أَنْتُمْ جِئْتُمْ بِهِ، فَكَلَّمُوهُ، فَأَبَى وَانْطَلَقَ إِلَى عُمَرَ، فَقَال: الْزَمِ امْرَأَتَكَ فَإِنْ رَابُوكَ بِرَيْبٍ فَائْتِنِي، وَأَرْسَل إِلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي مَشَتْ فَنَكَّل بِهَا، ثُمَّ كَانَ يَغْدُو إِلَى عُمَرَ وَيَرُوحُ فِي حُلَّةٍ فَيَقُول: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسَاكَ يَا ذَا الرُّقْعَتَيْنِ حُلَّةً تَغْدُو فِيهَا وَتَرُوحُ " (١) فَقَدْ أَمْضَى عُمَرُ ﵁ هَذَا النِّكَاحَ وَلَمْ يَرَ فِيهِ بَأْسًا حَيْثُ تَقَدَّمَ فِيهِ الشَّرْطُ عَلَى الْعَقْدِ (٢) .

إِلاَّ أَنَّ هَذَا النِّكَاحَ يُكْرَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ خُرُوجًا مِنْ خِلاَفِ مَنْ أَبْطَلَهُ، وَلأَِنَّ سَيِّدَنَا عُمَرَ ﵁ نَكَّل بِالْمَرْأَةِ الَّتِي سَفَّرَتْ بَيْنَ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ فِي الْقِصَّةِ السَّابِقَةِ فَدَل عَلَى كَرَاهَتِهِ.

أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَيَرَوْنَ أَنَّ هَذَا النِّكَاحَ مُسْتَحَبٌّ، وَأَنَّ الرَّجُل الْمُحَلِّل مَأْجُورٌ فِيهِ إِذَا فَعَلَهُ لِقَصْدِ الإِْصْلاَحِ، لاَ مُجَرَّدَ قَضَاءِ الشَّهْوَةِ وَنَحْوِهَا إِلاَّ

_________

(١) أَثَر ابْن سِيرِين: " أَنَّ امْرَأَةً طَلَّقَهَا زَوْجُهَا. . . ". أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيّ فِي الأُْمِّ (١٠ / ٢٧٤ - ط دَار قُتَيْبَة) .

(٢) الْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَة ٦ / ٦٤٧ - ٦٤٨، وَالْحَاوِي الْكَبِير للماوردي ١١ / ٤٥٧، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٥ / ٩٥

أَنَّ السُّرُوجِيَّ أَوْرَدَ: أَنَّهُ يُكْرَهُ، لأَِنَّ الثَّابِتَ عَادَةً كَالثَّابِتِ نَصًّا، أَيْ فَيَصِيرُ شَرْطُ التَّحْلِيل كَأَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْعَقْدِ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ هَذَا النِّكَاحَ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِحَدِيثِ: لَعَنَ رَسُول اللَّهِ ﷺ الْمُحِل وَالْمُحَلَّل لَهُ (١) وَلأَِنَّهُ قَصَدَ بِهِ التَّحْلِيل فَلَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ شَرَطَهُ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ إِلاَّ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ يَرَوْنَ أَنَّهُ بَاطِلٌ، أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَيَرَوْنَ أَنَّهُ يُفْسَخُ أَبَدًا بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ لِلاِخْتِلاَفِ فِيهِ (٢) قَال الدُّسُوقِيُّ: وَمَحَل فَسَادِ النِّكَاحِ إِذَا قَصَدَ الْمُحَلِّل تَحْلِيلَهَا مَا لَمْ يَحْكُمْ بِصِحَّتِهِ مَنْ يَرَى صِحَّتَهُ كَشَافِعِيٍّ وَإِلاَّ كَانَ صَحِيحًا، لأَِنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ فِي الْمَسَائِل الاِجْتِهَادِيَّةِ يَرْفَعُ الْخِلاَفَ وَيُصَيِّرُ الْمَسْأَلَةَ كَالْمُجْمَعِ عَلَيْهَا (٣) .

الرَّابِعَةُ: أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ قَبْل الْعَقْدِ أَنْ يُحِلَّهَا لَهُ فَنَوَى الْمُحَلِّل فِي الْعَقْدِ غَيْرَ مَا شَرَطُوا عَلَيْهِ كَأَنْ يَقْصِدَ نِكَاحَ رَغْبَةٍ، أَوْ نَوَى إِمْسَاكَهَا وَعَدَمَ فِرَاقِهَا إِنْ أَعْجَبَتْهُ.

فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى صِحَّةِ هَذَا النِّكَاحِ، لأَِنَّهُ خَلاَ عَنْ

_________

(١) حَدِيث: " لَعَنَ رَسُول اللَّهِ ﷺ الْمَحَل. . . ". سَبَقَ تَخْرِيجه ف ١٩

(٢) الشَّرْح الْكَبِير مَعَ حَاشِيَةِ الدُّسُوقِيّ ٢ / ٢٥٨ - ٢٥٩، وَالشَّرْح الصَّغِير ٢ / ٤١٣، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَة ٦ / ٦٤٥، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٥ / ٩٤، وَالْحَاوِي الْكَبِير ١١ / ٤٥٧.

(٣) مِنْ حَاشِيَةِ الدُّسُوقِيّ ٢ / ٢٥٨

شَرْطِ التَّحْلِيل وَنِيَّةِ التَّحْلِيل كَمَا لَوْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ. قَال الْحَنَابِلَةُ: وَعَلَى هَذَا يُحْمَل حَدِيثُ ذِي الرُّقْعَتَيْنِ لأَِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ قَصَدَ التَّحْلِيل وَلاَ أَنَّهُ نَوَاهُ. وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الْمُحَلِّل إِنْ نَوَى التَّحْلِيل مَعَ نِيَّةِ إِمْسَاكِهَا عِنْدَ الإِْعْجَابِ بِأَنْ نَوَى مُفَارَقَتَهَا إِنْ لَمْ تُعْجِبْهُ وَإِمْسَاكَهَا إِنْ أَعْجَبَتْهُ فَإِنَّهُ لاَ يُحِلُّهَا وَهُوَ نِكَاحٌ فَاسِدٌ: لاِنْتِفَاءِ نِيَّةِ الإِْمْسَاكِ عَلَى الدَّوَامِ الْمَقْصُودَةِ مِنَ النِّكَاحِ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا قَبْل الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ (١) .

الآْثَارُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى نِكَاحِ الْمُحَلِّل:

أَوَّلًا: حِل الْمَرْأَةِ لِلزَّوْجِ الأَْوَّل:

٢٠ - يَرَى مَنْ قَال بِصِحَّةِ نِكَاحِ الْمُحَلِّل حَسَبَ الصُّوَرِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنَّ هَذَا النِّكَاحَ تَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامُ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ مِنْ حِل الاِسْتِمْتَاعِ وَوُجُوبِ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ وَثُبُوتِ الإِْحْصَانِ وَالنَّسَبِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآْثَارِ.

وَأَمَّا مَنِ اعْتَبَرَ نِكَاحَ الْمُحَلِّل فَاسِدًا فِي الصُّوَرِ الَّتِي سَبَقَ ذِكْرُهَا فَيَثْبُتُ فِيهِ عِنْدَهُمْ سَائِرُ أَحْكَامِ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ وَلاَ يَحْصُل بِهِ الإِْحْصَانُ وَلاَ الإِْبَاحَةُ لِلزَّوْجِ الأَْوَّل.

وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَدِيمِ بِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَحِل لِلزَّوْجِ الأَْوَّل فِي نِكَاحِ الْمُحَلِّل الْفَاسِدِ إِذَا

_________

(١) بَدَائِع الصَّنَائِع ٢ / ٨٧ - ٨٨، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ١٨٣، وَالْجُمَل عَلَى شَرْحِ الْمَنْهَجِ ٤ / ١٨٧، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٢ / ٢٥٨، وَالشَّرْح الصَّغِير ٢ / ٤١٣، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَة ٦ / ٦٤٨، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٥ / ٩٥

ذَاقَتْ عُسَيْلَةَ الْمُحَلِّل وَذَاقَ عُسَيْلَتَهَا (١) .

ثَانِيًا: هَدْمُ الطَّلَقَاتِ:

٢١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ نِكَاحَ الْمُحَلِّل يَهْدِمُ طَلَقَاتِ الزَّوْجِ الأَْوَّل الثَّلاَثَ. وَالتَّفْصِيل فِي (تَحْلِيل ف ١٢) .

حَادِيَ عَشَرَ: نِكَاحُ الْمُحْرِمِ

٢٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّةِ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ. فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَهُمُ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ نِكَاحَ الْمُحْرِمِ لاَ يَصِحُّ سَوَاءٌ كَانَ زَوْجًا أَوْ زَوْجَةً أَوْ وَلِيًّا عَقَدَ النِّكَاحَ لِمَنْ يَلِيهِ أَوْ وَكِيلًا عَقَدَ النِّكَاحَ لِمُوَكِّلِهِ وَبِهِ قَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ﵃ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَالزُّهْرِيُّ وَالأَْوْزَاعِيُّ (٢) لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلاَ يُنْكَحُ وَلاَ يَخْطُبُ (٣) . وَفِي رِوَايَةٍ: لاَ يَتَزَوَّجُ الْمُحْرِمُ وَلاَ

_________

(١) الْحَاوِي للماوردي ١١ / ٤٥٨، وَالْمُغْنِي ٦ / ٦٤٩

(٢) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٢ / ٢٣٩، وَالْقَوَانِينِ الْفِقْهِيَّةِ ١٣٥، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ ١١ / ٤٥٩ وَمَا بَعْدَهَا، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ١٥٦ - ١٥٧، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَة ٦ / ٦٤٩، ٣ / ٣٣٢ - ٣٣٣، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٢ / ٤٤١ - ٤٤٣، وَالإِْنْصَاف ٢ / ٤٩٢

(٣) حَدِيثُ: " لاَ يَنْكِحُ الْمُحَرَّم وَلاَ يَنْكِحُ وَلاَ يَخْطُبُ ". أَخْرَجَهُ مُسْلِم (٢ / ١٠٣٠ ط الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ عُثْمَان ﵁

يُزَوَّجُ (١)، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁: " مَنْ تَزَوَّجَ وَهُوَ مُحْرِمٌ نَزَعْنَا مِنْهُ امْرَأَتَهُ " (٢)، وَعَنْ عُمَرَ ﵁: " أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ مُحْرِمَيْنِ تَزَوَّجَا " (٣) وَلِمَا رُوِيَ عَنْ شَوْذَبٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵄ " أَنَّهُ تَزَوَّجَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَفَرَّقَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ بَيْنَهُمَا " (٤) وَلأَِنَّهُ مَعْنًى يَثْبُتُ بِهِ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ الإِْحْرَامُ كَالْوَطْءِ (٥) .

_________

(١) حَدِيث: " لاَ يَتَزَوَّجُ الْمُحَرَّم وَلاَ يُزَوِّجُ ". أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ (٣ / ٢٦١ ط دَار الْمَحَاسِن) مِنْ حَدِيثِ أَنَس ﵁

(٢) أَثَر عَلِيِّ ﵁: " مِنْ تَزَوُّجٍ وَهُوَ مَحْرَم. . . ". أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيّ (٥ / ٦٦ ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ الْعُثْمَانِيَّة)

(٣) أَثَر عُمَر ﵁: " أَنَّهُ فَرْقٌ بَيْنَ مُحْرِمَيْنِ تَزَوَّجَا ". أَخْرَجَهُ مَالِك (الْمُوَطَّأُ ١ / ٣٤٩ ط الْحَلَبِيّ) مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَطَفَانِ بْن طَرِيف الْمَرِّي أَنَّ أَبَاهُ طَرِيفًا تَزَوُّج امْرَأَةٍ وَهُوَ مَحْرَم فَر

(٤) أَثَر شَوْذَب: " أَنَّهُ تَزَوُّجٌ وَهُوَ مَحْرَم. . . ". أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيّ (٥ / ٦٦ ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ الْعُثْمَانِيَّة)

(٥) الدُّسُوقِيّ ٢ / ٢٣٩، وَالْقَوَانِين الْفِقْهِيَّة ص ١٣٥، وَالْحَاوِي الْكَبِير للماوردي ١١ / ٤٥٩ وَمَا بَعْدَهَا، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ١٥٦، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَة ٦ / ٦٤٩، ٣ / ٣٣٢