الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤١
وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِيمَنْ يَقْدِرُ عَلَى لَفْظِ النِّكَاحِ بِالْعَرَبِيَّةِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَابْنُ تَيْمِيَّةَ وَابْنُ قُدَامَةَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِغَيْرِهَا، لأَِنَّهُ أَتَى بِلَفْظِهِ الْخَاصِّ فَانْعَقَدَ بِهِ كَمَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْعَرَبِيَّةِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَنْعَقِدُ إِلاَّ بِالْعَرَبِيَّةِ لِمَنْ يُحْسِنُهَا.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (تَرْجَمَة ف ١٣) .
مَا يَقُومُ مَقَامَ اللَّفْظِ فِي انْعِقَادِ النِّكَاحِ: يَقُومُ مَقَامَ اللَّفْظِ فِي انْعِقَادِ النِّكَاحِ أَشْيَاءُ مِنْهَا:
أ - الإِْشَارَةُ مِنَ الأَْخْرَسِ:
٥٥ - إِشَارَةُ الأَْخْرَسِ مُعْتَبَرَةٌ شَرْعًا وَتَقُومُ مَقَامَ عِبَارَةِ النَّاطِقِ فِيمَا لاَ بُدَّ فِيهِ مِنَ الْعِبَارَةِ.
وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَصِحُّ إِيجَابُ الأَْخْرَسِ وَقَبُولُهُ النِّكَاحَ بِإِشَارَتِهِ إِذَا كَانَتِ الإِْشَارَةُ مَفْهُومَةً يَفْهَمُهَا الْعَاقِدُ مَعَهُ وَيَفْهَمُهَا الشُّهُودُ لأَِنَّ النِّكَاحَ مَعْنًى لاَ يُسْتَفَادُ إِلاَّ مِنْ جِهَتِهِ فَصَحَّ
بِإِشَارَتِهِ كَبَقِيَّةِ عُقُودِهِ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ (١) .
إِلاَّ أَنَّ الْفُقَهَاءَ يَخْتَلِفُونَ فِي بَعْضِ الشُّرُوطِ مِثْل شَرْطِ كَوْنِهِ عَاجِزًا عَنِ الْكِتَابَةِ أَوْ قَادِرًا عَلَيْهَا.
وَمِثْل شَرْطِ أَنْ يَكُونَ قَدْ وُلِدَ أَخْرَسَ أَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ الْخَرَسُ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (إِشَارَة ف - ٥) .
ب - الْكِتَابَةُ:
٥٦ - الْكِتَابَةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنَ الأَْخْرَسِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ.
أَمَّا الأَْخْرَسُ فَقَدْ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ النِّكَاحَ يَصِحُّ وَيَنْعَقِدُ بِالْكِتَابَةِ مِنَ الأَْخْرَسِ لأَِنَّهَا أَوْلَى مِنَ الإِْشَارَةِ.
أَمَّا الْقَادِرُ عَلَى النُّطْقِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ أَوْ غَائِبًا عَنْهُ، أَمَّا الْحَاضِرُ فَلاَ يَنْعَقِدُ نِكَاحُهُ بِالْكِتَابَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الصَّحِيحِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الْمَذْهَبِ، وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَنْعَقِدُ (٢) .
_________
(١) كشاف القناع ٥ / ٣٩، ومغني المحتاج ٣ / ٢٨٤، والتاج والإكليل للمواق بهامش الحطاب ٤ / ٥٨، وابن عابدين ٢ / ٢٧٢، ٤٢٥، وفتح القدير ٣ / ١٠٩ نشر دار إحياء التراث.
(٢) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٢ / ٢٦٥، والتاج والإكليل للمواق ٤ / ٥٨، والحطاب ٤ / ٢٢٩، والروضة ٨ / ٣٩ وما بعدها، ٧ / ٣٧، والإنصاف ٨ / ٥٠.
وَأَمَّا الْغَائِبُ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي انْعِقَادِ النِّكَاحِ بِالْكِتَابَةِ إِلَيْهِ.
فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِالْكِتَابِ كَمَا يَنْعَقِدُ بِالْخِطَابِ وَصُورَتُهُ أَنْ يَكْتُبَ إِلَيْهَا يَخْطِبُهَا فَإِذَا بَلَغَهَا الْكِتَابُ أَحْضَرَتِ الشُّهُودَ وَقَرَأَتْهُ عَلَيْهِمْ وَقَالَتْ: زَوَّجْتُ نَفْسِي مِنْهُ أَوْ تَقُول: إِنَّ فُلاَنًا كَتَبَ إِلَيَّ يَخْطُبُنِي فَاشْهَدُوا أَنِّي زَوَّجْتُ نَفْسِي مِنْهُ، أَمَّا لَوْ لَمْ تَقُل بِحَضْرَتِهِمْ سِوَى زَوَّجْتُ نَفْسِي مِنْ فُلاَنٍ لاَ يَنْعَقِدُ لأَنَّ سَمَاعَ الشَّطْرَيْنِ شَرْطُ صِحَّةِ النِّكَاحِ وَبِإِسْمَاعِهِمِ الْكِتَابَ أَوِ التَّعْبِيرَ عَنْهُ مِنْهَا قَدْ سَمِعُوا الشَّطْرَيْنِ، وَهَذَا إِذَا كَانَ الْكِتَابُ بِلَفْظِ التَّزَوُّجِ أَمَّا إِذَا كَانَ بِلَفْظِ الأَْمْرِ كَقَوْلِهِ زَوِّجِي نَفْسَكِ مِنِّي فَلاَ يَشْتَرِطُ إِعْلاَمُهَا الشُّهُودَ بِمَا فِي الْكِتَابِ لأَِنَّهَا تَتَوَلَّى طَرَفَيِ الْعَقْدِ بِحُكْمِ الْوَكَالَةِ.
وَقِيل إِنَّهُ تَوْكِيلٌ ضِمْنِيٌّ فَيَثْبُتُ بِشُرُوطِ مَا تَضَمَّنُهُ وَهُوَ الإِْيجَابُ وَمِنْ شُرُوطِهِ سَمَاعُ الشُّهُودِ.
وَلَوْ جَاءَ الزَّوْجُ بِالْكِتَابِ إِلَى الشُّهُودِ مَخْتُومًا فَقَال: هَذَا كِتَابِي إِلَى فُلاَنَةَ فَاشْهَدُوا عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ فِي قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ حَتَّى يَعْلَمَ الشُّهُودُ مَا فِيهِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَجُوزُ، فَلَوْ جَحَدَ الزَّوْجُ الْكِتَابَ بَعْدَ الْعَقْدِ فَشَهِدُوا بِأَنَّهُ كِتَابُهُ وَلَمْ يَشْهَدُوا بِمَا فِيهِ لاَ تُقْبَل وَلاَ يُقْضَى بِالنِّكَاحِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ تُقْبَل الشَّهَادَةُ وَيُقْضَى بِهِ.
أَمَّا الْكِتَابُ فَصَحِيحٌ بِلاَ إِشْهَادٍ وَإِنَّمَا الإِْشْهَادُ لِتَمَكُّنِ الْمَرْأَةِ مِنْ إِثْبَاتِ الْكِتَابِ إِذَا جَحَدَ الزَّوْجُ (١) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا كَتَبَ بِالنِّكَاحِ إِلَى غَائِبٍ أَوْ حَاضِرٍ لَمْ يَصِحَّ، وَقِيل: يَصِحُّ فِي الْغَالِبِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ لأَِنَّهُ كِنَايَةٌ وَلاَ يَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَاتِ، وَلَوْ خَاطَبَ غَائِبًا بِلِسَانِهِ فَقَال: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي، ثُمَّ كَتَبَ فَبَلَغَهُ الْكِتَابُ أَوْ لَمْ يَبْلُغْهُ وَبَلَغَهُ الْخَبَرُ فَقَال: قَبِلْتُ نِكَاحَهَا لَمْ يَصِحَّ عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِذَا صَحَّحْنَا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ فَشَرْطُهُ الْقَبُول فِي مَجْلِسِ بُلُوغِ الْخَبَرِ وَأَنْ يَقَعَ بِحَضْرَةِ شَاهِدَيِ الإِْيجَابِ.
قَال النَّوَوِيُّ: لاَ يَكْفِي فِي الْمَجْلِسِ بَل يُشْتَرَطُ الْفَوْرُ (٢) .
وَالأَْظْهَرُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ صِحَّةُ عَقْدِ النِّكَاحِ بِالْكِتَابَةِ مَعَ غَيْبَةِ الْعَاقِدِ (٣) .
ج - الرَّسُول:
٥٧ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى صِحَّةِ إِرْسَال الرَّسُول فِي النِّكَاحِ، قَال الْكَاسَانِيُّ: النِّكَاحُ كَمَا يَنْعَقِدُ بِاللَّفْظِ بِطَرِيقِ الأَْصَالَةِ يَنْعَقِدُ بِهَا بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ بِالْوَكَالَةِ وَالرِّسَالَةِ لأَِنَّ كَلاَمَ الرَّسُول كَلاَمُ الْمُرْسِل، فَلَوْ أَرْسَل الرَّجُل إِلَى
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٢٦٥.
(٢) الروضة ٧ / ٣٧، ٣٨.
(٣) الإنصاف ٨ ٥٠.
مَنْ يُرِيدُ زَوَاجَهَا رَسُولًا فَقَبِلَتْ بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ سَمِعَا كَلاَمَ الرَّسُول جَازَ ذَلِكَ لاِتِّحَادِ الْمَجْلِسِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، لأَِنَّ الرَّسُول يَنْقُل عِبَارَةَ الْمُرْسِل فَكَانَ سَمَاعُ قَوْل الرَّسُول سَمَاعَ قَوْل الْمُرْسِل.
وَفِي الْمُسَالَةِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (إِرْسَال ف٦) .
د - الْمُعَاطَاةُ:
٥٨ - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ النِّكَاحَ لاَ يَنْعَقِدُ بِالتَّعَاطِي احْتِرَامًا لِلْفُرُوجِ أَيْ لِخَطَرِ أَمْرِهَا وَشِدَّةِ حُرْمَتِهَا فَلاَ يَصِحُّ الْعَقْدُ عَلَيْهَا إِلاَّ بِلَفْظٍ صَرِيحٍ أَوْ كِنَايَةٍ.
وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الْبَحْرِ قَوْلَهُ: وَهَل يَكُونُ الْقَبُول بِالْفِعْل كَالْقَبُول بِاللَّفْظِ كَمَا فِي الْبَيْعِ، قَال فِي الْبَزَّازِيَّةِ أَجَابَ صَاحِبُ الْبِدَايَةِ فِي امْرَأَةٍ زَوَّجْتَ نَفْسَهَا بِأَلْفٍ مِنْ رَجُلٍ عِنْدَ الشُّهُودِ فَلَمْ يَقُل الزَّوْجُ شَيْئًا لَكِنْ أَعْطَاهَا الْمَهْرَ فِي الْمَجْلِسِ أَنَّهُ يَكُونُ قَبُولًا، وَأَنْكَرَ صَاحِبُ الْمُحِيطِ وَقَال: لاَ، مَا لَمْ يَقُل بِلِسَانِهِ قَبِلْتُ بِخِلاَفِ الْبَيْعِ لأَِنَّهُ يَنْعَقِدُ بِالتَّعَاطِي، وَالنِّكَاحُ لِخَطَرِهِ لاَ يَنْعَقِدُ حَتَّى يَتَوَقَّفَ عَلَى الشُّهُودِ (١) .
_________
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٢ / ٢٦٥ - ٢٧١، والفتاوى البزازية بهامش الهندية ٣ / ١١١، وكشاف القناع ٥ / ٤٠، ٤١.
خِيَارُ الْمَجْلِسِ وَالشَّرْطِ فِي النِّكَاحِ:
أ - خِيَارُ الْمَجْلِسِ:
٥٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إِثْبَاتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ، فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ النِّكَاحَ لاَ يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ، قَال الْحَنَابِلَةُ: لأَِنَّهُ لَيْسَ بَيْعًا وَلاَ فِي مَعْنَاهُ، وَالْعِوَضُ لَيْسَ رُكْنًا فِيهِ، وَلاَ مَقْصُودًا مِنْهُ، وَقَالُوا لأَِنَّ الْحَاجَةَ غَيْرُ دَاعِيَةٍ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ لاَ يَقَعُ فِي الْغَالِبِ إِلاَّ بَعْدَ تَرَوٍّ وَفِكْرٍ، وَمَسْأَلَةِ كُل وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ عَنْ صَاحِبِهِ، وَالْمَعْرِفَةِ بِحَالِهِ، بِخِلاَفِ الْبَيْعِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَثْبُتُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ فِي النِّكَاحِ إِذَا اشْتُرِطَ (١) .
ب - خِيَارُ الشَّرْطِ:
٦٠ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ خِيَارِ الشَّرْطِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ.
فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ وَهِيَ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لاَ يَثْبُتُ خِيَارُ الشَّرْطِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ، وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ عَلَى أَنَّهُ إِذَا اشْتُرِطَ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ
_________
(١) فتح القدير ٣ / ١١٠، والدر المختار وحاشية ابن عابدين ٤ / ٤٨، والشرح الصغير ٢ / ٣٥١، وحاشية الدسوقي ٢ / ٢٢١، وجواهر الإكليل ١ / ٢٨٤، ومغني المحتاج ٢ / ٤٤، ٤٧، وكشاف القناع ٥ / ٤١، والمغني ٦ / ٥٣٦.
خِيَارُ شَرْطٍ فَإِنَّهُ يَصِحُّ النِّكَاحُ وَيَبْطُل الْخِيَارُ (١) .
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ إِذَا شَرَطَ الْخِيَارَ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ لأَِحَدِهِمَا، أَوْ بِخِيَارِ الْغَيْرِ فَيُفْسَخُ النِّكَاحُ قَبْل الْبِنَاءِ وُجُوبًا، وَيَثْبُتُ بِالدُّخُول بِالْمُسَمَّى إِنْ كَانَ، وَإِلاَّ فَبِصَدَاقِ الْمِثْل.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ عَقْدُ النِّكَاحِ (٢) .
تَعْلِيقُ الصِّيغَةِ:
٦١ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ - إِلَى أَنَّ النِّكَاحَ لاَ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلَى أَمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ فِي غَيْرِ الْمَشِيئَةِ لأَِنَّهُ إِلْزَامٌ، فَلَوْ قَال الْوَلِيُّ: إِذَا جَاءَ فُلاَنٌ فَقَدْ زَوَّجْتُكَ بِنْتِي فُلاَنَةَ فَقَبِل فَجَاءَ فُلاَنٌ فَإِنَّهُ لاَ يَنْعَقِدُ، وَمِثْلُهُ: إِنْ وَضَعَتْ زَوْجَتِي بِنْتًا فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّ تَعْلِيقَ عَقْدِ النِّكَاحِ عَلَى أَمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ يَصِحُّ (٣) .
_________
(١) فتح القدير ٣ / ١١٠، والدر المختار وحاشية ابن عابدين ٤ / ٤٨، ومغني المحتاج ٢ / ٤٤، والإنصاف ٨ / ١٦٦، والمغني ٦ / ٥٥١.
(٢) جواهر الإكليل ١ / ٢٨٤، والإنصاف ٨ / ١٦٦.
(٣) فتح القدير ٣٠ / ١٠٥، ١١٠، ومغني المحتاج ٣ / ١٤١، ١٤٢، ونهاية المحتاج ٦ / ٢١١، وكشاف القناع ٥ / ٤٠، والإنصاف ٨ / ١٦٤، والحطاب ٣ / ٤٢٢.
وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلتَّعْلِيقِ عَلَى شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ، وَأَمَّا تَعْلِيقُهُ عَلَى أَمْرٍ حَالٍّ فَيَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
قَال الْحَنَفِيَّةُ: وَذَلِكَ كَمَنْ خُطِبَتْ إِلَيْهِ ابْنَتُهُ فَقَال زَوَّجْتُهَا، فَلَمْ يُصَدِّقِ الْخَاطِبُ فَقَال: إِنْ لَمْ أَكُنْ زَوَّجْتُهَا مِنْ فُلاَنٍ فَقَدْ زَوَّجْتُهَا مِنْكَ فَقَبِل بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ زَوَّجَهَا حَيْثُ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا، لأَِنَّ هَذَا تَعْلِيقٌ بِمَا هُوَ مَوْجُودٌ لِلْحَال، وَالتَّعْلِيقُ بِكَائِنٍ لِلْحَال تَحْقِيقٌ وَتَنْجِيزٌ (١) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَجُوزُ التَّعْلِيقُ بِالشُّرُوطِ الْحَاضِرَةِ وَالشُّرُوطِ الْمَاضِيَةِ مِثْل قَوْلِهِ: زَوَّجْتُكَ هَذَا الْمَوْلُودَ إِنْ كَانَ أُنْثَى وَهُمَا يَعْلَمَانِ أَنَّهَا أُنْثَى فَإِنَّهُ يَصِحُّ النِّكَاحُ لأَِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِتَعْلِيقٍ حَقِيقَةً إِذِ الْمَاضِي وَالْحَاضِرُ لاَ يَقْبَلُهُ (٢) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَصِحُّ تَعْلِيقُ عَقْدِ النِّكَاحِ عَلَى الشُّرُوطِ الْحَاضِرَةِ أَيْضًا.
وَقَالُوا: لَوْ بُشِّرَ شَخْصٌ بِوَلَدٍ فَقَال لآِخَرَ: إِنْ كَانَتْ أُنْثَى فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا فَقَبِل فَالْمَذْهَبُ بُطْلاَنُ النِّكَاحِ وَلَوْ كَانَ الْوَاقِعُ فِي نَفْسِ الأَْمْرِ كَذَلِكَ لِوُجُودِ صُورَةِ التَّعْلِيقِ وَفَسَادِ الصِّيغَةِ.
وَلَكِنَّهُمْ قَالُوا: لَوْ أُخْبِرَ شَخْصٌ بِحُدُوثِ
_________
(١) فتح القدير ٣ / ١٠٥، ١١٠.
(٢) كشاف القناع ٥ / ٤٠.
بِنْتٍ لَهُ فَصَدَّقَ الْمُخْبَرُ ثُمَّ قَال لآِخَرَ: إِنْ صَدَقَ الْمُخْبِرُ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا فَإِنَّهُ يَصِحُّ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِتَعْلِيقٍ بَل تَحْقِيقٌ وَتَكُونُ " إِنْ " بِمَعْنَى " إِذَا (١) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢)﴾ .
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي التَّعْلِيقِ بِالْمَشِيئَةِ. قَال الْحَنَفِيَّةُ: يَصِحُّ النِّكَاحُ فِي التَّعْلِيقِ بِالْمَشِيئَةِ إِذَا أَبْطَل مَنْ لَهُ الْمَشِيئَةُ فِي الْمَجْلِسِ، فَإِذَا قَال: تَزَوَّجْتُكِ إِنْ شِئْتِ أَوْ إِنْ شَاءَ زَيْدٌ فَأَبْطَل صَاحِبُ الْمَشِيئَةِ مَشِيئَتَهُ فِي الْمَجْلِسِ فَالنِّكَاحُ جَائِزٌ لأَِنَّ الْمَشِيئَةَ إِذَا بَطَلَتْ فِي الْمَجْلِسِ صَارَ نِكَاحًا بِغَيْرِ مَشِيئَةٍ، لَكِنْ ذَلِكَ إِذَا بَدَأَتِ الْمَرْأَةُ، أَمَّا إِذَا بَدَأَ الزَّوْجُ فَقَال: تَزَوَّجْتُكِ إِنْ شِئْتِ فَقَبِلَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ صَحَّ النِّكَاحُ وَلاَ يُحْتَاجُ إِلَى إِبْطَال الْمَشِيئَةِ بَعْدَ ذَلِكَ لأَِنَّ الْقَبُول مَشِيئَةٌ (٣) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ قَال: زَوَّجْتُكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَقَصَدَ التَّعْلِيقَ أَوْ أَطْلَقَ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ قَصَدَ التَّبَرُّكَ وَأَنَّ كُل شَيْءٍ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى صَحَّ (٤) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لَوْ قَال زَوَّجْتُكَهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوْ قَبِلْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوْ قَال الْوَلِيُّ:
_________
(١) مغني المحتاج ٣ / ١٤١، ١٤٢.
(٢) سورة آل عمران / ١٧٥.
(٣) فتح القدير ٣ / ١١٠.
(٤) مغني المحتاج ٣ / ١٤١.
زَوْجْتُكَ ابْنَتِي إِنْ شِئْتَ فَقَال: قَدْ شِئْتُ وَقَبِلْتُ فَيَصِحُّ النِّكَاحُ (١) .
إِضَافَةُ الصِّيغَةِ:
٦٢ - لاَ يَصِحُّ إِضَافَةُ صِيغَةِ النِّكَاحِ إِلَى الْمُسْتَقْبَل كَأَنْ يَقُول الرَّجُل لِلْمَرْأَةِ: تَزَوَّجْتُكِ غَدًا أَوْ بَعْدَ غَدٍ أَوْ سَنَةَ كَذَا أَوْ شَهْرَ كَذَا، أَوْ زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي إِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ (٢) .
وَيُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (نِكَاحِ مَنْهِي عَنْهُ) .
تَأْقِيتُ النِّكَاحِ:
٦٣ - لاَ يَجُوزُ تَأْقِيتُ النِّكَاحِ بِمُدَّةٍ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (نِكَاح مَنْهِي عَنْهُ) .
تَوَلِّي شَخْصٍ طَرَفَيْ عَقْدِ النِّكَاحِ:
٦٤ - تَوَلِّي صِيغَةِ عَقْدِ النِّكَاحِ عَنِ الطَّرَفَيْنِ - الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ - يَأْتِي عَلَى صُورَتَيْنِ: الأُْولَى: أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ أَصِيلًا مِنْ جَانِبِ نَفْسِهِ فِي الْعَقْدِ وَوَلِيًّا مِنْ جَانِبِ الزَّوْجَةِ كَابْنِ الْعَمِّ إِذَا كَانَ وَلِيًّا عَلَى بِنْتِ عَمِّهِ وَأَرَادَ تَزْوِيجَهَا مِنْ نَفْسِهِ فَهَل يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيِ الْعَقْدِ؟
_________
(١) كشاف القناع ٥ / ٤٠.
(٢) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٢ / ٢٩٥، وحاشية الدسوقي ٢ / ٢٣٨، ومغني المحتاج ٣ / ١٤٢، وكشاف القناع ٥ / ٩٧، ٩٨.