الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤١
وَلِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: " قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: حَرَّمَ - أَوْ هَدَمَ - الْمُتْعَةَ النِّكَاحُ وَالطَّلاَقُ وَالْعِدَّةُ وَالْمِيرَاثُ " (١) بِمَعْنَى أَنَّ الْمُتْعَةَ تَرْتَفِعُ مِنْ غَيْرِ طَلاَقٍ وَلاَ فُرْقَةٍ وَلاَ يَجْرِي التَّوَارُثُ بَيْنَهُمَا، مِمَّا دَل عَلَى أَنَّ الْمُتْعَةَ لَيْسَتْ بِنِكَاحٍ وَلَمْ تَكُنِ الْمَرْأَةُ فِيهَا زَوْجَةً لِلرَّجُل.
وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ ﴿إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٢)﴾ فَالَّتِي اسْتَمْتَعَ بِهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً وَلاَ مِلْكَ يَمِينٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي الْمُتْعَةِ لَوْمٌ.
وَبِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: إِنَّمَا كَانَتِ الْمُتْعَةُ فِي أَوَّل الإِْسْلاَمِ، كَانَ الرَّجُل يَقْدَمُ الْبَلْدَةَ لَيْسَ لَهُ بِهَا مَعْرِفَةٌ فَيَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ بِقَدْرِ مَا يَرَى أَنَّهُ يُقِيمُ، فَتَحْفَظُ لَهُ مَتَاعَهُ
_________
(١) حَدِيث: " حَرَّمَ - أَوْ هَدَمَ - الْمُتْعَة. . . ". أَخْرَجَهُ ابْن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ (الإِْحْسَان بِتَرْتِيبٍ صَحِيح ابْن حِبَّانَ ٦ / ١٧٨)، وَالْبَيْهَقِيّ (٧ / ٢٠٧ ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ الْعُثْمَانِيَّة) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَذِكْر الْحَافِظِ ابْن حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي (٩ / ١٧٠) أَنَّ فِي إِسْنَادِهِ مَقَالًا، حَيْثُ أَعُلْهُ بِرَاوِيَيْنِ فِي إِسْنَادِهِ
(٢) سُورَة الْمُؤْمِنُونَ / ٥، ٦
وَتُصْلِحُ لَهُ شَأْنَهُ حَتَّى نَزَلَتِ الآْيَةُ ﴿إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: فَكُل فَرْجٍ سِوَى هَذَيْنِ فَهُوَ حَرَامٌ " (١) .
وَلأَِنَّ النِّكَاحَ مَا شُرِعَ لاِقْتِضَاءِ الشَّهْوَةِ، بَل شُرِعَ لأَِغْرَاضٍ وَمَقَاصِدَ يُتَوَسَّل بِهِ إِلَيْهَا، وَاقْتِضَاءُ الشَّهْوَةِ بِالْمُتْعَةِ لاَ يَقَعُ وَسِيلَةً إِلَى الْمَقَاصِدِ فَلاَ يُشْرَعُ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ وَالتَّابِعِينَ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ (٢)
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أَيْ فِي النِّكَاحِ لأَِنَّ الْمَذْكُورَ فِي أَوَّل الآْيَةِ وَآخِرِهَا هُوَ النِّكَاحُ، فَإِنَّ اللَّهَ
_________
(١) أَثَر ابْن عَبَّاسٍ: " إِنَّمَا كَانَتِ الْمُتْعَة فِي أَوَّل الإِْسْلاَمِ. . . . أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ (٣ / ٤٢١ ط الْحَلَبِيّ)، وَالْبَيْهَقِيّ (٧ / ٢٠٥ - ٢٠٦ ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ الْعُثْمَانِيَّة)، وَقَال الْحَافِظُ ابْنَ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ (٩ / ١٧٢ط السَّلَفِيَّة): إِسْنَادُهُ ضَعِيف، وَهُوَ شَاذٌّ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ عِلَّةِ إِبَاحَتِهَا
(٢) الْبَدَائِع ٢ / ٢٧٢ - ٢٧٣، وَالشَّرْح الصَّغِير ٢ / ٣٨٧، وَأَحْكَام الْقُرْآنِ لِلْجَصَّاصِ ٢ / ١٦٤ - ١٥٥، وَفَتْح الْبَارِي شَرْح صَحِيح الْبُخَارِيّ ٩ / ١٦٦ - ١٧٤، وَشَرْح مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ ٩ / ١٥٣ - ١٦٢، وَالْحَاوِي للماوردي ١١ / ٤٤٩ - ٤٥٨، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ١٤٢، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٥ / ٩٦ - ٩٨.
تَعَالَى ذَكَرَ أَجْنَاسًا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ فِي أَوَّل الآْيَةِ فِي النِّكَاحِ، وَأَبَاحَ مَا وَرَاءَهَا بِالنِّكَاحِ بِقَوْلِهِ ﷿: ﴿وَأُحِل لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ (١)﴾ أَيْ بِالنِّكَاحِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ (٢)﴾ أَيْ غَيْرَ مُتَنَاكِحِينَ غَيْرَ زَانِينَ وَقَال تَعَالَى فِي سِيَاقِ الآْيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ (٣)﴾ ذَكَرَ النِّكَاحَ لاَ الإِْجَارَةَ وَالْمُتْعَةَ، فَيُصْرَفُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ﴾ إِلَى الاِسْتِمْتَاعِ بِالنِّكَاحِ.
وَأَمَّا تَسْمِيَةُ الْوَاجِبِ أَجْرًا فَنَعَمْ، الْمَهْرُ فِي النِّكَاحِ يُسَمَّى أَجْرًا قَال اللَّهُ ﷿: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ (٤)﴾ أَيْ مُهُورَهُنَّ وَقَال ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ (٥)﴾ .
وَالأَْمْرُ بِإِيتَاءِ الأَْجْرِ بَعْدَ الاِسْتِمْتَاعِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ لاَ يَدُل عَلَى جَوَازِ الإِْجَارَةِ عَلَى مَنْفَعَةِ الْبُضْعِ وَهُوَ الْمُتْعَةُ لأَِنَّ فِي الآْيَةِ الْكَرِيمَةِ بِتَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ، كَأَنَّهُ تَعَالَى قَال: (فَآتَوْهُنَّ
_________
(١) سُورَة النِّسَاء / ٢٤
(٢) سُورَة النِّسَاء / ٢٤
(٣) سُورَة النِّسَاء / ٢٥
(٤) سُورَة النِّسَاء / ٢٥
(٥) سُورَة الأَْحْزَابِ / ٥٠
أُجُورَهُنَّ إِذَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُمْ) أَيْ إِذَا أَرَدْتُمُ الاِسْتِمْتَاعَ بِهِنَّ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ (١)﴾ أَيْ إِذَا أَرَدْتُمْ تَطْلِيقَ النِّسَاءِ، عَلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنَ الآْيَةِ الإِْجَارَةَ وَالْمُتْعَةَ فَقَدْ صَارَتْ مَنْسُوخَةً بِمَا ذُكِرَ مِنَ الآْيَاتِ وَالأَْحَادِيثِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ نَسَخَهُ قَوْلُهُ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ قَال: " الْمُتْعَةُ بِالنِّسَاءِ مَنْسُوخَةٌ نَسَخَتْهَا آيَةُ الطَّلاَقِ وَالصَّدَاقِ وَالْعِدَّةِ وَالْمَوَارِيثِ " (٢) وَالنِّكَاحُ الَّذِي تَثْبُتُ بِهِ هَذِهِ الْحُقُوقُ هُوَ النِّكَاحُ الصَّحِيحُ وَلاَ يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْهَا بِالْمُتْعَةِ (٣)
الْقَوْل الثَّانِي: حُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهَا جَائِزَةٌ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ عَطَاءٌ وَطَاوُوسٌ، وَبِهِ قَال ابْنُ جُرَيْجٍ،
_________
(١) سُورَة الطَّلاَقِ / ١
(٢) أَثَر ابْن مَسْعُود: " الْمُتْعَة بِالنِّسَاءِ مَنْسُوخَة نُسْخَتِهَا آيَة الطَّلاَقِ. . . ". أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق الصَّنْعَانِيّ فِي الْمُصَنَّفِ (٧ / ٥٠ ٥) وَالْبَيْهَقِيّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى (٧ / ٢٠٧ الْمَعْرِفَة)
(٣) الْبَدَائِع ٢ / ٢٧٢ - ٢٧٣، وَفَتْح الْبَارِي ٩ / ١٧٣ - ١٧٤، وَالْحَاوِي الْكَبِير ١١ / ٤٤٩، وَأَحْكَام الْقُرْآنِ لِلْجَصَّاصِ ٢ / ١٤٦ وَمَا بَعْدَهَا، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَة ٦ / ٦٤٤.
وَحَكَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَجَابِرٍ ﵄ (١) وَاحْتَجُّوا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً (٢)﴾ وَالاِسْتِدْلاَل بِهَا مِنْ ثَلاَثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ ذَكَرَ الاِسْتِمْتَاعَ وَلَمْ يَذْكُرِ النِّكَاحَ، وَالاِسْتِمْتَاعُ وَالتَّمَتُّعُ وَاحِدٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِإِيتَاءِ الأَْجْرِ وَالْمُتْعَةِ عَقْدَ الإِْجَارَةِ عَلَى مَنْفَعَةِ الْبُضْعِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِإِيتَاءِ الأَْجْرِ بَعْدَ الاِسْتِمْتَاعِ وَذَلِكَ يَكُونُ فِي عَقْدِ الإِْجَارَةِ وَالْمُتْعَةِ فَأَمَّا الْمَهْرُ فَإِنَّمَا يَجِبُ فِي النِّكَاحِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَيُؤْخَذُ الزَّوْجُ بِالْمَهْرِ أَوَّلًا ثُمَّ يُمَكَّنُ مِنَ الاِسْتِمْتَاعِ فَدَلَّتِ الآْيَةُ الْكَرِيمَةُ عَلَى جَوَازِ عَقْدِ الْمُتْعَةِ (٣)
كَمَا اسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِإِبَاحَةِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ بِقَوْل عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَال: " مُتْعَتَانِ كَانَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَا أَنْهَى عَنْهُمَا وَأُعَاقِبُ عَلَيْهِمَا: مُتْعَةُ النِّسَاءِ وَمُتْعَةُ الْحَجِّ " (٤) .
_________
(١) الْمُغْنِي ١٠ / ٤٦ ط هَجَرَ.
(٢) سُورَة النِّسَاء / ٢٤
(٣) الْبَدَائِع ٢ / ٢٧٢، ٢٧٣.
(٤) أَثَر عُمَر بْن الْخَطَّابِ: " مُتْعَتَانِ كَانَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ. . . ". أَخْرَجَهُ سَعِيد بْن مَنْصُور (الْقِسْم الأَْوَّل مِنَ الْمُجَلَّدِ الثَّالِثِ / ٢١٠ ط عِلْمِي بِرَيِّسٍ)، وَصَرْح ابْن قِيَم ا
قَالُوا: فَأُخْبِرْنَا بِإِبَاحَتِهِمَا عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ، وَمَا ثَبَتَ إِبَاحَتُهُ بِالشَّرْعِ لَمْ يَكُنْ بِهِ تَحْرِيمٌ بِالاِجْتِهَادِ.
وَاسْتَدَلُّوا كَذَلِكَ بِمَا وَرَدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: " كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لَيْسَ لَنَا نِسَاءٌ، فَقُلْنَا: أَلاَ نَسْتَخْصِي؟ فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ إِلَى أَجَلٍ، ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَل اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ " (١)﴾ .
وَبِمَا وَرَدَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَال: " كُنَّا نَسْتَمْتِعُ بِالْقَبْضَةِ مِنَ التَّمْرِ وَالدَّقِيقِ الأَْيَّامَ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ حَتَّى نَهَى عَنْهُ عُمَرُ " (٢) .
وَلأَِنَّ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ، فَصَحَّ تَقْدِيرُهُ بِمُدَّةٍ كَالإِْجَارَةِ، وَلأَِنَّهُ قَدْ ثَبَتَتْ إِبَاحَتُهُ
_________
(١) قَوْل ابْن مَسْعُود: " كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لَيْسَ لَنَا نِسَاء. . . ". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (٨ / ٢٧٦ ط السَّلَفِيَّة)، وَمُسْلِم (٢ / ١٠٢٢ ط الْحَلَبِيّ)، وَاللَّفْظ لِمُسْلِم
(٢) حَدِيث: " كُنَّا نَسْتَمْتِعُ بِالْقَبْضَةِ مِنَ التَّمْرِ. . . ". أَخْرَجَهُ مُسْلِم (٢ / ١٠٢٣ ط الْحَلَبِيّ)
بِالإِْجْمَاعِ فَلَمْ يُنْتَقَل عَنْهُ إِلَى التَّحْرِيمِ إِلاَّ بِإِجْمَاعٍ آخَرَ (١)
١٢ - قَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَقَدْ صَحَّ التَّحْرِيمُ الْمُؤَبَّدُ لِلْمُتْعَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِحَدِيثِ سَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَتَحَ مَكَّةَ قَال: فَأَقَمْنَا بِهَا خَمْسَ عَشَرَ، فَأَذِنَ لَنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَال: " فَلَمْ أَخْرُجْ حَتَّى حَرَّمَهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ " (٢) .
وَمُخَالَفَةُ بَعْضٍ مِنَ الصَّحَابَةِ غَيْرُ قَادِحَةٍ فِي حُجِّيَّتِهِ وَلاَ قَائِمَةٍ لَنَا بِالْمَعْذِرَةِ عَنِ الْعَمَل بِهِ، وَالْجُمْهُورُ مِنَ الصَّحَابَةِ قَدْ حَفِظُوا التَّحْرِيمَ وَعَمِلُوا بِهِ حَتَّى قَال عُمَرُ ﵁: " إِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَذِنَ لَنَا فِي الْمُتْعَةِ ثَلاَثًا ثُمَّ حَرَّمَهَا، وَاللَّهِ لاَ أَعْلَمُ أَحَدًا تَمَتَّعَ وَهُوَ مُحْصَنٌ إِلاَّ رَجَمْتُهُ بِالْحِجَارَةِ " (٣) .
_________
(١) الْبَدَائِع ٢ / ٢٧٢ - ٢٧٣، وَفَتْح الْبَارِي ٩ / ١٧٣ - ١٧٤، وَالْحَاوِي الْكَبِير ١١ / ٤٤٩، وَأَحْكَام الْقُرْآنِ لِلْجَصَّاصِ ٢ / ١٤٦ وَمَا بَعْدَهَا، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَة ٦ / ٦٤٤.
(٢) حَدِيث سَبْرَة الْجَهْنَيْ: " أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَتْح مَكَّةَ. . . ". أَخْرَجَهُ مُسْلِم (٢ / ١٠٢٤ ط الْحَلَبِيّ)
(٣) حَدِيث عُمَر: " إِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَذِنَ لَنَا فِي الْمُتْعَةِ ثَلاَثًا. . . ". أَخْرَجَهُ ابْن مَاجَهْ (١ / ٦٣١ ط الْحَلَبِيّ)، وَقَال الْبُوصَيْرِيّ فِي مِصْبَاحِ الزُّجَاجَةِ (١ / ٣٤٢ - ط دَار الْجِنَان): هَذَا إِسْنَاد فِيهِ مَقَال
رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: حَرَّمَ أَوْ - هَدَمَ - الْمُتْعَةَ النِّكَاحُ وَالطَّلاَقُ وَالْعِدَّةُ وَالْمِيرَاثُ " (١) .
وَوَرَدَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَال: " خَرَجْنَا وَمَعَنَا النِّسَاءُ اللاَّتِي اسْتَمْتَعْنَا بِهِنَّ. . . فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: هُنَّ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " (٢) .
وَأَمَّا مَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ " كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لَيْسَ لَنَا نِسَاءٌ. فَقُلْنَا: أَلاَ نَسْتَخْصِي؟ فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ رَخَّصَ أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ إِلَى أَجَلٍ " (٣)، بِأَنَّ مُؤَدَّى هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ إِبَاحَةُ الْمُتْعَةِ الَّتِي حَرَّمَهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي سَائِرِ الأَْخْبَارِ، وَمِنَ الْمَعْرُوفِ أَنَّ الْمُتْعَةَ قَدْ أُبِيحَتْ فِي وَقْتٍ ثُمَّ
_________
(١) حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ: " حَرَم أَوْ - هَدَمَ - الْمُتْعَة الطَّلاَق وَالْعِدَّة وَالْمِيرَاث ". تَقَدَّمَ تَخْرِيجه ف (١١)
(٢) حَدِيث جَابِر: " خَرَجْنَا وَمَعَنَا النِّسَاء اللاَّتِي اسْتَمْتَعْنَا بِهِنَّ. . . ". أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأَْوْسَطِ (١ / ٥١٠ - ٥١١ ط الْمَعَارِف)، وَقَال الهيثمي فِي الْمَجْمَعِ (٤ / ٢٦٤ ط مَكْتَبَة الْقُدْسِيّ): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأَْوْسَطِ، وَفِيهِ صَدَقَة بْن عَبْد اللَّه وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِم وَغَيْره، وَضِعْفه أَحْمَد وَجَمَاعَة، وَبَقِيَّة رِجَالِهِ رِجَال الصَّحِيحِ
(٣) حَدِيث ابْن مَسْعُود: " كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ. . . ". تَقَدَّمَ تَخْرِيجه ف (١١)
حُرِّمَتْ وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ذِكْرُ التَّارِيخِ فَأَخْبَارُ الْحَظْرِ قَاضِيَةٌ عَلَيْهَا لأَِنَّ فِيهَا ذِكْرُ الْحَظْرِ مِنَ الإِْبَاحَةِ وَأَيْضًا لَوْ تَسَاوَيَا لَكَانَ الْحَظْرُ أَوْلَى.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ الْمُتْعَةَ مَنْسُوخَةٌ بِالطَّلاَقِ وَالْعِدَّةِ وَالْمِيرَاثِ (١) وَقَال الْجَصَّاصُ: قَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمُتْعَةَ قَدْ كَانَتْ مُبَاحَةً فِي وَقْتٍ فَلَوْ كَانَتِ الإِْبَاحَةُ بَاقِيَةً لَوَرَدَ النَّقْل بِهَا مُسْتَفِيضًا مُتَوَاتِرًا لِعُمُومِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ وَلَعَرَّفَتْهَا الْكَافَّةُ وَلَمَا اجْتَمَعَتِ الصَّحَابَةُ عَلَى تَحْرِيمِهَا لَوْ كَانَتِ الإِْبَاحَةُ بَاقِيَةً، فَلَمَّا وَجَدْنَا الصَّحَابَةَ مُنْكِرِينَ لإِبَاحَتِهَا مُوجِبِينَ لِحَظْرِهَا مَعَ عِلْمِهِمْ بَدْيًا بِإِبَاحَتِهَا دَل ذَلِكَ عَلَى حَظْرِهَا بَعْدَ الإِْبَاحَةِ وَلاَ نَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ رُوِيَ عَنْهُ تَجْرِيدُ الْقَوْل فِي إِبَاحَةِ الْمُتْعَةِ غَيْرَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَدْ رَجَعَ عَنْهُ حِينَ اسْتَقَرَّ عِنْدَهُ تَحْرِيمُهَا بِتَوَاتُرِ الأَْخْبَارِ مِنْ جِهَةِ الصَّحَابَةِ وَهَذَا كَقَوْلِهِ فِي الصَّرْفِ وَإِبَاحَتِهِ الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ يَدًا بِيَدٍ فَلَمَّا اسْتَقَرَّ عِنْدَهُ تَحْرِيمُ النَّبِيِّ ﷺ إِيَّاهُ وَتَوَاتَرَتْ عِنْدَهُ الأَْخْبَارُ فِيهِ مِنْ كُل نَاحِيَةٍ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ وَصَارَ إِلَى قَوْل الْجَمَاعَةِ فَكَذَلِكَ كَانَ سَبِيلُهُ فِي الْمُتْعَةِ.
وَيَدُل عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ قَدْ عَرَفَتْ نَسْخَ
_________
(١) أَحْكَام الْقُرْآنِ لِلْجَصَّاصِ ٢ / ١٥١ ط رَابِطَة الأَْوْقَاف الإِْسْلاَمِيَّة.
إِبَاحَةِ الْمُتْعَةِ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَال فِي خُطْبَتِهِ: " مُتْعَتَانِ كَانَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَا أَنْهَى عَنْهُمَا وَأُعَاقِبُ عَلَيْهِمَا " وَقَال فِي خَبَرٍ آخَرَ: " لَوْ تَقَدَّمْتُ فِيهَا لَرَجَمْتُ " فَلَمْ يُنْكِرْ هَذَا الْقَوْل عَلَيْهِ مُنْكِرٌ لاَ سِيَّمَا فِي شَيْءٍ قَدْ عَلِمُوا إِبَاحَتَهُ، وَإِخْبَارُهُ بِأَنَّهُمَا كَانَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ، فَلاَ يَخْلُو ذَلِكَ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ، إِمَّا أَنْ يَكُونُوا قَدْ عَلِمُوا بَقَاءَ إِبَاحَتِهِ فَاتَّفَقُوا مَعَهُ عَلَى حَظْرِهَا وَحَاشَاهُمْ مِنْ ذَلِكَ، لأَِنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أَنْ يَكُونُوا مُخَالِفِينَ لأَِمْرِ النَّبِيِّ ﷺ عِيَانًا وَقَدْ وَصَفَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنَّهُمْ خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَغَيْرُ جَائِزٍ مِنْهُمُ التَّوَاطُؤُ عَلَى مُخَالَفَةِ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلأَِنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى الْكُفْرِ وَإِلَى الاِنْسِلاَخِ مِنَ الإِْسْلاَمِ، لأَِنَّ مَنْ عَلِمَ إِبَاحَةَ النَّبِيِّ ﷺ لِلْمُتْعَةِ ثُمَّ قَال هِيَ مَحْظُورَةٌ مِنْ غَيْرِ نَسْخِ لَهَا فَهُوَ خَارِجٌ مِنَ الْمِلَّةِ، فَإِذَا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ عَلِمْنَا أَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا حَظْرَهَا بَعْدَ الإِْبَاحَةِ وَلِذَلِكَ لَمْ يُنْكِرُوهُ، وَلَوْ كَانَ مَا قَال عُمَرُ مُنْكَرًا وَلَمْ يَكُنِ النَّسْخُ عِنْدَهُمْ ثَابِتًا لَمَا جَازَ أَنْ يُقَارُّوهُ عَلَى تَرْكِ النَّكِيرِ عَلَيْهِ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى إِجْمَاعِهِمْ عَلَى نَسْخِ الْمُتْعَةِ، إِذْ غَيْرُ جَائِزٍ حَظْرُ مَا أَبَاحَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلاَّ مِنْ طَرِيقِ النَّسْخِ (١)
وَقَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَقَدْ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ
_________
(١) أَحْكَام الْقُرْآنِ لِلْجَصَّاصِ ٢ / ١٥١ - ١٥٢.