الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤١ الصفحة 36

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤١

وَابْنُ الْقَيِّمِ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ قَوْلِهِ الْمَشْهُورِ بِجَوَازِ بَيْعِ الْحِلْيَةِ الذَّهَبِيَّةِ أَوِ الْفِضِّيَّةِ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ مِنْ جِنْسِهَا أَكْثَرَ مِنْهَا وَزْنًا فِي مُقَابَلَةِ الصِّيَاغَةِ، إِلاَّ أَنَّهُ لَمْ يَرَ جَوَازَ بَيْعِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ الْمَضْرُوبَةِ بِسَبَائِكَ مِنْ جِنْسِهَا أَكْثَرَ مِنْهَا وَزْنًا، مِنْ أَجْل صِنَاعَةِ الضَّرْبِ.

وَفَرَّقَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ بِأَنَّ السِّكَّةَ لاَ تَتَقَوَّمُ فِيهَا الصِّنَاعَةُ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْهَا، فَإِنَّ السُّلْطَانَ يَضْرِبُهَا لِمَصْلَحَةِ النَّاسِ الْعَامَّةِ، وَإِنْ كَانَ الضَّارِبُ يَضْرِبُهَا بِأُجْرَةٍ، فَإِنَّ الْقَصْدَ مِنْهَا أَنْ تَكُونَ مِعْيَارًا لِلنَّاسِ لاَ يَتَّجِرُونَ فِيهَا، وَالسِّكَّةُ فِيهَا غَيْرُ مُقَابَلَةٍ بِالزِّيَادَةِ فِي الْعُرْفِ، وَلَوْ قُوبِلَتْ بِالزِّيَادَةِ فَسَدَتِ الْمُعَامَلَةُ، وَانْتُقِضَتِ الْمَصْلَحَةُ الَّتِي ضُرِبَتْ لأَِجْلِهَا، وَاحْتَاجَتِ الدَّرَاهِمُ إِلَى التَّقْوِيمِ بِغَيْرِهَا، وَلِهَذَا قَامَ الدِّرْهَمُ مَقَامَ الدِّرْهَمِ مِنْ كُل وَجْهٍ، وَإِذَا أَخَذَ الرَّجُل الدَّرَاهِمَ رَدَّ نَظِيرَهَا، وَلَيْسَتِ الْمَصُوغُ كَذَلِكَ (١) .

وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ حَالَةً أَجَازُوهَا لِلضَّرُورَةِ، وَهِيَ مَا قَال النَّفْرَاوِيُّ: الْمُسَافِرُ تَكُونُ مَعَهُ الْعَيْنُ غَيْرَ مَسْكُوكَةٍ، وَلاَ تَرُوجُ مَعَهُ فِي الْمَحَل الَّذِي يُسَافِرُ إِلَيْهِ، فَيَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى السَّكَّاكِ لِيَدْفَعَ لَهُ بَدَلَهَا مَسْكُوكًا - أَيْ جَاهِزًا - وَيَجُوزُ لَهُ دَفْعُ أُجْرَةِ السِّكَّةِ، وَإِنْ لَزِمَ عَلَيْهَا الزِّيَادَةُ؛ لأَِنَّ الأُْجْرَةَ لِلزِّيَادَةِ،

_________

(١) إعلام الموقعين ٢ / ١٦٣.

قَال: وَإِنَّمَا أُجِيزَتْ لِلضَّرُورَةِ لِعَدَمِ تَمَكُّنِ الْمُسَافِرِ مِنَ السَّفَرِ لَوْ تَأَخَّرَ لإِتْمَامِ ضَرْبِهَا (١)، وَقِيل: يَجُوزُ أَيْضًا لِلْحَاجَةِ، قَال الدَّرْدِيرُ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ: الْمَسْكُوكُ الَّذِي لاَ يَرُوجُ مَعَ الْمُسَافِرِ فِي بَلَدِ الْغُرْبَةِ كَالنُّقْرَةِ فِي ذَلِكَ، بِأَنْ يَدْفَعَ مَسْكُوكَهُ إِلَى السَّكَّاكِ لِيُعْطِيَهُ الْمَسْكُوكَ الَّذِي يَرُوُجُ مَعَ زِيَادَةِ أُجْرَةٍ، وَلاَ يَجُوزُ ذَلِكَ لِغَيْرِ الْمُسَافِرِ، وَلاَ لِغَيْرِ الْمُحْتَاجِ، وَالأَْظْهَرُ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ وَلَوِ اشْتَدَّتِ الْحَاجَةُ مَا لَمْ يَخَفْ عَلَى نَفْسِهِ الْهَلاَكَ وَإِلاَّ جَازَ، وَالْمُعْتَمَدُ الأَْوَّل (٢) .

ج - نَقْشُ شَيْءٍ مِنْ شَعَائِرِ الإِْسْلاَمِ عَلَى النُّقُودِ:

١٩ - قَال الْمَقْرِيزِيُّ: ضَرَبَ عُمَرُ ﵁ الدَّرَاهِمَ عَلَى نَقْشِ الْكِسْرَوِيَّةِ (٣)، وَشَكَّلَهَا بِأَعْيَانِهَا غَيْرَ أَنَّهُ زَادَ فِي بَعْضِهَا: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَفِي بَعْضِهَا: رَسُول اللَّهِ، وَعَلَى آخَرَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ، وَعَلَى آخَرَ: عُمَرُ، فَلَمَّا بُويِعَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ ضَرَبَ دَرَاهِمَ، وَنَقَشَهَا " اللَّهُ أَكْبَرُ ".

فَلَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ﵁ بِمَكَّةَ ضَرَبَ دَرَاهِمَ مُدَوَّرَةً، وَنَقَشَ بِأَحَدِ

_________

(١) الفواكه الدواني ٢ / ١١١.

(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٣ / ٣٤.

(٣) الكسروية نسبة إلى كسرى، والمقصود الدراهم الفارسية.

الْوَجْهَيْنِ: مُحَمَّدٌ رَسُول اللَّهِ، وَبِالآْخَرِ: أَمَرَ اللَّهُ بِالْوَفَاءِ وَالْعَدْل.

فَلَمَّا اسْتَوْثَقَ الأَْمْرُ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بَعْدَ مَقْتَل عَبْدِ اللَّهِ وَمُصْعَبٍ ابْنَيِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ﵃، فَحَصَ عَنِ النُّقُودِ وَالأَْوْزَانِ وَالْمَكَايِيل، وَضَرَبَ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَسَبْعِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَتَبَ فِي صَدْرِ كُتُبِهِ إِلَى الرُّومِ: " قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ " وَذَكَرَ النَّبِيَّ ﷺ مَعَ التَّارِيخِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ مَلِكُ الرُّومِ: إِنَّكُمْ قَدْ أَحْدَثْتُمْ كَذَا وَكَذَا فَاتْرُكُوهُ، وَإِلاَّ أَتَاكُمْ فِي دَنَانِيرِنَا مِنْ ذِكْرِ نَبِيِّكُمْ مَا تَكْرَهُونَ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَكَلَّمَ خَالِدَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَأَشَارَ عَلَيْهِ أَنْ يَتْرُكَ دَنَانِيرَ الرُّومِ، وَيَنْهَى عَنِ الْمُعَامَلَةِ بِهَا، وَيَضْرِبَ لِلنَّاسِ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ فِيهَا ذِكْرُ اللَّهِ فَضَرَبَ الدِّينَارَ وَالدِّرْهَمَ.

وَكَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ بِالْعِرَاقِ أَنِ اضْرِبْهَا قِبَلَكَ، وَنَهَى أَنْ يَضْرِبَ أَحَدٌ غَيْرُهُ.

وَبَعَثَ عَبْدُ الْمَلِكِ بِالسِّكَّةِ إِلَى الْحَجَّاجِ بِالْعِرَاقِ، فَسَيَّرَهَا الْحَجَّاجُ إِلَى الآْفَاقِ لِتُضْرَبَ الدَّرَاهِمُ بِهَا، وَتَقَدَّمَ إِلَى الأَْمْصَارِ كُلِّهَا أَنْ يُكْتَبَ إِلَيْهِ مِنْهَا كُل شَهْرٍ بِمَا يَجْتَمِعُ قِبَلَهُمْ مِنَ الْمَال كَيْ يُحْصِيَهُ عِنْدَهُمْ، وَأَنْ تُضْرَبَ الدَّرَاهِمُ بِالآْفَاقِ عَلَى السِّكَّةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ، وَتُحْمَل إِلَيْهِ أَوَّلًا بِأَوَّلٍ، وَقَدَّرَ فِي كُل مِائَةِ دِرْهَمٍ دِرْهَمًا عَنِ الْحَطَبِ وَأُجْرَةِ الضَّرَّابِ، وَنَقَشَ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيِ الدِّرْهَمِ: " قُل هُوَ اللَّهُ

أَحَدٌ " وَعَلَى الآْخَرِ: " لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ " وَطَوَّقَ الدِّرْهَمَ مِنْ وَجْهَيْهِ بِطَوْقٍ، وَكَتَبَ فِي الطَّوْقِ الْوَاحِدِ " ضُرِبَ هَذَا الدِّرْهَمُ بِمَدِينَةِ كَذَا "، وَفِي الطَّوْقِ الآْخَرِ: مُحَمَّدٌ رَسُول اللَّهِ أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (١) .

د - مَسُّ الْمُحْدِثِ النُّقُودَ الْمَضْرُوبَ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ:

٢٠ - إِذَا كُتِبَ عَلَى النُّقُودِ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَسِّهَا وَحَمْلِهَا عَلَى الْمُحْدِثِ: فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَحْرُمُ، وَقِيل: يَحْرُمُ، وَقِيل: يُكْرَهُ (٢) .

(ر: دَرَاهِم ف ١٠ - ١١) .

هـ - ضَرْبُ النُّقُودِ الْحَامِلَةِ لِلصُّوَرِ وَاسْتِعْمَالُهَا:

٢١ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ضَرْبِ وَاسْتِعْمَال النُّقُودِ الَّتِي تَحْمِل صُوَرًا فَأَبَاحَهَا بَعْضُهُمْ وَخَالَفَهُمْ آخَرُونَ.

وَالتَّفْصِيل فِي (دَرَاهِم ف ١٢، تَصْوِير ف ٣٠، ٥٧) .

_________

(١) إغاثة الأمة بكشف الغمة ص ٥١ - ٥٥. .

(٢) الزرقاني على خليل ١ / ٩٤، وجواهر الإكليل ١ / ٢١، والمغني لابن قدامة ١ / ١٤٨ ط ثالثة، وتحفة المحتاج ١ / ١٥٠.

و- ضَرْبُ النُّقُودِ الْمَغْشُوشَةِ وَالتَّعَامُل بِهَا:

٢٢ - النُّقُودُ الْمَغْشُوشَةُ هِيَ الَّتِي خَالَطَ الْمَعْدِنَ النَّفِيسَ فِيهَا مَعْدِنٌ آخَرُ.

وَغِشُّ النُّقُودِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الإِْمَامِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ الْغِشُّ مِنَ الإِْمَامِ لِمَصْلَحَةِ صَلاَبَةِ النَّقْدِ، أَوْ لِمَصْلَحَةٍ يَرَاهَا الإِْمَامُ وَيَتَصَرَّفُ بِمُقْتَضَاهَا لِمَصْلَحَةِ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ الْغِشُّ لِغَيْرِ ذَلِكَ أَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الإِْمَامِ فَفِيهِ وَفِي التَّعَامُل بِهَذِهِ النُّقُودِ الْمَغْشُوشَةِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ (١) يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (تَزْوِير ف ١٦، زُيُوف ف ٦، ٧، سَتُّوقَة ف ٤، غِشّ ف ٩، صَرْف ف ٤١ - ٤٥، نَبَهْرَجَة ف ٤) .

كَيْفِيَّةُ التَّصَرُّفِ بِالنُّقُودِ الْمَغْشُوشَةِ:

٢٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي التَّصَرُّفِ فِي النُّقُودِ الْمَغْشُوشَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى سَبْكَهَا وَتَصْفِيَتَهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى كَسْرَهَا. وَانْظُرْ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (زُيُوف ف ٧) .

_________

(١) وَلاَ يَخْفَى أَنَّ طَبْعَ نُقُودٍ وَرَقِيَّةٍ مُطَابِقَةٍ فِي الْهَيْئَةِ لِلنُّقُودِ الْوَرَقِيَّةِ الَّتِي تُصْدِرُهَا الدَّوْلَةُ هُوَ مِنْ بَابِ التَّزْوِيرِ يَسْتَحِقُّ فَاعِلُهُ عُقُوبَةً تَعْزِيرِيَّةً لاِفْتِيَاتِهِ عَلَى الدَّوْلَةِ وَتَغْرِيرِه

التَّعَامُل بِالنُّقُودِ الرَّدِيئَةِ:

٢٤ - النُّقُودُ الرَّدِيئَةُ هِيَ ضِدُّ الْجَيِّدَةِ، وَقَدْ فَصَّل الْفُقَهَاءُ حُكْمَ التَّعَامُل بِالنُّقُودِ الرَّدِيئَةِ.

انْظُرْ مُصْطَلَحَ (رَدَاءَة ف ٢ - ٥) .

ثَالِثًا: كَسْرُ النُّقُودِ:

٢٥ - الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ الْمَكْسُورَةُ، أَوِ الْمَقْطُوعَةُ - وَضِدُّهَا الصَّحِيحَةُ وَالصِّحَاحُ - هِيَ مَا قُطِعَتْ بِالْمِقْرَاضِ، أَمَّا أَرْبَاعُ الْقُرُوشِ فَهِيَ نُقُودٌ صَحِيحَةٌ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ كَسْرِ الدَّرَاهِمِ، وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (دَرَاهِم ف ٨) .

رَابِعًا: التَّزَيُّنُ بِالنُّقُودِ:

٢٦ - اسْتِعْمَال زِينَةِ الذَّهَبِ حَلاَلٌ لِلنِّسَاءِ حَرَامٌ عَلَى الرِّجَال، وَزِينَةُ الْفِضَّةِ حَلاَلٌ لِلنِّسَاءِ أَيْضًا، وَيَجُوزُ لِلرَّجُل مِنْهَا الْيَسِيرُ عَلَى تَفْصِيلٍ ذُكِرَ فِي مُصْطَلَحِ (ذَهَب ف ٤، ٩، وَفِضَّة ف ٦ - ٨) .

وَذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِالتَّحَلِّي بِالدَّنَانِيرِ أَوِ الدَّرَاهِمِ حَسَبَ الضَّوَابِطِ الشَّرْعِيَّةِ إِنْ لَمْ يُحْتَجْ إِلَى قَطْعِهَا، فَإِنِ احْتِيجَ إِلَى قَطْعِهَا لَمْ يَجُزْ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَالْحَنَابِلَةِ، قَال الرَّمْلِيُّ: لَوِ اسْتَعْمَلَتِ الْمَرْأَةُ الدَّنَانِيرَ لِلتَّحَلِّي، فَإِنْ جَعَلَتْ لَهَا عُرًى

وَجَعَلَتْهَا فِي قِلاَدَتِهَا جَازَ، أَمَّا إِنْ تَقَلَّدَتْ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ مَثْقُوبَةً فَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ تَحْرِيمُهَا (١) .

وَلَمْ يَرَ أَحْمَدُ أَنْ تُقْطَعَ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ مِنْ أَجْل التَّحَلِّي.

أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَلاَ بَأْسَ بِقَطْعِهَا لِهَذَا الْغَرَضِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ (٢) .

(ر: دَرَاهِم ف ٨) .

خَامِسًا: النُّقُودُ فِي الْعُقُودِ:

٢٧ - تُسْتَخْدَمُ النُّقُودُ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ وَالأَْنْكِحَةِ وَالتَّبَرُّعَاتِ وَغَيْرِهَا، وَلاَ تَخْتَصُّ بِذَلِكَ فَقَدْ تُسْتَعْمَل الْعُرُوضُ أَيْضًا، فَيَكُونُ الْعَرْضُ ثَمَنَ مَبِيعٍ، أَوْ أُجْرَةً، أَوْ مَهْرًا أَوْ مَوْهُوبًا، أَوْ جُعْلًا، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ.

وَفِي الْبَيْعِ يُسَمَّى بَيْعُ الْعَرْضِ بِالْعَرْضِ مُقَايَضَةً، وَبَيْعُ الْعَقَارِ بِالْعَقَارِ مُنَاقَلَةً.

غَيْرَ أَنَّ الأَْكْثَرَ فِي الْمُبَايَعَاتِ وَنَحْوِهَا أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ نَقْدًا، وَهِيَ الْوَظِيفَةُ الْكُبْرَى لِلنُّقُودِ، وَيُسَمَّى الْعِوَضُ النَّقْدِيُّ ثَمَنًا، وَتُنْظَرُ أَحْكَامُ النُّقُودِ فِي الْمُبَايَعَاتِ فِي مُصْطَلَحِ (ثَمَن ف ٨) .

_________

(١) نهاية المحتاج ٣ / ٩٣.

(٢) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ١٨٢، وفتح العلي المالك ١ / ٢١٩.

وَإِذَا بِيعَ النَّقْدُ بِالنَّقْدِ سُمِّيَ ذَلِكَ صَرْفًا، وَهُوَ تَبَادُل الْعُمُلاَتِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ.

وَإِذَا بِيعَ النَّقْدُ بِنَقْدٍ مِنْ جِنْسِهِ وَجَبَ التَّمَاثُل فِي الْوَزْنِ وَالتَّقَابُضُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ، وَإِلاَّ كَانَ رِبَا فَضْلٍ أَوْ رِبَا نَسِيئَةٍ، وَإِذَا بِيعَ بِنَقْدٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ وَجَبَ التَّقَابُضُ وَلَمْ يَجِبِ التَّمَاثُل، وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي (صَرْف ف ٢٠، ٢٨) .

مَا يَجِبُ فِيهِ النُّقُودُ وَلاَ يَجُوزُ الْعَرْضُ:

رَأْسُ مَال شَرِكَةِ الْعَقْدِ:

٢٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَعْل الْعُرُوضِ رَأْسَ مَالٍ فِي شَرِكَةِ الْعَقْدِ:

فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَعَامَّةُ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الأَْثْمَانِ وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَرْضًا وَلَوْ كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا؛ لأَِنَّ الشَّرِكَةَ تَقْتَضِي الرُّجُوعَ عِنْدَ الْمُفَاصَلَةِ بِرَأْسِ الْمَال أَوْ بِمِثْلِهِ، فَلَوْ كَانَ عَرْضًا تَعَذَّرَ رُجُوعُ كُلٍّ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ إِلَى حَقِّهِ بِيَقِينٍ.

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَرْضُ الْمِثْلِيُّ رَأْسَ مَال شَرِكَةٍ، وَيُرْجَعُ عِنْدَ الْمُفَاصَلَةِ بِمِثْلِهِ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: تَجُوزُ الشَّرِكَةُ بِالْعُرُوضِ إِلاَّ إِذَا كَانَ رَأْسُ الْمَال طَعَامًا مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا فَلاَ تَجُوزُ، (ر: شَرِكَة الْعَقْدِ ف ٤٤) .

وَعِنْدَ الأَْوْزَاعِيِّ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ تَجُوزُ الشَّرِكَةُ وَالْمُضَارَبَةُ بِالْعُرُوضِ.

٢٩ - وَقَال الأَْكْثَرُونَ: يُعْتَبَرُ فِي رَأْسِ الْمَال فِي الْمُضَارَبَةِ وَفِي الشَّرِكَةِ أَنْ يَكُونَ نَقْدًا مَضْرُوبًا وَلاَ يَجُوزُ فِي النُّقْرَةِ؛ لأَِنَّهَا تَزِيدُ قِيمَتُهَا وَتَنْقُصُ.

قَال الْبَاجِيُّ فِي الْمُنْتَقَى: لاَ يَجُوزُ الْقِرَاضُ بِغَيْرِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ؛ لأَِنَّهَا أُصُول الأَْثْمَانِ وَقِيَمُ الْمُتْلَفَاتِ، وَلاَ يَدْخُل أَسْوَاقَهَا تَغْيِيرٌ، فَأَمَّا مَا يَدْخُلُهُ تَغْيِيرُ الأَْسْوَاقِ مِنَ الْعُرُوضِ فَلاَ يَجُوزُ الْقِرَاضُ بِهِ، وَمُرَادُهُ بِتَغْيِيرِ الأَْسْوَاقِ ارْتِفَاعُ الأَْسْعَارِ وَانْخِفَاضُهُ (١) .

وَلاَ تَجُوزُ الشَّرِكَةُ بِالنَّقْدِ الْمَغْشُوشِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، قَل الْغِشُّ أَوْ كَثُرَ، وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ كَانَ الْغِشُّ أَقَل مِنَ النِّصْفِ جَازَ؛ لأَِنَّ الْحُكْمَ لِلأَْكْثَرِ، وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ جَوَازُ الشَّرِكَةِ بِالنَّقْدِ الْمَغْشُوشِ إِنْ كَانَ رَائِجًا (٢) .

أَمَّا الْفُلُوسُ فَلاَ تَجُوزُ الشَّرِكَةُ بِهَا فِي قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَأَحْمَدَ؛ لأَِنَّهَا تَنْفُقُ مَرَّةً وَتَكْسُدُ أُخْرَى فَأَشْبَهَتِ الْعُرُوضَ.

_________

(١) فتح القدير ٦ / ١٦٨، والفتاوى الهندية ٢ / ٣٠٦، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣ / ٣٤٩ - ٣٥١، والمحلي شرح المنهاج ٢ / ٣٣٤، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٣٢٢، والمغني ٥ / ١٣ - ١٥.

(٢) المغني ٥ / ١٤، ونهاية المحتاج ٥ / ٧.

وَفِي قَوْل مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَأَبِي ثَوْرٍ، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: تَجُوزُ الشَّرِكَةُ بِهَا إِنْ كَانَتْ نَافِقَةً وَبَنَاهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْقَوْل بِجَوَازِ الشَّرِكَةِ فِي الْعُرُوضِ.

قَال ابْنُ قُدَامَةَ: فَإِنْ قُلْنَا بِصِحَّةِ الشَّرِكَةِ فِيهَا فَإِنَّهَا إِنْ كَانَتْ نَافِقَةً كَانَ رَأْسُ الْمَال مِثْلَهَا، وَإِنْ كَانَتْ كَاسِدَةً كَانَ رَأْسُ الْمَال قِيمَتَهَا (١) .

(ر: فُلُوس ف ٥) .

٣٠ - وَجَمَعَ السُّيُوطِيُّ مِنْ فُرُوعِ الشَّافِعِيَّةِ أَحْكَامًا يَخْتَصُّ بِهَا النَّقْدُ الذَّهَبِيُّ وَالْفِضِّيُّ:

مِنْهَا: أَنَّهُمَا قِيَمُ الأَْشْيَاءِ، فَلاَ تَقْوِيمَ بِغَيْرِهِمَا.

وَمِنْهَا: أَنَّهُ لاَ يَبِيعُ الْقَاضِي وَالْوَكِيل وَالْوَلِيُّ مَال الْغَيْرِ إِلاَّ بِهِمَا.

وَمِنْهَا: أَنَّهُ لاَ يُفْرَضُ مَهْرُ الْمِثْل إِلاَّ مِنْهُمَا (٢) .

مَا يَنْصَرِفُ إِلَيْهِ النَّقْدُ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ فِي الْعُقُودِ وَالإِْقْرَارَاتِ وَنَحْوِهِمَا:

٣١ - إِذَا تَبَايَعَا سِلْعَةً بِنَقْدٍ، دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ

_________

(١) المغني ٤ / ١٥، والفتاوى الهندية ٢ / ٣٠٦، وابن عابدين ٣ / ٣٤٠، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٣٢٢.

(٢) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٣٧٠ نشر مصطفى الحلبي.