الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦
قِرَاءَتِهَا لِلْقُنُوتِ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى لِلإِْجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْآنٍ، وَكَذَا تُقْرَأُ سَائِرُ الدَّعَوَاتِ وَالأَْذْكَارِ.
وَمُقَابِل الْمَشْهُورِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهَا تُبَاحُ لَهَا الْقِرَاءَةُ مُطْلَقًا خَوْفَ النِّسْيَانِ بِخِلاَفِ الْجُنُبِ لِقِصَرِ زَمَنِ الْجَنَابَةِ.
وَقِيل: تَحْرُمُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلاَةِ كَالْجُنُبِ الْفَاقِدِ لِلطَّهُورَيْنِ.
كَمَا اتَّفَقَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ إِلَى حُرْمَةِ مَسِّهَا لِلْمُصْحَفِ، وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ حَمْلَهُ بِطَرِيقِ الأَْوْلَى (١) .
وَقَال ابْنُ جُزَيٍّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: لاَ تَمْنَعُ الاِسْتِحَاضَةُ شَيْئًا مِمَّا يَمْنَعُ مِنْهُ الْحَيْضُ (٢) .
د - الاِحْتِيَاطُ فِي دُخُول الْمَسْجِدِ وَالطَّوَافِ
١٣ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُتَحَيِّرَةَ لاَ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَدْخُل الْمَسْجِدَ.
وَأَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ لَهَا أَنْ تَدْخُل الْمَسْجِدَ وَتُصَلِّيَ فِيهِ لَكِنْ يَحْرُمُ عَلَيْهَا أَنْ تَمْكُثَ فِيهِ، قَال فِي الْمُهِمَّاتِ: وَهُوَ مُتَّجَهٌ إِنْ كَانَ لِغَرَضِ دُنْيَوِيٍّ أَوْ لاَ لِغَرَضٍ، وَمَحَل ذَلِكَ إِنْ أَمِنَتِ التَّلْوِيثَ.
وَأَمَّا الطَّوَافُ فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا لاَ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ١٩١، ومجموعة رسائل ابن عابدين ١ / ٩٩، ١٠٠، ونهاية المحتاج ١ / ٣٤٨، ومغني المحتاج ١ / ١١٦.
(٢) القوانين الفقهية / ٣٢.
تَطُوفُ إِلاَّ لِلزِّيَارَةِ وَالْوَدَاعِ، أَمَّا الزِّيَارَةُ فَلأَِنَّهُ رُكْنُ الْحَجِّ فَلاَ يُتْرَكُ لاِحْتِمَال الْحَيْضِ، وَأَمَّا الْوَدَاعُ فَلأَِنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى غَيْرِ الْمَكِّيِّ، ثُمَّ إِنَّهَا تُعِيدُ طَوَافَ الزِّيَارَةِ دُونَ الْوَدَاعِ بَعْدَ عَشْرَةِ أَيَّامٍ لِيَقَعَ أَحَدُهُمَا فِي طُهْرٍ بِيَقِينٍ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ لَهَا أَنْ تَطُوفَ مُطْلَقًا فَرْضًا أَوْ نَفْلًا وَكَيْفِيَّةُ طَوَافِهَا أَنْ تَفْعَلَهُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ بِشَرْطِ الإِْمْهَال كَمَا فِي الصَّوْمِ، فَإِذَا أَرَادَتْ طَوَافًا وَاحِدًا أَوْ عَدَدًا اغْتَسَلَتْ وَطَافَتْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ وَصَلَّتْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ تُمْهِل قَدْرًا يَسَعُ مِثْل طَوَافِهَا وَغَسْلِهِ وَرَكْعَتَيْهِ ثُمَّ تَفْعَل ذَلِكَ ثَانِيَةً، ثُمَّ تُمْهِل حَتَّى يَمْضِيَ تَمَامُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مِنْ أَوَّل اشْتِغَالِهَا بِغُسْل الطَّوَافِ الأَْوَّل، وَتُمْهِل بَعْدَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ لَحْظَةً تَسَعُ الْغُسْل وَالطَّوَافَ وَرَكْعَتَيْهِ وَيَكُونُ قَدْرَ الإِْمْهَال الأَْوَّل، ثُمَّ تَغْتَسِل وَتَطُوفُ وَتُصَلِّي رَكْعَتَيْهِ مَرَّةً ثَالِثَةً، وَالْغُسْل وَاجِبٌ فِي كُل مَرَّةٍ لِلطَّوَافِ.
وَأَمَّا الرَّكْعَتَانِ فَإِنْ قُلْنَا هُمَا سُنَّةٌ كَفَى لَهَا غُسْل الطَّوَافِ وَإِنْ قُلْنَا وَاجِبَتَانِ فَثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ:
الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ: يَجِبُ لِلصَّلاَةِ وُضُوءٌ لاَ تَجْدِيدُ غُسْلٍ،
وَالثَّانِي: لاَ يَجِبُ تَجْدِيدُ غُسْلٍ وَلاَ وُضُوءٌ لأَِنَّهَا تَابِعَةٌ لِلطَّوَافِ كَجُزْءٍ مِنْهُ وَبِهَذَا قَطَعَ الْمُتَوَلِّي.
وَالثَّالِثُ: يَجِبُ تَجْدِيدُ الْغُسْل حَكَاهُ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ (١) .
هـ - الاِحْتِيَاطُ فِي الْوَطْءِ وَالْعِدَّةِ
- اتَّفَقَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ وَطْءُ الْمُتَحَيِّرَةِ لاِحْتِمَال الْحَيْضِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَوْلٌ ضَعِيفٌ بِأَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ، لأَِنَّ الاِسْتِحَاضَةَ عِلَّةٌ مُزْمِنَةٌ وَالتَّحْرِيمُ دَائِمًا مُوقِعٌ فِي الْفَسَادِ.
وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ، إِذْ إِنَّهُمْ يَرَوْنَ عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ لاَ يُبَاحُ وَطْؤُهَا حَتَّى وَلَوْ لَمْ تَكُنْ مُتَحَيِّرَةً إِلاَّ أَنْ يَخَافَ الزَّوْجُ عَلَى نَفْسِهِ، لأَِنَّ بِهَا أَذًى فَيَحْرُمُ وَطْؤُهَا كَالْحَائِضِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَعَ وَطْءَ الْحَائِضِ مُعَلِّلًا بِالأَْذَى بِقَوْلِهِ: ﴿قُل هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ أَمَرَ بِاعْتِزَالِهِنَّ عَقِيبَ الأَْذَى مَذْكُورًا بِفَاءِ التَّعْقِيبِ، وَلأَِنَّ الْحُكْمَ إِذَا ذُكِرَ مَعَ وَصْفٍ يَقْتَضِيهِ وَيَصْلُحُ لَهُ عُلِّل بِهِ، وَالأَْذَى يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً فَيُعَلَّل بِهِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ فَيَثْبُتُ التَّحْرِيمُ فِي حَقِّهَا (٢) .
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ١٩٢، ومجموعة رسائل ابن عابدين ١ / ٩٩، والمجموع للإمام النووي ٢ / ٤٧٦، والقليوبي وعميرة ١ / ١٠٦ مطبعة عيسى البابي الحلبي، ومغني المحتاج ١ / ١١٦.
(٢) المغني ١ / ٣٣٩، والإنصاف ١ / ٣٨٢.
نَفَقَةُ الْمُتَحَيِّرَةِ
١٥ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ الْمُتَحَيِّرَةِ، وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَيْهِ: الْغَزَالِيُّ فِي الْخُلاَصَةِ (١) .
وَهَذَا مَا يُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي إِيجَابِ النَّفَقَةِ احْتِبَاسٌ يَنْتَفِعُ بِهِ الزَّوْجُ بِالْوَطْءِ أَوْ بِدَوَاعِيهِ (٢)، وَالثَّانِي مَوْجُودٌ فِي الْمُتَحَيِّرَةِ، وَمِنْ هَذَا الْمُنْطَلَقِ فَإِنَّهُمْ أَوْجَبُوا نَفَقَةَ الرَّتْقَاءِ وَالْقَرْنَاءِ (٣) .
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: إِنْ بَذَلَتِ الرَّتْقَاءُ أَوِ الْحَائِضُ أَوِ النُّفَسَاءُ أَوِ النِّضْوَةُ الْخَلْقِ الَّتِي لاَ يُمْكِنُ وَطْؤُهَا أَوِ الْمَرِيضَةُ تَسْلِيمَ نَفْسِهَا لَزِمَتْهُ نَفَقَتُهَا، وَإِنْ حَدَثَ بِهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا لأَِنَّ الاِسْتِمْتَاعَ مُمْكِنٌ وَلاَ تَفْرِيطَ مِنْ جِهَتِهَا (٤) .
وَالْمَالِكِيَّةُ تَخْرُجُ الْمُتَحَيِّرَةُ عِنْدَهُمْ مِنْ تَحَيُّرِهَا بِاسْتِيفَاءِ تَمَامِ حَيْضِهَا بِنِصْفِ شَهْرٍ أَوْ بِالاِسْتِظْهَارِ ثُمَّ هِيَ مُسْتَحَاضَةٌ وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ طَاهِرٌ تَصُومُ وَتُصَلِّي وَتُوطَأُ (٥) فَتَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ لأَِنَّ شُرُوطَ وُجُوبِ النَّفَقَةِ عِنْدَ
_________
(١) المجموع ٢ / ٤٧٨ - ط. السلفية.
(٢) حاشية الطحطاوي على الدر ٢ / ٢٥١.
(٣) المرجع السابق.
(٤) المغني ٧ / ٦٠٣.
(٥) الشرح الصغير ١ / ٢٠٩ - ٢١٠.
الْمَالِكِيَّةِ هِيَ: السَّلاَمَةُ مِنَ الإِْشْرَافِ عَلَى الْمَوْتِ، وَبُلُوغُ الزَّوْجِ، وَإِطَاقَةُ الزَّوْجَةِ لِلْوَطْءِ (١) وَالْمُسْتَحَاضَةُ صَالِحَةٌ لِلْوَطْءِ.
عِدَّةُ الْمُتَحَيِّرَةِ
١٦ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ وَالْحَنَفِيَّةُ فِي قَوْلٍ وَعِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ وَأَبُو عُبَيْدٍ إِلَى أَنَّ الْمُتَحَيِّرَةَ تَعْتَدُّ بِثَلاَثَةِ أَشْهُرٍ لاِشْتِمَال كُل شَهْرٍ عَلَى طُهْرٍ وَحَيْضٍ غَالِبًا، وَلِعِظَمِ مَشَقَّةِ الاِنْتِظَارِ إِلَى سِنِّ الْيَأْسِ، وَلأَِنَّهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مُرْتَابَةٌ (٢)، فَدَخَلَتْ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ﴾، وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ حَمْنَةَ بِنْتَ جَحْشٍ ﵂ أَنْ تَجْلِسَ فِي كُل شَهْرٍ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً (٣) فَجَعَل لَهَا حَيْضَةً فِي كُل شَهْرٍ تَتْرُكُ فِيهَا الصَّلاَةَ وَالصِّيَامَ وَيَثْبُتُ فِيهَا سَائِرُ أَحْكَامِ الْحَيْضِ فَيَجِبُ أَنْ تَنْقَضِيَ بِهِ الْعِدَّةُ، لأَِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِ الْحَيْضِ (٤) .
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ إِنْ بَقِيَ مِنَ الشَّهْرِ الَّذِي طَلُقَتْ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا
_________
(١) الصاوي مع الشرح الصغير ٢ / ٧٣٠.
(٢) مغني المحتاج ٣ / ٣٨٥، وروضة الطالبين ٨ / ٣٦٩، والمغني ٧ / ٤٦٧، والإنصاف ٩ / ٢٨٦، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٦٠٢ - ط. بولاق، وفتح القدير ٣ / ٢٩١ ط بولاق.
(٣) حديث حمنة سبق تخريجه ف ٧.
(٤) المغني ٧ / ٤٦٧.
عُدَّتِ الْبَقِيَّةُ قُرْءًا لاِشْتِمَالِهَا عَلَى طُهْرٍ لاَ مَحَالَةَ، وَتَعْتَدُّ بَعْدَهُ بِهِلاَلَيْنِ، فَإِنْ بَقِيَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَأَقَل لَمْ تُحْتَسَبْ تِلْكَ الْبَقِيَّةُ لاِحْتِمَال أَنَّهَا حَيْضٌ فَتَبْتَدِئُ الْعِدَّةَ مِنَ الْهِلاَل؛
لأَِنَّ الأَْشْهُرَ لَيْسَتْ مُتَأَصِّلَةً فِي حَقِّ الْمُتَحَيِّرَةِ، وَإِنَّمَا حُسِبَ كُل شَهْرٍ فِي حَقِّهَا قُرْءًا لاِشْتِمَالِهِ عَلَى حَيْضٍ وَطُهْرٍ غَالِبًا بِخِلاَفِ مَنْ لَمْ تَحِضْ وَالآْيِسَةِ حَيْثُ يُكْمِلاَنِ الْمُنْكَسِرَ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ هَذَا فِي شَأْنِ الْمُتَحَيِّرَةِ الَّتِي لَمْ تَحْفَظْ قَدْرَ دَوْرَتِهَا، أَمَّا إِذَا حَفِظَتْ قَدْرَ الأَْدْوَارِ فَإِنَّهَا تَعْتَدُّ بِثَلاَثَةٍ مِنْهَا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثَةِ أَشْهُرٍ أَمْ أَقَل لاِشْتِمَالِهَا عَلَى ثَلاَثَةِ أَطْهَارٍ، وَكَذَا لَوْ شَكَّتْ فِي قَدْرِ أَدْوَارِهَا وَلَكِنَّهَا قَالَتْ: أَعْلَمُ أَنَّهَا لاَ تُجَاوِزُ سَنَةً مَثَلًا: أَخَذَتْ بِالأَْكْثَرِ وَتَجْعَل السَّنَةَ دَوْرَهَا، ذَكَرَهُ الدَّارِمِيُّ وَوَافَقَهُ النَّوَوِيُّ.
وَقِيل: تَعْتَدُّ الْمُتَحَيِّرَةُ بِمَا ذُكِرَ بَعْدَ الْيَأْسِ لأَِنَّهَا قَبْلَهُ مُتَوَقِّعَةٌ لِلْحَيْضِ الْمُسْتَقِيمِ.
وَأَضَافُوا: إِنَّ مَحَل الْخِلاَفِ الْمَذْكُورِ فِي الْمُتَحَيِّرَةِ بِالنِّسْبَةِ لِتَحْرِيمِ نِكَاحِهَا، أَمَّا الرَّجْعَةُ وَحَقُّ السُّكْنَى، فَإِلَى ثَلاَثَةِ أَشْهُرٍ فَقَطْ قَطْعًا (١) .
وَقَال ابْنُ الْهُمَامِ: اعْلَمْ أَنَّ إِطْلاَقَهُمْ فِي الاِنْقِضَاءِ بِثَلاَثَةِ أَشْهُرٍ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ النَّاسِيَةِ
_________
(١) مغني المحتاج ٢ / ٣٨٥ - ٣٨٦.
لِعَادَتِهَا لاَ يَصِحُّ إِلاَّ فِيمَا إِذَا طَلَّقَهَا أَوَّل الشَّهْرِ، أَمَّا لَوْ طَلَّقَهَا بَعْدَمَا مَضَى مِنَ الشَّهْرِ قَدْرُ مَا يَصِحُّ حَيْضَةً يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ ثَلاَثَةَ أَشْهُرٍ غَيْرَ بَاقِي هَذَا الشَّهْرِ وَالْوَجْهُ ظَاهِرٌ (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ وَإِسْحَاقُ إِلَى أَنَّ الْمُتَحَيِّرَةَ تَعْتَدُّ سَنَةً بِمَنْزِلَةِ مَنْ رُفِعَتْ حَيْضَتُهَا لاَ تَدْرِي مَا رَفَعَهَا (٢)، قَال أَحْمَدُ: إِذَا كَانَتْ قَدِ اخْتَلَطَتْ وَلَمْ تَعْلَمْ إِقْبَال الدَّمِ وَإِدْبَارَهُ اعْتَدَّتْ لِمَا وَرَدَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَال فِي رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَحَاضَتْ حَيْضَةً أَوْ حَيْضَتَيْنِ فَارْتَفَعَ حَيْضُهَا لاَ تَدْرِي مَا رَفَعَهُ؟ تَجْلِسُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَبِنْ بِهَا حَمْلٌ تَعْتَدُّ بِثَلاَثَةِ أَشْهُرٍ فَذَلِكَ سَنَةٌ (٣) .
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الْمُتَحَيِّرَةَ تَعْتَدُّ بِتِسْعَةِ أَشْهُرٍ اسْتِبْرَاءً لِزَوَال الرِّيبَةِ لأَِنَّهَا مُدَّةُ الْحَمْل غَالِبًا ثُمَّ تَعْتَدُّ بِثَلاَثَةِ أَشْهُرٍ، وَتَحِل بَعْدَ السَّنَةِ، حُرَّةً كَانَتْ أَمْ أَمَةً، وَقِيل: إِنَّ السَّنَةَ كُلَّهَا عِدَّةٌ، قَال الدُّسُوقِيُّ: وَالصَّوَابُ أَنَّ الْخِلاَفَ لَفْظِيٌّ (٤) .
وَالْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْمُتَحَيِّرَةَ تَنْقَضِي
_________
(١) فتح القدير ٣ / ٢٧٣ - ط. بولاق.
(٢) الفواكه الدواني ٢ / ٩٢، وحاشية الدسوقي ٢ / ٤٧٠، والمغني ٧ / ٤٦٧.
(٣) المغني ٧ / ٤٦٦، ٤٦٧.
(٤) حاشية الدسوقي ٢ / ٧٠ - ط. دار الفكر.
عِدَّتُهَا بِسَبْعَةِ أَشْهُرٍ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَأَمَّا مُمْتَدَّةُ الْحَيْضِ أَيْ مُمْتَدَّةُ الدَّمِ أَوِ الْمُسْتَحَاضَةُ، وَالْمُرَادُ بِهَا الْمُتَحَيِّرَةُ الَّتِي نَسِيَتْ عَادَتَهَا، فَالْمُفْتَى بِهِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ تَقْدِيرُ طُهْرِهَا بِشَهْرَيْنِ فَسِتَّةُ أَشْهُرٍ لِلأَْطْهَارِ، وَثَلاَثُ حِيَضٍ بِشَهْرٍ احْتِيَاطًا قَال ابْنُ عَابِدِينَ حَاصِلُهُ: أَنَّ الْمُتَحَيِّرَةَ تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِسَبْعَةِ أَشْهُرٍ (١) .
وَيَرَى الْمَيْدَانِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ - وَعَلَيْهِ الأَْكْثَرُ - أَنَّ الْمُتَحَيِّرَةَ يُقَدَّرُ حَيْضُهَا بِعَشَرَةٍ وَطُهْرُهَا بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ إِلاَّ سَاعَةً فَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِتِسْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا وَعَشَرَةِ أَيَّامٍ غَيْرَ أَرْبَعِ سَاعَاتٍ، لاِحْتِمَال أَنَّ الطَّلاَقَ كَانَ بَعْدَ سَاعَةٍ مِنْ حَيْضِهَا فَلاَ تَحْسِبُ هَذِهِ الْحَيْضَةَ وَذَلِكَ عَشَرَةُ أَيَّامٍ إِلاَّ سَاعَةً، ثُمَّ يُحْتَاجُ إِلَى ثَلاَثَةِ أَطْهَارٍ وَثَلاَثِ حِيَضٍ (٢) .
وَقَال فِي عُمَدِ الأَْدِلَّةِ: الْمُسْتَحَاضَةُ النَّاسِيَةُ لِوَقْتِ حَيْضِهَا تَعْتَدُّ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ (٣) .
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: يَنْبَغِي أَنْ يُقَال: إِنَّنَا مَتَى حَكَمْنَا بِأَنَّ حَيْضَهَا سَبْعَةُ أَيَّامٍ مِنْ كُل شَهْرٍ فَمَضَى لَهَا شَهْرَانِ بِالْهِلاَل وَسَبْعَةُ أَيَّامٍ مِنْ أَوَّل الثَّالِثِ فَقَدِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَإِنْ قُلْنَا الْقُرُوءُ الأَْطْهَارُ فَطَلَّقَهَا فِي آخِرِ شَهْرٍ ثُمَّ مَرَّ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٦٠٢ - ط. بولاق. وانظر الطحطاوي على مراقي الفلاح ص٦٧.
(٢) رسائل ابن عابدين ص٩٩.
(٣) الإنصاف ٩ / ٢٨٧.
لَهَا شَهْرَانِ وَهَل الثَّالِثُ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا (١) .
ثَانِيًا: الْمُتَحَيِّرَةُ فِي النِّفَاسِ
- يَجِبُ عَلَى كُل امْرَأَةٍ حِفْظُ عَادَتِهَا فِي الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ عَدَدًا وَمَكَانًا (٢) فَإِنْ أَضَلَّتْ عَادَتَهَا فِي النِّفَاسِ وَلَمْ يُجَاوِزِ الدَّمُ أَرْبَعِينَ، فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ كُلَّهُ نِفَاسٌ كَيْفَ كَانَتْ عَادَتُهَا وَتَتْرُكُ الصَّلاَةَ وَالصَّوْمَ، فَلاَ تَقْضِي شَيْئًا مِنَ الصَّلاَةِ بَعْدَ الأَْرْبَعِينَ.
فَإِنْ جَاوَزَ الأَْرْبَعِينَ تَتَحَرَّى، فَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ ظَنُّهَا عَلَى شَيْءٍ مِنَ الأَْرْبَعِينَ أَنَّهُ كَانَ عَادَةً لَهَا قَضَتْ صَلاَةَ الأَْرْبَعِينَ لِجَوَازِ أَنَّ نِفَاسَهَا كَانَ سَاعَةً، وَلأَِنَّهَا لَمْ تَعْلَمْ كَمْ عَادَتُهَا حَتَّى تُرَدَّ إِلَيْهَا عِنْدَ الْمُجَاوَزَةِ عَلَى الأَْكْثَرِ، فَإِنْ قَضَتْهَا فِي حَال اسْتِمْرَارِ الدَّمِ تُعِيدُ بَعْدَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ لاِحْتِمَال حُصُول الْقَضَاءِ أَوَّل مَرَّةٍ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ، وَالاِحْتِيَاطُ فِي الْعِبَادَاتِ وَاجِبٌ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ حُكْمَ صَوْمِهَا إِذَا أَضَلَّتْ عَادَتَهَا فِي النِّفَاسِ وَالْحَيْضِ مَعًا، وَتَخْرِيجُهُ عَلَى مَا مَرَّ أَنَّهَا إِذَا وَلَدَتْ أَوَّل لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ وَكَانَ الشَّهْرُ كَامِلًا، وَعَلِمَتْ أَنَّ حَيْضَهَا يَكُونُ بِاللَّيْل أَيْضًا تَصُومُ رَمَضَانَ لاِحْتِمَال أَنَّ نِفَاسَهَا سَاعَةٌ، ثُمَّ إِذَا قَضَتْ مَوْصُولًا تَقْضِي تِسْعَةً وَأَرْبَعِينَ لأَِنَّهَا تُفْطِرُ يَوْمَ
_________
(١) المغني لابن قدامة ٧ / ٤٦٧.
(٢) رسائل ابن عابدين ١ / ٩٩.
الْعِيدِ ثُمَّ تَصُومُ تِسْعَةً يُحْتَمَل أَنَّهَا تَمَامُ نِفَاسِهَا فَلاَ تُجْزِيهَا ثُمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ وَهِيَ طُهْرٌ فَتُجْزِي، ثُمَّ عَشَرَةً تَحْتَمِل الْحَيْضَ فَلاَ تُجْزِي، ثُمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ هِيَ طُهْرٌ فَتُجْزِي، وَالْجُمْلَةُ تِسْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ صَحَّ مِنْهَا ثَلاَثُونَ.
وَلَوْ وَلَدَتْ نَهَارًا وَعَلِمَتْ أَنَّ حَيْضَهَا بِالنَّهَارِ أَوْ لَمْ تَعْلَمْ تَقْضِي اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ لأَِنَّهَا تُفْطِرُ يَوْمَ الْعِيدِ، ثُمَّ تَصُومُ عَشَرَةً لاَ تُجْزِئُ لاِحْتِمَال أَنَّهَا آخِرُ نِفَاسِهَا ثُمَّ تَصُومُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا يُجْزِيهَا مِنْهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ وَلاَ تُجْزِي أَحَدَ عَشَرَ، ثُمَّ تَصُومُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ كَذَلِكَ فَقَدْ صَحَّ لَهَا فِي الطُّهْرَيْنِ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ، ثُمَّ تَصُومُ يَوْمَيْنِ تَمَامَ الثَّلاَثِينَ، وَالْجُمْلَةُ اثْنَانِ وَسِتُّونَ.
وَعَلَى هَذَا يُسْتَخْرَجُ حُكْمُ مَا إِذَا قَضَتْهُ مَفْصُولًا وَمَا إِذَا كَانَ الشَّهْرُ نَاقِصًا وَمَا إِذَا عَلِمَتْ عَدَدَ أَيَّامِ حَيْضِهَا فَقَطْ (١) .
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ عَلَى الْمَشْهُورِ أَنَّ أَكْثَرَ زَمَنِ النِّفَاسِ إِذَا تَمَادَى مُتَّصِلًا أَوْ مُنْقَطِعًا سِتُّونَ يَوْمًا ثُمَّ هِيَ مُسْتَحَاضَةٌ وَلاَ تُسْتَظْهَرُ عَلَى السِّتِّينَ كَبُلُوغِ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَقَال الْخَرَشِيُّ بَعْدَ نَقْل هَذَا الْقَوْل: وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا لاَ تُعَوِّل عَلَى عَادَتِهَا خِلاَفًا لِمَا فِي الإِْرْشَادِ (٢) وَفِي
_________
(١) رسائل ابن عابدين ١ / ١٠٨.
(٢) الخرشي ١ / ٢١٠، وانظر التاج والإكليل ١ / ٣٧٦.