الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٨ الصفحة 25

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٨

فِي السَّفَرِ: نِيَّةُ الْقَصْرِ عِنْدَ الإِِْحْرَامِ فَإِِنْ أَطْلَقَ وَلَمْ يَنْوِ قَصْرًا وَلاَ إِتْمَامًا لَزِمَهُ الإِِْتْمَامُ، لأَِنَّ الأَْصْل فِي الصَّلاَةِ الإِِْتْمَامُ فَيَنْصَرِفُ عِنْدَ الإِِْطْلاَقِ إِلَيْهِ، لأَِنَّهُ الْمَعْهُودُ. وَمِنْهَا: إِذَا تَلَفَّظَ بِمَا يَحْتَمِل مَعْنَيَيْنِ يَرْجِعُ إِلَيْهِ فِي تَعْيِينِ الْمُرَادِ.

كَأَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنَانِ وَبِأَحَدِهِمَا رَهْنٌ فَدَفَعَ مَبْلَغًا مِنَ الْمَال لِلدَّائِنِ عَنْ أَحَدِهِمَا مُبْهَمًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَلَهُ التَّعْيِينُ (١) .

وَمِنْهَا: لَوْ قَال لَزَوْجَتَيْهِ: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ وَلَمْ يَقْصِدْ مُعَيَّنَةً طَلُقَتْ إِحْدَاهُمَا، وَعَلَيْهِ تَعْيِينُ إِحْدَاهُمَا لِلطَّلاَقِ.

وَمِنْهَا: يَجُوزُ أَنْ يُحْرِمَ مُطْلَقًا وَيَصْرِفُهُ بِالتَّعْيِينِ إِلَى مَا شَاءَ مِنَ النُّسُكَيْنِ أَوْ إِلَيْهِمَا (٢) .

شَرْطُ حَمْل الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ

٨ - اللَّفْظُ الْمُطْلَقُ لاَ يُحْمَل عَلَى الْمُقَيَّدِ إِلاَّ إِذَا كَانَ لَوْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْمُقَيَّدِ لَصَحَّ وَإِِلاَّ فَلاَ.

وَخَرَّجُوا عَلَى ذَلِكَ صُوَرًا مِنْهَا: إِذَا أَقَرَّ الأَْبُ: بِأَنَّ الْعَيْنَ مِلْكٌ لِوَلَدِهِ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ وَهَبَهَا لَهُ وَأَرَادَ الرُّجُوعَ فَلَهُ ذَلِكَ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْقَاضِيَانِ: الْحُسَيْنُ، وَالْمَاوَرْدِيُّ، وَقَال النَّوَوِيُّ فِي فَتَاوِيهِ أَنَّهُ الأَْصَحُّ الْمُخْتَارُ (٣) .

_________

(١) المنثور للزركشي ٣ / ١٧٦ وما بعدها

(٢) المنثور للزركشي ٣ / ١٧٨ وما بعدها.

(٣) المنثور ٣ / ١٨٠.

الْمُطْلَقُ يُنَزَّل عَلَى أَقَل الْمَرَاتِبِ

٩ - لَوْ نَذَرَ صَوْمًا مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِعَدَدٍ بِلَفْظٍ وَلاَ نِيَّةَ يُحْمَل عَلَى يَوْمٍ، لأَِنَّ الصَّوْمَ اسْمُ جَنْسٍ يَقَعُ عَلَى الْكَثِيرِ وَالْقَلِيل، وَلاَ صَوْمَ أَقَل مِنْ يَوْمٍ، وَالْمُتَيَقَّنُ يَوْمٌ، فَلاَ يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْهُ، وَإِِنْ نَذَرَ أَيَّامًا فَثَلاَثَةٌ لأَِنَّهَا أَقَل مَرَاتِبِ الْجَمْعِ، أَوْ نَذَرَ صَدَقَةً، فَأَقَل مَا يُتَمَوَّل أَوْ صَلاَةً فَيُجْزِئُ بِرَكْعَتَيْنِ حَمْلًا عَلَى وَاجِبِ الشَّرْعِ (١) .

مُطَهِّرَاتٌ

انْظُرْ: طَهَارَةٌ

_________

(١) مغني المحتاج ٤ / ٣٦٨، والمنثور ٣ / ١٧٨، وتحفة المحتاج ١٠ / ٩٦، والكليات ٣ / ٢٦١

مَظَالِمُ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْمَظَالِمُ لُغَةً: جَمْعُ مَظْلَمَةٍ بِفَتْحِ اللاَّمِ وَكَسْرِهَا، مَصْدَرُ ظَلَمَ يَظْلِمُ، اسْمٌ لِمَا أُخِذَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَهِيَ مَا تَطْلُبُهُ عِنْدَ الظَّالِمِ، وَأَصْل الظُّلْمِ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَعِنْدَ فُلاَنٍ ظُلاَمَتِي وَمَظْلِمَتِي: أَيْ حَقِّي الَّذِي ظُلِمْتُهُ (١) .

وَالظُّلْمُ فِي الاِصْطِلاَحِ: التَّعَدِّي عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِل، وَهُوَ الْجَوْرُ، وَقِيل: هُوَ التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ، وَمُجَاوَزَةُ الْحَدِّ (٢) .

وَالظُّلْمُ ثَلاَثَةُ أَنْوَاعٍ:

الأَْوَّل: ظُلْمٌ بَيْنَ الإِِْنْسَانِ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَعْظَمُهُ: الْكُفْرُ وَالشِّرْكُ وَالنِّفَاقُ، قَال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، (٣) وَقَال تَعَالَى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾ . (٤)

الثَّانِي: ظُلْمٌ بَيْنَ الإِِْنْسَانِ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيل عَلَى الَّذِينَ

_________

(١) القاموس المحيط، ولسان العرب، والمصباح المنير، ومختار الصحاح، وأساس البلاغة مادة (ظلم) .

(٢) التعريفات للجرجاني، وكشاف اصطلاحات الفنون ٤ / ٩٣٨ ط. خياط - بيروت، ودستور العلماء ٢ / ٢٨٧.

(٣) سورة لقمان / ١٣

(٤) سورة الزمر / ٣٢.

يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾، (١) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قُتِل مَظْلُومًا﴾ . (٢)

الثَّالِثُ: ظُلْمٌ بَيْنَ الإِِْنْسَانِ وَبَيْنَ نَفْسِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾، (٣) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَفْعَل ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ . (٤)

وَكُل هَذِهِ الثَّلاَثَةِ فِي الْحَقِيقَةِ ظُلْمٌ لِلنَّفْسِ، فَإِِنَّ الإِِْنْسَانَ فِي أَوَّل مَا يَهِمُّ بِالظُّلْمِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ، فَإِِذًا الظَّالِمُ أَبَدًا مُبْتَدِئٌ فِي الظُّلْمِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَْرْضِ جَمِيعًا﴾، (٥) يَتَنَاوَل الأَْنْوَاعَ الثَّلاَثَةَ مِنَ الظُّلْمِ فَمَا مِنْ أَحَدٍ كَانَ مِنْهُ ظُلْمٌ فِي الدُّنْيَا إِلاَّ وَلَوْ حَصَل لَهُ مَا فِي الأَْرْضِ وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَكَانَ يَفْتَدِي بِهِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾، (٦) تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الظُّلْمَ لاَ يُجْدِي وَلاَ يُخَلِّصُ بَل يُرْدِي (٧) .

فَالْمَظَالِمُ هِيَ الْحُقُوقُ الَّتِي أُخِذَتْ ظُلْمًا، وَقَدْ دَعَا الشَّرْعُ الْحَنِيفُ إِلَى إِقَامَةِ الْعَدْل فِيهَا

_________

(١) سورة الشورى / ٤٢

(٢) سورة الإسراء / ٣٣.

(٣) سورة فاطر / ٣٢.

(٤) سورة البقرة / ٢٣١.

(٥) سورة الزمر / ٤٧.

(٦) سورة النجم / ٥٢

(٧) المفردات للأصفهاني، وبصائر ذوي التمييز ٣ / ٥٤٠.

وَأَنْشَأَ لَهَا دِيوَانَ الْمَظَالِمِ وَقَضَاءَ الْمَظَالِمِ (١) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْقَضَاءُ:

٢ - الْقَضَاءُ فِي اللُّغَةِ: الْحُكْمُ.

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ الإِِْخْبَارُ عَنْ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ عَلَى سَبِيل الإِِْلْزَامِ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ. (٢)

وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الْقَضَاءِ وَالْمَظَالِمِ بِاعْتِبَارِهَا وِلاَيَةٌ خَاصَّةٌ هِيَ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ، فَالْقَضَاءُ أَعَمُّ.

ب - الدَّعْوَى:

٣ - الدَّعْوَى فِي اللُّغَةِ: اسْمٌ مِنَ الاِدِّعَاءِ، أَيْ أَنَّهَا اسْمٌ لِمَا يُدَّعَى، وَهُوَ الطَّلَبُ، وَتُجْمَعُ عَلَى دَعَاوَى.

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: قَوْلٌ مَقْبُولٌ عِنْدَ الْقَاضِي يُقْصَدُ بِهِ طَلَبُ حَقٍّ قِبَل الْغَيْرِ، أَوْ دَفْعُ الْخَصْمِ

_________

(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٧٧، وانظر: الأحكام السلطانية لأبي يعلى الفراء ص ٧٣، وصبح الأعشى ٣ / ٢٧٣.

(٢) تبصرة الحكام ١ / ١٢، ومعين الحكام للطرابلسي ص ٦، وانظر: رد المختار ٥ / ٣٥١، وشرح حدود ابن عرفة للرصاع ص ٤٣٣، ومغني المحتاج ٤ / ٣٧١، وكشاف القناع ٦ / ٢٨٥، والروض المربع ٢ / ٣٦٥، وبدائع الصنائع للكاساني ٩ / ٤٠٧٨، ودرر الحكام ٢ / ٤٠٤، والتعريفات للجرجاني، وتحرير ألفاظ التنبيه للنووي ص ٣٣١ ط. دار القلم، ولسان العرب

عَنْ حَقِّ نَفْسِهِ (١) .

وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الْمَظَالِمِ وَالدَّعْوَى هِيَ أَنَّ الدَّعْوَى وَسِيلَةٌ شَرْعِيَّةٌ لِرَفْعِ الْمَظَالِمِ.

ج - التَّحْكِيمُ:

٤ - التَّحْكِيمُ لُغَةً: مَصْدَرُ حَكَّمَهُ فِي الأَْمْرِ وَالشَّيْءِ أَيْ جَعَلَهُ حَكَمًا، وَفَوَّضَ الْحُكْمَ إِلَيْهِ، وَحَكَّمَهُ بَيْنَهُمْ: أَمَرَهُ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ، فَهُوَ حَكَمٌ وَمُحَكَّمٌ.

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: التَّحْكِيمُ: تَوْلِيَةُ الْخَصْمَيْنِ حَكَمًا يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا (٢)، وَفِي التَّنْزِيل الْعَزِيزِ: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ . (٣)

وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الْمَظَالِمِ وَالتَّحْكِيمِ أَنَّ التَّحْكِيمَ وَسِيلَةٌ لِفَضِّ النِّزَاعِ بَيْنَ النَّاسِ، وَرَفْعِ الْمَظَالِمِ.

أَقْسَامُ الْمَظَالِمِ بِاعْتِبَارِ مَا تُضَافُ إِلَيْهِ مِنَ الْحُقُوقِ

٥ - تَنْقَسِمُ الْمَظَالِمُ بِاعْتِبَارِ مَا تُضَافُ إِلَيْهِ مِنَ الْحُقُوقِ إِلَى قِسْمَيْنِ:

_________

(١) التعريفات للجرجاني، والفروق للقرافي ٤ / ٧٢، ودرر الحكام ٢ / ٣٢٩، ونتائج الأفكار تكملة فتح القدير ٧ / ١٣٧، ومغني المحتاج ٤ / ٥٤١ المغني ١٤ / ٢٧٥ ط. هجر، ولسان العرب.

(٢) القاموس المحيط، ولسان العرب، ومادة حكم، ورد المحتار ٥ / ٤٢٨ ط. الحلبي.

(٣) سورة النساء

أ - مَظَالِمُ تَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى كَالزَّكَوَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالنُّذُورِ وَالْحُدُودِ وَالْعِبَادَاتِ وَارْتِكَابِ الْمُحَرَّمَاتِ.

ب - مَظَالِمُ تَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ كَالْغُصُوبِ، وَإِِنْكَارِ الْوَدَائِعِ، وَالأَْرْزَاقِ، وَالْجِنَايَاتِ فِي النَّفْسِ وَالأَْعْرَاضِ.

قَال الْغَزَالِيُّ: وَمَظَالِمُ الْعِبَادِ إِمَّا فِي النُّفُوسِ أَوِ الأَْمْوَال أَوِ الأَْعْرَاضِ أَوِ الْقُلُوبِ (١) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِرَفْعِ الْمَظَالِمِ

٦ - الْمَظَالِمُ مِنَ الظُّلْمِ، وَالظُّلْمُ حَرَامٌ قَطْعًا بِالنُّصُوصِ الْمُتَوَاتِرَةِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَالسُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ وَإِِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ.

وَرَفْعُ الظُّلْمِ وَاجِبٌ شَرْعًا عَلَى كُل مُسْلِمٍ، وَهُوَ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى الْخَلِيفَةِ أَوِ الإِِْمَامِ الَّذِي أُنِيطَ بِهِ حِفْظُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَإِِقَامَةُ الْعَدْل، وَرَفْعُ الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ (٢) .

وَفِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ

_________

(١) إحياء علوم الدين ٤ / ٥٣ - ٥٤ ط. دار الهادي - بيروت.

(٢) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٧، ومقدمة ابن خلدون ص ١٩١

مُحَرَّمًا فَلاَ تَظَّالَمُوا. (١) وَالْمُرَادُ لاَ يَظْلِمُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا.

وَالْخَلِيفَةُ إِمَّا أَنْ يَقُومَ بِذَلِكَ بِنَفْسِهِ، وَإِِمَّا أَنْ يُنِيبَ عَنْهُ وَالِيًا أَوْ أَمِيرًا أَوْ قَاضِيًا، أَوْ يَجْمَعَ بَيْنَ الأَْمْرَيْنِ، وَتَوَلِّي الْقَضَاءِ فَرْضُ كِفَايَةٍ لِمَنْ تَتَوَفَّرُ فِيهِ الشُّرُوطُ، وَرَفْعُ الْمَظَالِمِ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى الْقَاضِي الْمُعَيَّنِ مِنَ الإِِْمَامِ (٢) .

وَرَغَّبَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِرَدِّ الْمَظَالِمِ إِلَى أَهْلِهَا قَبْل أَنْ يُحَاسَبَ الإِِْنْسَانُ عَلَيْهَا، فَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَال: غَلاَ السِّعْرُ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ سَعِّرْ لَنَا، فَقَال: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ، الْبَاسِطُ الرَّازِقُ، وَإِِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى رَبِّي وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَطْلُبُنِي بِمَظْلِمَةِ فِي دَمٍ وَلاَ مَالٍ. (٣)

وَنَظَرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي الْمَظَالِمِ بِنَفْسِهِ لِمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَْنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ الَّتِي يَسْقُونَ بِهَا النَّخْل، فَقَال الأَْنْصَارِيُّ: سَرِّحِ الْمَاءَ يَمُرَّ، فَأَبَى عَلَيْهِ، فَاخْتَصَمَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَال رَسُول اللَّهِ

_________

(١) حديث: " يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي. . . ". أخرجه مسلم (٤ / ١٩٩٤) من حديث أبي ذر.

(٢) شرح صحيح مسلم ١٦ / ١٣٤.

(٣) حديث أنس: " غلا السعر على عهد رسول الله ﷺ. . . " أخرجه الترمذي (٣ / ٥٩٧) وقال: " حديث حسن صحيح ".

ﷺ لِلزُّبَيْرِ: اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِل الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ، فَغَضِبَ الأَْنْصَارِيُّ فَقَال: إِنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكِ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَال: اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ، فَقَال الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ، إِنِّي لأَحْسِبُ هَذِهِ الآْيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ .

(١) وَلأَِنَّ رَفْعَ الْمَظَالِمِ يُعْتَبَرُ مِنَ الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَهَذَا وَاجِبٌ عَلَى الْخُلَفَاءِ وَالْوُلاَةِ وَالْقُضَاةِ وَسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ (٢) .

حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ قَضَاءِ الْمَظَالِمِ:

٧ - إِنَّ الْحِكْمَةَ مِنْ قَضَاءِ الْمَظَالِمِ هِيَ إِقَامَةُ الْعَدْل، وَمَنْعُ الظُّلْمِ، لأَِنَّ الإِِْسْلاَمَ حَارَبَ الظُّلْمَ وَجَعَلَهُ مِنْ أَشَدِّ الرَّذَائِل، وَأَمَرَ بِالْعَدْل وَجَعَلَهُ مِنْ أَعْظَمِ الْمَقَاصِدِ.

وَكَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَوَّل مَنْ نَظَرَ فِي الْمَظَالِمِ، وَفَصَل فِي الْمُنَازَعَاتِ الَّتِي تَقَعُ مِنَ الْوُلاَةِ وَذَوِي النُّفُوذِ وَالأَْقَارِبِ، وَسَارَ عَلَى

_________

(١) حديث عبد الله بن الزبير: " أن رجلًا من الأنصار خاصم الزبير. . . . . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ٣٤) ومسلم (٤ / ١٨٢٩ - ١٨٣٠) .

(٢) أحكام القرآن للجصاص ٢ / ٣٥ - ٤٠، والأحكام السلطانية للماوردي ص ٧٧، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٧٣

سُنَّتِهِ الشَّرِيفَةِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ (١) .

وَكَانَ قَضَاءُ الْمَظَالِمِ دَاخِلًا - بِحَسَبِ أَصْلِهِ - فِي الْقَضَاءِ الْعَادِيِّ، وَكَانَ يَتَوَلَّى الْفَصْل فِي الْمَظَالِمِ الْقُضَاةُ وَالْخُلَفَاءُ وَالأُْمَرَاءُ، ثُمَّ صَارَ قَضَاءً مُسْتَقِلًّا، وَلَهُ وِلاَيَةٌ خَاصَّةٌ.

قَال أَبُو بَكْرٍ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَأَمَّا وِلاَيَةُ الْمَظَالِمِ فَهِيَ وِلاَيَةٌ غَرِيبَةٌ، أَحْدَثَهَا مَنْ تَأَخَّرَ مِنَ الْوُلاَةِ لِفَسَادِ الْوِلاَيَةِ، وَفَسَادِ النَّاسِ، وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ كُل حُكْمٍ يَعْجِزُ عَنْهُ الْقَاضِي، فَيَنْظُرُ فِيهِ مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ يَدًا، وَذَلِكَ أَنَّ التَّنَازُعَ إِذَا كَانَ بَيْنَ ضَعِيفَيْنِ قَوَّى أَحَدَهُمَا الْقَاضِي، وَإِِذَا كَانَ بَيْنَ قَوِيٍّ وَضَعِيفٍ، أَوْ قَوِيَّيْنِ، وَالْقُوَّةُ فِي أَحَدِهِمَا بِالْوِلاَيَةِ، كَظُلْمِ الأُْمَرَاءِ وَالْعُمَّال، فَهَذَا مِمَّا نَصَبَ لَهُ الْخُلَفَاءُ أَنْفُسَهُمْ (٢) .

وَبَيَّنَ الْمَاوَرْدِيُّ الْحِكْمَةَ مِنْ ظُهُورِ قَضَاءِ الْمَظَالِمِ، فَقَال: وَلَمْ يُنْتَدَبْ لِلْمَظَالِمِ مِنَ الْخُلَفَاءِ الأَْرْبَعَةِ (الرَّاشِدِينَ) أَحَدٌ، لأَِنَّهُمْ كَانُوا فِي الصَّدْرِ الأَْوَّل، مَعَ ظُهُورِ الدِّينِ عَلَيْهِمْ، بَيْنَ مَنْ يَقُودُهُ التَّنَاصُفُ إِلَى الْحَقِّ، أَوْ يَزْجُرُهُ الْوَعْظُ عَنِ الظُّلْمِ، وَإِِنَّمَا كَانَتِ الْمُنَازَعَاتُ تَجْرِي بَيْنَهُمْ فِي أُمُورٍ مُشْتَبِهَةٍ،

_________

(١) مغني المحتاج ٤ / ٣٧٢، والحسبة لابن تميمة ص ٨٢.

(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٤ / ١٦٣١ ط. عيسى الحلبي