الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٨
ب - أَنَّ مَا فِيهِ مُضَارَبَةُ الْمِثْل يُفْسَخُ قَبْل الْعَمَل وَيَفُوتُ بِالْعَمَل، وَمَا فِيهِ أُجْرَةُ الْمِثْل يُفْسَخُ مَتَى اطَّلَعَ عَلَيْهِ وَلَهُ أُجْرَةُ مَا عَمِل.
ج - أَنَّ الْعَامِل يَكُونُ أَحَقَّ مِنَ الْغُرَمَاءِ إِذَا كَانَ لَهُ مُضَارَبَةُ الْمِثْل، وَيَكُونُ أُسْوَتَهُمْ إِذَا كَانَ لَهُ أَجْرُ الْمِثْل. عَلَى ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ، مَا لَمْ يَكُنِ الْفَسَادُ بِاشْتِرَاطِ عَمَل يَدِهِ - كَأَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ أَنْ يَخِيطَ مَثَلًا - فَإِِنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ مِنَ الْغُرَمَاءِ لأَِنَّهُ صَانِعٌ (١) .
٥٤ - نَقَل فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ عَنِ الْفُصُول الْعِمَادِيَّةِ أَنَّ كُل مَا جَازَ لِلْمُضَارِبِ فِي الْمُضَارَبَةِ الصَّحِيحَةِ مِنْ شِرَاءٍ وَبَيْعٍ أَوْ إِجَارَةٍ أَوْ بِضَاعَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ جَائِزٌ فِي الْمُضَارَبَةِ الْفَاسِدَةِ (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: تَصَرُّفَاتُ الْعَامِل فِي الْمُضَارَبَةِ الْفَاسِدَةِ نَافِذَةٌ كَتَصَرُّفَاتِهِ فِي الصَّحِيحَةِ، لإِِذْنِ رَبِّ الْمَال لَهُ فِي التَّصَرُّفِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا فَسَدَتِ الْمُضَارَبَةُ وَبَقِيَ الإِِْذْنُ لِنَحْوِ فَوَاتِ شَرْطٍ - كَكَوْنِهِ غَيْرَ نَقْدٍ - نَفَذَ تَصَرُّفُ الْعَامِل نَظَرًا لِبَقَاءِ الإِِْذْنِ كَالْوَكَالَةِ الْفَاسِدَةِ، هَذَا إِذَا قَارَضَهُ الْمَالِكُ بِمَالِهِ، أَمَّا إِذَا قَارَضَهُ بِمَال غَيْرِهِ بِوَكَالَةٍ أَوْ وِلاَيَةٍ أَوْ فَسَدَ الْقِرَاضُ لِعَدَمِ الأَْهْلِيَّةِ فَلاَ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ (٣) .
_________
(١) الشرح الصغير وبلغة السالك ٣ / ٦٨٦ - ٦٩٠، وحاشية الدسوقي مع الشرح الكبير ٣ / ٥١٩.
(٢) الفتاوى الهندية ٤ / ٢٩٦.
(٣) روضة الطالبين ٥ / ١٢٥، ونهاية المحتاج ٥ / ٢٢٨ - ٢٢٩، وكشاف القناع ٣ / ٥١١ - ٥١٢.
٥٥ - وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لاَ ضَمَانَ عَلَى الْعَامِل فِي الْمُضَارَبَةِ الْفَاسِدَةِ، لأَِنَّ مَا لاَ ضَمَانَ فِي صَحِيحِهِ لاَ ضَمَانَ فِي فَاسِدِهِ (١) .
اخْتِلاَفُ رَبِّ الْمَال وَالْمُضَارِبِ
قَدْ يَخْتَلِفُ رَبُّ الْمَال وَالْمُضَارِبِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِل مِنْهَا:
أَوَّلًا - اخْتِلاَفُ رَبِّ الْمَال وَالْمُضَارِبِ فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ:
٥٦ - فَصَّل الْحَنَفِيَّةُ اخْتِلاَفَ رَبِّ الْمَال وَالْمُضَارِبِ فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ فَقَالُوا: إِنِ اخْتَلَفَا فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ فَالْقَوْل قَوْل مَنْ يَدَّعِي الْعُمُومَ، بِأَنِ ادَّعَى أَحَدُهُمَا الْمُضَارَبَةَ فِي عُمُومِ التِّجَارَاتِ أَوْ فِي عُمُومِ الأَْمْكِنَةِ أَوْ مَعَ عُمُومِ الأَْشْخَاصِ، وَادَّعَى الآْخَرُ نَوْعًا دُونَ نَوْعٍ وَمَكَانًا دُونَ مَكَانٍ وَشَخْصًا دُونَ شَخْصٍ، لأَِنَّ قَوْل مَنْ يَدَّعِي الْعُمُومَ مُوَافِقٌ لِلْمَقْصُودِ بِالْعَقْدِ، وَهُوَ الرِّبْحُ، وَهَذَا فِي الْعُمُومِ أَوْفَرُ. وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي الإِِْطْلاَقِ وَالتَّقْيِيدِ فَالْقَوْل قَوْل مَنْ يَدَّعِي الإِِْطْلاَقَ لأَِنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْمَقْصُودِ بِالْعَقْدِ وَهُوَ الرِّبْحُ.
وَقَال الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ: إِنَّ الْقَوْل قَوْل رَبِّ الْمَال فِي الْفَصْلَيْنِ جَمِيعًا، وَقِيل: إِنَّهُ قَوْل زُفَرَ،
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ٤٨٤، وكشاف القناع ٣ / ٥١٢.
وَوَجْهُهُ أَنَّ الإِِْذْنَ يُسْتَفَادُ مِنْ رَبِّ الْمَال فَكَانَ الْقَوْل فِي ذَلِكَ قَوْلَهُ.
فَإِِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ لَهُمَا فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ مُدَّعِي الْعُمُومِ فِي الاِخْتِلاَفِ فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ لأَِنَّهَا تُثْبِتُ زِيَادَةً، وَبَيِّنَةُ مُدَّعِي التَّقْيِيدِ عِنْدَ الاِخْتِلاَفِ فِي الإِِْطْلاَقِ وَالتَّقْيِيدِ لأَِنَّهَا تُثْبِتُ زِيَادَةً فِيهِ وَبَيِّنَةُ الإِِْطْلاَقِ سَاكِتَةٌ.
وَلَوِ اتَّفَقَا عَلَى الْخُصُوصِ لَكِنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ الْخَاصِّ، فَقَال رَبُّ الْمَال: دَفَعْتُ إِلَيْكَ مُضَارَبَةً فِي الْبَزِّ، وَقَال الْمُضَارِبُ: فِي الطَّعَامِ. فَالْقَوْل قَوْل رَبِّ الْمَال - بِاتِّفَاقِهِمْ - لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ التَّرْجِيحُ هُنَا بِالْمَقْصُودِ مِنَ الْعَقْدِ لاِسْتِوَائِهِمَا فِي ذَلِكَ فَتَرَجَّحَ بِالإِِْذْنِ وَأَنَّهُ يُسْتَفَادُ مِنْ رَبِّ الْمَال.
فَإِِنْ أَقَامَا بَيِّنَةً. فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُضَارِبِ لأَِنَّ بَيِّنَتَهُ مُثْبِتَةٌ وَبَيِّنَةُ رَبِّ الْمَال نَافِيَةٌ، لأَِنَّهُ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى الإِِْثْبَاتِ وَالْمُضَارِبُ يَحْتَاجُ إِلَى الإِِْثْبَاتِ لِدَفْعِ الضَّمَانِ عَنْ نَفْسِهِ، فَالْبَيِّنَةُ الْمُثْبِتَةُ لِلزِّيَادَةِ أَوْلَى (١) .
ثَانِيًا - اخْتِلاَفُ رَبِّ الْمَال وَالْمُضَارِبِ فِي قَدْرِ رَأْسِ الْمَال
٥٧ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا اخْتَلَفَ رَبُّ الْمَال وَالْعَامِل فِي قَدْرِ رَأْسِ الْمَال الْمَدْفُوعِ لِلْمُضَارَبَةِ فَقَال رَبُّ الْمَال: دَفَعْتُ أَلْفَيْنِ، وَقَال الْعَامِل: بَل
_________
(١) بدائع الصنائع ٦ / ١٠٩، والفتاوى الهندية ٤ / ٣٢٣.
دَفَعْتُ أَلْفًا. فَالْقَوْل قَوْل الْعَامِل، لأَِنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ وَهُوَ أَمِينٌ، وَلأَِنَّ الْقَوْل فِي مِقْدَارِ الْمَقْبُوضِ لِلْقَابِضِ أَمِينًا أَوْ ضَمِينًا كَمَا لَوْ أَنْكَرَهُ، وَلأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ الْقَبْضِ فَلاَ يَلْزَمُهُ إِلاَّ مَا أَقَرَّ بِهِ، وَلأَِنَّ رَبَّ الْمَال يَدَّعِي عَلَيْهِ قَبْضَ شَيْءٍ وَهُوَ يُنْكِرُهُ، وَالْقَوْل قَوْل الْمُنْكِرِ.
وَنَقَل ابْنُ قُدَامَةَ عَنِ ابْنِ الْمُنْذِرِ قَوْلَهُ: أَجْمَعَ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُمْ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ أَنَّ الْقَوْل قَوْل الْعَامِل فِي قَدْرِ رَأْسِ الْمَال.
وَقَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ الْحُكْمَ السَّابِقَ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَال رِبْحٌ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ فِي الْمَال رِبْحٌ فَفِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْقَوْل قَوْل الْعَامِل، وَالثَّانِي: أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ، لأَِنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِيمَا يَسْتَحِقَّانِ مِنَ الرِّبْحِ فَتَحَالَفَا كَمَا لَوِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الرِّبْحِ الْمَشْرُوطِ، قَال الشِّيرَازِيُّ: وَالصَّحِيحُ هُوَ الأَْوَّل لأَِنَّ الاِخْتِلاَفَ فِي الرِّبْحِ الْمَشْرُوطِ اخْتِلاَفٌ فِي صِفَةِ الْعَقْدِ فَتَحَالَفَا، كَالْمُتَبَايِعَيْنِ إِذَا اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ، وَهَذَا اخْتِلاَفٌ فِيمَا قُبِضَ، فَكَانَ الظَّاهِرُ مَعَ الَّذِي يُنْكِرُ، كَالْمُتَبَايِعَيْنِ إِذَا اخْتَلَفَا فِي قَبْضِ الثَّمَنِ فَإِِنَّ الْقَوْل قَوْل الْبَائِعِ.
وَأَضَافَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الاِخْتِلاَفُ مَعَ ذَلِكَ فِي مِقْدَارِ الرِّبْحِ فَالْقَوْل لِرَبِّ الْمَال فِي مِقْدَارِ الرِّبْحِ فَقَطْ لأَِنَّهُ يُسْتَفَادُ مِنْ جِهَتِهِ، وَأَيُّهُمَا
أَقَامَ بَيِّنَةً تُقْبَل، وَإِِنْ أَقَامَاهَا فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ رَبِّ الْمَال فِي دَعْوَاهُ الزِّيَادَةَ فِي رَأْسِ الْمَال لأَِنَّهَا فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ إِثْبَاتًا، وَبَيِّنَةُ الْمُضَارِبِ فِي دَعْوَاهُ الزِّيَادَةَ فِي الرِّبْحِ لأَِنَّهَا فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ إِثْبَاتًا (١) .
ثَالِثًا - الاِخْتِلاَفُ بَيْنَ رَبِّ الْمَال وَالْمُضَارِبِ فِي أَصْل الْمُضَارَبَةِ
ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ لِلاِخْتِلاَفِ بَيْنَ رَبِّ الْمَال وَالْمُضَارِبِ فِي أَصْل الْمُضَارَبَةِ صُوَرًا، مِنْهَا:
أ - اخْتِلاَفُهُمَا فِي كَوْنِ رَأْسِ الْمَال مُضَارَبَةً أَوْ قَرْضًا:
٥٨ - فَصَّل الْفُقَهَاءُ حُكْمَ اخْتِلاَفِ رَبِّ الْمَال وَالْمُضَارِبِ فِي كَوْنِ رَأْسِ الْمَال كَانَ مُضَارَبَةً أَوْ قَرْضًا
فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ قَال رَبُّ الْمَال: دَفَعْتُ إِلَيْكَ الْمَال مُضَارَبَةً، وَقَال الْمُضَارِبُ: أَقْرَضْتَنِي الْمَال وَالرِّبْحُ لِي، فَالْقَوْل قَوْل رَبِّ الْمَال لأَِنَّ الْمُضَارِبَ يَدَّعِي عَلَيْهِ التَّمْلِيكَ وَهُوَ مُنْكِرٌ، فَإِِنْ أَقَامَا بَيِّنَةً، فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُضَارِبِ لأَِنَّهَا تُثْبِتُ التَّمْلِيكَ، وَلأَِنَّهُ لاَ تَنَافِي بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ أَعْطَاهُ مُضَارَبَةً ثُمَّ أَقْرَضَهُ.
_________
(١) الدر المختار ورد المحتار ٤ / ٤٩٢، والمدونة ٥ / ١٢٧، والمهذب ١ / ٣٩٦، وروضة الطالبين ٥ / ١٤٦ - ١٤٧، والمغني ٥ / ٧٨.
وَلَوْ قَال الْمُضَارِبُ: دَفَعْتُ إِلَيَّ مُضَارَبَةً، وَقَال رَبُّ الْمَال: بَل أَقْرَضْتُكَ، فَالْقَوْل قَوْل الْمُضَارِبِ لأَِنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الأَْخْذَ كَانَ بِإِِذْنِ رَبِّ الْمَال، وَرَبُّ الْمَال يَدَّعِي عَلَى الْمُضَارِبِ الضَّمَانَ وَهُوَ يُنْكِرُ فَكَانَ الْقَوْل لَهُ، فَإِِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ لَهُمَا فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ رَبِّ الْمَال لأَِنَّهَا تُثْبِتُ أَصْل الضَّمَانِ (١) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: لَوْ قَال رَبُّ الْمَال: أَعْطَيْتُكَ الْمَال مُضَارَبَةً، وَقَال الْعَامِل: بَل سَلَفًا. فَالْقَوْل قَوْل الْعَامِل، لأَِنَّ رَبَّ الْمَال هُنَا مُدَّعٍ فِي الرِّبْحِ فَلاَ يُصَدَّقُ.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَال لِرَجُل: لَكَ عِنْدِي أَلْفُ دِرْهَمٍ مُضَارَبَةً، وَقَال رَبُّ الْمَال بَل هِيَ عِنْدَكَ سَلَفًا، فَالْقَوْل قَوْل رَبِّ الْمَال (٢) .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - كَمَا قَال الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ - لَوْ قَال الْمَالِكُ: مُضَارَبَةً، وَقَال الآْخَرُ: قَرْضًا، عِنْدَ بَقَاءِ الْمَال وَرِبْحِهِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَوْل قَوْل مُدَّعِي الْقَرْضِ لأُِمُورِ مِنْهَا: أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى جَعْل الرِّبْحِ لَهُ بِقَوْلِهِ: اشْتَرَيْتُ هَذَا لِي فَإِِنَّهُ يَكُونُ الْقَوْل قَوْلَهُ، وَلَوِ انْعَكَسَ قَوْلُهُمَا بَعْدَ تَلَفِ الْمَال فِي يَدِ الْعَامِل صُدِّقَ الْعَامِل - كَمَا أَفَتَى الأَْنْصَارِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَابْنُ الصَّلاَحِ - لأَِنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى جَوَازِ التَّصَرُّفِ وَالأَْصْل عَدَمُ الضَّمَانِ، وَإِِنْ
_________
(١) بدائع الصنائع ٦ / ١١٠.
(٢) المدونة ٥ / ١٢٧.
أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ فَوَجْهَانِ: أَوْجَهُهُمَا تَقْدِيمُ بَيِّنَةِ الْمَالِكِ لأَِنَّ مَعَهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ (١) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ مَا لاَ يَتَّجِرُ بِهِ ثُمَّ اخْتَلَفَا فَقَال رَبُّ الْمَال: كَانَ مُضَارَبَةً عَلَى النِّصْفِ - مَثَلًا - فَرِبْحُهُ بَيْنَنَا، وَقَال الْعَامِل: كَانَ قَرْضًا فَرِبْحُهُ كُلُّهُ لِي. فَالْقَوْل قَوْل رَبِّ الْمَال، لأَِنَّ الأَْصْل بَقَاءُ مِلْكِهِ عَلَيْهِ، فَيَحْلِفُ رَبُّ الْمَال، وَيُقْسَمُ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَإِِنْ أَقَامَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ تَعَارَضَتِ الْبَيِّنَتَانِ وَسَقَطَتَا، وَقُسِمَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا، لأَِنَّ الأَْصْل بَقَاءُ مِلْكِ رَبِّ الْمَال عَلَيْهِ وَتَبِعَهُ الرِّبْحُ، لَكِنْ قَدِ اعْتَرَفَ بِنِصْفِ الرِّبْحِ لِلْعَامِل فَبَقِيَ الْبَاقِي عَلَى الأَْصْل، وَالْمَذْهَبُ: تَقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْعَامِل (٢) .
ب - اخْتِلاَفُهُمَا فِي كَوْنِ رَأْسِ الْمَال مُضَارَبَةً أَوْ بِضَاعَةً:
٥٩ - لِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلٌ فِي اخْتِلاَفِ طَرَفَيِ الْمُضَارَبَةِ فِي كَوْنِ رَأْسِ الْمَال مُضَارَبَةً أَوْ بِضَاعَةً
فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ قَال رَبُّ الْمَال: دَفَعْتُ إِلَيْكَ بِضَاعَةً وَقَال الْمُضَارِبُ: مُضَارَبَةً بِالنِّصْفِ فَالْقَوْل قَوْل رَبِّ الْمَال؛ لأَِنَّ الْمُضَارِبَ
_________
(١) أسنى المطالب وحاشية الرملي ٢ / ٣٩٢.
(٢) كشاف القناع ٣ / ٥٢٣ - ٥٢٤.
يَسْتَفِيدُ الرِّبْحَ بِشَرْطِهِ وَهُوَ مُنْكِرٌ فَكَانَ الْقَوْل قَوْلَهُ أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ، وَلأَِنَّ الْمُضَارِبَ يَدَّعِي اسْتِحْقَاقًا فِي مَال الْغَيْرِ فَالْقَوْل قَوْل صَاحِبِ الْمَال.
وَلَوْ قَال الْمُضَارِبُ: أَقْرَضْتَنِي الْمَال وَالرِّبْحُ لِي، وَقَال رَبُّ الْمَال: دَفَعْتُهُ إِلَيْكَ بِضَاعَةً فَالْقَوْل قَوْل رَبِّ الْمَال، لأَِنَّ الْمُضَارِبَ يَدَّعِي عَلَيْهِ التَّمْلِيكَ وَهُوَ مُنْكِرٌ، فَإِِنْ أَقَامَا بَيِّنَةً فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُضَارِبِ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنِ ادَّعَى الْعَامِل أَنَّهُ مُضَارَبَةٌ، وَقَال رَبُّ الْمَال: بَل أَبْضَعْتُهُ مَعَكَ لِتَعْمَل لِي بِهِ، فَإِِنَّ الْقَوْل حِينَئِذٍ قَوْل رَبِّ الْمَال بِيَمِينِهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُضَارَبَةٍ، وَيَكُونُ لِلْعَامِل أَجْرُ مِثْلِهِ مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى مَا ادَّعَاهُ فَلاَ يُزَادُ، وَإِِنْ نَكَل كَانَ الْقَوْل قَوْل الْعَامِل مَعَ يَمِينِهِ إِذَا كَانَ مِمَّنْ يُسْتَعْمَل مِثْلُهُ فِي الْمُضَارَبَةِ (٢) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ إِنْ قَال رَبُّ الْمَال: كَانَ بِضَاعَةً فَرِبْحُهُ لِي، وَقَال الْعَامِل: كَانَ مُضَارَبَةً فَرِبْحُهُ لَنَا. حَلَفَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى إِنْكَارِ مَا ادَّعَاهُ خَصْمُهُ؛ لأَِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُنْكِرٌ لِمَا ادَّعَاهُ خَصْمُهُ عَلَيْهِ، وَالْقَوْل قَوْل الْمُنْكِرِ، وَكَانَ لِلْعَامِل أُجْرَةُ مِثْلِهِ، وَالْبَاقِي لِرَبِّ الْمَال؛ لأَِنَّهُ نَمَاءُ مَالِهِ تَابِعٌ لَهُ (٣) .
_________
(١) بدائع الصنائع ٦ / ١١٠.
(٢) المدونة ٥ / ١٢٧، والخرشي ٦ / ٢٢٤.
(٣) كشاف القناع ٣ / ٢٤.
ج - اخْتِلاَفُهُمَا فِي كَوْنِ رَأْسِ الْمَال مُضَارَبَةً أَوْ غَصْبًا
٦٠ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ قَال الْمُضَارِبُ: دَفَعْتَهُ إِلَيَّ مُضَارَبَةً، وَقَدْ ضَاعَ الْمَال قَبْل أَنْ أَعْمَل بِهِ، وَقَال رَبُّ الْمَال: أَخَذْتَهُ غَصْبًا، فَلاَ ضَمَانَ عَلَى الْمُضَارِبِ لأَِنَّهُ مَا أَقَرَّ بِوُجُودِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلضَّمَانِ عَلَيْهِ وَإِِنَّمَا أَقَرَّ بِتَسْلِيمِ رَبِّ الْمَال إِلَيْهِ وَذَلِكَ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلضَّمَانِ عَلَيْهِ، وَرَبُّ الْمَال يَدَّعِي عَلَيْهِ الْغَصْبَ الْمُوجِبَ لِلضَّمَانِ وَهُوَ يُنْكِرُ، فَإِِنْ كَانَ عَمِل بِهِ ثُمَّ ضَاعَ فَهُوَ ضَامِنٌ لِلْمَال، لأَِنَّ عَمَلَهُ فِي مَال الْغَيْرِ سَبَبٌ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَثْبُتْ إِذْنُ صَاحِبِهِ فِيهِ وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ لإِِنْكَارِهِ، فَأَمَّا إِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ. فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُضَارِبِ فِي الْوَجْهَيْنِ لأَِنَّهُ يُثْبِتُ تَسْلِيمَ رَبِّ الْمَال وَالإِِْذْنَ لَهُ فِي الْعَمَل بِبَيِّنَةِ.
وَلَوْ قَال الْمُضَارِبُ: أَخَذْتُ مِنْكَ هَذَا الْمَال مُضَارَبَةً فَضَاعَ قَبْل أَنْ أَعْمَل بِهِ أَوْ بَعْدَ مَا عَمِلْتُ، وَقَال رَبُّ الْمَال: أَخَذْتَهُ مِنِّي غَصْبًا. فَالْقَوْل قَوْل رَبِّ الْمَال، وَالْمُضَارِبُ ضَامِنٌ، لأَِنَّهُ أَقَرَّ بِالأَْخَذِ وَهُوَ سَبَبٌ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ، ثُمَّ ادَّعَى الْمُسْقِطَ وَهُوَ إِذْنُ صَاحِبِهِ فَلاَ يُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ إِلاَّ بِحُجَّةٍ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا قَال الْعَامِل: الْمَال بِيَدِي
_________
(١) المبسوط ٢٢ / ٩٤، والفتاوى الهندية ٢ / ٣٣٥.
مُضَارَبَةً أَوْ وَدِيعَةً، وَقَال رَبُّ الْمَال: بَل غَصَبْتَهُ مِنِّي أَوْ سَرَقْتَهُ مِنِّي، فَإِِنَّ الْقَوْل قَوْل الْعَامِل مَعَ يَمِينِهِ وَالْبَيِّنَةُ عَلَى رَبِّ الْمَال، لأَِنَّهُ مُدَّعٍ، وَلأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ الْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ وَلَوْ كَانَ مِثْلُهُ يُشْبِهُ أَنْ يُغْصَبَ أَوْ يُسْرَقَ (١) .
د - اخْتِلاَفُهُمَا فِي كَوْنِ الْعَقْدِ مُضَارَبَةً أَوْ وَكَالَةً
٦١ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا اخْتَلَفَ الْعَامِل وَرَبُّ الْمَال فِي أَصْل الْمُضَارَبَةِ فَقَال الْعَامِل ضَارَبْتَنِي وَقَال الْمَالِكُ: بَل وَكَّلْتُكَ. صُدِّقَ الْمَالِكُ بِيَمِينِهِ، لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ مُقَابَلَةِ الْعَمَل بِشَيْءِ، فَإِِذَا حَلَفَ أَخَذَ الْمَال وَرِبْحَهُ وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ لِلآْخَرِ، فَإِِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ فَالظَّاهِرُ - كَمَا قَال الأَْنْصَارِيُّ - تَقْدِيمُ بَيِّنَةِ الْعَامِل لأَِنَّ مَعَهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ.
وَقَال الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ: صُدِّقَ الْمَالِكُ بِيَمِينِهِ، إِذِ الْقَاعِدَةُ أَنَّ مَنْ كَانَ الْقَوْل قَوْلَهُ فِي أَصْل الشَّيْءِ كَانَ الْقَوْل قَوْلَهُ فِي صِفَتِهِ، مَعَ أَنَّ الأَْصْل عَدَمُ الاِئْتِمَانِ الدَّافِعِ لِلضَّمَانِ (٢) .
هـ - جُحُودُ الْعَامِل الْمُضَارَبَةَ
٦٢ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ جَحَدَ الْمُضَارِبُ الْمُضَارَبَةَ
_________
(١) شرح الخرشي ٦ / ٢٢٤ - ٢٢٥.
(٢) أسنى المطالب وحاشية الرملي ٢ / ٣٩٢، وروضة الطالبين ٥ / ١٤٧.