الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦
وَكَذَا إِذَا لَمْ يُخْبِرْ أَنَّ الشَّيْءَ الْمَبِيعَ كَانَ بَدَل صُلْحٍ فَلِلْمُشْتَرِي الثَّانِي الْخِيَارُ، وَإِنْ ظَهَرَتِ الْخِيَانَةُ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ فِي الْمُرَابَحَةِ، بِأَنْ قَال: اشْتَرَيْتُ بِعَشَرَةٍ، وَبِعْتُكَ بِرِبْحِ كَذَا، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ اشْتَرَاهُ بِتِسْعَةٍ، فَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ: إِنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، لأَِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَمْ يَرْضَ بِلُزُومِ الْعَقْدِ إِلاَّ بِالْقَدْرِ الْمُسَمَّى مِنَ الثَّمَنِ، فَلاَ يَلْزَمُ بِدُونِهِ، وَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ، لِوُجُودِ الْخِيَانَةِ، كَمَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ بِعَدَمِ تَحَقُّقِ سَلاَمَةِ الْمَبِيعِ عَنِ الْعَيْبِ.
وَقَال أَبُو يُوسُفَ: لاَ خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي، وَلَكِنْ يَحُطُّ قَدْرَ الْخِيَانَةِ، وَهُوَ دِرْهَمٌ وَحِصَّتُهُ مِنَ الرِّبْحِ، وَهُوَ جُزْءٌ مِنْ عَشَرَةِ أَجْزَاءٍ مِنْ دِرْهَمٍ، لأَِنَّ الثَّمَنَ الأَْوَّل أَصْلٌ فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ، فَإِذَا ظَهَرَتِ الْخِيَانَةُ تَبَيَّنَ أَنَّ تَسْمِيَةَ قَدْرِ الْخِيَانَةِ لَمْ تَصِحَّ، فَتَلْغُو التَّسْمِيَةُ فِي قَدْرِ الْخِيَانَةِ وَيَبْقَى الْعَقْدُ لاَزِمًا بِالثَّمَنِ الْبَاقِي (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ كَذَبَ الْبَائِعُ بِالزِّيَادَةِ فِي الثَّمَنِ، لَزِمَ الْمُبْتَاعَ الشِّرَاءُ إِنْ حَطَّهُ الْبَائِعُ عَنْهُ وَحَطَّ رِبْحَهُ أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يَحُطَّهُ وَرِبْحَهُ عَنْهُ، خُيِّرَ الْمُشْتَرِي بَيْنَ الإِْمْسَاكِ وَالرَّدِّ (٢) .
_________
(١) المبسوط ١٣ / ٨٦، وبدائع الصنائع ٧ / ٣٢٠٦ - ط. الإمام وما بعدها - ط. أولى، وفتح القدير ٥ / ٢٥٦، والدر المختار ٤ / ١٦٣.
(٢) الشرح الصغير ٣ / ٢٢٤.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: وَلْيَصْدُقِ الْبَائِعُ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ وَالأَْجَل وَالشِّرَاءِ بِالْعَرَضِ وَبَيَانِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ، فَلَوْ قَال: بِمِائَةٍ، فَبَانَ بِتِسْعِينَ، فَالأَْظْهَرُ أَنَّهُ يَحُطُّ الزِّيَادَةَ وَرِبْحَهَا وَأَنَّهُ لاَ خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي (١) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يَفْسُدُ الْبَيْعُ بِالإِْخْبَارِ بِخِلاَفِ الْوَاقِعِ فِي الثَّمَنِ، وَإِنَّمَا يُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي بَيْنَ قَبُول الْمَبِيعِ بِالثَّمَنِ أَوِ الرَّدِّ وَفَسْخِ الْعَقْدِ، أَيْ يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ أَخْذِ الْمَبِيعِ وَالرَّدِّ، لأَِنَّ الْمُشْتَرِيَ دَخَل عَلَيْهِ ضَرَرٌ فِي الْتِزَامِهِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ كَالْمَعِيبِ، أَمَّا الإِْخْبَارُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى رَأْسِ الْمَال فَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِالزِّيَادَةِ وَحَطِّهَا مِنَ الرِّبْحِ (٢) .
الْبَيْعُ مُرَابَحَةً لِلآْمِرِ بِالشِّرَاءِ
- نَصَّ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ: إِذَا أَرَى الرَّجُل الرَّجُل السِّلْعَةَ، فَقَال: اشْتَرِ هَذِهِ، وَأُرْبِحُكَ فِيهَا كَذَا، فَاشْتَرَاهَا الرَّجُل، فَالشِّرَاءُ جَائِزٌ وَالَّذِي قَال: أُرْبِحُكَ فِيهَا بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَ أَحْدَثَ فِيهَا بَيْعًا، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ.
وَهَكَذَا إِنْ قَال: اشْتَرِ لِي مَتَاعًا وَوَصَفَهُ لَهُ، أَوْ مَتَاعًا أَيَّ مَتَاعٍ شِئْتَ، وَأَنَا أُرْبِحُكَ فِيهِ، فَكُل هَذَا سَوَاءٌ، يَجُوزُ الْبَيْعُ الأَْوَّل، وَيَكُونُ فِيمَا أَعْطَى مِنْ نَفْسِهِ بِالْخِيَارِ، وَسَوَاءٌ
_________
(١) مغني المحتاج ٢ / ٧٩.
(٢) المغني ٤ / ١٩٨ وما بعدها ٢٠٦.
فِي هَذَا مَا وَصَفَ، إِنْ كَانَ قَال: ابْتَعْهُ وَأَشْتَرِيهِ مِنْكَ بِنَقْدٍ أَوْ دَيْنٍ، يَجُوزُ الْبَيْعُ الأَْوَّل، وَيَكُونُ بِالْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ الآْخَرِ، فَإِنْ جَدَّدَاهُ جَازَ.
وَإِنْ تَبَايَعَا بِهِ عَلَى أَنْ أَلْزَمَا أَنْفُسَهُمَا الأَْمْرَ الأَْوَّل، فَهُوَ مَفْسُوخٌ مِنْ قِبَل شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ تَبَايَعَاهُ قَبْل تَمَلُّكِ الْبَائِعِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ عَلَى مَخَاطِرِهِ أَنَّكَ إِذَا اشْتَرَيْتَهُ عَلَى كَذَا، أُرْبِحُكَ فِيهِ كَذَا (١) .
وَهَذَا مُصَرَّحٌ بِهِ أَيْضًا لَدَى الْمَالِكِيَّةِ، حَيْثُ قَالُوا: مِنَ الْبَيْعِ الْمَكْرُوهِ: أَنْ يَقُول: أَعِنْدَكَ كَذَا وَكَذَا تَبِيعُهُ مِنِّي بِدَيْنٍ؟ فَيَقُول: لاَ، فَيَقُول: ابْتَعْ ذَلِكَ، وَأَنَا أَبْتَاعُهُ مِنْكَ بِدَيْنٍ، وَأُرْبِحُكَ فِيهِ، فَيَشْتَرِي ذَلِكَ، ثُمَّ يَبِيعُهُ مِنْهُ عَلَى مَا تَوَاعَدَا عَلَيْهِ (٢) .
مُرَابَطَةٌ
انْظُرْ: جِهَادٌ
_________
(١) الأم ٣ / ٣٣، طبعة مصورة عن بولاق ١٣٢١ هـ. الدار المصرية للتأليف والترجمة.
(٢) مواهب الجليل للحطاب ٤ / ٤٠٤ - ط دار الفكر - بيروت، والبيان والتحصيل لابن رشد الجد ٧ / ٨٦ - ٨٩.
مُرَاجَعَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْمُرَاجَعَةُ فِي اللُّغَةِ لَهَا عِدَّةُ مَعَانٍ، مِنْهَا أَنَّهَا تُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا: مُرَاجَعَةُ الرَّجُل أَهْلَهُ بَعْدَ الطَّلاَقِ، وَتُطْلَقُ وَيُرَادُ مِنْهَا: الْمُعَاوَدَةُ فِي الْكَلاَمِ (١) .
وَالْمُرَاجَعَةُ فِي الاِصْطِلاَحِ تُطْلَقُ عَلَى مَعَانٍ، أَشْهَرُهَا وَأَهَمُّهَا: اسْتِدَامَةُ مِلْكِ النِّكَاحِ وَعَوْدَةِ الزَّوْجَةِ الْمُطَلَّقَةِ لِلْعِصْمَةِ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ عَقْدٍ، أَوْ رَدِّ الْمَرْأَةِ إِلَى النِّكَاحِ مِنْ طَلاَقٍ غَيْرِ بَائِنٍ فِي الْعِدَّةِ (٢)، وَمِنْهَا: مُعَاوَدَةُ النَّظَرِ فِي الأَْمْرِ، وَمِنْهَا: مُرَاجَعَةُ الْمُفْلِسِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلْمُرَاجَعَةِ بِاخْتِلاَفِ مُتَعَلَّقِهَا:
مُرَاجَعَةُ الزَّوْجَةِ الْمُطَلَّقَةِ:
٢ - الأَْصْل فِي مُرَاجَعَةِ الزَّوْجَةِ الْمُطَلَّقَةِ طَلاَقًا
_________
(١) المصباح المنير، والمعجم الوسيط.
(٢) بدائع الصنائع ٣ / ١٨١، والبناية على الهداية ٤ / ٥٩١، والخرشي ٤ / ٧٩، ومغني المحتاج ٣ / ٣٣٥، وكشاف القناع ٥ / ٣٤١.
رَجْعِيًّا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ أَنَّهَا مُبَاحَةٌ، وَهِيَ حَقٌّ لِلزَّوْجِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاَحًا﴾ .
وَتَكُونُ الْمُرَاجَعَةُ وَاجِبَةً عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ إِذَا طَلَّقَ الرَّجُل امْرَأَتَهُ طَلْقَةً وَاحِدَةً فِي حَالَةِ حَيْضٍ.
وَتُسَنُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.
وَلِلتَّفْصِيل يُرَاجَعُ مُصْطَلَحُ (رَجْعَةٌ ف٤ وَمَا بَعْدَهَا) .
الْمُرَاجَعَةُ بِمَعْنَى مُعَاوَدَةِ النَّظَرِ فِي الأَْمْرِ
٣ - جَاءَ فِي حَدِيثِ فَرْضِ الصَّلاَةِ لَيْلَةَ الإِْسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: فَفَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلاَةً فَرَاجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَال: مَا فَرَضَ اللَّهُ لَكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ خَمْسِينَ صَلاَةً، قَال: فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعَنِي فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى قُلْتُ: وَضَعَ شَطْرَهَا، فَقَال: رَاجِعْ رَبَّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تُطِيقُ، فَرَاجَعْتُ فَوَضَعَ شَطْرَهَا (١)، قَال ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِهِ لِلْحَدِيثِ: فَفِي الْمُرَاجَعَةِ الأُْولَى وَضَعَ خَمْسًا
_________
(١) حديث: " فرض الله على أمتي خمسين صلاة. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٤٥٩) من حديث أبي ذر الغفاري ﵁.
وَعِشْرِينَ، ثُمَّ قَال: وَدَلَّتْ مُرَاجَعَتُهُ ﷺ لِرَبِّهِ فِي طَلَبِ التَّخْفِيفِ تِلْكَ الْمَرَّاتِ كُلِّهَا أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ الأَْمْرَ فِي كُل مَرَّةٍ لَمْ يَكُنْ عَلَى سَبِيل الإِْلْزَامِ بِخِلاَفِ الْمَرَّةِ الأَْخِيرَةِ فَفِيهَا مَا يُشْعِرُ بِذَلِكَ (١) لِقَوْلِهِ ﷾: ﴿مَا يُبَدَّل الْقَوْل لَدَيَّ﴾ .
مُرَاجَعَةُ الْمُفْلِسِ
٤ - قَال الشَّرْقَاوِيُّ: إِنْ أَقَرَّ الْمُفْلِسُ بِعَيْنٍ أَوْ دَيْنٍ جِنَايَةٍ قُبِل مُطْلَقًا، أَوْ بِدَيْنِ مُعَامَلَةٍ فَإِنْ أَسْنَدَ وُجُوبَهُ لِمَا قَبْل الْحَجْرِ قُبِل أَيْضًا، أَوْ لِمَا بَعْدَهُ وَقَيَّدَهُ بِمُعَامَلَةٍ كَمَا هُوَ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ لَمْ يُقْبَل فِي حَقِّ الْغُرَمَاءِ، أَوْ لَمْ يُقَيِّدْهُ بِمُعَامَلَةٍ وَلاَ غَيْرِهَا رُوجِعَ، وَإِنْ أَطْلَقَ الْوُجُوبَ فَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِمُعَامَلَةٍ وَلاَ جِنَايَةٍ وَلاَ بِمَا قَبْل الْحَجْرِ وَلاَ بِمَا بَعْدَهُ رُوجِعَ أَيْضًا، فَإِنْ تَعَذَّرَتْ مُرَاجَعَتُهُ لَمْ يُقْبَل (٢) .
_________
(١) فتح الباري شرح صحيح البخاري ١ / ٤٦٢ - ٤٦٣.
(٢) حاشية الشرقاوي على شرح التحرير ٢ / ١٣٧.
مَرَارَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - لِلْمَرَارَةِ فِي اللُّغَةِ إِطْلاَقَاتٌ مِنْهَا: أَنَّهَا كِيسٌ لاَصِقٌ بِالْكَبِدِ تُخْتَزَنُ فِيهِ الصَّفْرَاءُ، وَقَدْ تَكُونُ لِكُل ذِي رُوحٍ إِلاَّ النَّعَامَ وَالإِْبِل. أَوْ هِيَ: الْمَائِعُ الأَْصْفَرُ الْمُرُّ الْمُخْتَزَنُ فِي الْكِيسِ اللاَّصِقِ بِالْكَبِدِ، وَهِيَ تُسَاعِدُ عَلَى هَضْمِ الْمَوَادِّ الدُّهْنِيَّةِ.
وَتُجْمَعُ الْمَرَارَةُ عَلَى مَرَائِرَ (١)
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِكَلِمَةِ مَرَارَةٍ عَنْ هَذَيْنِ الإِْطْلاَقَيْنِ (٢) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
١ - طَهَارَةُ الْمَرَارَةِ وَأَكْلُهَا:
٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَرَارَةَ كُل حَيَوَانٍ كَبَوْلِهِ، فَإِنْ كَانَ بَوْلُهُ نَجِسًا مُغَلَّظًا أَوْ مُخَفَّفًا فَهِيَ كَذَلِكَ خِلاَفًا وَوِفَاقًا، وَمِنْ فُرُوعِهِ مَا ذَكَرُوا: لَوْ أَدْخَل فِي أُصْبُعِهِ مَرَارَةَ مَأْكُول
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والمعجم الوسيط مادة " مرر ".
(٢) جواهر الإكليل ١ / ٩ - ط. دار الباز، والبدائع ٥ / ٦١ - ط. دار الكتاب العربي.
اللَّحْمِ يُكْرَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لأَِنَّهُ لاَ يُبِيحُ التَّدَاوِي بِبَوْلِهِ، وَلاَ يُكْرَهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لأَِنَّهُ يُبِيحُهُ، وَبِهِ أَخَذَ أَبُو اللَّيْثِ لِلْحَاجَةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى فِي الْمَذْهَبِ الْحَنَفِيِّ.
وَكَذَلِكَ قِيَاسُ قَوْل مُحَمَّدٍ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ مُطْلَقًا لِطَهَارَةِ بَوْل مَأْكُول اللَّحْمِ عِنْدَهُ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ بِطَهَارَةِ مَرَارَةِ الْحَيَوَانِ الْمُذَكَّى مُطْلَقًا لأَِنَّهَا مِنْ أَجْزَاءِ بَدَنِ الْحَيَوَانِ (٢) .
وَفَرَّقَ الشَّافِعِيَّةُ بَيْنَ الْجِلْدَةِ، وَالْمَائِعِ الأَْصْفَرِ فَقَالُوا: بِطَهَارَةِ الْجِلْدَةِ، لأَِنَّهَا جُزْءُ الْحَيَوَانِ الْمُذَكَّى، وَنَجَاسَةِ الْمَائِعِ الأَْصْفَرِ لأَِنَّهُ لَيْسَ جُزْأَهُ (٣) .
وَأَمَّا حُكْمُ أَكْل الْمَرَارَةِ فَقَدْ سَبَقَ الْكَلاَمُ عَلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (أَطْعِمَةٌ ف٧٦، ٧٧، ٧٨) .
٢ - الْمَسْحُ عَلَى ظُفُرٍ عَلَيْهِ مَرَارَةٌ
٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى ظُفُرٍ عَلَيْهِ مَرَارَةٌ إِنْ ضَرَّ نَزْعُهَا، أَوْ تَعَذَّرَ قَلْعُهَا لِلضَّرُورَةِ (٤) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (جَبِيرَةٌ ف٤، مَسْحٌ) .
_________
(١) فتح القدير ١ / ١٤٢، ١٤٣ - ط. بولاق، والبدائع ٥ / ٦١ - ط. دار الكتاب العربي، وابن عابدين ١ / ٢٣٣ - ط. بولاق.
(٢) شرح الزرقاني ١ / ٢٣ - ط. دار الفكر.
(٣) الجمل ١ / ١٧٧ - ط. دار إحياء التراث العربي.
(٤) فتح القدير ١ / ١١٠، وشرح الزرقاني ١ / ١٣٠، والدسوقي ١ / ١٦٣ - ط. دار الفكر، وكشاف القناع ١ / ١٢٠ - ط. عالم الكتب، والمغني ١ / ٢٨٠ - ط الرياض.
مُرَاعَاةُ الْخِلاَفِ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْمُرَاعَاةُ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ رَاعَاهُ: إِذَا لاَحَظَهُ وَرَاقَبَهُ، وَرَاعَيْتُ الأَْمْرَ: نَظَرْتُ فِي عَاقِبَتِهِ (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِهَذَا اللَّفْظِ عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ (٢) .
وَالْخِلاَفُ فِي اللُّغَةِ: الْمُضَادَّةُ (٣) .
وَالْخِلاَفُ فِي الاِصْطِلاَحِ: مُنَازَعَةٌ تَجْرِي بَيْنَ الْمُتَعَارَضِينَ لِتَحْقِيقِ حَقٍّ أَوْ إِبْطَال بَاطِلٍ (٤) .
وَمُرَاعَاةُ الْخِلاَفِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عِبَارَةٌ عَنْ إِعْمَال دَلِيلٍ فِي لاَزِمِ مَدْلُول الَّذِي أُعْمِل فِي نَقِيضِهِ دَلِيلٌ آخَرُ (٥) .
وَقَال أَبُو الْعَبَّاسِ الْقَبَّابُ: حَقِيقَةُ مُرَاعَاةِ الْخِلاَفِ هُوَ إِعْطَاءُ كُل وَاحِدٍ مِنَ
_________
(١) المعجم الوسيط، والمصباح المنير.
(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٩٩.
(٣) لسان العرب، والمغرب للمطرزي.
(٤) قواعد الفقه للبركتي.
(٥) المعيار المعرب للونشريسي ٦ / ٣٧٨ - ط. دار الغرب الإسلامي - بيروت.
الدَّلِيلَيْنِ حُكْمَهُ (١) .
وَكَثِيرًا مَا يُعَبِّرُ الْفُقَهَاءُ عَنْ مُرَاعَاةِ الْخِلاَفِ بِالْخُرُوجِ مِنَ الْخِلاَفِ (٢) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٢ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى اسْتِحْبَابِ مُرَاعَاةِ الْخِلاَفِ فِي الْجُمْلَةِ بِاجْتِنَابِ مَا اخْتُلِفَ فِي تَحْرِيمِهِ وَفِعْل مَا اخْتُلِفَ فِي وُجُوبِهِ (٣) .
وَلِبَعْضِ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ نَذْكُرُهُ فِيمَا يَلِي: قَال أَبُو الْعَبَّاسِ الْقَبَّابُ الْمَالِكِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ مُرَاعَاةَ الْخِلاَفِ مِنْ مَحَاسِنِ هَذَا الْمَذْهَبِ، وَحَقِيقَةُ مُرَاعَاةِ الْخِلاَفِ، هُوَ إِعْطَاءُ كُل وَاحِدٍ مِنَ الدَّلِيلَيْنِ حُكْمَهُ.
وَبَسْطُهُ: أَنَّ الأَْدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ مِنْهَا مَا تَتَبَيَّنُ قُوَّتُهُ تَبَيُّنًا يَجْزِمُ النَّاظِرُ فِيهِ بِصِحَّةِ أَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ وَالْعَمَل بِإِحْدَى الأَْمَارَتَيْنِ فَهَاهُنَا لاَ وَجْهَ لِمُرَاعَاةِ الْخِلاَفِ وَلاَ مَعْنًى لَهُ، وَمِنَ الأَْدِلَّةِ مَا يَقْوَى فِيهَا أَحَدُ الدَّلِيلَيْنِ وَتَتَرَجَّحُ فِيهَا إِحْدَى الأَْمَارَتَيْنِ قُوَّةً مَا وَرُجْحَانًا لاَ يَنْقَطِعُ مَعَهُ تَرَدُّدُ النَّفْسِ وَتَشَوُّفُهَا إِلَى مُقْتَضَى الدَّلِيل الآْخَرِ
_________
(١) المعيار المعرب للونشريسي ٦ / ٣٨٨.
(٢) ابن عابدين ١ / ٦١، والأشباه والنظائر للسيوطي ١٣٦.
(٣) حاشية ابن عابدين ١ / ٩٩، وحاشية الطحطاوي على الدر ١ / ٨٥، والمعيار للونشريسي ٦ / ٣٨٨، والمنثور في القواعد للزركشي ٢ / ١٢٧ - ١٢٨، والأشباه والنظائر للسيوطي ص١٣٦، والمغني ١ / ٥١٨.