الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٨ الصفحة 27

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٨

الْعَادِيِّ يَظْهَرُ فِي الْجَوَانِبِ التَّالِيَةِ (١):

١ - إِنَّ لِنُظَّارِ الْمَظَالِمِ مِنْ فَضْل الْهَيْبَةِ، وَقُوَّةِ الْيَدِ مَا لَيْسَ لِلْقُضَاةِ فِي كَفِّ الْخُصُومِ عَنِ التَّجَاحُدِ، وَالْمُبَالَغَةِ فِي إِنْكَارِ الْحَقِّ فِي كِلاَ الْجَانِبَيْنِ، وَمَنْعِ الظَّلَمَةِ مِنَ التَّغَالُبِ، وَالتَّجَاذُبِ.

٢ - إِنَّ نَظَرَ الْمَظَالِمِ يَخْرُجُ عَنْ ضِيقِ الْوُجُوبِ فِي التَّحْقِيقِ وَالإِِْثْبَاتِ وَالأَْحْكَامِ وَالتَّنْفِيذِ إِلَى سِعَةِ الْجَوَازِ، فَيَكُونُ أَفْسَحَ مَجَالًا، وَأَوْسَعَ مَقَالًا.

٣ - يَسْتَعْمِل نَاظِرُ الْمَظَالِمِ مِنْ فَضْل الإِِْرْهَابِ، وَكَشْفِ الأَْسْبَابِ بِالأَْمَارَاتِ الدَّالَّةِ، وَشَوَاهِدِ الأَْحْوَال اللاَّئِحَةِ، مَا يُضَيِّقُ عَلَى الْحُكَّامِ، فَيَصِل بِهِ إِلَى ظُهُورِ الْحَقِّ، وَمَعْرِفَةِ الْمُبْطِل مِنَ الْمُحِقِّ.

٤ - يُقَابِل نَاظِرُ الْمَظَالِمِ مَنْ ظَهَرَ ظُلْمُهُ بِالتَّأْدِيبِ، وَيَأْخُذُ مَنْ بَانَ عُدْوَانُهُ بِالتَّقْوِيمِ وَالتَّهْذِيبِ.

٥ - لِنَاظِرِ الْمَظَالِمِ اسْتِمْهَال الْخُصُومِ، وَتَأْجِيل الْفَصْل فِي النِّزَاعِ، وَالتَّأَنِّي فِي تَرْدَادِ الأَْطْرَافِ عِنْدَ اشْتِبَاهِ الأُْمُورِ، وَاسْتِبْهَامِ

_________

(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٨٣، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٧٩، وتبصرة الحكام ١ / ٢١، ١٤٥، ومعين الحكام ص ١٢، ١٧٠ ط. الأولى بالمطبعة الأميرية ببولاق، الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام للقرافي ص ٩٣، ١٦٤.

الْحُقُوقِ، لِيُمْعِنَ فِي الْكَشْفِ عَنِ الأَْسْبَابِ وَأَحْوَال الْخُصُومِ مَا لَيْسَ لِلْقُضَاةِ إِذَا سَأَلَهُمْ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ فَصْل الْحُكْمِ، فَلاَ يَسُوغُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ الْحَاكِمُ، وَيَسُوغُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ وَالِي الْمَظَالِمِ.

٦ - لِنَاظِرِ الْمَظَالِمِ رَدُّ الْخُصُومِ إِذَا أَعْضَلُوا، أَيْ تَعَذَّرَ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُمْ، إِلَى وَسَاطَةِ الأُْمَنَاءِ، لِيَفْصِلُوا فِي التَّنَازُعِ بَيْنَهُمْ صُلْحًا عَنْ تَرَاضٍ، وَلَيْسَ لِلْقَاضِي ذَلِكَ إِلاَّ عَنْ رِضَا الْخَصْمَيْنِ بِالرَّدِّ إِلَى الصُّلْحِ.

٧ - لِنَاظِرِ الْمَظَالِمِ أَنْ يَفْسَحَ فِي مُلاَزَمَةِ الْخَصْمَيْنِ إِذَا وَضَحَتْ أَمَارَاتُ التَّجَاحُدِ، وَيَأْذَنَ فِي إِلْزَامِ الْكَفَالَةِ فِيمَا يَسُوغُ فِيهِ التَّكَفُّل، لِيَنْقَادَ الْخُصُومُ إِلَى التَّنَاصُفِ، وَيَعْدِلُوا عَنِ التَّجَاحُدِ وَالتَّكَاذُبِ.

٨ - لِنَاظِرِ الْمَظَالِمِ أَنْ يَسْمَعَ مِنْ شَهَادَاتِ الْمَسْتُورِينَ مَا يَخْرُجُ عَنْ عُرْفِ الْقَضَاءِ فِي شَهَادَةِ الْمُعَدِّلِينَ فَقَطْ.

٩ - يَجُوزُ لِنَاظِرِ الْمَظَالِمِ إِحْلاَفُ الشُّهُودِ عِنْدَ ارْتِيَابِهِ بِهِمْ إِذَا بَذَلُوا أَيْمَانَهُمْ طَوْعًا، وَيَسْتَكْثِرُ مِنْ عَدَدِهِمْ لِيَزُول عَنْهُ الشَّكُّ، وَيَنْفِي عَنْهُ الاِرْتِيَابَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْحَاكِمِ الْعَادِيِّ.

١٠ - يَجُوزُ لِنَاظِرِ الْمَظَالِمِ أَنْ يَبْتَدِئَ

بِاسْتِدْعَاءِ الشُّهُودِ، وَيَسْأَل عَمَّا عِنْدَهُمْ فِي تَنَازُعِ الْخُصُومِ، أَمَّا عَادَةُ الْقُضَاةِ فَهِيَ تَكْلِيفُ الْمُدَّعِي إِحْضَارَ بَيِّنَتِهِ، وَلاَ يَسْمَعُونَهَا إِلاَّ بَعْدَ مَسْأَلَتِهِ وَطَلَبِهِ (١) .

الْفَرْقُ بَيْنَ اخْتِصَاصِ الْمَظَالِمِ وَالْحِسْبَةِ

١٣ - تَتَّفِقُ الْمَظَالِمُ مَعَ الْحِسْبَةِ فِي أُمُورٍ وَتَخْتَلِفُ فِي أُمُورٍ أُخْرَى (٢) .

أَمَّا وَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَ الْمَظَالِمِ وَالْحِسْبَةِ، فَهِيَ أَمْرَانِ وَهُمَا:

١ - أَنَّ مَوْضُوعَ الْمَظَالِمِ وَالْحِسْبَةِ يَعْتَمِدُ عَلَى الرَّهْبَةِ وَقُوَّةِ الصَّرَامَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِالسَّلْطَنَةِ.

٢ - يَجُوزُ لِلْقَائِمِ فِي الْمَظَالِمِ وَالْحِسْبَةِ أَنْ يَنْظُرَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، وَفِي حُدُودِ اخْتِصَاصِهِ لأَِسْبَابِ الْمَصَالِحِ، وَإِِنْكَارِ الْعُدْوَانِ، وَالإِِْلْزَامِ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ، بِدُونِ حَاجَةٍ إِلَى مُدَّعٍ فِي ذَلِكَ.

أَمَّا أَوْجُهُ الاِخْتِلاَفِ بَيْنَ الْمَظَالِمِ وَالْحِسْبَةِ فَهِيَ:

١ - إِنَّ النَّظَرَ فِي الْمَظَالِمِ مَوْضُوعٌ لِمَا عَجَزَ

_________

(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٨٤، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٧٩، وتبصرة الحكام ٢ / ١٤٢، ومعين الحكام ص ١٦٩، والإحكام في تمييز الفتاوى من الأحكام ص ١٦٤.

(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٢٤١ - ٢٤٢، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٨٦ - ٢٨٧، وتبصرة الحكام ١ / ١٩.

عَنْهُ الْقُضَاةُ، أَمَّا النَّظَرُ فِي الْحِسْبَةِ فَمَوْضُوعٌ لِمَا تَرَفَّعَ عَنْهُ الْقُضَاةُ، أَوْ لاَ حَاجَةَ لِعَرْضِهِ عَلَى الْقَضَاءِ، فَكَانَتْ رُتْبَةُ الْمَظَالِمِ أَعْلَى وَرُتْبَةُ الْحِسْبَةِ أَخْفَضَ مِنْهُ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِوَالِي الْمَظَالِمِ أَنْ يُوَقِّعَ (يُخَاطِبَ وَيُرَاسِل) إِلَى الْقُضَاةِ وَالْمُحْتَسِبِ، وَلَمْ يَجُزْ لِلْقَاضِي أَنْ يُوَقِّعَ إِلَى وَالِي الْمَظَالِمِ، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوَقِّعَ إِلَى الْمُحْتَسِبِ، وَلاَ يَجُوزُ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يُوَقِّعَ إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا.

٢ - يَجُوزُ لِوَالِي الْمَظَالِمِ أَنْ يَنْظُرَ فِي دَعَاوَى الْمُتَخَاصِمِينَ، وَيَفْصِل بَيْنَهُمَا، وَيُصْدِرَ حُكْمًا، قَضَائِيًّا قَابِلًا لِلتَّنْفِيذِ، أَمَّا وَالِي الْحِسْبَةِ فَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَصْدُرَ حُكْمًا لأَِنَّهُ مُخْتَصٌّ فِي الأُْمُورِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي لاَ اخْتِلاَفَ فِيهَا وَلاَ تَنَازُعَ، وَلاَ تَحْتَاجُ إِلَى بَيِّنَةٍ وَإِِثْبَاتٍ وَحِجَاجٍ (١) .

طُرُقُ النَّظَرِ فِي الْمَظَالِمِ وَمَكَانُهُ وَأَوْقَاتُهُ

أَوَّلًا: مَجْلِسُ النَّظَرِ فِي الْمَظَالِمِ

١٤ - يَسْتَعِينُ قَاضِي الْمَظَالِمِ بِالأَْعْوَانِ الَّذِينَ يُسَاعِدُونَهُ فِي أَدَاءِ مُهِمَّتِهِ الْجَسِيمَةِ، وَيَسْتَكْمِل بِهِمْ مَجْلِسَ نَظَرِهِ، وَلاَ يَسْتَغْنِي عَنْهُمْ، وَلاَ

_________

(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٢٤٢ - ٢٤٣، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٨٦ - ٢٨٧، وتبصرة الحكام ١ / ١٩.

يَنْتَظِمُ نَظَرُهُ إِلاَّ بِهِمْ (١)، وَلِذَلِكَ فَإِِنَّ مَجْلِسَ النَّظَرِ فِي الْمَظَالِمِ يَتِمُّ تَشْكِيلُهُ كَمَا يَلِي:

١ - رَئِيسُ الْمَجْلِسِ، وَهُوَ وَالِي الْمَظَالِمِ، أَوْ قَاضِي الْمَظَالِمِ.

٢ - الْحُمَاةُ وَالأَْعْوَانُ لِجَذْبِ الْقَوِيِّ، وَتَقْوِيمِ الْجَرِيءِ.

٣ - الْقُضَاةُ وَالْحُكَّامُ، لاِسْتِعْلاَمِ مَا ثَبَتَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْحُقُوقِ، وَمَعْرِفَةِ مَا يَجْرِي فِي مَجَالِسِهِمْ بَيْنَ الْخُصُومِ.

٤ - الْفُقَهَاءُ، لِيَرْجِعَ إِلَيْهِمْ فِيمَا أَشْكَل، وَيَسْأَلَهُمْ عَمَّا اشْتَبَهَ وَأَعْضَل.

٥ - الْكُتَّابُ، لِيُثْبِتُوا مَا جَرَى بَيْنَ الْخُصُومِ، وَمَا تَوَجَّهَ لَهُمْ أَوْ عَلَيْهِمْ مِنَ الْحُقُوقِ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْكَاتِبِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالشُّرُوطِ وَالأَْحْكَامِ، وَالْحَلاَل وَالْحَرَامِ، مَعَ جَوْدَةِ الْخَطِّ، وَحُسْنِ الضَّبْطِ، وَالْبُعْدِ عَنِ الطَّمَعِ، وَالأَْمَانَةِ وَالْعَدَالَةِ.

٦ - الشُّهُودُ، لِيَشْهَدُوا عَلَى مَا أَوْجَبَهُ قَاضِي الْمَظَالِمِ مِنْ حَقٍّ، وَأَمْضَاهُ مِنْ حُكْمٍ وَهُمْ شُهُودٌ لِلْقَاضِي نَفْسِهِ حَتَّى يَتِمَّ التَّنْفِيذُ، وَيَسْتَبْعِدُ الإِِْنْكَارَ وَالْجُحُودَ.

فَإِِنِ اسْتَكْمَل مَجْلِسُ الْمَظَالِمِ هَؤُلاَءِ السِّتَّةَ

_________

(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٨٠، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٧٦.

شَرَعَ حِينَئِذٍ فِي نَظَرِ الْمَظَالِمِ (١) .

ثَانِيًا: التَّدَابِيرُ الْمُؤَقَّتَةُ فِي النَّظَرِ بِالْمَظَالِمِ

١٥ - يَحِقُّ لِقَاضِي الْمَظَالِمِ الْقِيَامُ بِتَدَابِيرَ مُؤَقَّتَةٍ، وَإِِجْرَاءَاتٍ خَاصَّةٍ، قَبْل النَّظَرِ فِي دَعْوَى الْمَظَالِمِ، وَأَثْنَاءَ النَّظَرِ فِيهَا، أَهَمُّهَا:

١ - الْكَفَالَةُ: وَذَلِكَ بِتَكْلِيفِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (الْمَدِينِ) بِتَقْدِيمِ كَفَالَةٍ بِأَصْل الدِّينِ، رَيْثَمَا يَفْصِل فِي الأَْمْرِ، قَال الْمَاوَرْدِيُّ: " وَعَلَى وَالِي الْمَظَالِمِ أَنْ يَنْظُرَ فِي الدَّعْوَى، فَإِِنْ كَانَتْ مَالًا، فِي الذِّمَّةِ كَلَّفَهُ الْقَاضِي إِقَامَةَ كَفِيلٍ " (٢) .

٢ - الْحَجْرُ: قَال الْمَاوَرْدِيُّ: " وَإِِنْ كَانَتِ الدَّعْوَى عَيْنًا قَائِمَةً كَالْعَقَارِ حُجِرَ عَلَيْهِ فِيهَا حَجْرًا لاَ يَرْتَفِعُ بِهِ حُكْمُ يَدِهِ " (٣)، وَيَرُدُّ اسْتِغْلاَلَهَا إِلَى أَمِينٍ يَحْفَظُهُ عَلَى مُسْتَحِقِّهِ مِنْهُمَا، وَبِمَا أَنَّ الْحَجْرَ مِنْ جِهَةٍ، وَوَضْعَ الْمَال عِنْدَ أَمِينٍ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، قَدْ يُنْتَجُ عَنْهُمَا ضَرَرٌ وَأَذًى لِصَاحِبِ الْحَقِّ، وَلِذَلِكَ تَشَدَّدَ فِيهِمَا الْفُقَهَاءُ، فَقَالُوا: " فَأَمَّا الْحَجْرُ عَلَيْهِ فِيهَا، وَحِفْظُ اسْتِغْلاَلِهَا مُدَّةَ الْكَشْفِ وَالْوَسَاطَةِ فَمُعْتَبَرٌ بِشَوَاهِدِ أَحْوَالِهِمَا، وَاجْتِهَادِ وَالِي

_________

(١) المراجع السابقة.

(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٨٥، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٨٠.

(٣) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٨٥، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٨٠.

الْمَظَالِمِ فِيمَا يَرَاهُ بَيْنَهُمَا إِلَى أَنْ يُثْبِتَ الْحُكْمَ بَيْنَهُمَا " (١) .

٣ - إِجْرَاءُ الْمُعَايَنَةِ وَالتَّحْقِيقِ الْمَحَلِّيِّ، فَإِِنَّ لِوَالِي الْمَظَالِمِ أَنْ يَكْشِفَ عَنِ الْحَال مِنْ جِيرَانِ الْمِلْكِ، وَمِنْ جِيرَانِ الْمُتَنَازِعَيْنِ فِيهِ، لِيَتَوَصَّل بِهِمْ إِلَى وُضُوحِ الْحَقِّ، وَمَعْرِفَةِ الْمُحِقِّ (٢) .

٤ - الاِسْتِكْتَابُ وَالتَّطْبِيقُ وَالْمُضَاهَاةُ، وَذَلِكَ إِذَا أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْخَطَّ، فَإِِنَّ وَالِيَ الْمَظَالِمِ يَخْتَبِرُ خَطَّهُ، بِاسْتِكْتَابِهِ بِخُطُوطِهِ الَّتِي يَكْتُبُهَا، وَيُكَلِّفَهُ الإِِْكْثَارَ مِنَ الْكِتَابَةَ لِيَمْنَعَهُ مِنَ التَّصَنُّعِ فِيهَا، ثُمَّ يَجْمَعَ بَيْنَ الْخَطَّيْنِ، فَإِِذَا تَشَابَهَا حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ (٣)، وَهَذَا قَوْل مَنْ جَعَل اعْتِرَافَهُ الْخَطَّ مُوجِبًا لِلْحُكْمِ بِهِ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ لاَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِلْحُكْمِ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ لإِِرْهَابِهِ وَتَكُونُ الشُّبْهَةُ مَعَ إِنْكَارِهِ لِلْخَطِّ أَضْعَفَ مِنْهَا مَعَ اعْتِرَافِهِ بِهِ، وَتُرْفَعُ الشُّبْهَةُ إِنْ كَانَ الْخَطُّ مُنَافِيًا لِخَطِّهِ، وَيَعُودُ الإِِْرْهَابُ عَلَى الْمُدَّعِي ثُمَّ يُرَدَّانِ إِلَى الْوَسَاطَةِ فَإِِنْ أَفْضَى الْحَال إِلَى الصُّلْحِ وَإِِلاَّ بَتَّ الْقَاضِي الْحُكْمَ بَيْنَهُمَا

_________

(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٨٥، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٨٠.

(٢) قضاة قرطبة للخشني ص ١٩٢، ٢١٧ ط. الدار المصرية، القاهرة.

(٣) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٨٧، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٨٢.

بِالأَْيْمَانِ.

ثَالِثًا: التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ

١٦ - يَقْتَضِي نِظَامُ الْقَضَاءِ عَامَّةً، وَقَضَاءُ الْمَظَالِمِ خَاصَّةً، التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ أَمَامَ الْقَاضِي، فِي الْجُلُوسِ وَالإِِْقْبَال، وَالإِِْشَارَةِ وَالنَّظَرِ، دُونَ التَّفْرِيقِ بَيْنَ كَبِيرٍ وَصَغِيرٍ، وَرَاعٍ وَرَعِيَّةٍ، وَشَرِيفٍ وَغَيْرِهِ، فَالْكُل أَمَامَ الْعَدْل سَوَاءٌ، لِمَا رَوَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَنِ ابْتُلِيَ بِالْقَضَاءِ بَيْنَ النَّاسِ، فَلْيَعْدِل بَيْنَهُمْ فِي لَحْظِهِ وَإِِشَارَتِهِ، وَمَقْعَدِهِ (١) .

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (تَسْوِيَةٌ ف ٩، وَقَضَاءٌ ف ٤١) .

رَابِعًا: وَقْتُ النَّظَرِ فِي الْمَظَالِمِ

١٧ - عَلَى الْوُلاَةِ الَّذِينَ يُمَارِسُونَ قَضَاءَ الْمَظَالِمِ بِجَانِبِ أَعْمَالِهِمْ أَنْ يُخَصِّصُوا يَوْمًا مَعْلُومًا فِي الأُْسْبُوعِ لِلنَّظَرِ فِي الْمَظَالِمِ، لِيَقْصِدَهُ الْمُتَظَلِّمُونَ، وَيَتَفَرَّغُ الْوُلاَةُ فِي سَائِرِ الأَْيَّامِ لأَِعْمَالِهِمُ الأُْخْرَى، وَكَانَتِ الْمَظَالِمُ فِي الْعُهُودِ الأُْولَى قَلِيلَةً وَمَحْدُودَةً، وَكَانَ بَعْضُ الْخُلَفَاءِ يَنْظُرُ فِي الْمَظَالِمِ فِي جَمِيعِ الأَْوْقَاتِ

_________

(١) حديث أم سلمة: " من ابتلي بالقضاء بين الناس. . . " أخرجه الدارقطني (٤ / ٢٠٥)، وفي إسناده راوٍ فيه جهالة كما في الميزان للذهبي (٤ / ٥٤٤) .

مَتَى حَضَرَتْ مَظْلَمَةٌ، فَكَانَ الْمَهْدِيُّ مَثَلًا يَجْلِسُ فِي كُل وَقْتٍ لِرَدِّ الْمَظَالِمِ (١) .

أَمَّا إِنْ كَانَ قَاضِي الْمَظَالِمِ مُتَعَيِّنًا لِذَلِكَ، وَمُتَفَرِّغًا لَهُ، فَيَكُونُ نَظَرُهُ فِيهَا فِي جَمِيعِ الأَْيَّامِ، وَفِي جَمِيعِ الأَْوْقَاتِ (٢) .

خَامِسًا: مَكَانُ الْمَظَالِمِ

١٨ - كَانَ النَّظَرُ فِي الْمَظَالِمِ فِي مَكَانِ الْخَلِيفَةِ فِي دَارِ الْخِلاَفَةِ، أَوْ مَكَانِ الْوَالِي، أَوْ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَمَّا أُفْرِدَتِ الْمَظَالِمُ بِدِيوَانِ خَاصٍّ، وَكِيَانٍ مُسْتَقِلٍّ خُصِّصَتْ لَهَا دَارٌ مُعَيَّنَةٌ يَقْصِدُهَا الْمُتَظَلِّمُونَ، وَتُعْقَدُ فِيهَا جَلَسَاتُ النَّظَرِ فِي الْمَظَالِمِ، وَيَجْتَمِعُ فِيهَا أَصْحَابُ الْعَلاَقَةِ فِي الأَْمْرِ.

وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أَنَّهُ فِي أَيَّامِ الْعَبَّاسِيِّينَ خُصِّصَتْ دَارٌ لِلْمَظَالِمِ فِي بَغْدَادَ (٣)، ثُمَّ بَنَى السُّلْطَانُ الصَّالِحُ الْعَادِل نُورُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ زِنْكِيٍّ الشَّهِيدُ دَارَ الْعَدْل بِدِمَشْقَ لِكَشْفِ الظُّلاَمَاتِ بِسَبَبِ مَا جَرَى فِيهَا مِنْ ظُلْمِ بَعْضِ أُمَرَائِهِ لِلنَّاسِ، فَكَانَ يُنْصِفُ مِنْ وُزَرَائِهِ وَأُمَرَائِهِ الرَّعِيَّةَ (٤)، وَكَذَلِكَ أَنْشَأَ الظَّاهِرُ بِيبَرْسُ

_________

(١) الفخري، لابن طباطبا ص ١٣١.

(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٧٩، ٨٠، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٧٦.

(٣) تاريخ الطبري ٨ / ٢١٦ ط. دار المعارف، القاهرة ١٩٦٠.

(٤) البداية والنهاية لابن كثير ١٢ / ٢٨٠، تصوير مكتبة المعارف - بيروت، ومكتبة النصر - الرياض.

بِمِصْرِ دَارَ الْعَدْل، وَحَكَمَ بَيْنَ النَّاسِ، وَأَنْصَفَ الْمَظْلُومَ، وَخَلَّصَ الْحُقُوقَ (١) .

وَلِزِيَادَةِ التَّفْصِيل يُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحِ (قَضَاءٌ ف ٣٧ وَمَا بَعْدَهَا) .

سَادِسًا: الدَّعْوَى فِي الْمَظَالِمِ

١٩ - الأَْصْل فِي رَدِّ الْمَظَالِمِ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى الإِِْمَامِ وَالْخَلِيفَةِ، وَالْوَالِي وَالأَْمِيرِ، وَالْمُحْتَسِبِ وَقَاضِي الْمَظَالِمِ، وَيَجُوزُ لِصَاحِبِ الْحَقِّ أَخْذُهُ بِلاَ دَعْوَى إِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ.

قَال الْقَرَافِيُّ: كُل أَمْرٍ مُجْمَعٍ عَلَى ثُبُوتِهِ، وَتَعَيَّنَ الْحَقُّ فِيهِ، وَلاَ يُؤَدِّي أَخْذُهُ إِلَى فِتْنَةٍ وَتَشَاجُرٍ، وَلاَ فَسَادِ عِرْضٍ أَوْ عُضْوٍ يَجُوزُ أَخْذُهُ مِنْ غَيْرِ رَفْعٍ لِلْحَاكِمِ (٢) .

سَابِعًا: الْقَضَاءُ بِالسِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي الْمَظَالِمِ

٢٠ - إِنَّ التَّحْقِيقَ وَالإِِْثْبَاتَ فِي قَضَاءِ الْمَظَالِمِ أَوْسَعُ مِنَ الْقَضَاءِ الْعَادِيِّ، وَيَسْتَطِيعُ وَالِي الْمَظَالِمِ أَوْ قَاضِي الْمَظَالِمِ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَامَّةِ فِي قَضَائِهِ، لِذَلِكَ قَال الْمَاوَرْدِيُّ: " فَأَمَّا نَظَرُ الْمَظَالِمِ الْمَوْضُوعُ عَلَى الأَْصْلَحِ فَعَلَى الْجَائِزِ، دُونَ الْوَاجِبِ، فَيَسُوغُ فِيهِ مِثْل هَذَا عِنْدَ ظُهُورِ الرِّيبَةِ وَقَصْدِ

_________

(١) النجوم الزاهرة ٧ / ١٦٣.

(٢) الفروق ٤ / ٧٦ - ٧٧.