الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧ الصفحة 25

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧

الْحِيطَانِ وَإِنْشَاءِ الأَْنْهَارِ وَعَمَل الدُّولاَبِ وَحَفْرِ بِئْرِهِ وَشِرَاءِ مَا يُلَقَّحُ بِهِ.

وَعَبَّرَ بَعْضُ أَهْل الْعِلْمِ عَنْ هَذَا بِعَبَّارَةٍ أُخْرَى فَقَال: كُل مَا يَتَكَرَّرُ كُل عَامٍ فَهُوَ عَلَى الْعَامِل وَمَا لاَ يَتَكَرَّرُ فَهُوَ عَلَى رَبِّ الْمَال، وَهَذَا صَحِيحٌ فِي الْعَمَل، فَأَمَّا شِرَاءُ مَا يُلَقِّحُ بِهِ فَهُوَ عَلَى رَبِّ الْمَال وَإِنْ تَكَرَّرَ، لأَِنَّ هَذَا لَيْسَ مِنَ الْعَمَل.

وَإِنْ أَطْلَقَا الْعَقْدَ وَلَمْ يُبَيِّنَا مَا عَلَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَعَلَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ شَرَطَا ذَلِكَ كَانَ تَأْكِيدًا، وَإِنْ شَرَطَا عَلَى أَحَدِهِمَا شَيْئًا مِمَّا يَلْزَمُ الآْخِرَ، فَقَال الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ لاَ يَجُوزُ ذَلِكَ، فَعَلَى هَذَا تَفْسُدُ الْمُسَاقَاةُ لأَِنَّهُ شَرْطٌ يُخَالِفُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَأَفْسَدَهُ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُل عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ الْجُذَاذَ عَلَيْهِمَا، فَإِنْ شَرَطَهُ عَلَى الْعَامِل جَازَ، لأَِنَّهُ شَرْطٌ لاَ يُخِل بِمَصْلَحَةِ الْعَقْدِ وَلاَ مَفْسَدَةَ فِيهِ فَصَحَّ كَتَأْجِيل الثَّمَنِ فِي الْمَبِيعِ لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَا يَلْزَمُ كُل وَاحِدٍ مِنَ الْعَمَل مَعْلُومًا لِئَلاَّ يُفْضِيَ إِلَى التَّنَازُعِ وَالتَّوَاكُل فَيَخْتَل الْعَمَل، وَأَنْ لاَ يَكُونَ مَا عَلَى رَبِّ الْمَال أَكْثَرَ الْعَمَل، لأَِنَّ الْعَامِل يَسْتَحِقُّ بِعَمَلِهِ فَإِذَا لَمْ يَعْمَل أَكْثَرَ الْعَمَل كَانَ وُجُودُ

عَمَلِهِ كَعَدِمِهِ فَلاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا.

فَأَمَّا الْجُذَاذُ وَالْحَصَادُ وَاللِّقَاطُ فَهُوَ عَلَى الْعَامِل، نَصَّ أَحْمَدُ عَلَيْهِ فِي الْحَصَادِ، لأَِنَّهُ مِنَ الْعَمَل فَكَانَ عَلَى الْعَامِل كَالتَّشْمِيسِ، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْجُذَاذِ أَنَّهُ إِذَا شُرِطَ عَلَى الْعَامِل فَجَائِزٌ لأَِنَّ الْعَمَل عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَشْرُطْهُ فَعَلَى رَبِّ الْمَال بِحِصَّتِهِ مَا يَصِيرُ إِلَيْهِ (١) .

مُدَّةُ الْمُسَاقَاةِ

٢٨ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الاِسْتِحْسَانِ عِنْدَهُمْ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَصِحُّ تَوْقِيتُ الْمُسَاقَاةِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ التَّوْقِيتُ، وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ وَقْتَ إِدْرَاكِ الثَّمَرِ مَعْلُومٌ وَقَلَّمَا يُتَفَاوَتُ فِيهِ فَيَدْخُل فِيهِ مَا هُوَ الْمُتَيَقَّنُ، وَلأَِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَخُلَفَاءَهُ لَمْ يَضْرِبُوا مُدَّةً لأَِهْل خَيْبَرَ.

وَالْقِيَاسُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ تُذْكَرَ الْمُدَّةُ لِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى الإِْجَارَةِ.

وَاسْتَدَل الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ لاَ ضَرَرَ فِي تَقْدِيرِ مُدَّةِ الْمُسَاقَاةِ فَصَحَّ تَوْقِيتُهَا وَلأَِنَّهَا عَقْدٌ جَائِزٌ كَالْوَكَالَةِ فَلَمْ يُشْتَرَطِ التَّوْقِيتُ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُشْتَرَطُ مُعْرِفَةُ الْعَمَل جُمْلَةً لاَ تَفْصِيلًا بِتَقْدِيرِ الْمُدَّةِ كَسَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ، فَلاَ تَصِحُّ مُطْلَقَةً وَلاَ مُؤَبَّدَةً لأَِنَّهَا عَقْدٌ لاَزِمٌ

_________

(١) المغني ٥ / ٤٠١ - ٤٠٣.

فَأَشْبَهَتِ الإِْجَارَةَ. (١)

بَيَانُ الْمُدَّةِ:

٢٩ - قَال الْحَنَفِيَّةُ (٢): الْمُسَاقَاةُ كَالْمُزَارَعَةِ فِي الْخِلاَفِ وَالْحُكْمِ وَفِي الشُّرُوطِ إِلاَّ الْمُدَّةَ، وَالْقِيَاسُ أَنْ تُذْكَرَ الْمُدَّةُ لِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى الإِْجَارَةِ، وَفِي الاِسْتِحْسَانِ: يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْهَا، وَتَقَعُ عَلَى أَوَّل ثَمَرَةٍ تَخْرَجُ، لأَِنَّ وَقْتَ إِدْرَاكِ الثَّمَرَةِ مَعْلُومٌ وَالتَّفَاوُتُ فِيهِ قَلِيلٌ وَيَدْخُل فِيهِ الْمُتَيَقَّنُ، بِخِلاَفِ الزَّرْعِ فِيهِ يَخْتَلِفُ كَثِيرًا ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً رَبِيعًا وَخَرِيفًا وَغَيْرَ ذَلِكَ.

أ - فَفِي حَال ذِكْرِ الْمُدَّةِ: إِنْ ذَكَرَ مُدَّةً يُثْمِرُ الشَّجَرُ خِلاَلَهَا صَحَّتِ الْمُسَاقَاةُ، وَإِنْ ذَكَرَ مُدَّةً لاَ يُثْمِرُ خِلاَلَهَا فَسَدَتْ، وَإِنْ ذَكَرَ مُدَّةً يُحْتَمَل أَنْ يُثْمِرَ الشَّجَرُ خِلاَلَهَا وَأَنْ لاَ يُثْمِرَ تَصِحُّ أَيْضًا لِعَدَمِ التَّيَقُّنِ بِفَوَاتِ الْمَقْصُودِ، ثُمَّ إِنْ خَرَجَ الثَّمَرُ خِلاَل هَذِهِ الْمُدَّةِ الْمُحْتَمَلَةِ صَحَّتْ، وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْهَا فَسَدَتْ لأَِنَّهُ تَبَيَّنَ الْخَطَأُ فِي الْمُدَّةِ الْمُسَمَّاةِ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجِ الثَّمَرُ أَصْلًا صَحَّ الْعَقْدُ لأَِنَّ الذَّهَابَ كَانَ بِآفَةٍ لاَ بِسَبَبِ فَسَادِ تَسْمِيَةِ الْمُدَّةِ، فَيَبْقَى الْعَقْدُ صَحِيحًا فَلاَ يَتَبَيَّنُ فَسَادُ الْمُدَّةِ.

ب - وَفِي حَال عَدَمِ ذِكْرِ الْمُدَّةِ يَقَعُ الْعَقْدُ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ١٨٢، والاختيار ٣ / ٧٩، والشرح الصغير ٣ / ٧١٨، ٧١٩، ومغني المحتاج ٢ / ٣٢٧، وكشاف القناع ٣ / ٥٣٨.

(٢) الاختيار ٣ / ٧٩، والهداية ٤ / ٤٤ - ٤٥، ودرر الحكام ٢ / ٣٢٨، والدر المختار ورد المحتار ٥ / ١٨٢.

صَحِيحًا وَيَنْصَرِفُ إِلَى أَوَّل ثَمَرَةٍ تَخْرَجُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ لِلتَّيَقُّنِ بِهِ لاَ إِلَى مَا بَعْدَهُ لأَِنَّهُ مَشْكُوكٌ، وَمِثْل الشَّجَرِ فِي ذَلِكَ الرِّطَابُ، إِذَا دَفَعَهَا مُسَاقَاةً حَتَّى يُدْرِكَ بَذْرُهَا فَإِنَّهُ يَصِحُّ الْعَقْدُ لأَِنَّ لإِدْرَاكِ الْبَذْرَةِ مُدَّةً مَعْلُومَةً.

أَمَّا لَوْ دَفَعَهَا رَيْثَمَا يَذْهَبُ أُصُولُهَا وَيَنْقَطِعُ نَبْتُهَا فَإِنَّهُ يُفْسِدُ الْمُسَاقَاةَ، إِذْ لَيْسَ لِذَلِكَ أَمَدٌ مَعْلُومٌ، وَإِذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِذَهَابِ الأُْصُول وَأَطْلَقَ جَازَ الْعَقْدُ وَانْصَرَفَ إِلَى أَوَّل جَزَّةٍ (١) .

٣٠ - وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَمَذْهَبُهُمْ قَرِيبٌ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ.

قَال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَجَائِزٌ عَقْدُ الْمُسَاقَاةِ عَامًا وَاحِدًا وَعَامَيْنِ وَأَعْوَامًا مِنَ الْجُذَاذِ إِلَى الْجُذَاذِ عَلَى جُزْءٍ مَعْلُومٍ مِمَّا يُخْرِجُ اللَّهُ مِنَ الثَّمَرَةِ بَعْدَ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ فِيهَا.

وَلَوْ سَاقَاهُ إِلَى أَجَلٍ فَانْقَضَى الأَْجَل وَفِي النَّخْل ثَمَرٌ لَمْ يَجُزْ جُذَاذُهُ، وَلَمْ يَحِل بَيْعُهُ فَهُوَ عَلَى مُسَاقَاتِهِ حَتَّى يُجَزَّ، لأَِنَّهُ حَقٌّ وَجَبَ لَهُ.

وَإِنَّمَا الْمُسَاقَاةُ إِلَى الْجُذَاذِ وَإِلَى الْقِطَافِ، لاَ إِلَى الأَْجَل.

قَال ابْنُ رُشْدٍ: وَكَرِهَ مَالِكٌ الْمُسَاقَاةَ فِيمَا طَال مِنَ السِّنِينَ وَانْقِضَاءُ السِّنِينَ فِيهَا هُوَ بِالْجُذَاذِ لاَ بِالأَْهِلَّةِ (٢) .

_________

(١) الهداية ٤ / ٥٩، والاختيار ٣ / ٧٩ - ٨٠ والمراجع السابقة.

(٢) مواهب الجليل ٥ / ٣٧٨، والكافي ٢ / ١٠٨، وبداية المجتهد ٢ / ٣٢٠.

٣١ - وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يُشْتَرَطُ التَّوْقِيتُ بِسَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ، فَلاَ يَصِحُّ عِنْدَهُمُ الإِْطْلاَقُ فِيهَا وَلاَ التَّأْبِيدُ، وَرَتَّبُوا عَلَى انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ أَحْكَامًا مِنْ حَيْثُ إِدْرَاكُ الثَّمَرِ وَعَدَمُ إِدْرَاكِهِ.

قَال النَّوَوِيُّ: يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْمُسَاقَاةِ أَنْ تَكُونَ مُؤَقَّتَةً، فَإِنْ وَقَّتَ بِالشُّهُورِ أَوِ السِّنِينَ الْعَرَبِيَّةِ فَذَاكَ، وَلَوْ وَقَّتَ بِالرُّومِيَّةِ وَغَيْرِهَا جَازَ إِذَا عَلِمَاهَا.

فَإِنْ أَطْلَقَا لَفْظَ السَّنَةِ انْصَرَفَ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ.

وَإِنْ وَقَّتَ بِإِدْرَاكِ الثَّمَرَةِ فَهَل يَبْطُل كَالإِْجَارَةِ أَمْ يَصِحُّ لأَِنَّهُ الْمَقْصُودُ؟

وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ: أَوَّلُهُمَا، وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ (١)، وَصَحَّحَ الْغَزَالِيُّ الثَّانِيَ حَيْثُ قَال: وَلْيُعْرَفِ الْعَمَل جُمْلَةً، فَإِنْ عُرِفَ بِإِدْرَاكِ الثِّمَارِ جَازَ عَلَى الأَْصَحِّ (٢) .

وَلَوْ قَال: سَاقَيْتُكَ سَنَةً وَأَطْلَقَ فَهَل يُحْمَل عَلَى السَّنَةِ الْعَرَبِيَّةِ أَمْ سَنَةِ الإِْدْرَاكِ وَجْهَانِ: زَعَمَ أَبُو الْفَرْجِ السَّرَخْسِيُّ أَنَّ أَصَحَّهُمَا: الثَّانِي، فَإِنْ قُلْنَا بِالأَْوَّل أَوْ وَقَّتَ بِالزَّمَانِ، فَأَدْرَكَتِ الثِّمَارُ وَالْمُدَّةُ بَاقِيَةٌ لَزِمَ الْعَامِل أَنْ يَعْمَل فِي تِلْكَ الْبَقِيَّةِ وَلاَ أُجْرَةَ لَهُ.

وَإِنِ انْقَضَتِ الْمُدَّةُ وَعَلَى الشَّجَرِ طَلْعٌ أَوْ

_________

(١) روضة الطالبين ٥ / ١٥٦.

(٢) الوجيز ١ / ٢٢٨.

بَلَحٌ فَلِلْعَامِل نَصِيبُهُ مِنْهَا وَعَلَى الْمَالِكِ التَّعَهُّدُ إِلَى الإِْدْرَاكِ.

وَإِنْ حَدَثَ الطَّلْعُ بَعْدَ الْمُدَّةِ فَلاَ حَقَّ لِلْعَامِل فِيهِ (١) .

وَلَوْ سَاقَاهُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ فَفِي صِحَّتِهِ أَقْوَالٌ، فَعَلَى الْقَوْل بِالْجِوَازِ هَل يَجِبُ بَيَانُ حِصَّةِ كُل سَنَةٍ، أَمْ يَكْفِي قَوْلُهُ سَاقَيْتُكَ عَلَى النِّصْفِ لاِسْتِحْقَاقِ النِّصْفِ كُل سَنَةٍ؟ قَوْلاَنِ أَوْ وَجْهَانِ كَالإِْجَارَةِ.

وَقِيل: يَجِبُ هُنَا قَطْعًا لِكَثْرَةِ الاِخْتِلاَفِ فِي الثَّمَرِ (٢) .

قَال الْمَاوَرْدِيُّ: فَلَوْ سَاقَاهُ عَلَى نَخْلِهِ عَشْرَ سِنِينَ عَلَى أَنَّ لَهُ ثَمَرَةَ سَنَةٍ مِنْهَا لَمْ يَجُزْ، سَوَاءٌ عَيَّنَ السَّنَةَ أَوْ لَمْ يُعَيِّنْهَا لأَِنَّهُ إِنْ لَمْ يُعَيِّنْهَا كَانَتْ مَجْهُولَةً، وَإِنْ عَيَّنَهَا فَقَدْ شَرَطَ جَمِيعَ الثَّمَرَةِ فِيهَا.

وَلَوْ جَعَل لَهُ نِصْفَ الثَّمَرَةِ فِي سَنَةٍ مِنَ السِّنِينَ الْعَشَرَةِ إِنْ لَمْ يُعَيِّنْهَا بَطَلَتِ الْمُسَاقَاةُ لِلْجَهْل بِهَا، وَإِنْ عَيَّنَهَا نَظَرَ: فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ السَّنَةِ الأَْخِيرَةِ بَطَلَتِ الْمُسَاقَاةُ، لأَِنَّهُ قَدْ شَرَطَ عَلَيْهِ بَعْدَ حَقِّهِ مِنَ الثَّمَرَةِ عَمَلًا لاَ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ عِوَضًا، وَإِنْ كَانَتِ السَّنَةَ الأَْخِيرَةَ فَفِي صِحَّةِ الْمُسَاقَاةِ وَجْهَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا صَحِيحَةٌ كَمَا يَصِحُّ أَنْ يَعْمَل

_________

(١) روضة الطالبين ٥ / ١٥٦.

(٢) روضة الطالبين ٧ / ١٥٦، وانظر الحاوي ٩ / ١٧٠ - ١٧١ ط. دار الفكر.

فِي جَمِيعِ السَّنَةِ، وَإِنْ كَانَتِ الثَّمَرَةُ فِي بَعْضِهَا.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا بَاطِلَةٌ لأَِنَّهُ يَعْمَل فِيهَا مُدَّةً تُثْمِرُ فِيهَا وَلاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ ثَمَرِهَا وَبِهَذَا الْمَعْنَى خَالَفَ السَّنَةَ الْوَاحِدَةَ (١) .

وَإِذَا سَاقَاهُ عَشْرَ سِنِينَ، فَأَطْلَعَتْ ثَمَرَةُ السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ بَعْدَ تَقَضِّيهَا لَمْ يَكُنْ لِلْعَامِل فِي ثَمَرَةِ تِلْكَ السَّنَةِ حَقٌّ، لِتَقَضِّي مُدَّتِهِ وَزَوَال عَقْدِهِ، وَلَوْ أَطْلَعَتْ قَبْل تَقَضِّي تِلْكَ السَّنَةِ ثُمَّ تَقَضَّتْ وَالثَّمَرَةُ لَمْ يَبْدُ صَلاَحُهَا - وَهِيَ بَعْدُ طَلْعٌ أَوْ بَلَحٌ - كَانَ لَهُ حَقُّهُ مِنْهَا لِحُدُوثِهَا فِي مُدَّتِهِ.

فَإِنْ قِيل: إِنَّهُ أَجِيرٌ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ حَقَّهُ مِنْهَا طَلْعًا أَوْ بَلَحًا، وَلَيْسَ لَهُ اسْتِيفَاءُ حَقِّهِ إِلَى بُدُوِّ الصَّلاَحِ، وَإِنْ قِيل: إِنَّهُ شَرِيكٌ، كَانَ لَهُ اسْتِيفَاؤُهَا إِلَى بُدُوِّ الصَّلاَحِ، وَتَنَاهِي الثَّمَرَةِ (٢) .

٣٢ - وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ: فَقَدْ قَال الْبُهُوتِيُّ: وَيَصِحُّ تَوْقِيتُ مُسَاقَاةٍ كَوَكَالَةٍ وَشَرِكَةٍ وَمُضَارَبَةٍ لأَِنَّهُ لاَ ضَرَرَ فِيهِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ تَوْقِيتُ الْمُسَاقَاةِ لأَِنَّهَا عَقْدٌ جَائِزٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا إِبْقَاؤُهُ وَفَسْخُهُ، فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى التَّوْقِيتِ كَالْمُضَارَبَةِ.

وَيَصِحُّ تَوْقِيتُهَا إِلَى جُذَاذٍ وَإِلَى إِدْرَاكٍ وَإِلَى مُدَّةٍ تَحْتَمِلُهُ لاَ إِلَى مُدَّةٍ لاَ تَحْتَمِلُهُ لِعَدَمِ

_________

(١) الحاوي ٩ / ١٧١ ط. دار الفكر.

(٢) الحاوي للماوردي ٩ / ١٧١ ط. دار الفكر.

حُصُول الْمَقْصُودِ بِهَا (١) .

وَإِنْ سَاقَاهُ إِلَى مُدَّةٍ تَكْمُل فِيهَا الثَّمَرَةُ غَالِبًا فَلَمْ تَحْمِل الثَّمَرَةُ تِلْكَ السَّنَةَ فَلاَ شَيْءَ لِلْعَامِل لأَِنَّهُ دَخَل عَلَى ذَلِكَ (٢) .

الأَْحْكَامُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى الْمُسَاقَاةِ الصَّحِيحَةِ ابْتِدَاءً:

٣٣ - يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمُسَاقَاةِ الصَّحِيحَةِ الْعَدِيدُ مِنَ الأَْحْكَامِ مِنْهَا:

أ - أَنَّهُ يَجِبُ قِيَامُ الْعَامِل بِكُل مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الشَّجَرُ مِنَ السَّقْيِ وَالتَّلْقِيحِ وَالْحِفْظِ، لأَِنَّهَا مِنْ تَوَابِعِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْعَمَل، وَسَبَقَ ذِكْرُ الضَّابِطِ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَمَا لاَ يَجِبُ، كَمَا يَجِبُ عَلَى الْمَالِكِ كُل مَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّفَقَةِ عَلَى الشَّجَرِ مِنَ السَّمَادِ وَاللِّقَاحِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

ب - لاَ يَمْلِكُ الْعَامِل أَنْ يَدْفَعَ الشَّجَرَ مُعَامَلَةً إِلَى غَيْرِهِ إِلاَّ إِذَا قَال لَهُ الْمَالِكُ: اعْمَل بِرَأْيِكَ، وَذَلِكَ لأَِنَّ فِيهِ إِثْبَاتَ الشَّرِكَةِ فِي مَال غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَالثَّمَرُ عِنْدَئِذٍ لِلْمَالِكِ. وَلِلْعَامِل الثَّانِي أَجْرُ مِثْلِهِ عَلَى الْعَامِل الأَْوَّل، وَلاَ أَجْرَ لِلأَْوَّل لأَِنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مَال غَيْرِهِ بِغَيْرِ تَفْوِيضٍ وَهُوَ لاَ يَمْلِكُ ذَلِكَ (٣) .

_________

(١) شرح منتهى الإرادات ٢ / ٣٤٥، وانظر كشاف القناع ٣ / ٥٣٨.

(٢) كشاف القناع ٣ / ٥٣٨ - ٥٣٩.

(٣) بدائع الصنائع ٦ / ١٨٧، وحاشية ابن عابدين ٥ / ١٨٥ - ١٨٦.

وَهَذَا مَا قَالَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَيْضًا الْحَنَابِلَةُ (١) قِيَاسًا عَلَى الْمُضَارَبَةِ وَالْوَكَالَةِ.

وَاسْتَدَل ابْنُ قُدَامَةَ: بِأَنَّهُ عَامِلٌ فِي الْمَال بِجُزْءٍ مِنْ نَمَائِهِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُعَامِل غَيْرَهُ فِيهِ كَالْمُضَارِبِ، وَلأَِنَّهُ إِنَّمَا أَذِنَ لَهُ فِي الْعَمَل فِيهِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْذَنَ لِغَيْرِهِ كَالْوَكِيل.

وَقَال: وَلِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَنْ يُزَارِعَ فِي الْوَقْفِ وَيُسَاقِيَ عَلَى شَجَرِهِ لأَِنَّهُ إِمَّا مَالِكٌ لِرَقَبَةِ ذَلِكَ أَوْ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِكِ وَلاَ نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلاَفًا عِنْدَ مَنْ أَجَازَ الْمُسَاقَاةَ وَالْمُزَارَعَةَ (٢) .

وَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ ذَلِكَ بِقَيْدٍ، قَال الدُّسُوقِيُّ (٣): وَجَازَ مُسَاقَاةُ الْعَامِل عَامِلًا آخَرَ بِغَيْرِ إِذْنِ رَبِّ الْحَائِطِ، وَمَحَل الْجَوَازِ إِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ رَبُّ الْحَائِطِ عَمَل الْعَامِل بِعَيْنِهِ وَإِلاَّ مُنِعَ مِنْ مُسَاقَاتِهِ لآِخَرَ، مَا لَمْ يَكُنْ أَمِينًا - أَيْضًا - وَلَوْ أَقَل أَمَانَةً لاَ غَيْرَ أَمِينٍ، - وَفَرَّقُوا فِي هَذَا الصَّدَدِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُضَارِبِ - قَال الدُّسُوقِيُّ: بِخِلاَفِ عَامِل الْقِرَاضِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعَامِل عَامِلًا آخَرَ بِغَيْرِ إِذْنِ رَبِّ الْمَال مُطْلَقًا، وَلَوْ كَانَ أَمِينًا، لأَِنَّ مَال الْقِرَاضِ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ بِخِلاَفِ الْحَائِطِ.

وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ (لاَ غَيْرَ أَمِينٍ) أَيْ إِنْ كَانَ غَيْرَ

_________

(١) المغني ٥ / ٤١٣.

(٢) المغني ٥ / ٤١٣.

(٣) حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير ٣ / ٥٤٥.

أَمِينٍ لاَ تَجُوزُ مُسَاقَاتُهُ وَإِنْ كَانَ الأَْوَّل مِثْلَهُ فِي عَدَمِ الأَْمَانَةِ؛ لأَِنَّ رَبَّ الْحَائِطِ رُبَّمَا رَغِبَ فِي الأَْوَّل لأَِمْرٍ لَيْسَ فِي الثَّانِي، وَيَضْمَنُ الْعَامِل الأَْوَّل مُوجِبَ فِعْل الثَّانِي، إِذَا كَانَ هَذَا غَيْرَ أَمِينٍ أَوْ مَجْهُول الْحَال، وَإِنْ كَانَ الاِتِّفَاقُ بَيْنَ الْعَامِلَيْنِ عَلَى أَكْثَرَ مِمَّا جُعِل لِلأَْوَّل فِي عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ فَالزَّائِدُ عَلَى الْعَامِل الأَْوَّل، وَإِنْ كَانَ أَقَل فَالزَّائِدُ لِلْعَامِل الأَْوَّل.

وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ: فَقَالُوا بِالْجِوَازِ بِقَيْدِ التَّوَافُقِ فِي الْمُدَّةِ وَالنَّصِيبِ، قَال فِي الْحَاوِي (١): فَإِنْ أَرَادَ الْعَامِل أَنْ يُسَاقِيَ غَيْرَهُ عَلَيْهَا مُدَّةَ مُسَاقَاتِهِ جَازَ بِمِثْل نَصِيبِهِ فَمَا دُونَ، كَالإِْجَارَةِ، وَلاَ يَجُوزُ بِأَكْثَرَ مِنْ نَصِيبِهِ لأَِنَّهُ لاَ يَمْلِكُ الزِّيَادَةَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُسَاقَاةِ حَيْثُ كَانَ لِلْعَامِل أَنْ يُسَاقِيَ عَلَيْهَا وَبَيْنَ الْمُضَارَبَةِ حَيْثُ لَمْ يَجُزْ لِلْعَامِل أَنْ يُضَارِبَ بِهَا، أَنَّ تَصَرُّفَ الْعَامِل فِي الْمُضَارَبَةِ تَصَرُّفٌ فِي حَقِّ رَبِّ الْمَال لأَِنَّ الْعَقْدَ لَيْسَ بِلاَزِمٍ فَلَمْ يَمْلِكْ مَا بَاتَ عَلَيْهِ فِي تَصَرُّفِهِ، وَتَصَرُّفَ الْعَامِل فِي الْمُسَاقَاةِ تَصَرُّفٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لِلُزُومِ الْعَقْدِ فَيَمْلِكُ الاِسْتِنَابَةَ فِي تَصَرُّفِهِ.

ج - إِذَا قَصَّرَ الْعَامِل فِي سَقْيِ الشَّجَرِ حَتَّى يَبِسَ ضَمِنَ، لأَِنَّ الْعَمَل وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَالشَّجَرَ فِي يَدِهِ أَمَانَةٌ، فَيَضْمَنُ بِالتَّقْصِيرِ وَلَوْ أَخَّرَ السَّقْيَ تَأْخِيرًا مُعْتَادًا لاَ يَضْمَنُ لِعَدَمِ

_________

(١) الحاوي للماوردي ٩ / ١٦٨ ط. دار الفكر.