الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٥ الصفحة 62

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٥

لَقِيطٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - اللَّقِيطُ فِي اللُّغَةِ: الطِّفْل الَّذِي يُوجَدُ مَرْمِيًّا عَلَى الطُّرُقِ لاَ يُعْرَفُ أَبُوهُ وَلاَ أُمُّهُ (١) .

وَفِي الْمِصْبَاحِ: وَقَدْ غَلَبَ اللَّقِيطُ عَلَى الْمَوْلُودِ الْمَنْبُوذِ (٢) .

وَاصْطِلاَحًا عَرَّفَهُ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ: اسْمٌ لِحَيٍّ مَوْلُودٍ طَرَحَهُ أَهْلُهُ خَوْفًا مِنَ الْعَيْلَةِ أَوْ فِرَارًا مِنْ تُهْمَةِ الرِّيبَةِ (٣) .

وَعَرَّفَهُ ابْنُ عَرَفَةَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّهُ: صَغِيرٌ آدَمِيٌّ لَمْ يُعْلَمْ أَبُوهُ وَلاَ رِقُّهُ (٤) .

وَعَرَّفَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ: كُل صَبِيٍّ ضَائِعٍ لاَ كَافِل لَهُ (٥) .

وَعَرَّفَهُ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ: طِفْلٌ غَيْرُ مُمَيِّزٍ لاَ يُعْرَفُ نَسَبُهُ وَلاَ رِقُّهُ طُرِحَ فِي شَارِعٍ أَوْ ضَل الطَّرِيقَ مَا بَيْنَ وِلاَدَتِهِ إِلَى سِنِّ التَّمْيِيزِ (٦) .

_________

(١) لسان العرب.

(٢) المصباح المنير.

(٣) الدر المختار على رد المحتار ٣ / ٣١٤.

(٤) الخرشي ٧ / ١٣٠.

(٥) روضة الطالبين ٥ / ٤١٨.

(٦) كشاف القناع ٤ / ٢٢٦.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - اللُّقَطَةُ:

٢ - اللُّقَطَةُ فِي اللُّغَةِ - بِفَتْحِ الْقَافِ كَمَا قَال الأَْزْهَرِيُّ - اسْمُ الشَّيْءِ الَّذِي تَجِدُهُ مُلْقًى فَتَأْخُذُهُ.

وَاللَّقَطُ - بِفَتْحَتَيْنِ - مَا يُلْقَطُ مِنْ مَعْدِنٍ وَسُنْبُل وَغَيْرِهِ، وَاللُّقَطَةُ: مَا الْتُقِطَ (١) .

وَشَرْعًا هِيَ: مَالٌ يُوجَدُ ضَائِعًا.

قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَخُصَّ اللَّقِيطُ بِبَنِي آدَمَ، وَاللُّقَطَةُ بِغَيْرِهِمْ لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَهُمَا (٢) .

ب - الضَّائِعُ:

٣ - الضَّائِعُ فِي اللُّغَةِ مِنْ ضَاعَ الشَّيْءُ يَضِيعُ ضَيَاعًا: إِذَا فُقِدَ وَهَلَكَ، وَخَصَّهُ أَهْل اللُّغَةِ بِغَيْرِ الْحَيَوَانِ كَالْعِيَال وَالْمَال، يُقَال: أَضَاعَ الرَّجُل عِيَالَهُ وَمَالَهُ. وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَاهُ الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٣) .

وَعَلَى ذَلِكَ فَالضَّائِعُ أَعَمُّ مِنَ اللَّقِيطِ لأَِنَّهُ يَشْمَل الإِْنْسَانَ وَالْمَال.

حُكْمُ الْتِقَاطِ اللَّقِيطِ

٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى أَنَّ الْتِقَاطَ الْمَنْبُوذِ فَرْضُ كِفَايَةٍ

_________

(١) لسان العرب.

(٢) الدر المختار ٣ / ٣١٨، وانظر: كشاف القناع ٤ / ٢٠٩.

(٣) الصحاح ولسان العرب والمصباح المنير والمعجم الوسيط.

إِذَا قَامَ بِهِ بَعْضُهُمْ سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ وَإِلاَّ أَثِمُوا جَمِيعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (١) وَلأَِنَّ فِيهِ إِحْيَاءَ نَفْسٍ، قَال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (٢)، إِذْ بِإِحْيَائِهَا يَسْقُطُ الْحَرَجُ عَنِ النَّاسِ لأَِنَّهُ آدَمِيٌّ مُحْتَرَمٌ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: هَذَا إِذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ سَيَرَاهُ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لاَ يُوجَدُ غَيْرُهُ كَانَ الْتِقَاطُهُ فَرْضَ عَيْنٍ (٣) .

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْتِقَاطَ الْمَنْبُوذِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا أَتَى سَيِّدَنَا عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِلَقِيطٍ فَقَال: هُوَ حُرٌّ وَلأَنْ أَكُونَ وَلِيتُ مِنْ أَمْرِهِ مِثْل الَّذِي وَلِيتَ أَنْتَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا، عَدَّ جُمْلَةً مِنْ أَعْمَال الْخَيْرِ، فَقَدْ رَغِبَ فِي الاِلْتِقَاطِ وَبَالَغَ فِي التَّرْغِيبِ فِيهِ حَيْثُ فَضَلَّهُ عَلَى جُمْلَةٍ مِنْ أَعْمَال الْخَيْرِ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي النَّدْبِ إِلَيْهِ، وَلأَِنَّهُ - نَفْسٌ لاَ حَافِظَ لَهَا بَل هِيَ مَضْيَعَةٌ فَكَانَ الْتِقَاطُهَا إِحْيَاءً لَهَا مَعْنًى (٤) .

وَهَذَا إِذَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ هَلاَكُهُ، فَإِنْ

_________

(١) سورة المائدة / ٢.

(٢) سورة المائدة / ٣٢.

(٣) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤ / ١٢٤، ونهاية المحتاج ٥ / ٤٤٤، ومغني المحتاج ٢ / ٤١٨، والمغني ٥ / ٧٤٧ ط الرياض، وكشاف القناع ٤ / ٢٢٦.

(٤) بدائع الصنائع ٦ / ١٩٨.

غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ هَلاَكُهُ لَوْ لَمْ يَرْفَعْهُ بِأَنْ وَجَدَهُ فِي مَفَازَةٍ وَنَحْوِهَا مِنَ الْمَهَالِكِ كَانَ الْتِقَاطُهُ فَرْضَ كِفَايَةٍ، وَإِذَا كَانَ لاَ يَعْلَمُ بِهِ غَيْرُهُ كَانَ الْتِقَاطُهُ فَرْضَ عَيْنٍ (١) .

الإِْشْهَادُ عَلَى الاِلْتِقَاطِ

٥ - قَال الْمَالِكِيَّةُ: يَنْبَغِي لِلْمُلْتَقِطِ الإِْشْهَادُ عِنْدَ الاِلْتِقَاطِ عَلَى أَنَّهُ الْتَقَطَهُ خَوْفَ طُول الزَّمَانِ فَيَدَّعِي الْوَلَدِيَّةَ أَوِ الاِسْتِرْقَاقَ، فَإِنْ تَحَقَّقَ أَوْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ ذَلِكَ وَجَبَ الإِْشْهَادُ (٢) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَجِبُ الإِْشْهَادُ عَلَى الاِلْتِقَاطِ فِي الأَْصَحِّ وَإِنْ كَانَ الْمُلْتَقِطُ مَشْهُورَ الْعَدَالَةِ لِئَلاَّ يُسْتَرَقَّ وَيَضِيعَ نَسَبُهُ، وَيَجِبُ الإِْشْهَادُ عَلَى مَا مَعَهُ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ.

وَمُقَابِل الأَْصَحِّ: لاَ يَجِبُ الإِْشْهَادُ اعْتِمَادًا عَلَى الأَْمَانَةِ.

وَمَحَل وُجُوبِ الإِْشْهَادِ مَا لَمْ يُسَلِّمْهُ لَهُ الْحَاكِمُ فَإِنْ سَلَّمَهُ لَهُ سُنَّ وَلاَ يَجِبُ (٣) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُسْتَحَبُّ لِلْمُلْتَقِطِ الإِْشْهَادُ عَلَيْهِ كَاللُّقَطَةِ دَفْعًا لِنَفْسِهِ لِئَلاَّ تُرَاوِدَهُ بِاسْتِرْقَاقِهِ، كَمَا يُسْتَحَبُّ الإِْشْهَادُ عَلَى مَا مَعَ

_________

(١) فتح القدير ٥ / ٣٤٢ نشر دار إحياء التراث، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣١٤.

(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤ / ١٢٦.

(٣) نهاية المحتاج ٥ / ٤٤٤، ومغني المحتاج ٢ / ٤١٨.

اللَّقِيطِ مِنْ مَالٍ صَوْنًا لِنَفْسِهِ عَنْ جَحْدِهِ (١) .

الأَْحَقُّ بِإِمْسَاكِ اللَّقِيطِ

٦ - الْمُلْتَقِطُ أَحَقُّ بِإِمْسَاكِ اللَّقِيطِ مِنْ غَيْرِهِ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ لأَِنَّهُ هُوَ الَّذِي أَحْيَاهُ بِالْتِقَاطِهِ وَلأَِنَّهُ مُبَاحُ الأَْخَذِ سَبَقَتْ يَدُ الْمُلْتَقِطِ إِلَيْهِ، وَالْمُبَاحُ مُبَاحُ مَنْ سَبَقَ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ (٢)، وَهَذَا أَصْلٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ إِذَا تَحَقَّقَتْ فِي الْمُلْتَقِطِ الشُّرُوطُ الَّتِي اعْتَبَرَهَا كُل مَذْهَبٍ فَإِنْ تَخَلَّفَ شَرْطٌ مِنْهَا انْتُزِعَ مِنْ يَدِهِ (٣) .

٧ - وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَنْتَزِعُهُ مِنْ يَدِ الْمُلْتَقِطِ فِي الأَْحْوَال الآْتِيَةِ:

أ - إِذَا الْتَقَطَهُ صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِمَا وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْ كَلاَمِ الْمَالِكِيَّةِ (٤) .

ب - إِذَا الْتَقَطَهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ فَإِنَّهُ يُنْتَزَعُ

_________

(١) كشاف القناع ٤ / ٢٢٩، والمغني ٥ / ٧٥٦.

(٢) حديث: " من سبق إلى ما لم يسبق إليه. . . ". أخرجه أبو داود (٣ / ٤٥٣) من حديث أسمر بن مضرس، واستغربه المنذري كما في مختصر السنن (٤ / ٢٦٤) .

(٣) بدائع الصنائع ٦ / ١٩٨، والهداية وفتح القدير ٥ / ٣٤٣، نشر دار إحياء التراث، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٤ / ١٢٦، ونهاية المحتاج ٥ / ٤٤٧، وكشاف القناع ٤ / ٢٢٨.

(٤) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣١٤، ومغني المحتاج ٢ / ٤١٨، وكشاف القناع ٤ / ٢٢٩، والشرح الكبير للدردير ٤ / ١٢٦، ونهاية المحتاج ٥ / ٤٤٦.

مِنْهُ لأَِنَّهُ لاَ وِلاَيَةَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَعَلَى غَيْرِهِ أَوْلَى، وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَلاَ يُشْتَرَطُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِذْ يَجُوزُ عِنْدَهُمُ الْتِقَاطُ السَّفِيهِ وَلاَ يُنْتَزَعُ مِنْ يَدِهِ فَقَدْ قَال ابْنُ عَابِدِينَ الْعَبْدُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ يَصِحُّ الْتِقَاطُهُ فَالْمَحْجُورُ لِسَفَهٍ أَوْلَى (١) .

ج - إِذَا الْتَقَطَهُ فَاسِقٌ فَإِنَّهُ يُنْتَزَعُ مِنْهُ لأَِنَّ الْعَدَالَةَ شَرْطٌ فِي إِقْرَارِهِ فِي يَدِ الْمُلْتَقِطِ وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ.

قَال الشَّافِعِيَّةُ: وَأَمَّا مَنْ ظَاهِرُ حَالِهِ الأَْمَانَةُ: إِلاَّ أَنَّهُ لَمْ يُخْتَبَرْ فَلاَ يُنْتَزَعُ مِنْ يَدِهِ لَكِنْ يُوَكِّل الْقَاضِي بِهِ مَنْ يُرَاقِبُهُ بِحَيْثُ لاَ يَعْلَمُ لِئَلاَّ يَتَأَذَّى (٢) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِذَا الْتَقَطَ اللَّقِيطَ مَنْ هُوَ مَسْتُورُ الْحَال لَمْ تُعْرَفْ مِنْهُ حَقِيقَةُ الْعَدَالَةِ وَلاَ الْخِيَانَةُ أُقِرَّ اللَّقِيطُ فِي يَدَيْهِ، لأَِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْعَدْل فِي لُقَطَةِ الْمَال وَالْوِلاَيَةِ فِي النِّكَاحِ وَالشَّهَادَةِ فِيهِ، وَلأَِنَّ الأَْصْل فِي الْمُسْلِمِ الْعَدَالَةُ، وَلِذَلِكَ قَال عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ (٣) .

وَلاَ يُشْتَرَطُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَقَدْ جَاءَ فِي

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣١٤، والفواكه الدواني ٢ / ٢٤٣، ونهاية المحتاج ٥ / ٤٤٦، وروضة الطالبين ٥ / ٤١٩، وكشاف القناع ٤ / ٢٢٩.

(٢) روضة الطالبين ٥ / ٤١٩، ومغني المحتاج ٢ / ٤١٨.

(٣) المغني ٥ / ٧٥٧، وكشاف القناع ٤ / ٢٢٩.

حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ: الْتِقَاطُ الْكَافِرِ صَحِيحٌ وَالْفَاسِقِ أَوْلَى، لَكِنْ قَال ابْنُ عَابِدِينَ لَوْ كَانَ الْمُلْتَقِطُ فَاسِقًا فَإِنَّهُ يُنْتَزَعُ مِنْهُ إِنْ خَشِيَ عَلَيْهِ الْفُجُورَ بِاللَّقِيطِ فَيُنْتَزَعُ مِنْهُ قَبْل حَدِّ الاِشْتِهَاءِ (١) .

د - إِذَا الْتَقَطَهُ عَبْدٌ دُونَ إِذْنِ سَيِّدِهِ فَإِنَّهُ يُنْتَزَعُ مِنْهُ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ فِي الْتِقَاطِهِ أَوْ عَلِمَ السَّيِّدُ بَعْدَ الْتِقَاطِهِ وَأَقَرَّهُ فِي يَدِهِ فَلاَ يُنْتَزَعُ مِنْهُ وَكَانَ السَّيِّدُ هُوَ الْمُلْتَقِطَ وَهُوَ نَائِبُهُ فِي الأَْخْذِ وَالتَّرْبِيَةِ، وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (٢) .

وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْحَنَفِيَّةُ الْحُرِّيَّةَ فِي الاِلْتِقَاطِ فَقَالُوا: يَصِحُّ الْتِقَاطُ الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ (٣) .

هـ - إِذَا الْتَقَطَهُ كَافِرٌ وَكَانَ اللَّقِيطُ مَحْكُومًا بِإِسْلاَمِهِ فَإِنَّهُ يُنْتَزَعُ مِنْهُ لأَِنَّهُ يُشْتَرَطُ الإِْسْلاَمُ فِي الْتِقَاطِ الْمُسْلِمِ وَلأَِنَّ الْكَفَالَةَ وِلاَيَةٌ وَلاَ وِلاَيَةَ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَلأَِنَّهُ لاَ يُؤْمِنُ أَنْ يَفْتِنَهُ فِي دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ اللَّقِيطُ مَحْكُومًا بِكُفْرِهِ أُقِرَّ فِي يَدِهِ لأَِنَّهُ عَلَى دِينِهِ، وَلأَِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ

_________

(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣١٤.

(٢) حاشية الدسوقي ٤ / ١٢٦، ١٢٧، والفواكه الدواني ٢ / ٢٤٣، وروضة الطالبين ٥ / ٤١٩، والمغني ٥ / ٧٥٩، ومنتهى الإرادات ٢ / ٤٨٣.

(٣) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣١٤.

أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (١)، وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْحَنَفِيَّةُ الإِْسْلاَمَ فِيمَنْ يَلْتَقِطُ (٢) .

ووَقَدْ ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ شَرْطًا عَامًّا وَهُوَ كَوْنُ الْمُلْتَقِطِ أَهْلًا لِحِفْظِ اللَّقِيطِ، قَالُوا: وَيَنْبَغِي أَنْ يُنْتَزَعَ مِنْهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِحِفْظِهِ (٣)، كَمَا أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُلْتَقِطُ ذَكَرًا عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ فَيَصِحُّ الْتِقَاطُ الْمَرْأَةِ وَلاَ يُنْتَزَعُ مِنْهَا إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَيَّدُوا ذَلِكَ بِمَا إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ حُرَّةً خَالِيَةً مِنَ الأَْزْوَاجِ أَوْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ وَأَذِنَ لَهَا زَوْجُهَا (٤) .

ز - فِي وَجْهٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ إِذَا الْتَقَطَهُ فَقِيرٌ فَإِنَّهُ لاَ يُقَرُّ فِي يَدِهِ، لأَِنَّهُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ بِحَضَانَتِهِ وَفِي ذَلِكَ إِضْرَارٌ بِاللَّقِيطِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ يُقَرُّ فِي يَدِهِ لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُومُ بِكِفَايَةِ الْجَمِيعِ.

هَذَا مَا ذَكَرَهُ الشِّيرَازِيُّ إِلاَّ أَنَّ النَّوَوِيَّ ذَكَرَ بِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ الْغِنَى (٥) .

_________

(١) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٤ / ١٢٧، والمهذب ١ / ٤٤٢، ومغني المحتاج ٢ / ٤١٨، والمغني ٥ / ٧٥٩.

(٢) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣١٤.

(٣) المرجع السابق ص٣١٤ - ٣١٥.

(٤) الفواكه الدواني ٢ / ٢٤٣، وروضة الطالبين ٥ / ٤١٩، والمغني ٥ / ٧٦١.

(٥) المهذب ١ / ٤٤٣، وروضة الطالبين ٥ / ٤١٩.

السَّفَرُ بِاللَّقِيطِ

٨ - ذَكَرَ حُكْمَ السَّفَرِ بِاللَّقِيطِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ مَعَ تَفْصِيلٍ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بَيَانُهُ فِيمَا يَلِي:

فَرَّقَ الشَّافِعِيَّةُ بَيْنَ الْتِقَاطِ الْمُقِيمِ فِي مَكَانٍ وَالْغَرِيبِ عَنْ مَكَانِ الْمُلْتَقِطِ فَقَالُوا:

أ - الأَْصَحُّ أَنَّ الْغَرِيبَ إِذَا كَانَ أَمِينًا وَاخْتُبِرَتْ أَمَانَتُهُ وَوَجَدَ لَقِيطًا بِبَلَدٍ فَلَهُ أَنْ يَنْقُلَهُ إِلَى بَلَدِهِ لِتَقَارُبِ الْمَعِيشَةِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَمْنِ الطَّرِيقِ وَتَوَاصُل الأَْخْبَارِ، فَإِنْ لَمْ تُخْتَبَرْ أَمَانَتُهُ وَجُهِل حَالُهُ لَمْ يُقَرَّ فِي يَدِهِ لأَِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ أَنْ يَسْتَرِقَّهُ إِذَا غَابَ وَمُقَابِل الأَْصَحِّ لاَ يَجُوزُ لَهُ نَقْلُهُ خَشْيَةَ ضَيَاعِ النَّسَبِ (١) .

ب - وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا وَجَدَ بَلَدِيٌّ لَقِيطًا بِبَلَدٍ فَلَيْسَ لَهُ نَقْلُهُ إِلَى بَادِيَةٍ لِخُشُونَةِ عَيْشِهَا وَتَفْوِيتِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَالصَّنْعَةِ، وَقِيل لِضَيَاعِ النَّسَبِ.

وَالأَْصَحُّ أَنَّ لَهُ نَقْلَهُ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ. وَهَذَا الْخِلاَفُ إِنَّمَا هُوَ عِنْدَ أَمْنِ الطَّرِيقِ وَتَوَاصُل الأَْخْبَارِ، فَإِنْ كَانَ الطَّرِيقُ مَخُوفًا أَوِ انْقَطَعَتِ الأَْخْبَارُ بَيْنَهُمَا لَمْ يُقَرَّ اللَّقِيطُ فِي يَدِهِ قَطْعًا.

وَلَمْ يُفَرِّقَ الْجُمْهُورُ (أَيْ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ

_________

(١) مغني المحتاج ٢ / ٤٢٠، ونهاية المحتاج ٥ / ٤٤٨.

الشَّافِعِيَّةِ) بَيْنَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَدُونِهَا، وَجَعَل الْمَاوَرْدِيُّ الْخِلاَفَ فِي مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَقَطَعَ فِيمَا دُونَهَا بِالْجِوَازِ وَمَنَعَهُ فِي الْكِفَايَةِ، وَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ (١) .

ج - وَإِنْ وَجَدَ اللَّقِيطَ بَلَدِيٌّ بِبَادِيَةٍ فِي حِلَّةٍ أَوْ قَبِيلَةٍ فَلَهُ نَقْلُهُ إِلَى قَرْيَةٍ وَإِلَى بَلَدٍ يَقْصِدُهُ لأَِنَّهُ أَرْفَقُ بِهِ، وَقِيل وَجْهَانِ، فَإِنْ كَانَتِ الْبَادِيَةُ فِي مَهْلَكَةٍ فَلَهُ نَقْلُهُ لِمَقْصِدِهِ قَطْعًا.

د - وَإِنْ وَجَدَ اللَّقِيطَ بَدْوِيٌّ بِبَادِيَةٍ أُقِرَّ بِيَدِهِ وَإِنْ كَانَ أَهْل حِلَّتِهِ يَنْتَقِلُونَ لأَِنَّهَا فِي حَقِّهِ كَبَلْدَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ، وَقِيل: إِنْ كَانُوا يَنْتَقِلُونَ لِلنُّجْعَةِ - أَيِ الاِنْتِقَال لِطَلَبِ الْمَرْعَى - لَمْ يُقَرَّ فِي يَدِهِ لأَِنَّ فِيهِ تَضْيِيعًا لِنَسَبِهِ.

قَال الرَّمْلِيُّ: وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ لِلْمُلْتَقِطِ نَقْل اللَّقِيطِ مِنْ بَلَدٍ أَوْ قَرْيَةٍ أَوْ بَادِيَةٍ لِمِثْلِهِ أَوْ أَعَلَى مِنْهُ لاَ لِدُونِهِ، وَأَنَّ شَرْطَ جِوَازِ النَّقْل مُطْلَقًا إِنْ أُمِنَ الطَّرِيقُ وَالْمَقْصِدُ وَتَوَاصُل الأَْخْبَارِ وَاخْتِبَارُ أَمَانَةِ الْمُلْتَقِطِ (٢) .

وَيُفَرِّقُ الْحَنَابِلَةُ بَيْنَ السَّفَرِ بِاللَّقِيطِ لِغَيْرِ النَّقْلَةِ وَالسَّفَرِ بِهِ إِلَى مَكَانٍ لِلإِْقَامَةِ بِهِ. كَمَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْمُلْتَقِطِ إِذَا كَانَ مَسْتُورَ الْحَال لَمْ تُعْرَفْ مِنْهُ حَقِيقَةُ الْعَدَالَةِ وَلاَ الْخِيَانَةِ وَبَيْنَ مَنْ عُرِفَتْ عَدَالَتُهُ وَظَهَرَتْ أَمَانَتُهُ.

_________

(١) نهاية المحتاج ٥ / ٤٤٨، ومغني المحتاج ٢ / ٤١٩، ٤٢٠.

(٢) مغني المحتاج ٢ / ٤٢٠، ونهاية المحتاج ٥ / ٤٤٩.