الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤١
غَيْرِهِ عَلَيْهَا قَبْلَهُ، فَإِنْ تَلَذَّذَ الثَّانِي - فِي هَذِهِ الْحَال - فَهِيَ لَهُ دُونَ الأَْوَّل، وَيُشْتَرَطُ لِذَلِكَ: أَنْ يَتَلَذَّذَ بِهَا غَيْرَ عَالِمٍ بِأَنَّهُ ثَانٍ، وَأَنْ لاَ يَكُونَ عَقْدُ الثَّانِي فِي عِدَّةِ وَفَاةِ الأَْوَّل، وَأَنْ لاَ يَسْبِقَهُ الأَْوَّل بِالتَّلَذُّذِ بِهَا.
وَفَسْخُ نِكَاحِهِمَا مَعًا بِلاَ طَلاَقٍ إِنْ عَقَدَا بِزَمَنٍ وَاحِدٍ تَحْقِيقًا أَوْ شَكًّا، دَخَلاَ أَوْ أَحَدُهُمَا، أَوْ لاَ.
وَكَذَا يُفْسَخُ نِكَاحُ الثَّانِي فَقَطْ بِلاَ طَلاَقٍ لأَِجْل بَيِّنَةٍ شَهِدَتْ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ أَقَرَّ قَبْل الدُّخُول أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ ثَانٍ، وَالْحَال أَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ لَهُمَا عَلَى التَّرْتِيبِ وَعُلِمَ الأَْوَّل وَالثَّانِي.
أَمَّا إِنْ أَقَرَّ الثَّانِي بَعْدَ الدُّخُول بِأَنَّهُ دَخَل عَالِمًا بِأَنَّهُ ثَانٍ فَيُفْسَخُ نِكَاحُهُ بِطَلاَقٍ بَائِنٍ لاِحْتِمَال كَذِبِهِ وَأَنَّهُ دَخَل غَيْرَ عَالِمٍ، وَيَلْزَمُهُ جَمِيعُ الصَّدَاقِ، وَلاَ تَكُونُ لِلأَْوَّل.
وَكَذَا يُفْسَخُ النِّكَاحَانِ بِطَلاَقٍ إِنْ تَحَقَّقَ وُقُوعُهُمَا فِي زَمَانَيْنِ وَجُهِل تَقَدُّمُ زَمَنِ عَقْدِ أَحَدِهِمَا عَلَى زَمَنِ عَقْدِ الآْخَرِ إِذَا لَمْ يَدْخُلاَ، أَوْ دَخَلاَ مَعًا وَلَمْ يُعْلَمِ الأَْوَّل وَإِلاَّ كَانَتْ لَهُ، فَإِنْ دَخَل أَحَدُهُمَا فَهِيَ لَهُ إِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ ثَانٍ (١) .
١٠٥ - وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا أَذِنَتِ الْمَرْأَةُ لأَِحَدِ الْوَلِيَّيْنِ أَنْ يُزَوِّجَهَا بِزَيْدٍ وَلِلآْخَرِ أَنْ يُزَوِّجَهَا
_________
(١) الشرح الصغير والصاوي ٢ / ٣٧٨ - ٣٨٢، والشرح الكبير والدسوقي ٢ / ٢٣٥.
بِعَمْرٍو، وَأَطْلَقَتِ الإِْذْنَ، وَصَحَّحْنَاهُ، فَزَوَّجَ وَاحِدٌ زَيْدًا وَالآْخَرُ عَمْرًا، أَوْ وَكَّل الْوَلِيُّ الْمُجْبِرُ رَجُلًا فَزَوَّجَ الْوَلِيُّ زَيْدًا وَالْوَكِيل عَمْرًا، أَوْ وَكَّل رَجُلَيْنِ فَزَوَّجَ أَحَدُهُمَا زَيْدًا وَالآْخَرُ عَمْرًا، فَلِلْمَسْأَلَةِ خَمْسُ صُوَرٍ:
إِحْدَاهَا: أَنْ يَسْبِقَ أَحَدُ النِّكَاحَيْنِ وَنَعْلَمُهُ، فَهُوَ الصَّحِيحُ وَالثَّانِي بَاطِلٌ، سَوَاءٌ أَدَخَل الثَّانِي أَمْ لاَ، وَإِنَّمَا يُعْلَمُ السَّبْقُ بِالْبَيِّنَةِ أَوِ التَّصَادُقِ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقَعَا مَعًا، فَبَاطِلاَنِ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا لَمْ يُعْلَمِ السَّبْقُ وَالْمَعِيَّةُ وَأَمْكَنَ الْعِلْمُ بِهِمَا، فَبَاطِلاَنِ، لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ الصِّحَّةِ، كَذَا أَطْلَقَ الْجُمْهُورُ، وَنَقَل الإِْمَامُ وَغَيْرُهُ وَجْهًا أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ إِنْشَاءِ فَسْخٍ لاِحْتِمَال السَّبْقِ.
الرَّابِعَةُ: أَنْ يَسْبِقَ وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ، ثُمَّ يَخْفَى، فَيُتَوَقَّفُ حَتَّى يُبَيَّنَ، وَلاَ يَجُوزُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا الاِسْتِمْتَاعُ بِهَا، وَلاَ لِثَالِثٍ نِكَاحُهَا إِلاَّ أَنْ يُطَلِّقَاهَا أَوْ يَمُوتَا أَوْ يُطَلِّقَ أَحَدُهُمَا وَيَمُوتَ الآْخَرُ وَتَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا بَعْدَ مَوْتِ آخِرِهِمَا.
الْخَامِسَةُ: إِذَا عُلِمَ سَبْقُ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَعَيَّنْ، بِأَنْ أُيِسَ مِنْ تَعْيِينِهِ وَلَمْ تُرْجَ مَعْرِفَتُهُ، فَبَاطِلاَنِ عَلَى الْمَنْصُوصِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ كَمَا لَوِ احْتُمِل السَّبْقُ وَالْمَعِيَّةُ لِتَعَذُّرِ الإِْمْضَاءِ لَعَمَّ تَعْيِينُهُ، وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: قَوْلاَنِ أَحَدُهُمَا هَذَا
- أَيْ بَاطِلاَنِ - وَالثَّانِي مُخَرَّجٌ مِنْ نَظِيرِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْجُمُعَتَيْنِ أَنَّهُ يُوقَفُ الأَْمْرُ حَتَّى يَتَعَيَّنَ، فَإِنْ رُجِيَ مَعْرِفَتُهُ وَجَبَ التَّوَقُّفُ (١) .
١٠٦ - وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِذَا زَوَّجَ وَلِيَّانِ مُسْتَوِيَانِ فِي الدَّرَجَةِ اثْنَيْنِ، وَعُلِمَ السَّابِقُ مِنْهُمَا، فَالنِّكَاحُ لَهُ وَعَقْدُ الثَّانِي بَاطِلٌ، لِحَدِيثِ سَمُرَةَ وَعُقْبَةَ مَرْفُوعًا: " أَيُّمَا امْرَأَةٍ زَوَّجَهَا وَلِيَّانِ فَهِيَ لِلأَْوَّل مِنْهُمَا " (٢)، وَلأَِنَّ الْعَقْدَ الأَْوَّل خَلاَ عَنْ مُبْطِلٍ، وَالثَّانِي تَزَوَّجَ زَوْجَةَ غَيْرِهِ فَكَانَ بَاطِلًا كَمَا لَوْ عَلِمَ.
فَإِنْ دَخَل بِهَا الثَّانِي وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ أَنَّهَا ذَاتُ زَوْجٍ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا لِبُطْلاَنِ نِكَاحِهِ، فَإِنْ كَانَ وَطِئَهَا وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ فَهُوَ وَطْءُ شُبْهَةٍ، يَجِبُ لَهَا بِهِ مَهْرُ الْمِثْل، وَتُرَدُّ لِلأَْوَّل لأَِنَّهَا زَوْجَتُهُ، وَلاَ تَحِل لَهُ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا مِنْ وَطْءِ الثَّانِي لِلْعِلْمِ بِبَرَاءَةِ رَحِمِهَا مِنْهُ، وَلاَ تَرُدُّ الصَّدَاقَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنَ الدَّاخِل بِهَا وَهُوَ الثَّانِي عَلَى الزَّوْجِ الأَْوَّل الَّذِي دَفَعَتْ إِلَيْهِ لأَِنَّهُ لاَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي بُضْعِهَا فَلاَ يَمْلِكُ عِوَضَهُ، وَلاَ يَحْتَاجُ النِّكَاحُ الثَّانِي إِلَى فَسْخٍ لأَِنَّهُ بَاطِلٌ.
وَإِنْ وَقَعَ النِّكَاحَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَهُمَا
_________
(١) روضة الطالبين ٧ / ٨٨ - ٨٩، ومغني المحتاج ٣ / ١٦.
(٢) حديث: أيما امرأة زوجها. . ". سبق تخريجه ف (١٠٢)
بَاطِلاَنِ مِنْ أَصْلِهِمَا، وَلاَ يَحْتَاجَانِ إِلَى فَسْخٍ، لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُمَا وَلاَ مُرَجِّحَ لأَِحَدِهِمَا عَلَى الآْخَرِ، وَلاَ مَهْرَ لَهَا عَلَى أَحَدِهِمَا وَلاَ يَرِثَانِهَا وَلاَ تَرِثُهُمَا، لأَِنَّ الْعَقْدَ بَاطِلٌ، وَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ.
وَإِنْ جُهِل السَّابِقُ مِنْهُمَا، أَوْ جُهِل السَّبْقُ بِأَنْ جُهِل هَل وَقَعَا مَعًا أَوْ مُرَتَّبَيْنِ، أَوْ عُلِمَ عَيْنُ السَّابِقِ مِنَ الْعَقْدَيْنِ ثُمَّ نُسِيَ، أَوْ عُلِمَ السَّبْقُ وَجُهِل السَّابِقُ مِنْهُمَا فَسَخَهُمَا حَاكِمٌ، لأَِنَّ أَحَدَهُمَا صَحِيحٌ وَلاَ طَرِيقَ لِلْعِلْمِ بِهِ، وَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ يَقْتَرِعَانِ عَلَيْهِ، فَمَنْ خَرَجَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ غَرِمَهُ، لأَِنَّ عَقْدَ أَحَدِهِمَا صَحِيحٌ، وَقَدِ انْفَسَخَ نِكَاحُهُ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ الزَّوْجَةِ قَبْل الدُّخُول فَوَجَبَ عَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ، وَكَذَا لَوْ طَلَّقَاهَا (١) .
الْوَكِيل فِي النِّكَاحِ:
الْوَكِيل فِي النِّكَاحِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ وَكِيلًا عَنِ الزَّوْجِ أَوِ الزَّوْجَةِ أَوِ الْوَلِيِّ.
أ - تَوْكِيل الزَّوْجِ غَيْرَهُ فِي النِّكَاحِ:
١٠٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ - الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - عَلَى صِحَّةِ التَّوْكِيل فِي عَقْدِ النِّكَاحِ مِنَ الرَّجُل.
وَقَدِ اسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ
_________
(١) كشاف القناع ٥ / ٥٩، ٦٠
وَكَّل أَبَا رَافِعٍ فِي تَزْوِيجِهِ مَيْمُونَةَ (١) وَوَكَّل عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ فِي تَزْوِيجِهِ أُمَّ حَبِيبَةَ (٢)، وَلأَِنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَجَازَ التَّوْكِيل فِيهِ كَالْبَيْعِ (٣) .
١٠٨ - وَلِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلٌ فِيمَا يُشْتَرَطُ فِي الْوَكِيل: قَال الْحَنَفِيَّةُ: يُشْتَرَطُ فِي الْوَكِيل أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا، فَلاَ تَصِحُّ وَكَالَةُ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لاَ يَعْقِل.
وَأَمَّا الْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ فَلَيْسَا بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الْوَكَالَةِ فَتَصِحُّ وَكَالَةُ الصَّبِيِّ الْعَاقِل وَالْعَبْدِ، مَأْذُونَيْنِ كَانَا أَوْ مَحْجُورَيْنِ، لِمَا وَرَدَ " أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ لَمَّا خَطَبَ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ: لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِي شَاهِدٌ، فَقَال ﷺ: فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِكِ شَاهِدٌ وَلاَ غَائِبٌ يَكْرَهُ ذَلِكَ، فَقَالَتْ لاِبْنِهَا عَمْرِو بْنِ أُمِّ سَلَمَةَ: يَا عَمْرُو قُمْ فَزَوِّجْ رَسُول اللَّهِ ﷺ (٤)، وَكَانَ صَبِيًّا،
_________
(١) حديث: " أنه وكل أبا رافع. . . ". سبق تخريجه (ف ٦٥)
(٢) حديث: " وكل عمرو بن أمية في تزويجه. . . ". سبق تخريجه (ف ٦٥) .
(٣) المغني ٦ / ٤٦٢ ط الرياض.
(٤) حديث: " لما خطب رسول الله ﷺ أم سلمة. . . ". أخرجه النسائي (٦ / ٨١، ٨٢ ط التجارية الكبرى)، والحاكم (٤ / ١٦، ١٧ ط دائرة المعارف) من حديث أم سلمة ﵂، وقال الحاكم: صحيح، ووافقه الذهبي
وَالاِعْتِبَارُ بِالْمَجْنُونِ غَيْرُ سَدِيدٍ، لأَِنَّ الْعَقْل شَرْطُ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَقَدِ انْعَدَمَ الْعَقْل فِي الْمَجْنُونِ، وَوُجِدَ هُنَا فِي الصَّبِيِّ الْعَاقِل، فَتَصِحُّ وَكَالَتُهُ كَالْبَالِغِ، إِلاَّ أَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ تَرْجِعُ إِلَى الْمُوَكَّل (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَصِحُّ لِلزَّوْجِ إِذَا وَكَّل مَنْ يَعْقِدُ لَهُ أَنْ يُوَكِّل ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، حُرًّا أَوْ رَقِيقًا، بَالِغًا أَوْ صَبِيًّا، مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا إِلاَّ الْمُحْرِمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَإِلاَّ ضَعِيفَ الْعَقْل أَوْ فَاقِدَهُ، فَلاَ يَصِحُّ لِلزَّوْجِ تَوْكِيل أَيٍّ مِنْهُمْ لِمَانِعِ الإِْحْرَامِ وَضَعْفِ الْعَقْل أَوْ عَدَمِهِ (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَصِحُّ أَنْ يُوَكِّل الزَّوْجُ فِي النِّكَاحِ مَنْ يَصِحُّ لَهُ أَنْ يُبَاشِرَ النِّكَاحَ بِنَفْسِهِ، فَلاَ يَصِحُّ تَوْكِيل صَبِيٍّ وَلاَ مَجْنُونٍ وَلاَ مُغْمًى عَلَيْهِ وَلاَ امْرَأَةٍ وَلاَ مُحْرِمٍ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ لأَِنَّ تَصَرُّفَ الشَّخْصِ لِنَفْسِهِ أَقْوَى مِنْ تَصَرُّفِهِ لِغَيْرِهِ فَإِنَّ تَصَرُّفَهُ لَهُ بِطَرِيقِ الأَْصَالَةِ، وَلِغَيْرِهِ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ، فَإِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الأَْقْوَى فَلاَ يَقْدِرُ عَلَى الأَْضْعَفِ بِطَرِيقِ الأَْوْلَى (٣) .
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلزَّوْجِ أَنْ يُوَكِّل مَنْ يَقْبَل لَهُ النِّكَاحُ، فَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ ﷺ وَكَّل أَبَا رَافِعٍ فِي تَزْوِيجِهِ مَيْمُونَةَ، وَوَكَّل عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ فِي تَزْوِيجِهِ أُمَّ حَبِيبَةَ.
_________
(١) البدائع ٦ / ٢٠، ٢١.
(٢) الشرح الصغير ٢ / ٣٧٢.
(٣) مغني المحتاج ٢ / ٢١٨، ٣ / ١٥٨.
وَقَالُوا: لاَ يُشْتَرَطُ فِي وَكِيل الزَّوْجِ عَدَالَتُهُ فَيَصِحُّ تَوْكِيل فَاسِقٍ فِي قَبُولِهِ لأَِنَّ الْفَاسِقَ يَصِحُّ قَبُولُهُ النِّكَاحَ لِنَفْسِهِ فَصَحَّ قَبُولُهُ لِغَيْرِهِ، وَكَذَا لَوْ وَكَّل مُسْلِمٌ نَصْرَانِيًّا فِي قَبُول نِكَاحِ نَصْرَانِيَّةٍ لِصِحَّةِ قَبُول ذَلِكَ لِنَفْسِهِ (١) .
ب - تَوْكِيل الْمَرْأَةِ مَنْ يُزَوِّجُهَا:
١٠٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ تَوْكِيل الْمَرْأَةِ مَنْ يُزَوِّجُهَا.
فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُبَاشِرَ عَقْدَ الزَّوَاجِ، سَوَاءٌ أَزَوَّجَتْ نَفْسَهَا، أَمْ زَوَّجَتْ غَيْرَهَا، فَلَهَا أَنْ تُوَكِّل مَنْ يُزَوِّجُهَا، لأَِنَّ مِنْ شَرْطِ الْمُوَكِّل أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَمْلِكُ فِعْل مَا وَكَّل بِهِ بِنَفْسِهِ، فَمَا لاَ يَمْلِكُهُ بِنَفْسِهِ لاَ يَحْتَمِل التَّفْوُيِضَ إِلَى غَيْرِهِ فَلاَ يَصِحُّ (٢) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا وَكَّلَتِ الدَّنِيئَةُ كَالْمُعْتَقَةِ وَالْمِسْكِينَةِ أَجْنَبِيًّا فِي بَلَدٍ لَيْسَ فِيهِ سُلْطَانٌ أَوْ فِيهِ لَكِنْ يَعْسُرُ وُصُولُهَا إِلَيْهِ وَلاَ وَلِيَّ لَهَا جَازَ (٣) .
وَقَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَلِيَ عَقْدَ الزَّوَاجِ بِنَفْسِهَا سَوَاءٌ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا أَمْ غَيْرَهَا، فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُوَكِّل مَنْ يَتَوَلَّى عَقْدَ
_________
(١) الإنصاف ٨ / ٨٢ - ٨٤، كشاف القناع ٥ / ٥٦، ٥٧.
(٢) البدائع ٦ / ٢٠.
(٣) الزخيرة للقرافي ٤ / ٢٤٠.
زَوَاجِهَا لأَِنَّهَا لاَ تَمْلِكُ هَذَا الْحَقَّ، فَمَا لاَ تَمْلِكُهُ لاَ يَصِحُّ لَهَا أَنْ تُوَكِّل فِيهِ (١) .
وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ صُوَرًا تَتَعَلَّقُ بِإِذْنِ الْمَرْأَةِ فِي زَوَاجِهَا:
فَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا كَانَ الْوَلِيُّ غَيْرَ مُجْبِرٍ أَوْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَفِي التَّوْكِيل صُوَرٌ:
إِحْدَاهُمَا: قَالَتْ: زَوِّجْنِي وَوَكِّل، فَلَهُ التَّزْوِيجُ وَالتَّوْكِيل.
الثَّانِيَةُ: نَهَتْ عَنِ التَّوْكِيل، فَلاَ يُوَكَّل.
الثَّالِثَةُ: قَالَتْ: وَكِّل بِتَزْوِيجِي، وَاقْتَصَرَتْ عَلَيْهِ، فَلَهُ التَّوْكِيل، وَهَل لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ بِنَفْسِهِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ.
الرَّابِعَةُ: قَالَتْ: أَذِنْتُ لَكَ فِي تَزْوِيجِي، فَلَهُ التَّوْكِيل عَلَى الأَْصَحِّ لأَِنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِالْوِلاَيَةِ.
وَلَوْ وَكَّل مِنْ غَيْرِ مُرَاجَعَتِهَا وَاسْتِئْذَانِهَا بِالْكُلِّيَّةِ لَمْ يَصِحَّ عَلَى الصَّحِيحِ، لأَِنَّهُ لاَ يَمْلِكُ التَّزْوِيجَ بِنَفْسِهِ حِينَئِذٍ، وَالثَّانِي: يَصِحُّ (٢) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: وَالْوَلِيُّ لَيْسَ بِوَكِيلٍ لِلْمَرْأَةِ لأَِنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ وِلاَيَتُهُ مِنْ جِهَتِهَا، وَلَوْ كَانَ
_________
(١) مغني المحتاج ٣ / ١٤٧، ١٥٧، ٢ / ٢١٨، وعقد الجواهر الثمينة ٢ / ١٣، والمغني ٦ / ٤٤٩.
(٢) روضة الطالبين ٧ / ٧٢ - ٧٣، ومغني المحتاج ٣ / ١٥٧.
الْوَلِيُّ وَكِيلًا عَنْهَا لَتَمَكَّنَتْ مِنْ عَزْلِهِ كَسَائِرِ الْوُكَلاَءِ، وَإِنَّمَا إِذْنُهَا - حَيْثُ اعْتُبِرَ - شَرْطٌ لِصِحَّةِ تَصَرُّفِهِ أَشْبَهَ وِلاَيَةَ الْحَاكِمِ عَلَيْهَا، وَحَيْثُ تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَيْسَ وَكِيلًا عَنْهَا فَلَهُ تَوْكِيل مَنْ يُوجِبُ نِكَاحَهَا بِغَيْرِ إِذْنِهَا وَقُبِل إِذْنُهَا لِوَلِيِّهَا فِي تَزْوِيجِهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُجْبَرَةً، وَلاَ يَفْتَقِرُ تَوْكِيلُهُ إِلَى حُضُورِ شَاهِدَيْنِ لأَِنَّهُ إِذْنٌ مِنَ الْوَلِيِّ فِي التَّزْوِيجِ، فَلاَ يَفْتَقِرُ إِلَى إِذْنِ الْمَرْأَةِ، وَلاَ الإِْشْهَادِ عَلَيْهِ، كَإِذْنِ الْحَاكِمِ.
وَلاَ بُدَّ مِنْ إِذْنِ امْرَأَةٍ غَيْرِ مُجْبَرَةٍ لِوَكِيل وَلِيِّهَا فِي التَّزْوِيجِ لأَِنَّهُ نَائِبٌ عَنْ غَيْرِ مُجْبِرٍ، فَيَثْبُتُ لَهُ مَا يَثْبُتُ لِمَنْ يَنُوبُ عَنْهُ، فَلاَ يَكْفِي إِذْنُهَا لِوَلِيِّهَا مِنْ غَيْرِ مُرَاجَعَةِ وَكِيلٍ لَهَا وَإِذْنِهَا لَهُ بَعْدَ تَوْكِيلِهِ، وَلاَ يَكْفِي إِذْنُهَا لِوَلِيِّهَا بِتَوْكِيلٍ فِي التَّزْوِيجِ بِلاَ مُرَاجَعَةِ وَكِيلٍ لَهَا وَإِذْنِهَا لِلْوَكِيل فِي التَّزْوِيجِ بَعْدَ تَوْكِيلِهِ، لأَِنَّ الَّذِي يُعْتَبَرُ إِذْنُهَا فِيهِ لِلْوَكِيل هُوَ غَيْرُ مَا يُوَكَّل فِيهِ الْمُوَكَّل، فَهُوَ كَالْمُوَكَّل فِي ذَلِكَ، وَلاَ أَثَرَ لإِذْنِهَا لَهُ قَبْل أَنْ يُوَكِّل الْوَلِيُّ، لأَِنَّهُ أَجْنَبِيٌّ وَبَعْدَ تَوْكِيلِهِ كَوَلِيٍّ، قَال الْبُهُوتِيُّ: فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوِ انْتَقَلَتِ الْوِلاَيَةُ لِلأَْبْعَدِ فَلاَ بُدَّ مِنْ مُرَاجَعَتِهِ لَهَا بَعْدَ انْتِقَال الْوِلاَيَةِ إِلَيْهِ.
وَلَوْ وَكَّل وَلِيُّ غَيْرِ مُجْبَرَةٍ فِي تَزْوِيجِهَا بِلاَ إِذْنِهَا، ثُمَّ أَذِنَتْ لِوَكِيل وَلِيِّهَا فِي تَزْوِيجِهَا فَزَوَّجَهَا صَحَّ النِّكَاحُ، وَلَوْ لَمْ تَأْذَنْ لِلْوَلِيِّ فِي التَّزْوِيجِ أَوِ التَّوْكِيل، لِقِيَامِ وَكِيلِهِ مَقَامَهُ.
وَيَصِحُّ تَوْكِيل الْوَلِيِّ فِي إِيجَابِ النِّكَاحِ
تَوْكِيلًا مُطْلَقًا، وَإِذْنُهَا لِوَلِيِّهَا فِي الْعَقْدِ إِذْنًا مُطْلَقًا، كَقَوْل الْمَرْأَةِ لِوَلِيِّهَا: زَوِّجْ مَنْ شِئْتَ أَوْ مَنْ تَرْضَاهُ.
وَيَتَقَيَّدُ الْوَلِيُّ إِذَا أَذِنَتْ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا وَأَطْلَقَتْ بِالْكُفْءِ، وَكَذَلِكَ وَكِيلُهُ الْمُطْلَقُ يَتَقَيَّدُ بِالْكُفْءِ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ، لأَِنَّ الإِْطْلاَقَ يُحْمَل عَلَى مَا لاَ نَقِيصَةَ فِيهِ (١) .
ج - تَوْكِيل الْوَلِيِّ غَيْرَهُ فِي النِّكَاحِ:
١١٠ - تَوْكِيل الْوَلِيِّ غَيْرَهُ لِمُبَاشَرَةِ عَقْدِ النِّكَاحِ جَائِزٌ بِاتِّفَاقِ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِذَا تَوَافَرَتْ فِي الْوَكِيل الشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ عِنْدَ كُل مَذْهَبٍ (٢) .
وَفِيمَا يَلِي تَفْصِيل ذَلِكَ:
فَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يَصِحُّ تَوْكِيل وَلِيِّ امْرَأَةٍ لِمَنْ يَتَوَلَّى عَقْدَ نِكَاحِهَا نِيَابَةً عَنْهُ إِلاَّ مِثْلَهُ فِي اسْتِيفَاءِ الشُّرُوطِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي وَلِيِّ النِّكَاحِ.
وَقَالُوا: تُوَكِّل الْمَرْأَةُ الْمَالِكَةُ لأَِمَةٍ وَالْوَصِيَّةُ عَلَى أُنْثَى وَالْمُعْتِقَةُ لأُِنْثَى ذَكَرًا مُسْتَوْفِيًا لِلشُّرُوطِ فِي عَقْدِ الأُْنْثَى - فِي الْحَالاَتِ
_________
(١) كشاف القناع ٥ / ٥٦ - ٥٩، ومطالب أولي النهى ٥ / ٦٨ - ٧١.
(٢) بدائع الصنائع ٢ / ٢٣١، ٢٥٢، وابن عابدين ٢ / ٣١٤، والشرح الصغير ٢ / ٣٥٥ - ٣٥٧، ٣٧٢، ومغني المحتاج ٣ / ١٥٨، وكشاف القناع ٥ / ٥٦ - ٥٩.