الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤ الصفحة 42

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤

الْحَرْبِ فِي قَتْل مُقْبِلِهِمْ وَاتِّبَاعِ مُدْبِرِهِمْ وَجَرِيحِهِمْ.

وَالثَّانِي: لاَ يُنْتَقَضُ، لأَِنَّ أَهْل الذِّمَّةِ لاَ يَعْرِفُونَ الْمُحِقَّ مِنَ الْمُبْطِل، فَيَكُونُ ذَلِكَ شُبْهَةً لَهُمْ. وَيَكُونُ حُكْمُهُمْ حُكْمَ أَهْل الْبَغْيِ فِي قَتْل مُقْبِلِهِمْ، وَالْكَفِّ عَنْ أَسِيرِهِمْ وَمُدْبِرِهِمْ وَجَرِيحِهِمْ.

وَإِنْ أَكْرَهَهُمُ الْبُغَاةُ عَلَى مَعُونَتِهِمْ، أَوِ ادَّعَوْا ذَلِكَ قُبِل مِنْهُمْ، لأَِنَّهُمْ تَحْتَ أَيْدِيهِمْ وَقُدْرَتِهِمْ. وَكَذَلِكَ إِنْ قَالُوا: ظَنَنَّا أَنَّ مَنِ اسْتَعَانَ بِنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَزِمَتْنَا مَعُونَتُهُ، لأَِنَّ مَا ادَّعُوهُ مُحْتَمَلٌ، فَلاَ يُنْتَقَضُ عَهْدُهُمْ مَعَ الشُّبْهَةِ. (١)

وَإِنْ فَعَل ذَلِكَ الْمُسْتَأْمَنُونَ نُقِضَ عَهْدُهُمْ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ أَهْل الذِّمَّةِ أَقْوَى حُكْمًا، لأَِنَّ عَهْدَهُمْ مُؤَبَّدٌ، وَلاَ يَجُوزُ نَقْضُهُ لِخَوْفِ الْخِيَانَةِ مِنْهُمْ، وَيَلْزَمُ الإِْمَامَ الدَّفْعُ عَنْهُمْ، وَالْمُسْتَأْمَنُونَ بِخِلاَفِ ذَلِكَ.

وَإِذَا أُسِرَ مَنْ يُرَادُ عَقْدُ الإِْمَامَةِ لَهُ، وَكَانَ لاَ يَقْدِرُ عَلَى الْخَلاَصِ مِنْ الأَْسْرِ، مَنَعَ ذَلِكَ مِنْ عَقْدِ الإِْمَامَةِ لَهُ.

أَسْرَى الْحِرَابَةِ:

٤٥ - الْمُحَارِبُونَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْل الْفَسَادِ، اجْتَمَعَتْ عَلَى شَهْرِ السِّلاَحِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ (٢)، وَيَجُوزُ حَبْسُ مَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ لاِسْتِبْرَاءِ حَالِهِ (٣)، وَمَنْ ظَفِرَ بِالْمُحَارِبِ فَلاَ يَلِي قَتْلَهُ، وَيَرْفَعُهُ إِلَى الإِْمَامِ. قَال الْمَالِكِيَّةُ: إِلاَّ أَنْ يَخَافَ أَلاَّ يُقِيمَ الإِْمَامُ عَلَيْهِ الْحُكْمَ.

_________

(١) الشرح الكبير مع المغني ١٠ / ٦٩.

(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٥١، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٤٢.

(٣) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٥١، ٥٢، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٤١، ٤٤.

وَلاَ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ تَأْمِينُهُ (١)، وَإِنِ اسْتَحَقُّوا الْهَزِيمَةَ فَجَرِيحُهُمْ أَسِيرٌ، وَالْحُكْمُ فِيهِمْ لِلإِْمَامِ، مُسْلِمِينَ كَانُوا أَوْ ذِمِّيِّينَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَأَحَدِ قَوْلَيْنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. وَكَذَلِكَ الْمُسْتَأْمَنُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَالأَْوْزَاعِيِّ. وَمَوْضِعُ بَيَانِ ذَلِكَ مُصْطَلَحُ (حِرَابَة) .

أَسْرَى الْمُرْتَدِّينَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمْ مِنْ أَحْكَامٍ

٤٦ - الرِّدَّةُ فِي اللُّغَةِ: الرُّجُوعُ، فَيُقَال: ارْتَدَّ عَنْ دِينِهِ إِذَا كَفَرَ بَعْدَ إِسْلاَمٍ.

وَتَخْتَصُّ الرِّدَّةُ - فِي الاِصْطِلاَحِ الْفِقْهِيِّ - بِالْكُفْرِ بَعْدَ الإِْسْلاَمِ. وَكُل مُسْلِمٍ ارْتَدَّ فَإِنَّهُ يُقْتَل إِنْ لَمْ يَتُبْ، إِلاَّ الْمَرْأَةَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَإِنَّهَا تُحْبَسُ، وَلاَ يُتْرَكُ الْمُرْتَدُّ عَلَى رِدَّتِهِ بِإِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ وَلاَ بِأَمَانٍ، وَلاَ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ حَتَّى لَوْ أُسِرَ بَعْدَ أَنْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، بِخِلاَفِ الْمَرْأَةِ فَإِنَّهَا تُسْتَرَقُّ بَعْدَ اللِّحَاقِ بِدَارِ الْحَرْبِ، عَلَى تَفْصِيلٍ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ مَوْضِعُهُ مُصْطَلَحُ (رِدَّةٌ) .

٤٧ - وَإِذَا ارْتَدَّ جَمْعٌ، وَتَجَمَّعُوا وَانْحَازُوا فِي دَارٍ يَنْفَرِدُونَ بِهَا عَنِ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى صَارُوا فِيهَا ذَوِي مَنَعَةٍ وَجَبَ قِتَالُهُمْ عَلَى الرِّدَّةِ بَعْدَ مُنَاظَرَتِهِمْ عَلَى الإِْسْلاَمِ، وَيُسْتَتَابُونَ وُجُوبًا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَاسْتِحْبَابًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَيُقَاتَلُونَ قِتَال أَهْل الْحَرْبِ، وَمَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ قُتِل صَبْرًا إِنْ لَمْ يَتُبْ، وَيُصَرِّحُ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّنَا نَبْدَؤُهُمْ بِالْقِتَال إِذَا امْتَنَعُوا بِنَحْوِ حِصْنٍ. (٢)

_________

(١) التبصرة مطبوعة بهامش فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب مالك ٢ / ٢٧٤، ٢٧٥.

(٢) الأحكام السلطانية ص ٣٦، وأسنى المطالب ٤ / ١٢٣.

وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَرَقَّ رِجَالُهُمْ، وَلَكِنْ تُغْنَمُ أَمْوَالُهُمْ، وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمُ الَّذِينَ حَدَثُوا بَعْدَ الرِّدَّةِ، لأَِنَّهَا دَارٌ تَجْرِي فِيهَا أَحْكَامُ أَهْل الْحَرْبِ فَكَانَتْ دَارَ حَرْبٍ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُهَادَنُوا عَلَى الْمُوَادَعَةِ، وَلاَ يُصَالَحُوا عَلَى مَالٍ يَقَرُّونَ بِهِ عَلَى رِدَّتِهِمْ، بِخِلاَفِ أَهْل الْحَرْبِ. (١) وَقَدْ سَبَى أَبُو بَكْرٍ ﵁ ذَرَارِيَّ مَنِ ارْتَدَّ مِنَ الْعَرَبِ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ، وَسَبَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ بَنِي نَاجِيَةَ.

وَإِنْ أَسْلَمُوا حُقِنَتْ دِمَاؤُهُمْ، وَمَضَى فِيهِمْ حُكْمُ السَّبَاءِ عَلَى الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ، فَأَمَّا الرِّجَال فَأَحْرَارٌ لاَ يُسْتَرَقُّونَ، وَلَيْسَ عَلَى الرِّجَال مِنْ أَهْل الرِّدَّةِ سَبْيٌ وَلاَ جِزْيَةٌ، إِنَّمَا هُوَ الْقَتْل أَوِ الإِْسْلاَمُ. وَإِنْ تَرَكَ الإِْمَامُ السَّبَاءَ وَأَطْلَقَهُمْ وَعَفَا عَنْهُمْ وَتَرَكَ لَهُمْ أَرْضَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ فَهُوَ فِي سَعَةٍ.

٤٨ - وَيُصَرِّحُ الْمَالِكِيَّةُ بِعَدَمِ اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ إِنْ حَارَبُوا بِأَرْضِ الْكُفْرِ أَوْ بِأَرْضِ الإِْسْلاَمِ، يَقُول ابْنُ رُشْدٍ: إِذَا حَارَبَ الْمُرْتَدُّ ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُقْتَل بِالْحِرَابَةِ، وَلاَ يُسْتَتَابُ، كَانَتْ حِرَابَتُهُ بِدَارِ الإِْسْلاَمِ أَوْ بَعْدَ أَنْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ إِلاَّ أَنْ يُسْلِمَ، فَإِنْ كَانَتْ حِرَابَتُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَهُوَ عِنْدَ مَالِكٍ كَالْحَرْبِيِّ يُسْلِمُ، لاَ تِبَاعَةَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِمَّا فَعَل فِي حَال ارْتِدَادِهِ.

وَأَمَّا إِنْ كَانَ حِرَابَتُهُ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ فَإِنَّهُ يُسْقِطُ إِسْلاَمُهُ عَنْهُ حُكْمَ الْحِرَابَةِ خَاصَّةً. (٢) وَعَنِ ابْنِ

_________

(١) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٣٦، ٣٧، والخراج ص ٦٧ ط ١١٨٢ هـ، وفتح القدير ٤ / ٢١١، والمبسوط ١٠ / ١١٣، ١١٤، والمهذب ٢ / ٢٢٤، والأحكام السلطانية للماوردي ص ٤٩.

(٢) بداية المجتهد ٢ / ٤٩٨، والتاج والإكليل ٦ / ٢٨١.

الْقَاسِمِ قَال: إِذَا ارْتَدَّ جَمَاعَةٌ فِي حِصْنٍ فَإِنَّهُمْ يُقَاتَلُونَ، وَأَمْوَالُهُمْ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلاَ تُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ. وَقَال أَصْبَغُ: تُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ وَتُقْسَمُ أَمْوَالُهُمْ.

وَهَذَا الَّذِي خَالَفَتْ فِيهِ سِيرَةُ عُمَرَ سِيرَةَ أَبِي بَكْرٍ ﵄ فِي الَّذِينَ ارْتَدُّوا مِنَ الْعَرَبِ، فَقَدْ سَبَى أَبُو بَكْرٍ النِّسَاءَ وَالصِّغَارَ، وَأَجْرَى الْمُقَاسَمَةَ فِي أَمْوَالِهِمْ، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ نَقَضَ ذَلِكَ. (١)

٤٩ - وَيَتَّفِقُ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ عَلَى أَنَّ الأَْسِيرَ الْمُرْتَدَّ يُقْتَل إِنْ لَمْ يَتُبْ وَيَعُدْ إِلَى الإِْسْلاَمِ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ عِنْدَ الأَْئِمَّةِ الثَّلاَثَةِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ، وَبِهِ قَال الْحَسَنُ وَالزُّهْرِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَمَكْحُولٌ، لِعُمُومِ حَدِيثِ: مَنْ بَدَّل دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ (٢) .

٥٠ - وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْمَرْأَةَ لاَ تُقْتَل، وَإِنَّمَا تُحْبَسُ حَتَّى تَتُوبَ.

أَمَّا لَوْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ تُقَاتِل، أَوْ كَانَتْ ذَاتَ رَأْيٍ فَإِنَّهَا تُقْتَل اتِّفَاقًا. لَكِنَّهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تُقْتَل لاَ لِرِدَّتِهَا، بَل لأَِنَّهَا تَسْعَى بِالْفَسَادِ.

وَيَسْتَدِل الْحَنَفِيَّةُ عَلَى عَدَمِ قَتْل الْمَرْأَةِ الْمُرْتَدَّةِ إِذَا أُخِذَتْ سَبْيًا بِمَا رُوِيَ مِنْ قَوْل الرَّسُول ﷺ: الْحَقْ بِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَلاَ يَقْتُلَنَّ ذُرِّيَّةً وَلاَ عَسِيفًا (٣)،

_________

(١) التاج والإكليل ٣ / ٣٨٦.

(٢) حديث " من بدل دينه فاقتلوه ". أخرجه البخاري من حديث ابن عباس ﵄ مرفوعا (فتح الباري ١٢ / ٢٦٧ ط السلفية) .

(٣) المبسوط ١٠ / ٩٨، والمهذب ٢ / ٢٢٣، وأسنى المطالب ٤ / ١٢١، وبداية المجتهد ٢ / ٤٩٨، وحاشية الدسوقي ٤ / ٣٠٤، والمغني ١٠ / ٧٤، والفروع ٣ / ٥٥٧، والفتح ٤ / ٣٨٩. وحديث " الحقْ بخالد بن الوليد فلا يقتلن ذرية ولا عسيفا " أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة وابن حبان والحاكم واللفظ له، من حديث رباح بن الربيع، وقال الحاكم: وهكذا رواه المغيرة بن عبد الرحمن وابن جريح عن أبي الزناد، فصار الحديث صحيحا على شرط الشيخين ولم (مسند أحمد بن حنبل ٣ / ٤٨٨ ط الميمنية، والفتح الرباني ١٤ / ٦٤ الطبعة الأولى ١٣٧٠ هـ، وعون المعبود ٣ / ٦ - ٧ الهند، وسنن ابن ماجه بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ٢ / ٩٤٨ ط عيسى الحلبي، وموارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان ص ٣٩٨ ط دار الكتب العلمية، والمستدرك ٢ / ١٢٢ نشر دار الكتاب العربي) .

وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ الْكُفْرِ الأَْصْلِيِّ وَالْكُفْرِ الطَّارِئِ، فَإِنَّ الْحَرْبِيَّةَ إِذَا سُبِيَتْ لاَ تُقْتَل. (١)

٥١ - وَيَتَّفِقُ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَخْذُ الْفِدَاءِ مِنَ الأَْسْرَى الْمُرْتَدِّينَ، وَلاَ الْمَنُّ عَلَيْهِمْ بِأَمَانٍ مُؤَقَّتٍ أَوْ أَمَانٍ مُؤَبَّدٍ، وَلاَ يُتْرَكُ عَلَى رِدَّتِهِ بِإِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ. كَمَا يَتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْمُرْتَدَّ مِنَ الرِّجَال لاَ يَجْرِي فِيهِ إِلاَّ: الْعَوْدَةُ إِلَى الإِْسْلاَمِ أَوِ الْقَتْل، لأَِنَّ قَتْل الْمُرْتَدِّ عَلَى رِدَّتِهِ حَدٌّ، وَلاَ يُتْرَكُ إِقَامَةُ الْحَدِّ لِمَنْفَعَةِ الأَْفْرَادِ. (٢)

٥٢ - وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ الرِّقَّ لاَ يَجْرِي عَلَى الْمُرْتَدَّةِ أَيْضًا، وَإِنْ لَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ، لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِمْرَارُ أَحَدٍ مِنَ الْمُرْتَدِّينَ عَلَى الْكُفْرِ بِالاِسْتِرْقَاقِ، بَيْنَمَا يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْمُرْتَدَّةَ تُسْتَرَقُّ بَعْدَ اللَّحَاقِ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَلاَ تُسْتَرَقُّ فِي دَارِ

_________

(١) المبسوط ١٠ / ١٠٨، ١٠٩، وتبيين الحقائق ٣ / ٢٨٥، والخراج لأبي يوسف ص ١٧٩، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٢٩٨، والبحر الرائق ٥ / ١٣٨، وغنية ذوي الأحكام بهامش درر الحكام شرح غرر الأحكام ١ / ٣٠١.

(٢) المغني ١٠ / ٧٥، والمقنع ٣ / ٥١٦، وشرح روض الطالب من أسنى المطالب ٤ / ١٢٢، والمهذب ٢ / ٢٢٢، وحاشية الدسوقي ٤ / ٣٠٤، والمبسوط ١٠ / ١٠٨.

الإِْسْلاَمِ، كَمَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي النَّوَادِرِ: أَنَّهَا تُسْتَرَقُّ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ أَيْضًا.

وَقَالُوا فِي تَعْلِيل ذَلِكَ: إِنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ قَتْلُهَا، وَلاَ يَجُوزُ إِبْقَاءُ الْكَافِرِ عَلَى الْكُفْرِ إِلاَّ مَعَ الْجِزْيَةِ أَوْ مَعَ الرِّقِّ، وَلاَ جِزْيَةَ عَلَى النِّسَاءِ، فَكَانَ إِبْقَاؤُهَا عَلَى الرِّقِّ أَنْفَعُ. وَقَدِ اسْتَرَقَّ الصَّحَابَةُ نِسَاءَ مَنِ ارْتَدَّ. (١)

٥٣ - وَبِالنِّسْبَةِ لأَِصْحَابِ الأَْعْذَارِ مِنَ الأَْسْرَى الْمُرْتَدِّينَ، فَإِنَّهُمْ يُقْتَلُونَ أَيْضًا. وَنَقَل السَّرَخْسِيُّ قَوْلًا بِأَنَّ حُلُول الآْفَةِ بِمَنْزِلَةِ الأُْنُوثَةِ، لأَِنَّهُ تَخْرُجُ بِهِ بِنْيَتُهُ (هَيْئَتُهُ وَجِسْمُهُ) مِنْ أَنْ تَكُونَ صَالِحَةً لِلْقِتَال، فَعَلَى هَذَا لاَ يُقْتَلُونَ بَعْدَ الرِّدَّةِ، كَمَا لاَ يُقْتَلُونَ فِي الْكُفْرِ الأَْصْلِيِّ. (٢)

وَعَلَى قَوْل مَنْ يَرَى وُجُوبَ قَتْل الْمُرْتَدَّةِ - إِذَا كَانَتِ الأَْسِيرَةُ الْمُرْتَدَّةُ ذَاتَ زَوْجٍ، وَهِيَ مِنْ ذَوَاتِ الْحَيْضِ - فَإِنَّهَا تُسْتَبْرَأُ بِحَيْضَةٍ قَبْل قَتْلِهَا خَشْيَةَ أَنْ تَكُونَ حَامِلًا، فَإِنْ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ أُخِّرَتْ حَتَّى تَضَعَ، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لاَ تَحِيضُ اُسْتُبْرِئَتْ بِثَلاَثَةِ أَشْهُرٍ إِنْ كَانَتْ مِمَّنْ يُتَوَقَّعُ حَمْلُهَا، وَإِلاَّ قُتِلَتْ بَعْدَ الاِسْتِتَابَةِ. (٣)

_________

(١) البحر الرائق ٥ / ١٣٨، والمبسوط ١٠ / ١١١، ١١٤، وفتح القدير ٤ / ٣٨٨، ٣٨٩، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣٠٠، والبدائع ٧ / ١٣٦، والمغني ١٠ / ٧٤، وأسنى المطالب ٤ / ١٢٢، والدسوقي ٤ / ٣٠٤.

(٢) المبسوط ١٠ / ١١١.

(٣) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤ / ٣٠٤.

أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ فِي يَدِ الأَْعْدَاءِ

:

اسْتِئْسَارُ الْمُسْلِمِ وَمَا يَنْبَغِي لاِسْتِنْقَاذِهِ عِنْدَ تَتَرُّسِ الْكُفَّارِ بِهِ:

أ - الاِسْتِئْسَارُ:

٥٤ - الاِسْتِئْسَارُ هُوَ تَسْلِيمُ الْجُنْدِيِّ نَفْسَهُ لِلأَْسْرِ، فَقَدْ يَجِدُ الْجُنْدِيُّ نَفْسَهُ مُضْطَرًّا لِذَلِكَ. وَقَدْ وَقَعَ الاِسْتِئْسَارُ مِنْ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَعَلِمَ بِهِ الرَّسُول ﷺ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ. رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ بِسَنَدِهِ قَال: بَعَثَ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَشَرَةً رَهْطًا عَيْنًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ الأَْنْصَارِيَّ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْهَدَأَةِ - مَوْضِعٌ بَيْنَ عُسْفَانَ وَمَكَّةَ - ذُكِرُوا لِبَنِي لِحْيَانَ، فَنَفَرُوا لَهُمْ قَرِيبًا مِنْ مِائَتِي رَجُلٍ كُلُّهُمْ رَامٍ، فَاقْتَصُّوا أَثَرَهُمْ، فَلَمَّا رَآهُمْ عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ لَجَئُوا إِلَى فَدْفَدٍ - مَوْضِعٍ غَلِيظٍ مُرْتَفِعٍ - وَأَحَاطَ بِهِمُ الْقَوْمُ، فَقَالُوا لَهُمْ: انْزِلُوا وَأَعْطُوا بِأَيْدِيكُمْ، وَلَكُمُ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ أَلاَّ نَقْتُل مِنْكُمْ أَحَدًا، قَال عَاصِمٌ: أَمَّا أَنَا فَوَاَللَّهِ لاَ أَنْزِل الْيَوْمَ فِي ذِمَّةِ كَافِرٍ، اللَّهُمَّ خَبِّرْ عَنَّا نَبِيَّكَ، فَرَمَوْهُمْ بِالنَّبْل فَقَتَلُوا عَاصِمًا فِي سَبْعَةٍ، فَنَزَل إِلَيْهِمْ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ بِالْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ، مِنْهُمْ خُبَيْبٌ الأَْنْصَارِيُّ، وَزَيْدُ بْنُ الدَّثْنَةِ، وَرَجُلٌ آخَرُ. فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ أَطْلَقُوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ فَأَوْثَقُوهُمْ، فَقَال الرَّجُل الثَّالِثُ: هَذَا أَوَّل الْغَدْرِ، وَاَللَّهِ لاَ أَصْحَبُكُمْ، إِنَّ لِي فِي هَؤُلاَءِ لأَُسْوَةً - يُرِيدُ الْقَتْلَى - فَجَرُّوهُ وَعَالَجُوهُ عَلَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ - أَيْ مَارَسُوهُ وَخَادَعُوهُ لِيَتْبَعَهُمْ - فَأَبَى فَقَتَلُوهُ، وَانْطَلَقُوا بِخُبَيْبٍ وَابْنِ الدَّثْنَةِ حَتَّى بَاعُوهُمَا بِمَكَّةَ. . . (١) فَعَلِمَ

_________

(١) نيل الأوطار للشوكاني ٧ / ٢٦٨، ٢٦٩ ط مصطفى الحلبي سنة ١٣٨٠ هـ، والحديث: أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ (٦ / ١٦٥ - ١٦٦ ط السلفية) .

رَسُول اللَّهِ ﷺ بِمَا حَدَثَ، وَعَدَمُ إِنْكَارِهِ يَدُل عَلَى أَنَّ الاِسْتِئْسَارَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مُرَخَّصٌ فِيهِ، وَقَال الْحَسَنُ: لاَ بَأْسَ أَنْ يُسْتَأْسَرُ الرَّجُل إِذَا خَافَ أَنْ يُغْلَبَ. (١) وَإِلَى هَذَا اتَّجَهَ كُلٌّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.

٥٥ - وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى شُرُوطٍ يَلْزَمُ تَوَافُرُهَا لِجَوَازِ الاِسْتِئْسَارِ هِيَ: أَنْ يَخَافَ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى عَدَمِ الاِسْتِسْلاَمِ قَتْلُهُ فِي الْحَال، وَأَلاَّ يَكُونَ الْمُسْتَسْلِمُ إِمَامًا، أَوْ عِنْدَهُ مِنَ الشَّجَاعَةِ مَا يُمْكِنُهُ مِنَ الصُّمُودِ، وَأَنْ تَأْمَنَ الْمَرْأَةُ عَلَى نَفْسِهَا الْفَاحِشَةَ.

وَالأَْوْلَى - كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْحَنَابِلَةُ - إِذَا مَا خَشِيَ الْمُسْلِمُ الْوُقُوعَ فِي الأَْسْرِ أَنْ يُقَاتِل حَتَّى يُقْتَل، وَلاَ يُسْلِمَ نَفْسَهُ لِلأَْسْرِ، لأَِنَّهُ يَفُوزُ بِثَوَابِ الدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ، وَيَسْلَمُ مِنْ تَحَكُّمِ الْكُفَّارِ عَلَيْهِ بِالتَّعْذِيبِ وَالاِسْتِخْدَامِ وَالْفِتْنَةِ، وَإِنْ اسْتَأْسَرَ جَازَ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ. (٢)

ب - اسْتِنْقَاذُ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ وَمُفَادَاتُهُمْ:

٥٦ - إِذَا وَقَعَ الْمُسْلِمُ أَسِيرًا فَهُوَ حُرٌّ عَلَى حَالِهِ، وَكَانَ فِي ذِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، يَلْزَمُهُمُ الْعَمَل عَلَى خَلاَصِهِ، وَلَوْ بِتَيْسِيرِ سُبُل الْفِرَارِ لَهُ، وَالتَّفَاوُضِ مِنْ أَجْل إِطْلاَقِ سَرَاحِهِ، فَإِذَا لَمْ يُطْلِقُوا سَرَاحَهُ تَرَبَّصُوا لِذَلِكَ. وَقَدْ كَانَ الرَّسُول صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ يَتَحَيَّنُ الْفُرْصَةَ الْمُنَاسِبَةَ لِتَخْلِيصِ الأَْسْرَى. رَوَتْ كُتُبُ السِّيرَةِ أَنَّ قُرَيْشًا أَسَرَتْ نَفَرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ،

_________

(١) العيني على صحيح البخاري ١٤ / ٢٩٤.

(٢) التاج والإكليل بهامش مواهب الجليل ٣ / ٣٥٧، وفتح الوهاب ٢ / ١٧١، والمغني مع الشرح الكبير ١٠ / ٥٥٣، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٣٠، والدر المختار بهامش حاشية ابن عابدين ٣ / ٢٢٢.

فَلَمَّا لَمْ يَجِدِ الرَّسُول ﷺ حِيلَةً لإِنْقَاذِهِمْ كَانَ يَدْعُو اللَّهَ لإِنْقَاذِهِمْ دُبُرَ كُل صَلاَةٍ، وَلَمَّا أَفْلَتَ أَحَدُهُمْ مِنَ الأَْسْرِ، وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ، سَأَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ رَفِيقَيْهِ فَقَال: أَنَا لَكَ بِهِمَا يَا رَسُول اللَّهِ، فَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فَدَخَلَهَا مُسْتَخْفِيًا، فَلَقِيَ امْرَأَةً عَلِمَ أَنَّهَا تَحْمِل الطَّعَامَ لَهُمَا فِي الأَْسْرِ فَتَبِعَهَا، حَتَّى اسْتَطَاعَ تَخْلِيصَهُمَا، وَقَدِمَ بِهِمَا عَلَى الرَّسُول ﷺ بِالْمَدِينَةِ (١) .

وَقَدِ اسْتَنْقَذَ رَسُول اللَّهِ كُلًّا مِنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعُتْبَةَ بْنَ غَزْوَانَ ﵄، وَقَدْ أَسَرَهُمَا الْمُشْرِكُونَ، بِأَنْ فَاوَضَ عَلَيْهِمَا، وَحَبَسَ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ حَتَّى يُطْلِقُوا سَرَاحَهُمَا، وَكَذَلِكَ فَعَل فِي اسْتِنْقَاذِ عُثْمَانَ وَعَشَرَةٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ﵃ بَعْدَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ (٢) .

وَقَدْ رَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ قَال: إِنَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي فَيْئِهِمْ أَنْ يُفَادُوا أَسْرَاهُمْ. وَيُرْوَى أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَال: لأَنْ أَسْتَنْقِذَ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَيْدِي الْكُفَّارِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ.

_________

(١) السير النبوية لابن هشام ١ / ٤٧٤، ٤٧٦ ط الثانية ١٣٧٥ هـ، والخراج لأبي يوسف ص ٣١١ ط المطبعة السلفية.

(٢) حديث: " استنقذ رسول الله ﷺ. . . " أخرجه الطبري مرسلا من حديث السدى مطولا (تفسير الطبري بتحقيق محمود محمد شاكر ٢ / ٣٠٥، ٣٠٦ نشر دار المعارف بمصر) . والسيرة النبوية لابن هشام ص ٦٠٤، والبداية والنهاية ٣ / ٢٥٠ ط أولى ١٣٥١ هـ، وإمتاع الأسماع ١ / ٥٧، ٢٩١.

٥٧ - وَيَجِبُ اسْتِنْقَاذُ الأَْسْرَى بِالْمُقَاتَلَةِ مَا دَامَ ذَلِكَ مَيْسُورًا، فَإِذَا دَخَل الْمُشْرِكُونَ دَارَ الإِْسْلاَمِ فَأَخَذُوا الأَْمْوَال وَالذَّرَارِيَّ وَالنِّسَاءَ، ثُمَّ عَلِمَ بِهِمْ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَهُمْ عَلَيْهِمْ قُوَّةٌ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَّبِعُوهُمْ مَا دَامُوا فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، فَإِنْ دَخَلُوا بِهِمْ دَارَ الْحَرْبِ، فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَّبِعُوهُمْ إِذَا غَلَبَ عَلَى رَأْيِهِمْ أَنَّهُمْ يَقْدِرُونَ عَلَى اسْتِنْقَاذِهِمْ، فَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الْقِتَال لِتَخْلِيصِهِمْ فَتَرَكُوهُ كَانُوا فِي سَعَةٍ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ فِي يَدِ الْكُفَّارِ بَعْضَ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ، وَلاَ يَجِبُ عَلَى كُل وَاحِدٍ مِنَّا الْخُرُوجُ لِقِتَالِهِمْ لاِسْتِنْقَاذِ الأَْسْرَى. (١)

٥٨ - وَالاِسْتِنْقَاذُ إِذَا لَمْ يَتَيَسَّرْ عَنْ طَرِيقِ الْقِتَال فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عَنْ طَرِيقِ الْفِدَاءِ بِتَبَادُل الأَْسْرَى، عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُ الْقَوْل فِيهِ، كَمَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ بِالْمَال أَيْضًا، لِقَوْل الرَّسُول ﷺ: أَطْعِمُوا الْجَائِعَ، وَعُودُوا الْمَرِيضَ، وَفُكُّوا الْعَانِيَ لأَِنَّ مَا يُخَافُ مِنْ تَعْذِيبِ الأَْسِيرِ أَعْظَمُ فِي الضَّرُورَةِ مِنْ بَذْل الْمَال، فَجَازَ دَفْعُ أَعْظَمِ الضَّرَرَيْنِ بِأَخَفِّهِمَا. (٢)

وَالْحَنَفِيَّةُ عَلَى وُجُوبِ ذَلِكَ فِي بَيْتِ الْمَال، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَفْتَدُوهُ. وَنَقَل أَبُو يُوسُفَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَال: " كُل أَسِيرٍ كَانَ فِي أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَفِكَاكُهُ فِي بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ " (٣) . وَهُوَ

_________

(١) شرح السير الكبير ١ / ٢٠٧. والتاج والإكليل بهامش مواهب الجليل ٣ / ٣٨٧، وفتح الوهاب شرح منهج الطلاب ٢ / ١٧١. وحاشية الجمل ٥ / ١٥٢. والمغني ١٠ / ٤٩٨.

(٢) المغني ١٠ / ٤٩٨، والتاج والإكليل ٣ / ٣٨٨، والمذهب ٢ / ٢٦٠.

(٣) أثر: " كل أسير كان في أيدي المشركين. . . ". أخرجه أبو يوسف من حديث عمر بن الخطاب ﵁ موقوفا عليه. (كتاب الخراج لأبي يوسف ص ١٩٦ نشر المكتبة السلفية ١٣٥٢ هـ) .