الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧ الصفحة 40

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧

السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا خِيرَةَ اللَّهِ مِنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا حَبِيبَ اللَّهِ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا سَيِّدَ وَلَدِ آدَمِ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، يَا رَسُول اللَّهِ إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّكَ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَشْهَدُ أَنَّكَ يَا رَسُول اللَّهِ قَدْ بَلَّغْتَ الرِّسَالَةَ وَأَدَّيْتَ الأَْمَانَةَ وَنَصَحْتَ الأُْمَّةَ وَكَشَفْتَ الْغُمَّةَ فَجَزَاكَ اللَّهُ عَنَّا خَيْرًا، جَازَاكَ اللَّهُ عَنَّا أَفَضْل مَا جَازَى نَبِيًّا عَنْ أُمَّتِهِ، اللَّهُمَّ أَعْطِ سَيِّدَنَا عَبْدَكَ وَرَسُولَكَ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَالدَّرَجَةَ الْعَالِيَةَ الرَّفِيعَةَ وَابْعَثْهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الَّذِي وَعَدَّتْهُ، وَأَنْزِلْهُ الْمَنْزِل الْمُقَرَّبَ عِنْدَكَ إِنَّكَ سُبْحَانَكَ ذُو الْفَضْل الْعَظِيمِ، وَيَسْأَل اللَّهَ تَعَالَى حَاجَتَهُ (١) .

هَذَا مَا عَلَيْهِ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ مَعَ اخْتِلاَفٍ يَسِيرٍ فِي صِيَغِ بَعْضِ الأَْدْعِيَةِ.

٩ - وَآدَابُ دُخُول بَيْتِ الْمَقْدِسِ لاَ تَخْتَلِفُ عَنْ آدَابِ دُخُول غَيْرِهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ فَقَدْ دَخَلَهُ الرَّسُول ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ بِرِجْلِهِ الْيُمْنَى وَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَأَمَّ الأَْنْبِيَاءَ (٢) .

١٠ - ثُمَّ آدَابُ دُخُول الْمَسَاجِدِ فِي غَيْرِ مَا ذُكِرَ أَنْ يُقَدِّمَ الدَّاخِل رِجْلَهُ الْيُمْنَى فِي الدُّخُول وَالْيُسْرَى فِي الْخُرُوجِ لِحَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ

_________

(١) فتح القدير ٢ / ٣٣٦ - ٣٣٧.

(٢) تفسير ابن كثير ٣ / ٢٢ - ط. الحلبي.

عَنْهُ: مِنَ السُّنَّةِ إِذَا دَخَلْتَ الْمَسْجِدَ أَنْ تَبْدَأَ بِرِجْلِكَ الْيُمْنَى وَإِذَا خَرَجْتَ أَنْ تَبْدَأَ بِرِجْلِكَ الْيُسْرَى (١) . قَال الْبُخَارِيُّ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَبْدَأُ بِرِجْلِهِ الْيُمْنَى فَإِذَا خَرَجَ بَدَأَ بِرِجْلِهِ الْيُسْرَى (٢)، وَذَلِكَ لِقَاعِدَةِ الشَّرْعِ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ بَابِ التَّشْرِيفِ وَالتَّكْرِيمِ يُنْدَبُ فِيهِ التَّيَامُنُ وَمَا كَانَ بِضَدِّهِ يُنْدَبُ فِيهِ التَّيَاسُرُ، وَإِذَا أَخْرَجَ يُسْرَاهُ مِنَ الْمَسْجِدِ وَضَعَهَا عَلَى ظَاهِرِ نَعْلِهِ، وَيُخْرِجُ يُمْنَاهُ وَيُقَدِّمُهَا فِي اللُّبْسِ، وَعِنْدَ الدُّخُول يَخْلَعُ يُسْرَاهُ وَيَضَعُهَا عَلَى ظَاهِرِ نَعْلِهِ، ثُمَّ يُخْرِجُ الْيُمْنَى وَيُقَدِّمُهَا دُخُولًا (٣) .

وَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِذَا دَخَل أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَقُل: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُل: اللَّهُمَّ إِنَّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ (٤) .

وَعَنْ أَبِي هَرِيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِذَا دَخَل أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلْيَقُل: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ

_________

(١) أثر أنس: " من السنة إذا دخلت المسجد. . . ". أخرجه الحاكم (المستدرك ١ / ٢١٨) وقال: " صحيح على شرط مسلم "، ووافقه الذهبي.

(٢) إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي ٣٤٧، وأثر ابن عمر ذكره البخاري في صحيحه تعليقًا (الفتح ١ / ٥٢٣) .

(٣) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ١ / ١٠٨.

(٤) حديث: " إذا دخل أحدكم المسجد. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٤٩٤) .

وَلْيَقُل: اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (١) .

وَعَنْ فَاطِمَةَ ﵂ بِنْتِ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَل الْمَسْجِدَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَال: رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ. وَإِذَا خَرَجَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَال رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ (٢)﴾ .

تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ

١١ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يُسَنُّ لِكُل مَنْ يَدْخُل مَسْجِدًا غَيْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ - يُرِيدُ الْجُلُوسَ بِهِ وَكَانَ مُتَوَضِّئًا - أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ قَبْل الْجُلُوسِ.

أَمَّا تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَهِيَ عِنْدَهُمُ الطَّوَافُ لِلْقَادِمِ لِمَكَّةَ.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (تَحِيَّةٌ ف ٥ وَمَا بَعْدَهَا) .

الْبِنَاءُ لِلسَّكَنِ فَوْقَ الْمَسْجِدِ وَتَحْتَهُ وَبِنَاؤُهُ عَلَى الْقَبْرِ وَالدَّفْنُ فِيهِ:

١٢ - أَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ اتِّخَاذَ مَنْزِلٍ لِلسَّكَنِ فِيهِ

_________

(١) حديث: " إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي ﷺ. . . ". أخرجه ابن ماجه (١ / ٢٥٤)، وصحح إسناده البوصيري في: " مصباح الزجاجة " (١ / ١٦٥) .

(٢) حديث: " ربِّ اغفر لي ذنوبي وافتح لي. . . ". أخرجه الترمذي (٢ / ١٢٨) وقال: " حديث حسن ".

تَحْتَ الْمَسْجِدِ وَلَمْ يُجِيزُوا اتِّخَاذَهُ فَوْقَهُ (١) .

وَلَمْ يُجِيزُوا الدَّفْنَ فِيهِ لأَِنَّهُ يُؤَدِّي لِنَبْشِهِ إِلاَّ لِمَصْلَحَةِ تَعُودُ عَلَى الْمَيِّتِ (٢) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ - كَمَا نَقَل ابْنُ مُفْلِحٍ عَنِ الْمُسْتَوْعِبِ - إِنْ جَعَل أَسْفَل بَيْتِهِ مَسْجِدًا لَمْ يَنْتَفِعْ بِسَطْحِهِ، وَإِنْ جَعَل سَطْحَهُ مَسْجِدًا انْتَفَعَ بِأَسْفَلِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَال أَحْمَدُ: لأَِنَّ السَّطْحَ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى أَسْفَل (٣) .

وَحَرَّمُوا الدَّفْنَ بِالْمَسَاجِدِ وَكَذَا بِنَاءَ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقَبْرِ لِقَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: لَعَنَ رَسُول اللَّهِ ﷺ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ (٤) .

وَيَقُول الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا جَعَل السُّفْل مَسْجِدًا وَعَلَى ظَهْرِهِ مَسْكَنٌ فَهُوَ مَسْجِدٌ لأَِنَّ الْمَسْجِدَ مِمَّا يَتَأَبَّدُ وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ فِي السُّفْل دُونَ الْعُلْوِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ عَلَى عَكْسُ هَذَا لأَِنَّ الْمَسْجِدَ مُعَظَّمٌ، وَإِذَا كَانَ فَوْقَهُ مَسْكَنٌ أَوْ مُسْتَغَلٌّ يَتَعَذَّرُ تَعْظِيمُهُ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ جَوَّزَ فِي الْوَجْهَيْنِ حَيْنَ قَدِمَ بَغْدَادَ وَرَأَى ضِيقَ الْمَنَازِل فَكَأَنَّهُ اعْتَبَرَ الضَّرُورَةَ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ حِينَ دَخَل الرَّيَّ أَجَازَ ذَلِكَ كُلَّهُ.

_________

(١) جواهر الإكليل ٢ / ٢٠٣، والشرح الكبير ٤ / ٧٠.

(٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٤ / ٧٠.

(٣) الآداب الشرعية ٣ / ٤١٩.

(٤) حديث: " لعن رسول الله ﷺ زائرات. . . ". أخرجه الترمذي (٢ / ١٣٦) وقال: حديث حسن.

وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إِذَا جَعَل السُّفْل مَسْجِدًا دُونَ الْعُلُوِّ جَازَ لأَِنَّهُ يَتَأَبَّدُ بِخِلاَفِ الْعُلُوِّ (١) .

قَال ابْنُ عَابِدِينَ: لَوْ جَعَل تَحْتَهُ سِرْدَابًا لِمَصَالِحِهِ جَازَ (٢) .

وَكَرِهَ الشَّافِعِيَّةُ بِنَاءَ مَسْجِدٍ عَلَى الْقَبْرِ (٣)، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَل قَبْرِي وَثَنًا، لَعَنَ اللَّهُ قَوْمًا اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ (٤)، قَال الشَّافِعِيُّ ﵀: وَأَكْرَهُ أَنْ يُعَظَّمَ مَخْلُوقٌ حَتَّى يُجْعَل قَبْرُهُ مَسْجِدًا مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ بَعْدَهُ مِنَ النَّاسِ (٥)، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ لَعَنَ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ (٦) .

وَنَقَل الزَّرْكَشِيُّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَبْنِيَ مَسْجِدًا وَيَتَّخِذَ فَوْقَهُ مَسْكَنًا يَسْكُنَ فِيهِ بِأَهْلِهِ، قَال الزَّرْكَشِيُّ: وَفِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ مَا يَقْتَضِي مَنْعَ مُكْثِ الْجُنُبِ فِيهِ لأَِنَّهُ جَعَل ذَلِكَ هَوَاءَ الْمَسْجِدِ وَهَوَاءُ الْمَسْجِدِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ (٧) .

_________

(١) فتح القدير ٥ / ٦٣، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣٧٠.

(٢) ابن عابدين والدر ١ / ٤٤١.

(٣) الزواجر عن اقتراف الكبائر للهيتمي ١ / ١٦٥.

(٤) حديث: " اللهم لا تجعل قبري وثنًا، لعن الله قومًا. . . ". أخرجه أحمد في المسند (٢ / ٢٤٦)، وصحح إسناده أحمد شاكر في تعليقه على المسند (١٣ / ٨٦) .

(٥) المهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ١٤٦ - ١٤٧.

(٦) سبق تخريجه بهذه الفقرة.

(٧) إعلام الساجد في أحكام المساجد ص٤٠٧.

بِنَاءُ الْمَسْجِدِ بِمُتَنَجِّسٍ

١٣ - نَقَل الزَّرْكَشِيُّ عَنِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ قَوْلَهُ: لاَ يَجُوزُ بِنَاءُ الْمَسْجِدِ بِاللَّبِنِ الْمَعْجُونِ بِالْمَاءِ النَّجِسِ بِنَاءً عَلَى نَجَاسَتِهِ وَيَطْهُرُ بِالْغَسْل ظَاهِرُهُ دُونَ بَاطِنِهِ عَلَى الْجَدِيدِ الأَْصَحِّ (١) .

تَرْمِيمُ الْمَسَاجِدِ

١٤ - لِلتَّرْمِيمِ فِي اللُّغَةِ مَعَانٍ، مِنْهَا: الإِْصْلاَحُ، يُقَال: رَمَّمْتُ الْحَائِطَ وَغَيْرَهُ تَرْمِيمًا: أَصْلَحْتُهُ، وَيُقَال: رَمَمْتُ الشَّيْءَ أَرُمُّهُ وَأَرُمُّهُ رُمًّا وَمَرَمَّةً إِذَا أَصْلَحْتَهُ (٢) .

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

وَالتَّرْمِيمُ قَدْ يَكُونُ بِقَصْدِ التَّقْوِيَةِ إِذَا كَانَ الشَّيْءُ مُعَرَّضًا لِلتَّلَفِ، وَقَدْ يَكُونُ بِقَصْدِ التَّحْسِينِ.

وَتَرْمِيمُ الْمَسَاجِدِ لاَ يَخْرُجُ فِي مَعْنَاهُ أَوِ الْغَرَضِ مِنْهُ عَمَّا سَبَقَ.

١٥ - وَتَرْمِيمُ الْمَسَاجِدِ مِنْ عِمَارَتِهَا الْمَأْمُورِ بِهَا شَرْعًا، وَالْعِمَارَةُ فَرْضُ كِفَايَةٍ إِنْ قَامَ بِهَا بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ سَقَطَ الإِْثْمُ عَنِ الْبَاقِينَ.

قَال اللَّهُ تَعَالَى:

_________

(١) إعلام الساجد بأحكام المساجد ص٤٠٣.

(٢) مختار الصحاح، والمصباح المنير.

﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ .

قَال الْقُرْطُبِيُّ: أَثْبَتَ الإِْيمَانَ فِي الآْيَةِ لِمَنْ عَمَّرَ الْمَسَاجِدَ بِالصَّلاَةِ فِيهَا وَتَنْظِيفِهَا وَإِصْلاَحِ مَا وَهِيَ مِنْهَا وَآمَنَ بِاللَّهِ (١) .

وَقَال الْقَلْيُوبِيُّ: عِمَارَةُ الْمَسْجِدِ هِيَ الْبِنَاءُ وَالتَّرْمِيمُ وَالتَّجْصِيصُ لِلإِْحْكَامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَأُجْرَةُ الْقَيِّمِ وَمَصَالِحُهُ تَشْمَل ذَلِكَ.

وَقَال: لَوْ زَادَ رِيعُ مَا وَقَفَ عَلَى الْمَسْجِدِ لِمَصَالِحِهِ أَوْ مُطْلَقًا ادَّخَرَ لِعَمَارَتِهِ، وَلَهُ شِرَاءُ شَيْءٍ بِهِ مِمَّا فِيهِ زِيَادَةُ غَلَّتِهِ وَلَوْ زَادَ رِيعُ مَا وَقَفَ لِعَمَارَتِهِ وَلَمْ يُشْتَرَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَيُقَدِّمُ عِمَارَةَ عَقَارِهِ عَلَى عِمَارَتِهِ وَعَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ الْوَاقِفُ، كَذَا فِي الْعُبَابِ (٢) .

وَلِلتَّفْصِيل (ر: وَقْفٌ)

تَزْوِيقُ الْمَسَاجِدِ

١٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِنَقْشِ الْمَسْجِدِ خَلاَ مِحْرَابَهُ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لأَِنَّهُ يُلْهِي الْمُصَلِّيَ، وَكَرِهُوا التَّكَلُّفَ بِدَقَائِقِ النُّقُوشِ وَنَحْوِهَا خُصُوصًا فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ.

وَقِيل: يُكْرَهُ فِي الْمِحْرَابِ دُونَ السَّقْفِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمِحْرَابِ جِدَارُ الْقِبْلَةِ.

_________

(١) تفسير القرطبي ٨ / ٩٠.

(٢) القليوبي وعميرة ٣ / ١٠٨.

وَالْمُرَادُ بِالنَّقْشِ هُنَا مَا كَانَ بِالْجِصِّ وَمَاءِ الذَّهَبِ لَوْ كَانَ بِمَال النَّاقِشِ، أَمَّا لَوْ كَانَ مِنْ مَال الْوَقْفِ فَهُوَ حَرَامٌ وَيَضْمَنُ مُتَوَلِّيهِ لَوْ فَعَلَهُ.

وَإِنِ اجْتَمَعَتْ أَمْوَال الْمَسْجِدِ وَخَافَ الْمُتَوَلِّي الضَّيَاعَ بِطَمَعِ الظَّلَمَةِ لاَ بَأْسَ بِهِ حِينَئِذٍ.

وَلَيْسَ بِمُسْتَحْسَنِ كِتَابَةُ الْقُرْآنِ عَلَى الْمَحَارِيبِ وَالْجُدَرَانِ مِمَّا يَخَافُ مِنْ سُقُوطِ الْكِتَابَةِ وَأَنْ تُوطَأَ، وَلاَ يَجُوزُ لِلْقَيِّمِ شِرَاءُ الْمُصَلَّيَاتِ لِتَعْلِيقِهَا بِالأَْسَاطِينِ وَيَجُوزُ لِلصَّلاَةِ عَلَيْهَا، وَلَكِنْ لاَ تُعَلَّقُ بِالأَْسَاطِينِ وَلاَ يَجُوزُ إِعَارَتُهَا لِمَسْجِدٍ آخَرَ، قَال فِي الْقُنْيَةِ: هَذَا إِذَا لَمْ يُعْرَفْ حَال الْوَاقِفِ، أَمَّا إِذَا أَمَرَ بِتَعْلِيقِهَا وَأَمَرَ بِالدَّرْسِ فِيهِ وَبَنَاهُ لِلدَّرْسِ وَعَايَنَ الْعَادَةَ الْجَارِيَةَ فِي تَعْلِيقِهَا بِالأَْسَاطِينِ فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي يُدَرَّسُ فِيهَا فَلاَ بَأْسَ بِشِرَائِهَا بِمَال الْوَقْفِ فِي مَصْلَحَتِهِ إِذَا احْتِيجَ إِلَيْهَا وَلاَ يَضْمَنُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (١) .

وَكَرِهَ الْمَالِكِيَّةُ تَزْوِيقَ حِيطَانِ الْمَسْجِدِ وَسَقْفِهِ وَخَشْبِهِ وَالسَّاتِرِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إِذَا كَانَ بِحَيْثُ يَشْغَل الْمُصَلِّيَ وَإِلاَّ فَلاَ، كَمَا يُكْرَهُ كَذَلِكَ عِنْدَهُمْ تَزْوِيقُ الْقِبْلَةِ بِالذَّهَبِ وَغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ الْكِتَابَةُ فِيهَا، وَأَمَّا إِتْقَانُ الْمَسْجِدِ بِالْبِنَاءِ وَالتَّجْصِيصِ فَمَنْدُوبٌ (٢) .

_________

(١) رد المحتار على الدر المختار ١ / ٤٤٢ - ٤٤٣، والفتاوى الهندية ١ / ١٠٩، ٤٦١، ٥ / ٣١٩، ٣٢٢.

(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ١ / ٦٥، ٢٥٥، وجواهر الإكليل ١ / ٥٥.

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: قَال الزَّرْكَشِيُّ: يُكْرَهُ نَقْشُ الْمَسْجِدِ، وَلاَ شَكَّ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ صَرْفُ غَلَّةِ مَا وَقَفَ عَلَى عَمَارَتِهِ فِي ذَلِكَ، وَعِبَارَةُ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ: لاَ يَجُوزُ صَرْفُهَا إِلَى التَّجْصِيصِ وَالتَّزْوِيقِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ مَرَّ بِمَسْجِدٍ مُزَخْرَفٍ فَقَال: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ زَخْرَفَهُ، أَوْ قَال: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ فَعَل هَذَا، الْمَسَاكِينُ أَحْوَجُ مِنَ الأَْسَاطِينِ.

وَمَا يَفْعَلُهُ جَهَلَةُ النُّظَّارِ مِنْ ذَلِكَ سَفَهٌ مُضَمِّنٌ أَمْوَالَهُمْ.

وَقَال الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: لاَ يَجُوزُ تَنْقِيشُ الْمَسْجِدِ بِمَا لاَ إِحْكَامَ فِيهِ، وَقَال فِي الْفَتَاوَى فَإِنْ كَانَ فِي إِحْكَامٍ فَلاَ بَأْسَ، فَإِنَّ عُثْمَانَ ﵁ بَنَى الْمَسْجِدَ بِالْقَصَّةِ - الْجِصِّ وَالْجِيرِ - وَالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ (١)، قَال الْبَغَوِيُّ: وَمَنْ زَوَّقَ مَسْجِدًا أَيْ تَبَرُّعًا لاَ يُعَدُّ مِنَ الْمَنَاكِيرِ الَّتِي يُبَالَغُ فِيهَا كَسَائِرِ الْمُنْكَرَاتِ، لأَِنَّهُ يَفْعَلُهُ تَعْظِيمًا لِشَعَائِرِ الإِْسْلاَمِ، وَقَدْ سَامَحَ فِيهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَأَبَاحَهُ بَعْضُهُمْ، ثُمَّ قَال فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: لاَ يَجُوزُ نَقْشُ الْمَسْجِدِ مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ وَيَغْرَمُ الْقِيمَةَ إِنْ فَعَلَهُ، فَلَوْ فَعَلَهُ رَجُلٌ بِمَالِهِ كُرِهَ، وَلأَِنَّهُ يَشْغَل قَلْبَ الْمُصَلِّينَ.

وَأَطْلَقَ غَيْرُهُ عَدَمَ الْجَوَازِ، لأَِنَّهُ بِدْعَةٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَلأَِنَّ فِيهِ تَشَبُّهًا بِالْكُفَّارِ، فَقَدْ وَرَدَ مَرْفُوعًا " ﴿

_________

(١) انظر عمدة القاري في باب بنيان المساجد ٤ / ٢٠٤.

مَا سَاءَ عَمَل قَوْمٍ قَطُّ إِلاَّ زَخْرَفُوا مَسَاجِدَهُمْ (١) .

وَإِذَا وَقَفَ عَلَى النَّقْشِ وَالتَّزْوِيقِ لاَ يَصِحُّ عَلَى الأَْصَحِّ لأَِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَلأَِنَّهُ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ، لأَِنَّهُ مِمَّا يُلْهِي عَنِ الصَّلاَةِ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ، وَقِيل: يَصِحُّ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِ الْمَسْجِدِ وَإِعْزَازِ الدِّينِ.

وَيُكْرَهُ زَخْرَفَتُهَا، قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: لَتُزَخْرِفَنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى (٢)، وَعَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ (٣) .

وَوَرَدَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ أَمَرَ بِبِنَاءِ مَسْجِدٍ وَقَال: " أَكِنَّ النَّاسَ مِنَ الْمَطَرِ وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ فَتَفْتِنَ النَّاسَ (٤) "، وَقَال أَبُو الدَّرْدَاءِ: إِذَا حَلَّيْتُمْ مَصَاحِفَكُمْ، وَزَخْرَفْتُمْ مَسَاجِدَكُمْ فَالدَّبَارُ - الْهَلاَكُ - عَلَيْكُمْ، وَقَال عَلِيٌّ ﵁: إِنَّ الْقَوْمَ إِذَا رَفَعُوا مَسَاجِدَهُمْ فَسَدَتْ أَعْمَالُهُمْ.

وَيُكْرَهُ أَنْ يُكْتَبَ فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ آيَةً مِنَ

_________

(١) حديث: " ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم ". أخرجه ابن ماجه (١ / ٢٤٥)، وضعفه البوصيري في " مصباح الزجاجة " (١ / ١٦٠) .

(٢) انظر عمدة القاري ٤ / ٢٠٤.

(٣) حديث: " لا تقوم الساعة حتى. . . ". أخرجه أبو داود (١ / ٣١١) من حديث أنس بن مالك ﵁.

(٤) أثر عمر: " أكن الناس من المطر. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٥٣٩) معلقًا.