الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤
فِيهِ، فَلاَ يَتَوَقَّفُ تَمَامُهُ عِنْدَهُمْ عَلَى الْقَبُول، لأَِنَّ جَائِزَ التَّصَرُّفِ لاَ يُمْنَعُ مِنْ إِسْقَاطِ حَقِّهِ أَوْ بَعْضِهِ. وَلأَِنَّهُ إِسْقَاطُ حَقٍّ لَيْسَ فِيهِ تَمْلِيكُ مَالٍ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الْقَبُول، كَالْعِتْقِ وَالطَّلاَقِ وَالشُّفْعَةِ. (١) بَل إِنَّ الْخَطِيبَ الشِّرْبِينِيَّ قَال: لاَ يُشْتَرَطُ الْقَبُول عَلَى الْمَذْهَبِ، سَوَاءٌ قُلْنَا: الإِْبْرَاءُ تَمْلِيكٌ أَوْ إِسْقَاطٌ. (٢)
وَيَسْتَوِي عِنْدَ هَؤُلاَءِ الْفُقَهَاءِ التَّعْبِيرُ بِالإِْبْرَاءِ أَوْ بِهِبَةِ الدَّيْنِ لِلْمَدِينِ، إِلاَّ مَا فَرَّقَ بِهِ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ أَنَّ التَّعْبِيرَ بِالْهِبَةِ يَحْتَاجُ إِلَى الْقَبُول. جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: هِبَةُ الدَّيْنِ مِنَ الْكَفِيل لاَ تَتِمُّ بِدُونِ الْقَبُول، وَإِبْرَاؤُهُ يَتِمُّ بِدُونِ قَبُولٍ. (٣)
١٥ - وَلَمَّا كَانَ الإِْبْرَاءُ مِنْ بَدَل الصَّرْفِ وَرَأْسُ مَال السَّلَمِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبُول عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، مِمَّا يُشْعِرُ بِالتَّعَارُضِ مَعَ رَأْيِهِمْ فِي عَدَمِ تَوَقُّفِ الإِْبْرَاءِ مِنَ الدَّيْنِ عَلَى الْقَبُول، فَقَدْ عَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَنَّ التَّوَقُّفَ عَلَى الْقَبُول فِيهِمَا لَيْسَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ هِبَةُ الدَّيْنِ لِلْمَدِينِ، وَلَكِنْ لأَِنَّ الإِْبْرَاءَ فِيهِمَا يُوجِبُ انْفِسَاخَ الْعَقْدِ بِفَوَاتِ الْقَبْضِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ لِحَقِّ الشَّارِعِ، وَأَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ لاَ يَنْفَرِدُ بِفَسْخِهِ، فَلِهَذَا تَوَقَّفَ عَلَى قَبُول الآْخَرِ. (٤)
وَالأَْرْجَحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَعِنْدَ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ إِبْرَاءَ الْمَدِينِ مِنَ الدَّيْنِ يَتَوَقَّفُ تَمَامُهُ عَلَى الْقَبُول،
_________
(١) تكملة ابن عابدين ٢ / ١٤٢، ٣٤٧، والمهذب ١ / ٤٥٥، ٢ / ٦٠، والدسوقي ٤ / ٩٩، ومنح الجليل ٤ / ٨٦، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٥٢١، والمغني ٥ / ٦٥٨.
(٢) نهاية المحتاج ٤ / ٣٧٣.
(٣) تكملة ابن عابدين ٢ / ٣٤٧، وأشباه ابن نجيم ص ٢٦٤، والفتاوى الهندية ٤ / ٣٨٤.
(٤) تكملة ابن عابدين ٢ / ٣٤٧.
لأَِنَّ الإِْبْرَاءَ - عَلَى رَأْيِهِمْ - نَقْلٌ لِلْمِلْكِ، فَهُوَ تَمْلِيكُ الْمَدِينِ مَا فِي ذِمَّتِهِ، فَيَكُونُ مِنْ قَبِيل الْهِبَةِ الَّتِي يُشْتَرَطُ فِيهَا الْقَبُول. (١)
وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ عِنْدَهُمْ هِيَ تَرَفُّعُ ذَوِي الْمُرُوءَاتِ عَمَّا قَدْ يَحْدُثُ فِي الإِْبْرَاءِ مِنْ مِنَّةٍ، وَمَا قَدْ يُصِيبُهُمْ مِنْ ضَرَرٍ بِذَلِكَ، لاَ سِيَّمَا مِنَ السَّفَلَةِ، فَكَانَ لَهُمُ الرَّفْضُ شَرْعًا، نَفْيًا لِلضَّرَرِ الْحَاصِل مِنَ الْمِنَنِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا، أَوْ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ. (٢)
رَدُّ الإِْسْقَاطِ:
١٦ - لاَ يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي أَنَّ الإِْسْقَاطَاتِ الْمَحْضَةَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا مَعْنَى التَّمْلِيكِ، وَاَلَّتِي لَمْ تُقَابَل بِعِوَضٍ، كَالْعِتْقِ وَالطَّلاَقِ وَالشُّفْعَةِ وَالْقِصَاصِ لاَ تَرْتَدُّ بِالرَّدِّ، لأَِنَّهَا لاَ تَفْتَقِرُ إِلَى الْقَبُول، وَبِالإِْسْقَاطِ يَسْقُطُ الْمِلْكُ وَالْحَقُّ، فَيَتَلاَشَى وَلاَ يُؤَثِّرُ فِيهِ الرَّدُّ، وَالسَّاقِطُ لاَ يَعُودُ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ. وَلاَ يَخْتَلِفُونَ كَذَلِكَ فِي أَنَّ الإِْسْقَاطَاتِ الَّتِي تُقَابَل بِعِوَضٍ، كَالطَّلاَقِ وَالْعِتْقِ عَلَى مَالٍ، تَرْتَدُّ بِالرَّدِّ مَا لَمْ يَسْبِقْ قَبُولٌ أَوْ طَلَبٌ. (٣)
١٧ - أَمَّا مَا فِيهِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ كَالإِْبْرَاءِ مِنَ الدَّيْنِ، فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ رَأْيُ
_________
(١) الدسوقي ٤ / ٩٩، والفروق للقرافي ٢ / ١١٠، والمهذب ١ / ٤٥٥، وشرح الروض ٢ / ١٩٥.
(٢) الفروق ٢ / ١١٠، وشرح الروض ٢ / ٩٥، ومنح الجليل ٤ / ٨٦، ٨٨، والدسوقي ٤ / ٩٩، والمهذب ١ / ٤٥٤، ٤٥٥ و٢ / ٧٣، ويلاحظ أن هذه الحكمة علل بها الحنفية أيضا ارتداد الإبراء بالرد، كما سيأتي (البدائع ٥ / ٢٠٣) .
(٣) لاختيار ٣ / ١٢١، ١٥٧، ٤ / ١٧، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ١٠٧، ١٠٨ و٢ / ٦٧٦، والمهذب ٢ / ٧٣، وجواهر الإكليل ١ / ٣٣٠، ٢ / ٢٩٩، والمغني ٥ / ٦٥٨.
بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، أَنَّهُ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ، نَظَرًا لِجَانِبِ التَّمْلِيكِ فِيهِ، وَلِمَا قَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَى عَدَمِ قَابِلِيَّتِهِ لِلرَّدِّ مِنْ ضَرَرِ الْمِنَّةِ الَّتِي يَتَرَفَّعُ عَنْهَا ذَوُو الْمُرُوءَاتِ.
١٨ - هَذَا مَعَ اسْتِثْنَاءِ الْحَنَفِيَّةِ لِبَعْضِ الْمَسَائِل الَّتِي لاَ يَرْتَدُّ فِيهَا الإِْبْرَاءُ بِالرَّدِّ وَهِيَ:
أ - إِذَا أَبْرَأَ الْمُحَال الْمُحَال عَلَيْهِ فَلاَ يَرْتَدُّ بِرَدِّهِ.
ب - إِذَا أَبْرَأَ الطَّالِبُ الْكَفِيل فَالأَْرْجَحُ أَنَّهُ لاَ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ، وَقِيل يَرْتَدُّ.
ج - إِذَا طَلَبَ الْمَدِينُ الإِْبْرَاءَ فَأَبْرَأَهُ الدَّائِنُ فَلاَ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ.
د - إِذَا قَبِل الْمَدِينُ الإِْبْرَاءَ ثُمَّ رَدَّهُ لاَ يَرْتَدُّ.
وَهَذِهِ الْمَسَائِل فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَتْ خُرُوجًا عَلَى الأَْصْل الَّذِي سَارَ عَلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ، ذَلِكَ أَنَّ الْحَوَالَةَ وَالْكَفَالَةَ مِنَ الإِْسْقَاطَاتِ الْمَحْضَةِ، لأَِنَّ الْوَاجِبَ هُوَ حَقُّ الْمُطَالَبَةِ وَلَيْسَ فِيهِ تَمْلِيكُ مَالٍ.
وَأَمَّا الْقَبُول إِذَا تَمَّ فَلاَ مَعْنَى لِلرَّدِّ بَعْدَهُ، وَكَذَلِكَ طَلَبُ الْمَدِينِ الْبَرَاءَةَ يُعْتَبَرُ قَبُولًا.
١٩ - وَمَعَ اتِّفَاقِ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّ الإِْبْرَاءَ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ إِلاَّ أَنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ مِنْ حَيْثُ تَقْيِيدُ الرَّدِّ بِمَجْلِسِ الإِْبْرَاءِ وَعَدَمُ تَقْيِيدِهِ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: هُمَا قَوْلاَنِ. وَفِي الْفَتَاوَى الصَّيْرَفِيَّةِ: لَوْ لَمْ يَقْبَل وَلَمْ يَرُدَّ حَتَّى افْتَرَقَا، ثُمَّ بَعْدَ أَيَّامٍ رَدَّ لاَ يَرْتَدُّ فِي الصَّحِيحِ. (١)
_________
(١) تكملة ابن عابدين ٢ / ٣٤٧، وابن عابدين ٤ / ٤٥٦، والهندية ٤ / ٣٨٤، والبدائع ٥ / ٢٠٣، وشرح الروض ٢ / ١٩٥، والمهذب ١ / ٤٥٥، ٤٥٩، ومنح الجليل ٤ / ٨٦، والدسوقي ٤ / ٩٩، والفروق ٢ / ١١٠.
التَّعْلِيقُ وَالتَّقْيِيدُ وَالإِْضَافَةُ فِي الإِْسْقَاطَاتِ:
٢٠ - التَّعْلِيقُ هُوَ رَبْطُ وُجُودِ الشَّيْءِ بِوُجُودِ غَيْرِهِ، وَيُسْتَعْمَل فِيهِ لَفْظُ أَدَاةِ الشَّرْطِ صَرِيحًا، كَإِنْ وَإِذَا، وَانْعِقَادُ الْحُكْمِ فِيهِ يَتَوَقَّفُ عَلَى حُصُول الشَّرْطِ.
٢١ - وَالتَّقْيِيدُ بِالشُّرُوطِ مَا جُزِمَ فِيهِ بِالأَْصْل، وَشُرِطَ فِيهِ أَمْرٌ آخَرُ، وَلاَ يُسْتَعْمَل فِيهِ لَفْظُ أَدَاةِ الشَّرْطِ صَرِيحًا.
٢٢ - أَمَّا الإِْضَافَةُ فَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ لاَ تَمْنَعُ سَبَبِيَّةَ اللَّفْظِ لِلْحُكْمِ إِلاَّ أَنَّهَا تَجْعَل الْحُكْمَ يَتَأَخَّرُ الْبَدْءُ بِهِ إِلَى زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ يُحَدِّدُهُ الْمُتَصَرِّفُ (١) .
وَبَيَانُ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلإِْسْقَاطَاتِ هُوَ:
أَوَّلًا: تَعْلِيقُ الإِْسْقَاطِ عَلَى الشَّرْطِ:
٢٣ - يَجُوزُ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ تَعْلِيقُ الإِْسْقَاطَاتِ عَلَى الشَّرْطِ الْكَائِنِ بِالْفِعْل (أَيِ الْمَوْجُودِ حَالَةَ الإِْسْقَاطِ)، لأَِنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُنْجَزِ، كَقَوْل الدَّائِنِ لِغَرِيمِهِ: إِنْ كَانَ لِي عَلَيْكَ دَيْنٌ فَقَدْ أَبْرَأْتُكَ، وَكَقَوْل الرَّجُل لاِمْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ كَانَتِ السَّمَاءُ فَوْقَنَا وَالأَْرْضُ تَحْتَنَا، وَكَمَنْ قَال لآِخَرَ: بَاعَنِي فُلاَنٌ دَارَكَ بِكَذَا، فَقَال: إِنْ كَانَ كَذَا فَقَدْ أَجَزْتُهُ، وَإِنْ كَانَ فُلاَنٌ اشْتَرَى هَذَا الشِّقْصَ بِكَذَا فَقَدْ أَسْقَطْتُ الشُّفْعَةَ.
كَذَلِكَ يَجُوزُ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ التَّعْلِيقُ عَلَى مَوْتِ الْمُسْقِطِ، وَيُعْتَبَرُ وَصِيَّةً، كَقَوْلِهِ لِمَدِينِهِ: إِذَا مِتَّ فَأَنْتَ بَرِيءٌ (٢) .
_________
(١) تكملة فتح القدير والعناية بهامشه ٧ / ٣٩٨، والزيلعي والشلبي عليه ٥ / ٢٤٤، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٢٢٢، ٢٣٣.
(٢) حاشية ابن عابدين ٤ / ٢٢٣ - ٢٢٦، والتكملة لابن عابدين ٢ / ٣٤٥، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٥٢١، ٦٧٥، والمغني ٤ / ٣٥٩ ط الرياض، ونهاية المحتاج ٤ / ٤٢٨، ومنح الجليل ٤ / ٥٩٠، ٦٥٣، وفتح العلي المالك ١ / ٣٠٧.
وَهَذَا فِيمَا عَدَا مَنْ عَلَّقَ طَلاَقَ زَوْجَتِهِ عَلَى مَوْتِهِ، إِذْ فِيهِ الاِخْتِلاَفُ بَيْنَ تَنْجِيزِ الطَّلاَقِ وَبَيْنَ عَدَمِ وُقُوعِهِ (١) .
أَمَّا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ الشُّرُوطِ فَيُمْكِنُ تَقْسِيمُ الإِْسْقَاطَاتِ بِالنِّسْبَةِ لَهَا فِي الْجُمْلَةِ إِلَى الآْتِي:
٢٤ - (أ) إِسْقَاطَاتٌ مَحْضَةٌ لَيْسَ فِيهَا مَعْنَى التَّمْلِيكِ وَلَمْ تُقَابَل بِعِوَضٍ. وَهَذِهِ يَجُوزُ فِي الْجُمْلَةِ تَعْلِيقُهَا عَلَى الشَّرْطِ، غَيْرَ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ وَضَعُوا هُنَا ضَابِطًا فَقَالُوا: إِنْ كَانَتِ الإِْسْقَاطَاتُ مِمَّا يُحْلَفُ بِهَا، كَالطَّلاَقِ وَالْعِتْقِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَعْلِيقُهَا بِالشَّرْطِ مُلاَئِمًا أَمْ غَيْرَ مُلاَئِمٍ. وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لاَ يُحْلَفُ بِهَا، كَالإِْذْنِ فِي التِّجَارَةِ وَتَسْلِيمِ الشُّفْعَةِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَعْلِيقُهَا بِالشَّرْطِ الْمُلاَئِمِ فَقَطْ، وَهُوَ مَا يُؤَكِّدُ مُوجَبَ الْعَقْدِ. وَيُعَبِّرُ الْحَنَفِيَّةُ أَحْيَانًا بِالشَّرْطِ الْمُتَعَارَفِ. وَيَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمَا وَاحِدٌ، فَفِي ابْنِ عَابِدِينَ: وَفِي الْبَحْرِ عَنِ الْمِعْرَاجِ: غَيْرُ الْمُلاَئِمِ هُوَ مَا لاَ مَنْفَعَةَ فِيهِ لِلطَّالِبِ أَصْلًا، كَدُخُول الدَّارِ وَمَجِيءِ الْغَدِ، لأَِنَّهُ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ. وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ - بَعْدَ الْكَلاَمِ عَنِ اخْتِلاَفِ الرِّوَايَاتِ فِي جَوَازِ تَعْلِيقِ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْكَفَالَةِ بِالشَّرْطِ - قَال: وَجْهُ اخْتِلاَفِ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّ عَدَمَ الْجَوَازِ إِنَّمَا هُوَ إِذَا كَانَ الشَّرْطُ مَحْضًا لاَ مَنْفَعَةَ فِيهِ أَصْلًا، لأَِنَّهُ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ بَيْنَ النَّاسِ، كَمَا لاَ يَجُوزُ تَعْلِيقُ الْكَفَالَةِ بِشَرْطٍ لَيْسَ لِلنَّاسِ فِيهِ تَعَامُلٌ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ بِشَرْطٍ فِيهِ نَفْعٌ لِلطَّالِبِ، وَلَهُ تَعَامُلٌ، فَتَعْلِيقُ الْبَرَاءَةِ بِهِ صَحِيحٌ (٢) .
_________
(١) منح الجليل ٢ / ٢٥٠، والمهذب ٢ / ٩٧، والمغني ٧ / ٢٧٠.
(٢) حاشية ابن عابدين ٤ / ٢٢٣، ٢٣٣، ٢٧٧، ٤٨٠، والتكملة ٢ / ٣٤٥، وفتح القدير ٦ / ٣١١.
وَلَمْ يَتَعَرَّضْ غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ لِهَذَا التَّقْسِيمِ، وَاَلَّذِي يَبْدُو مِمَّا ذَكَرُوهُ أَنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ تَعْلِيقُ الإِْسْقَاطَاتِ الْمَحْضَةِ عَلَى الشَّرْطِ مُطْلَقًا، دُونَ تَفْرِيقٍ بَيْنَ مَا يُحْلَفُ بِهِ وَمَا لاَ يُحْلَفُ بِهِ، وَيَدُل لِذَلِكَ الضَّابِطُ الَّذِي وَضَعَهُ الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ: مَا كَانَ تَمْلِيكًا مَحْضًا لاَ مَدْخَل لِلتَّعْلِيقِ فِيهِ قَطْعًا كَالْبَيْعِ، وَمَا كَانَ حِلًّا مَحْضًا، يَدْخُلُهُ التَّعْلِيقُ قَطْعًا كَالْعِتْقِ، وَبَيْنَهُمَا مَرَاتِبُ يَجْرِي فِيهَا الْخِلاَفُ كَالْفَسْخِ وَالإِْبْرَاءِ. (١)
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَإِنَّ الْمَسَائِل الَّتِي ذَكَرُوا أَنَّهَا تَقْبَل التَّعْلِيقَ تُفِيدُ هَذَا الْمَعْنَى. وَقَدْ وَرَدَ الْكَثِيرُ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِل فِي فَتَاوَى الشَّيْخِ عُلَيْشٍ الْمَالِكِيِّ، وَمِنْهَا: إِذَا طَلَبَتِ الْحَاضِنَةُ الاِنْتِقَال بِالأَْوْلاَدِ إِلَى مَكَانٍ بَعِيدٍ، فَقَال الأَْبُ: إِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ فَنَفَقَتُهُمْ وَكِسْوَتُهُمْ عَلَيْكَ، لَزِمَهَا ذَلِكَ، لأَِنَّ لِلأَْبِ مَنْعَهَا مِنَ الْخُرُوجِ بِهِمْ إِلَى مَكَانٍ بَعِيدٍ، فَأَسْقَطَ حَقَّهُ بِذَلِكَ. وَإِذَا قَال الشَّفِيعُ: إِنِ اشْتَرَيْتَ ذَلِكَ الشِّقْصَ فَقَدْ سَلَّمْتُ لَكَ شُفْعَتِي عَلَى دِينَارٍ تُعْطِينِي إِيَّاهُ، فَإِنْ لَمْ يَبِعْهُ مِنْكَ فَلاَ جُعْل لِي عَلَيْكَ، جَازَ ذَلِكَ. (٢)
٢٥ - (ب) إِسْقَاطَاتٌ فِيهَا مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ، كَالْخُلْعِ وَالْمُكَاتَبَةِ. (٣) وَمَا يَلْحَقُ بِهِمَا مِنَ الطَّلاَقِ وَالْعِتْقِ عَلَى مَالٍ.
فَالطَّلاَقُ عَلَى مَالٍ وَكَذَا الْعِتْقُ عَلَى مَالٍ
_________
(١) المنثور في قواعد الزركشي ١ / ٣٧٧، والأشباه للسيوطي ص ٢٨٧.
(٢) فتح العلي المالك ١ / ٢٦٧، ٣٠٧، وانظر شرح منتهى الإرادات ٢ / ٣٠٠، ٣٠٨، ٣٣٠.
(٣) المكاتبة: اتفاق بين العبد ومالكه على عتقه بدفع مال محدد في أجل معين، مع إطلاق يده خلاله في التصرف.
تَعْلِيقُهُمَا جَائِزٌ بِاتِّفَاقٍ، لأَِنَّهُمَا إِسْقَاطٌ مَحْضٌ، وَالْمُعَاوَضَةُ فِيهِمَا مَعْدُولٌ بِهَا عَنْ سَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ.
وَأَمَّا الْخُلْعُ فَقَدْ أَجَازَ تَعْلِيقَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ، بِاعْتِبَارِهِ طَلاَقًا، وَمَنَعَهُ الْحَنَابِلَةُ لِمَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ.
وَأَمَّا الْمُكَاتَبَةُ فَقَدْ أَجَازَ تَعْلِيقَهَا بِالشَّرْطِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَمَنَعَهَا الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، جَاءَ فِي قَوَاعِدِ الزَّرْكَشِيِّ: الْمُعَاوَضَةُ غَيْرُ الْمَحْضَةِ وَهِيَ الَّتِي يَكُونُ الْمَال فِيهَا مَقْصُودًا مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ (أَيْ كَالْمُكَاتَبَةِ) لاَ تَقْبَل التَّعْلِيقَ، إِلاَّ فِي الْخُلْعِ مِنْ جَانِبِ الْمَرْأَةِ. (١)
٢٦ - (ج) الإِْسْقَاطُ الَّذِي فِيهِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ، كَالإِْبْرَاءِ مِنَ الدَّيْنِ. وَقَدْ أَجَازَ تَعْلِيقَهُ عَلَى الشَّرْطِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ. غَيْرَ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ قَيَّدُوهُ بِالشَّرْطِ الْمُلاَئِمِ أَوِ الْمُتَعَارَفِ عَلَى مَا سَبَقَ تَفْسِيرُهُ. وَمَنَعَ تَعْلِيقَهُ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ.
وَقَدِ اسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ ثَلاَثَ صُوَرٍ يَجُوزُ فِيهَا التَّعْلِيقُ، وَهِيَ:
(١) لَوْ قَال: إِنْ رَدَدْتَ ضَالَّتِي فَقَدْ أَبْرَأْتُكَ عَنِ الدَّيْنِ الَّذِي لِي عَلَيْكَ صَحَّ.
(٢) تَعْلِيقُ الإِْبْرَاءِ ضِمْنًا، كَمَا إِذَا عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدِهِ، ثُمَّ كَاتَبَهُ فَوُجِدَتِ الصِّفَةُ، عَتَقَ، وَتَضَمَّنَ ذَلِكَ الإِْبْرَاءَ مِنَ النُّجُومِ (أَيِ الأَْقْسَاطِ) .
(٣) الْبَرَاءَةُ الْمُعَلَّقَةُ بِمَوْتِ الْمُبَرِّئِ (٢)، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ ذَلِكَ.
_________
(١) البدائع ٣ / ١٥٢، ٤ / ١٣٧، وفتح القدير ٤ / ١٦٤، ونهاية المحتاج ٦ / ٤٠٢، والمهذب ٢ / ٢١٠، ٢١٢، وقليوبي ٣ / ٣١٤، والمنثور ١ / ٣٧٠، ٢ / ٤٠٣، ومنتهى الإرادات ٣ / ١١٠، ١١٣، ٢ / ٦٥٥، ٦٧٥، والمغني ٧ / ٧٢، وجواهر الإكليل ١ / ٣٣٥، ٣٣٦، ٢ / ٣١٢، ومنح الجليل ٤ / ٦٢٨.
(٢) ابن عابدين ٤ / ٢٢٥، ٢٣١، ٤٨٠، وفتح العلي المالك ١ / ٢٨١، ومنتهى الإرادات ٢ / ٥٢١، والمغني ٤ / ٣٥٩، والمنثور ١ / ٨٣، ٨٤، ٨٥، وأشباه السيوطي ص ٢٨٧، وقليوبي ٣ / ٣١٠.
ثَانِيًا: تَقْيِيدُ الإِْسْقَاطِ بِالشَّرْطِ:
٢٧ - يَصِحُّ فِي الْجُمْلَةِ تَقْيِيدُ الإِْسْقَاطَاتِ بِالشُّرُوطِ، فَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ صَحِيحًا لَزِمَ، وَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ فَاسِدًا فَلِكُل مَذْهَبٍ تَفْصِيلٌ فِي الْحُكْمِ عَلَى مَا يُعْتَبَرُ فَاسِدًا مِنَ الشُّرُوطِ وَمَا لاَ يُعْتَبَرُ، وَهَل يَبْطُل التَّصَرُّفُ بِفَسَادِ الشَّرْطِ، أَوْ يَبْطُل الشَّرْطُ وَيَصِحُّ التَّصَرُّفُ. وَنَتْرُكُ التَّفَاصِيل لِمَوَاضِعِهَا.
لَكِنَّ الْحُكْمَ الْغَالِبَ فِي الإِْسْقَاطَاتِ أَنَّهَا لَوْ قُيِّدَتْ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ، صَحَّ وَبَطَل الشَّرْطُ.
وَيَتَبَيَّنُ هَذَا مِمَّا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الضَّوَابِطِ، وَمِنَ الْفُرُوعِ الَّتِي أَوْرَدَهَا غَيْرُهُمْ، وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ ذَلِكَ.
قَال الْحَنَفِيَّةُ: كُل مَا جَازَ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ يَجُوزُ تَقْيِيدُهُ بِالشَّرْطِ، وَلاَ يَفْسُدُ بِالشَّرْطِ، الْفَاسِدِ.
وَقَالُوا أَيْضًا: مَا لَيْسَ مُبَادَلَةَ مَالٍ بِمَالٍ لاَ يَفْسُدُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ. وَذَكَرَ صَاحِبُ الدُّرِّ وَابْنُ عَابِدِينَ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي تَصِحُّ وَلاَ تَفْسُدُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ، وَمِنْهَا: الطَّلاَقُ وَالْخُلْعُ وَالْعِتْقُ وَالإِْيصَاءُ وَالشَّرِكَةُ وَالْمُضَارَبَةُ وَالْكَفَالَةُ وَالْحَوَالَةُ وَالْوَكَالَةُ وَالْكِتَابَةُ وَالإِْذْنُ فِي التِّجَارَةِ وَالصُّلْحُ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ وَالإِْبْرَاءُ عَنْهُ. (١)
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فَلَمْ يَرْبِطُوا بَيْنَ التَّعْلِيقِ وَالتَّقْيِيدِ، فَقَدْ ذَكَرَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفُرُوقِ أَنَّ مَا يَقْبَل الشَّرْطَ وَالتَّعْلِيقَ: الطَّلاَقُ وَالْعِتْقُ، وَلاَ يَلْزَمُ مِنْ قَبُول التَّعْلِيقِ قَبُول الشَّرْطِ، وَلاَ مِنْ قَبُول الشَّرْطِ قَبُول التَّعْلِيقِ، وَتُطْلَبُ الْمُنَاسَبَةُ فِي كُل بَابٍ مِنْ
_________
(١) الدر وحاشية ابن عابدين ٤ / ٢٢٥، ٢٢٧، ٢٢٨، ٢٣٢.
أَبْوَابِ الْفِقْهِ (١) . وَمِنَ الأَْمْثِلَةِ الَّتِي وَرَدَتْ عِنْدَهُمْ: لَوْ خَالَعَتْ زَوْجَهَا وَاشْتَرَطَتِ الرَّجْعَةَ، لَزِمَ الْخُلْعُ، وَبَطَل الشَّرْطُ (٢) . وَلَوْ صَالَحَ الْجَانِي وَلِيَّ الدَّمِ عَلَى شَيْءٍ بِشَرْطِ أَنْ يَرْحَل مِنَ الْبَلَدِ، فَقَال ابْنُ كِنَانَةَ: الشَّرْطُ بَاطِلٌ وَالصُّلْحُ جَائِزٌ، وَقَال ابْنُ الْقَاسِمِ: لاَ يَجُوزُ الصُّلْحُ، وَقَال الْمُغِيرَةُ: الشَّرْطُ جَائِزٌ وَالصُّلْحُ لاَزِمٌ، وَكَانَ سَحْنُونٌ يُعْجِبُهُ قَوْل الْمُغِيرَةِ (٣) .
وَيَقُول الشَّافِعِيَّةُ: الشَّرْطُ الْفَاسِدُ قَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بَعْضُ أَحْكَامِ الصَّحِيحِ، وَمِثْل ذَلِكَ فِي الإِْسْقَاطَاتِ الْكِتَابَةُ وَالْخُلْعُ (٤) .
وَمِمَّا قَالَهُ الْحَنَابِلَةُ فِي ذَلِكَ: إِذَا قُيِّدَ الْخُلْعُ بِشَرْطٍ فَاسِدٍ صَحَّ الْخُلْعُ وَلَغَا الشَّرْطُ. وَفِي الْمُغْنِي: الْعِتْقُ وَالطَّلاَقُ لاَ تُبْطِلُهُمَا الشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ (٥) .
ثَالِثًا: إِضَافَةُ الإِْسْقَاطِ إِلَى الزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَل:
٢٨ - مِنَ التَّصَرُّفَاتِ مَا يَظْهَرُ أَثَرُهَا وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْحُكْمُ بِمُجَرَّدِ تَمَّامِ الصِّيغَةِ، وَلاَ تَقْبَل إِرْجَاءَ حُكْمِهَا إِلَى زَمَنٍ آخَرَ كَالزَّوَاجِ وَالْبَيْعِ.
وَمِنَ التَّصَرُّفَاتِ مَا تَكُونُ طَبِيعَتُهَا تَمْنَعُ ظُهُورَ أَثَرِهَا إِلاَّ فِي زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ، كَالْوَصِيَّةِ.
وَمِنَ التَّصَرُّفَاتِ مَا يَقَعُ حُكْمُهُ مُنْجَزًا، كَالطَّلاَقِ تَنْتَهِي بِهِ الزَّوْجِيَّةُ فِي الْحَال، وَيَصِحُّ أَنْ يُضَافَ إِلَى زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ لاَ تَنْتَهِي الزَّوْجِيَّةُ إِلاَّ عِنْدَ حُصُولِهِ.
_________
(١) الفروق ١ / ٢٢٨.
(٢) فتح العلي المالك ١ / ٢٦٦، ٣٣٨، ٣٧٤.
(٣) حاشية الدسوقي ٤ / ٢٦٣.
(٤) المنثور في القواعد للزركشي ٣ / ١٥، ٢ / ٤٠٩، ٤١٠.
(٥) شرح منتهى الإرادات ٣ / ١١٠، والمغني ٥ / ٧١، ٧٢ ط الرياض.
وَإِضَافَةُ الطَّلاَقِ إِلَى الزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَل جَائِزٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. (١) وَهُوَ مُنْجَزٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَلَوْ أَضَافَهُ إِلَى الْمُسْتَقْبَل، لأَِنَّهُ بِهَذِهِ الإِْضَافَةِ أَشْبَهُ بِنِكَاحِ الْمُتْعَةِ. (٢) وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ فَإِنَّهُ إِسْقَاطٌ يَقْبَل الإِْضَافَةَ.
وَمِمَّا ذَكَرَهُ الْحَنَفِيَّةُ مِنَ الإِْسْقَاطَاتِ الَّتِي لاَ تَقْبَل الإِْضَافَةَ إِلَى زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ: الإِْبْرَاءُ مِنَ الدَّيْنِ وَإِسْقَاطُ الْقِصَاصِ. (٣) وَالْحُكْمُ الْغَالِبُ أَنَّ الإِْسْقَاطَاتِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا مَعْنَى التَّمْلِيكِ تَقْبَل الإِْضَافَةَ إِلَى الزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَل. هَذَا فِي الْجُمْلَةِ، وَلِكُل مَذْهَبٍ تَفْصِيلٌ فِي كُل نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ التَّصَرُّفَاتِ، وَيُنْظَرُ فِي مَوْضِعِهِ.
مَنْ يَمْلِكُ الإِْسْقَاطَ (الْمُسْقِطُ):
٢٩ - الإِْسْقَاطُ قَدْ يَكُونُ مِنْ قِبَل الشَّرْعِ أَسَاسًا، كَإِسْقَاطِ الْعِبَادَاتِ الَّتِي يَكُونُ فِي مُبَاشَرَتِهَا مَشَقَّةٌ وَحَرَجٌ عَلَى الْمُكَلَّفِ، وَكَإِسْقَاطِ الْعُقُوبَاتِ الَّتِي تَرِدُ عَلَيْهَا شُبْهَةٌ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ.
وَقَدْ يَكُونُ الإِْسْقَاطُ مِنْ قِبَل الْعِبَادِ نَتِيجَةً لأَِمْرِ الشَّارِعِ، إِمَّا عَلَى سَبِيل الْوُجُوبِ كَالْعِتْقِ فِي الْكَفَّارَاتِ، وَإِمَّا عَلَى سَبِيل النَّدْبِ كَإِبْرَاءِ الْمُعْسِرِ مِنَ الدَّيْنِ، وَكَالْعَفْوِ عَنِ الْقِصَاصِ.
وَقَدْ يَكُونُ الإِْسْقَاطُ مِنَ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ لأَِسْبَابٍ خَاصَّةٍ، كَإِسْقَاطِ حَقِّ الشُّفْعَةِ لِعَدَمِ الرَّغْبَةِ فِي الشِّرَاءِ. عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي الْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ.
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ٢٣٣، والمهذب ٢ / ٩٥، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ١٤٦، ١٤٨.
(٢) الكافي لابن عبد البر ٢ / ٥٧٧.
(٣) ابن عابدين ٤ / ٢٣٣ - ٢٣٤، والمهذب ١ / ٣٥٧، والمغني ٥ / ٩٤، والخرشي ٤ / ٢٨٩.