الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤
حِينَ بَاشَرَ السَّبَبَ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَالُوا: لاَ حَدَّ عَلَى مَنْ زَنَى وَكَانَ أَسِيرًا فِي مُعَسْكَرِ أَهْل الْبَغْيِ، لأَِنَّ يَدَ إِمَامِ أَهْل الْعَدْل لاَ تَصِل إِلَيْهِمْ. (١) وَقَالُوا: لَوْ قَتَل أَحَدُ الأَْسِيرَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ الآْخَرَ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ سِوَى الْكَفَّارَةِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لأَِنَّهُ بِالأَْسْرِ صَارَ تَبَعًا لَهُمْ، لِصَيْرُورَتِهِ مَقْهُورًا فِي أَيْدِيهِمْ، وَلِهَذَا يَصِيرُ مُقِيمًا بِإِقَامَتِهِمْ وَمُسَافِرًا بِسَفَرِهِمْ. وَخُصَّ الْخَطَأُ بِالْكَفَّارَةِ، لأَِنَّهُ لاَ كَفَّارَةَ فِي الْعَمْدِ، وَبَقِيَ عَلَيْهِ عِقَابُ الآْخِرَةِ. وَقَال الصَّاحِبَانِ بِلُزُومِ الدِّيَةِ أَيْضًا فِي الْخَطَأِ وَالْعَمْدِ، لأَِنَّ الْعِصْمَةَ لاَ تَبْطُل بِعَارِضِ الأَْسْرِ وَامْتِنَاعِ الْقِصَاصِ لِعَدَمِ الْمَنْفَعَةِ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ الَّذِي فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ. (٢)
أَنْكِحَةُ الأَْسْرَى:
٧٧ - ظَاهِرُ كَلاَمِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّ الأَْسِيرَ لاَ يَحِل لَهُ التَّزَوُّجُ مَا دَامَ أَسِيرًا، وَهَذَا قَوْل الزُّهْرِيِّ، وَكَرِهَ الْحَسَنُ أَنْ يَتَزَوَّجَ فِي أَرْضِ الْمُشْرِكِينَ، لأَِنَّ الأَْسِيرَ إِذَا وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ كَانَ رَقِيقًا لَهُمْ، وَلاَ يَأْمَنُ أَنْ يَطَأَ امْرَأَتَهُ غَيْرُهُ مِنْهُمْ، وَسُئِل أَحْمَدُ عَنْ أَسِيرٍ اُشْتُرِيَتْ مَعَهُ امْرَأَتُهُ أَيَطَؤُهَا؟ فَقَال: كَيْفَ يَطَؤُهَا؟ فَلَعَل غَيْرَهُ مِنْهُمْ يَطَؤُهَا، قَال الأَْثْرَمُ: قُلْتُ لَهُ: وَلَعَلَّهَا تَعْلَقُ بِوَلَدٍ فَيَكُونُ مَعَهُمْ، قَال: وَهَذَا أَيْضًا. (٣)
_________
(١) المبسوط ١٠ / ٩٩، ١٠٠، ومواهب الجليل ٣ / ٣٥٤.
(٢) البحر الرائق ٥ / ١٠٨، والفتح ٤ / ٣٥٠، ٣٥١، والبدائع ٧ / ١٣١، ١٣٣.
(٣) المغني ١٠ / ٥١١.
وَيَقُول الْمَوَّاقُ: الأَْسِيرُ يُعْلَمُ تَنَصُّرُهُ فَلاَ يُدْرَى أَطَوْعًا أَمْ كَرْهًا فَلْتَعْتَدَّ زَوْجَتُهُ، وَيُوقَفْ مَالُهُ، وَيُحْكَمُ فِيهِ بِحُكْمِ الْمُرْتَدِّ، وَإِنْ ثَبَتَ إِكْرَاهُهُ بِبَيِّنَةٍ كَانَ بِحَال الْمُسْلِمِ فِي نِسَائِهِ وَمَالِهِ. (١) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مَوْضِعِ (إِكْرَاه) (وَرِدَّة) .
إِكْرَاهُ الأَْسِيرِ وَالاِسْتِعَانَةُ بِهِ:
٧٨ - الأَْسِيرُ إِنْ أَكْرَهَهُ الْكُفَّارُ عَلَى الْكُفْرِ، وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِْيمَانِ، لاَ تَبِينُ مِنْهُ امْرَأَتُهُ، وَلاَ يَحْرُمُ مِيرَاثُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلاَ يُحْرَمُونَ مِيرَاثَهُمْ مِنْهُ، وَإِذَا مَا أُكْرِهَ عَلَى أَكْل لَحْمِ الْخِنْزِيرِ أَوْ دُخُول الْكَنِيسَةِ فَفَعَل وَسِعَهُ ذَلِكَ لِقَاعِدَةِ الضَّرُورَاتِ. (٢) وَلَوْ أَكْرَهُوهُ عَلَى أَنْ يَقْتُل مُسْلِمًا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، كَمَا لاَ يُرَخَّصُ لَهُ فِي أَنْ يَدُل عَلَى ثُغْرَةٍ يَنْفُذُ مِنْهَا الْعَدُوُّ إِلَى مُقَاتَلَتِنَا، وَلاَ الاِشْتِرَاكِ مَعَ الْعَدُوِّ فِي الْقِتَال عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَأَجَازَ ذَلِكَ الأَْوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُ، وَمَنَعَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ (٣) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ مَوْضِعُهُ مُصْطَلَحُ (إِكْرَاهٌ) .
الأَْمَانُ مِنَ الأَْسِيرِ وَتَأْمِينُهُ:
٧٩ - لاَ يَصِحُّ الأَْمَانُ مِنَ الأَْسِيرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، لأَِنَّ الأَْمَانَ لاَ يَقَعُ مِنْهُ بِصِفَةِ النَّظَرِ مِنْهُ لِلْمُسْلِمِينَ، بَل لِنَفْسِهِ حَتَّى يَتَخَلَّصَ مِنْهُمْ، وَلأَِنَّ الأَْسِيرَ خَائِفٌ عَلَى نَفْسِهِ، إِلاَّ أَنَّهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ إِنْ أَمِنُوهُ وَأَمِنَهُمْ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَفِيَ لَهُمْ كَمَا يَفُونَ لَهُ، وَلاَ يَسْرِقَ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، لأَِنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِي حَقِّ
_________
(١) التاج والإكليل مطبوع بهامش مواهب الجيل ٦ / ٢٨٥.
(٢) الأم ٤ / ٦٩٨.
(٣) التاج والإكليل مطبوع بهامش مواهب الجليل ٣ / ٣٨٩.
نَفْسِهِ، وَقَدْ شُرِطَ أَنْ يَفِيَ لَهُمْ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنِ فِي دَارِهِمْ. وَهُوَ مَا قَالَهُ اللَّيْثُ (١) . وَوَافَقَهُمْ كُلٌّ مِنَ: الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، إِذَا مَا كَانَ الأَْسِيرُ مَحْبُوسًا أَوْ مُقَيَّدًا، لأَِنَّهُ مُكْرَهٌ، وَأَعْطَى الشَّافِعِيَّةُ مَنْ أَمَّنَ آسِرَهُ حُكْمَ الْمُكْرَهِ، وَقَالُوا: إِنَّ أَمَانَهُ فَاسِدٌ. (٢) أَمَّا إِذَا كَانَ مُطْلَقًا وَغَيْرَ مُكْرَهٍ، فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ أَسِيرَ الدَّارِ - وَهُوَ الْمُطْلَقُ بِبِلاَدِ الْكُفَّارِ الْمَمْنُوعُ مِنَ الْخُرُوجِ مِنْهَا - يَصِحُّ أَمَانُهُ. قَال الْمَاوَرْدِيُّ: وَإِنَّمَا يَكُونُ مُؤَمَّنُهُ آمِنًا بِدَارِهِمْ لاَ غَيْرُ، إِلاَّ أَنْ يُصَرِّحَ بِالأَْمَانِ فِي غَيْرِهَا. (٣) وَسُئِل أَشْهَبُ عَنْ رَجُلٍ شَذَّ عَنْ عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَسَرَهُ الْعَدُوُّ، فَطَلَبَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، فَقَال الْعَدُوُّ لِلأَْسِيرِ الْمُسْلِمِ: أَعْطِنَا الأَْمَانَ، فَأَعْطَاهُمْ الأَْمَانَ، فَقَال: إِذَا كَانَ أَمَّنَهُمْ، وَهُوَ آمِنٌ عَلَى نَفْسِهِ، فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ أَمَّنَهُمْ، وَهُوَ خَائِفٌ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِجَائِزٍ، وَقَوْل الأَْسِيرِ فِي ذَلِكَ جَائِزٌ. (٤)
وَيُعَلِّل ابْنُ قُدَامَةَ لِصِحَّةِ أَمَانِ الأَْسِيرِ إِذَا عَقَدَهُ غَيْرَ مُكْرَهٍ، بِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الْخَبَرِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِسَنَدِهِ مِنْ أَنَّ الرَّسُول ﷺ قَال: ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ. . . كَمَا أَنَّهُ مُسْلِمٌ مُكَلَّفٌ مُخْتَارٌ (٥) .
_________
(١) شرح السير الكبير ١ / ٢٨٦، وتبيين الحقائق ٣ / ٢٤٧، والفتح ٤ / ٣٠٠، والبحر الرائق ٥ / ٨٨، ومواهب الجليل ٣ / ٣٦١، وفتح الوهاب ٢ / ١٧٦، والمغني ١٠ / ٤٣٣.
(٢) الوجيز ٢ / ١٩٥.
(٣) فتح الوهاب ٢ / ١٧٦، وحاشية الجمل ٥ / ٢٠٥، وشرح البهجة ٥ / ١٣٢.
(٤) التاج والإكليل ٣ / ٣٦١.
(٥) المغني ١٠ / ٤٣٣ وحديث: " ذمة المسلمين. . . " أخرجه مسلم من حديث الأعمش مرفوعا (صحيح مسلم بتحقيق محمد عبد الباقي ٢ / ٩٩٩ ط عيسى الحلبي) .
صَلاَةُ الأَْسِيرِ فِي السَّفَرِ، وَالاِنْفِلاَتِ، وَمَا يَنْتَهِي بِهِ الأَْسْرُ
٨٠ - الأَْسِيرُ الْمُسْلِمُ فِي أَيْدِي الْكُفَّارِ إِنْ عَزَمَ عَلَى الْفِرَارِ مِنَ الأَْسْرِ عِنْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَ الْكُفَّارُ أَقَامُوا بِهِ فِي مَوْضِعٍ يُرِيدُونَ الْمُقَامَ فِيهِ الْمُدَّةَ الَّتِي تُعْتَبَرُ إِقَامَةً، وَلاَ تَقْصُرُ بَعْدَهَا الصَّلاَةُ، لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ الصَّلاَةَ، لأَِنَّهُ مَقْهُورٌ فِي أَيْدِيهِمْ، فَيَكُونُ الْمُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِ نِيَّتَهُمْ فِي السَّفَرِ وَالإِْقَامَةِ، لاَ نِيَّتَهُ. وَإِنْ كَانَ الأَْسِيرُ انْفَلَتَ مِنْهُمْ، وَهُوَ مُسَافِرٌ، فَوَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَى إِقَامَةِ شَهْرٍ فِي غَارٍ أَوْ غَيْرِهِ قَصَرَ الصَّلاَةَ، لأَِنَّهُ مُحَارِبٌ لَهُمْ، فَلاَ تَكُونُ دَارُ الْحَرْبِ مَوْضِعَ الإِْقَامَةِ فِي حَقِّهِ، حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ. (١) وَتَفْصِيل ذَلِكَ مَوْطِنُهُ مُصْطَلَحُ (صَلاَةُ الْمُسَافِرِ) .
٨١ - وَالأَْسْرُ يَنْتَهِي بِمَا يُقَرِّرُ الإِْمَامُ، مِنْ قَتْلٍ أَوِ اسْتِرْقَاقٍ أَوْ مَنٍّ أَوْ فِدَاءٍ بِمَالٍ، أَوْ عَنْ طَرِيقِ تَبَادُل الأَْسْرَى عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ، كَمَا يَنْتَهِي الأَْسْرُ بِمَوْتِ الأَْسِيرِ قَبْل قَرَارِ الإِْمَامِ فِيهِ، وَكَذَلِكَ فَإِنَّهُ قَدْ يَنْتَهِي بِفِرَارِ الأَْسِيرِ، يَقُول الْكَاسَانِيُّ: لَوِ انْفَلَتَ أَسِيرٌ قَبْل الإِْحْرَازِ بِدَارِ الإِْسْلاَمِ وَالْتَحَقَ بِمَنْعَتِهِمْ يَعُودُ حُرًّا، وَيَنْتَهِي أَسْرُهُ، وَلَمْ يَعُدْ فَيْئًا، لأَِنَّ حَقَّ أَهْل دَارِ الإِْسْلاَمِ لاَ يَتَأَكَّدُ إِلاَّ بِالأَْخْذِ حَقِيقَةً، وَلَمْ يُوجَدْ. (٢)
٨٢ - وَيُصَرِّحُ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ الْفِرَارُ إِنْ أَطَاقُوهُ، وَلَمْ يُرْجَ ظُهُورُ الإِْسْلاَمِ
_________
(١) شرح السير الكبير ١ / ٢٤٨.
(٢) البدائع ٧ / ١١٧، ومواهب الجليل ٣ / ٣٦٦، والتاج والإكليل ٣ / ٦٨٨.
بِبَقَائِهِمْ، لِلْخُلُوصِ مِنْ قَهْرِ الأَْسْرِ، وَقَيَّدَ بَعْضُهُمُ الْوُجُوبَ بِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْ إِظْهَارِ الدِّينِ (١)، لَكِنْ جَاءَ فِي مَطَالِبِ أُولِي النُّهَى: وَإِنْ أُسِرَ مُسْلِمٌ، فَأُطْلِقَ بِشَرْطِ أَنْ يُقِيمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً، وَرَضِيَ بِالشَّرْطِ لَزِمَهُ الْوَفَاءُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَهْرُبَ لِحَدِيثِ: الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ (٢) وَإِنْ أُطْلِقَ بِشَرْطِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ لَزِمَهُ الْوَفَاءُ، إِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى إِظْهَارِ دِينِهِ، إِلاَّ الْمَرْأَةَ فَلاَ يَحِل لَهَا الرُّجُوعُ. (٣)
وَاخْتَارَ ابْنُ رُشْدٍ - إِذَا ائْتَمَنَ الْعَدُوُّ الأَْسِيرَ طَائِعًا عَلَى أَلاَّ يَهْرُبَ، وَلاَ يَخُونَهُمْ - أَنَّهُ يَهْرُبُ وَلاَ يَخُونُهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ.
وَأَمَّا إِنِ ائْتَمَنُوهُ مُكْرَهًا، أَوْ لَمْ يَأْتَمِنُوهُ، فَلَهُ أَنْ
_________
(١) فتح الوهاب ٢ / ١٧٧، وحاشية الجمل ٥ / ٢٠٩.
(٢) حديث: " المؤمنون عند شروطهم. . . ". أخرجه ابن أبي شيبة من طريق عطاء مرسلا بهذا اللفظ، وعلقه البخاري بلفظ: " المسلمون عند شروطهم ". قال ابن حجر: هذا أحد الأحاديث التي لم يوصلها المصنف في مكان آخر، وقد جاء من حديث عمرو بن عوف المزني، فأخرجه إسحاق في مسنده من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه عن جده مرفوعا، وكذلك أخرجه الت (فتح الباري ٤ / ٤٥١ - ٤٥٢ ط السلفية، وتحفة الأحوذي ٤ / ٥٨٤، ٥٨٥ نشر المكتبة السلفية، وسنن أبي داود ٤ / ١٩، ٢٠ ط استانبول، والمستدرك ٢ / ٤٩ نشر دار الكتاب العربي، ونيل الأوطار ٥ / ٢٥٤، ٢٥٥ ط المطبعة العثمانية) .
(٣) مطالب أولي النهى ٢ / ٥٨٣، والإنصاف ٤ / ٢٠٩.
يَأْخُذَ مَا أَمْكَنَهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلَهُ أَنْ يَهْرُبَ بِنَفْسِهِ. وَقَال اللَّخْمِيُّ: إِنْ عَاهَدُوهُ عَلَى أَلاَّ يَهْرُبَ فَلْيُوَفِّ بِالْعَهْدِ (١)، فَإِنْ تَبِعَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَوْ أَكْثَرُ بَعْدَ خُرُوجِهِ فَلْيَدْفَعْهُمْ حَتْمًا إِنْ حَارَبُوهُ وَكَانُوا مِثْلَيْهِ فَأَقَل، وَإِلاَّ فَنَدْبًا. (٢)
أُسْرَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - أُسْرَةُ الإِْنْسَانِ: عَشِيرَتُهُ وَرَهْطُهُ الأَْدْنَوْنَ، مَأْخُوذٌ مِنَ الأَْسْرِ، وَهُوَ الْقُوَّةُ، سُمُّوا بِذَلِكَ لأَِنَّهُ يَتَقَوَّى بِهِمْ، وَالأُْسْرَةُ: عَشِيرَةُ الرَّجُل وَأَهْل بَيْتِهِ، وَقَال أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: الأُْسْرَةُ أَقَارِبُ الرَّجُل مِنْ قِبَل أَبِيهِ. (٣)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
٢ - لَفْظُ الأُْسْرَةِ لَمْ يَرِدْ ذِكْرُهُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، كَذَلِكَ لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ الْفُقَهَاءُ فِي عِبَارَاتِهِمْ فِيمَا نَعْلَمُ. وَالْمُتَعَارَفُ عَلَيْهِ الآْنَ إِطْلاَقُ لَفْظِ (الأُْسْرَةِ) عَلَى الرَّجُل وَمَنْ يَعُولُهُمْ مِنْ زَوْجِهِ وَأُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ. وَهَذَا الْمَعْنَى يُعَبِّرُ عَنْهُ الْفُقَهَاءُ قَدِيمًا بِأَلْفَاظٍ مِنْهَا: الآْل، وَالأَْهْل، وَالْعِيَال. كَقَوْل النَّفْرَاوِيِّ الْمَالِكِيِّ: مَنْ
_________
(١) التاج والإكليل ٣ / ٣٨٣، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ١٧٩، والفروع ٣ / ٦٢٨.
(٢) نهاية المحتاج ٨ / ٧٨، والأم ٨ / ٢٧٥، ومطالب أولي النهى ٢ / ٥٨٥.
(٣) لسان العرب، وتاج العروس، والمصباح المنير. مادة: (أسر) .
قَال: الشَّيْءُ الْفُلاَنِيُّ وَقْفٌ عَلَى عِيَالِي، تَدْخُل زَوْجَتُهُ فِي الْعِيَال. (١)
وَفِي ابْنِ عَابِدِينَ: أَهْلُهُ زَوْجَتُهُ، وَقَالاَ، يَعْنِي صَاحِبَيْ أَبِي حَنِيفَةَ: كُل مَنْ فِي عِيَالِهِ وَنَفَقَتِهِ غَيْرِ مَمَالِيكِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ (٢) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٣ - مَا يُعْرَفُ بِأَحْكَامِ الأُْسْرَةِ أَوِ الأَْحْوَال الشَّخْصِيَّةِ فَهُوَ اصْطِلاَحٌ حَادِثٌ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَجْمُوعَةُ الأَْحْكَامِ الَّتِي تُنَظِّمُ الْعَلاَقَاتِ بَيْنَ أَفْرَادِ الأُْسْرَةِ الْوَاحِدَةِ.
وَقَدْ فَصَّلَهَا الْفُقَهَاءُ فِي أَبْوَابِ النِّكَاحِ وَالْمَهْرِ وَالنَّفَقَاتِ وَالْقَسْمِ وَالطَّلاَقِ وَالْخُلْعِ وَالْعِدَدِ وَالظِّهَارِ وَالإِْيلاَءِ وَالنَّسَبِ وَالْحَضَانَةِ وَالرَّضَاعِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْمِيرَاثِ وَنَحْوِهَا. وَتُنْظَرُ هَذِهِ الأَْحْكَامُ تَحْتَ هَذِهِ الْعَنَاوِينِ أَيْضًا، وَتَحْتَ عُنْوَانِ (أَبٌ، ابْنٌ، بِنْتٌ) إِلَخْ.
أُسْطُوَانَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الأُْسْطُوَانَةُ: السَّارِيَةُ فِي الْمَسْجِدِ أَوِ الْبَيْتِ أَوْ نَحْوِهِمَا. (٣)
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ ذَلِكَ.
_________
(١) الفواكه الدواني ٢ / ٧٦ ط مصطفى محمد.
(٢) ابن عابدين ٥ / ٤٥٢ ط بولاق الثالثة، والآية من سورة الشعراء / ٢٦.
(٣) لسان العرب، والمغني ٢ / ٢٢٠، وحاشية الدسوقي ١ / ٣٣١.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ، وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٢ - فِي وُقُوفِ الإِْمَامِ بَيْنَ السَّوَارِي، وَفِي صَلاَتِهِ إِلَى الأُْسْطُوَانَةِ خِلاَفٌ. فَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ بِالْكَرَاهَةِ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى عَدَمِ الْكَرَاهَةِ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي كِتَابِ الصَّلاَةِ، فِي مَبْحَثِ (صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ) . (١)
أَمَّا الْمَأْمُومُونَ: فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا لَمْ تَقْطَعِ الأُْسْطُوَانَةُ الصَّفَّ فَلاَ كَرَاهَةَ لِعَدَمِ الدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ. أَمَّا إِذَا قَطَعَتْ فَفِيهِ خِلاَفٌ. فَالْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ لاَ يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا، لِعَدَمِ الدَّلِيل عَلَى الْمَنْعِ. وَالْحَنَابِلَةُ يَرَوْنَ الْكَرَاهَةَ، لِمَا وَرَدَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الصَّفِّ بَيْنَ السَّوَارِي (٢) إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الصَّفُّ قَدْرَ مَا بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ، أَوْ أَقَل فَلاَ يُكْرَهُ. (٣)
وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ أَيْضًا فِي صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ.
إِسْفَارٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - مِنْ مَعَانِي الإِْسْفَارِ فِي اللُّغَةِ: الْكَشْفُ، يُقَال:
_________
(١) المغني ٢ / ٢٢٠ و٢٣٧، وحاشية ابن عابدين ١ / ٣٨٢.
(٢) حديث: " النهي عن الصف بين السواري. . . " أخرجه الترمذي والنسائي وأبو داود من حديث عبد الحميد بن محمود أنه قال: " صلينا خلف أمير من الأمراء، فاضطرنا الناس فصلينا بين الساريتين، فلما صلينا قال أنس بن مالك: كنا نتقي هذا على عهد رسول الله ﷺ ". قال الترمذي: حديث أنس حديث حسن صحيح (تحفة الأحوذي ٢ / ٢١ نشر المكتبة السلفية، وجامع الأصول ٥ / ٦١١، ٦١٢ نشر مكتبة الحلواني) .
(٣) المغني ٢ / ٢٢٠، ٢٣٧، وحاشية الدسوقي ١ / ٣٣١، والقليوبي ١ / ١٩٣.
سَفَرَ الصُّبْحُ وَأَسْفَرَ: أَيْ أَضَاءَ، وَأَسْفَرَ الْقَوْمُ: أَصْبَحُوا، وَسَفَرَتِ الْمَرْأَةُ: كَشَفَتْ عَنْ وَجْهِهَا. (١)
وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِلإِْسْفَارِ بِمَعْنَى ظُهُورِ الضَّوْءِ (٢)، يُقَال: أَسْفَرَ بِالصُّبْحِ: إِذَا صَلاَّهَا وَقْتَ الإِْسْفَارِ (٣)، أَيْ عِنْدَ ظُهُورِ الضَّوْءِ، لاَ فِي الْغَلَسِ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْوَقْتَ الاِخْتِيَارِيَّ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ هُوَ إِلَى وَقْتِ الإِْسْفَارِ (٤)، لِمَا رُوِيَ: أَنَّ جِبْرِيل ﵇ صَلَّى الصُّبْحَ بِالنَّبِيِّ ﷺ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ، وَصَلَّى مِنَ الْغَدِ حِينَ أَسْفَرَ، ثُمَّ الْتَفَتَ وَقَال: هَذَا وَقْتُكَ وَوَقْتُ الأَْنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ (٥) .
_________
(١) لسان العرب، والكليات مادة: (سفر) .
(٢) جواهر الإكليل ١ / ٣٣ ط دار المعرفة، والمطلع ص ٦٠.
(٣) المغرب في ترتيب المعرب.
(٤) جواهر الإكليل ١ / ٣٣، ونهاية المحتاج ١ / ٣٥٣ ط المكتبة الإسلامية، والمهذب ١ / ٥٩ ط دار المعرفة، والمغني ١ / ٣٩٤ - ٣٩٥ ط الرياض.
(٥) حديث: " أن جبريل ﵇ صلى الصبح. . . " أخرجه أحمد والترمذي وأبو داود وابن خزيمة والدارقطني والحاكم من حديث ابن عباس مرفوعا. ولفظ الترمذي: " أمني جبريل ﵇ عند البيت مرتين " إلى أن قال: " ثم صلى الفجر حين برق الفجر وحرم الطعام على الصائم. . ثم صلى الصبح حين أسفرت الأرض، ثم التفت إلي جبريل فقال: يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين الوقتين ". قا وصححه ابن عبد البر وأبو بكر بن العربي. قال الشوكاني: وفي إسناده ثلاثة مختلف فيهم. وأخرجه أحمد والنسائي والترمذي وابن حبان والحاكم من حديث جابر بن عبد الله بهذا المعنى مرفوعا وليست فيه عبارة " يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك ". قال البخاري: هو أصح ش قال الترمذي في كتاب العلل. إنه حسنه البخاري (تحفة الأحوزي ١ / ٤٦٤ - ٤٦٨ نشر المكتبة السلفية، ونيل الأوطار ١ / ٣٨٠ - ٣٨٢ ط دار الجيل ١٩٧٣ م) .
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الإِْسْفَارُ بِصَلاَةِ الصُّبْحِ، وَهُوَ أَفْضَل مِنَ التَّغْلِيسِ، فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، وَفِي الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ، وَفِي رِوَايَةٍ نَوِّرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلأَْجْرِ (١) . قَال أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ: يُبْدَأُ بِالتَّغْلِيسِ وَيُخْتَمُ بِالإِْسْفَارِ جَمْعًا بَيْنَ أَحَادِيثِ التَّغْلِيسِ وَالإِْسْفَارِ. (٢)
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٣ - يُبْحَثُ الإِْسْفَارُ فِي الصَّلاَةِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ وَقْتِ صَلاَةِ الصُّبْحِ، وَالأَْوْقَاتِ الْمُسْتَحَبَّةِ.
إِسْقَاطٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - مِنْ مَعَانِي الإِْسْقَاطِ لُغَةً: الإِْيقَاعُ وَالإِْلْقَاءُ،
_________
(١) حديث: " أسفروا بالفجر. . . " أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي وابن حبان من حديث رافع بن خديج مرفوعا. ولفظ الترمذي: " أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر، قال الترمذي: حديث رافع بن خديج حديث صحيح. وقال الحافظ في فتح الباري: رواه أصحاب السنن، وصححه غير واحد (فيض القدير ٩ / ٥٠٨ ط المكتبة التجارية ١٣٥٦ هـ، وتحفة الأحوذي ١ / ٤٧٧ - ٤٧٩ نشر المكتبة السلفية، وجامع الأصول ٥ / ٢٥٢ نشر مكتبة الحلواني) .
(٢) الاختيار ١ / ٣٨ ط دار المعرفة، والبدائع ١ / ١٢٤ ط الجمالية.