الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٥
ادِّعَاؤُهُ وَلاَ يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ، وَذَلِكَ لاِحْتِمَال أَنْ يُكَذِّبَ الْمُلاَعِنُ نَفْسَهُ فَيَعُودُ نَسَبُ الْوَلَدِ لَهُ، وَمَنْ أَجْل هَذَا قَال الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ: إِنَّ الْحُكْمَ بِعَدِمِ ثُبُوتِ نَسَبِ الْوَلَدِ مِمَّنِ ادَّعَاهُ مُشْكِلٌ إِذَا كَانَ مِمَّنْ يُولَدُ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ وَكَانَ ادِّعَاؤُهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُلاَعِنِ لأَِنَّ النَّسَبَ مِمَّا يُحْتَاطُ فِي إِثْبَاتِهِ، وَالْوَلَدُ مَقْطُوعُ النَّسَبِ مِنْ غَيْرِ الْمُدَّعِي وَوَقَعَ الْيَأْسُ مِنْ ثُبُوتِهِ مِنَ الْمُلاَعِنِ، وَثُبُوتُ النَّسَبِ مِنَ الأُْمِّ لاَ يُنَافِي ثُبُوتَهُ مِنَ الْمُدَّعِي، لإِمْكَانِ كَوْنِهِ وَطْأَهَا بِشُبْهَةٍ (١) .
د - الْمَحْرَمِيَّةُ: فَلَوْ كَانَ لِلْمُلاَعِنِ بِنْتٌ مِنَ امْرَأَةٍ أُخْرَى، وَأَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَهَا لِمَنْ نَفَى نَسَبَهُ بِاللِّعَانِ أَوْ لاَبْنِهِ فَلاَ يَحِل هَذَا الزَّوَاجُ، لأَِنَّ الْوَلَدَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ابْنًا لِلْمُلاَعِنِ، خُصُوصًا وَأَنَّ الْفِرَاشَ الَّذِي يَثْبُتُ النَّسَبُ بِهِ كَانَ مَوْجُودًا وَقْتَ وِلاَدَتِهِ، وَمَعَ هَذَا الاِحْتِمَال لاَ يَحِل الزَّوَاجُ شَرْعًا (٢) .
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْمَنْفِيَّةَ بِاللِّعَانِ حُكْمُهَا أَنَّهَا تَحْرُمُ عَلَى نَافِيهَا وَلَوْ لَمْ يَدْخُل بِأُمِّهَا، لأَِنَّهَا لاَ تَنْتِفِي عَنْهُ قَطْعًا لِدَلِيل لُحُوقِهَا بِهِ لَوْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ وَلأَِنَّهَا رَبِيبَةٌ فِي الْمَدْخُول بِهَا، وَتَتَعَدَّى حُرْمَتُهَا إِلَى سَائِرِ مَحَارِمِهِ، وَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ بِقَتْلِهِ لَهَا وَالْحَدِّ بِقَذْفِهِ
_________
(١) فتح القدير ٣ / ٢٦٢.
(٢) بدائع الصنائع ٣ / ٢٤٨، وفتح القدير ٣ / ٢٦٣، والدر وحاشية ابن عابين ٢ / ٩٧٥.
لَهَا وَالْقَطْعِ بِسَرِقَةِ مَالِهَا، وَقَبُول شَهَادَتِهِ لَهَا وَجْهَانِ: أَوْجَهُهُمَا عَدَمُ الْوُجُوبِ (١) .
٣١ - وَمِنْ آثَارِ اللِّعَانِ أَيْضًا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ:
أ - تَشْطِيرُ صَدَاقِ الْمُلاَعَنَةِ قَبْل الدُّخُول بِهَا.
ب - سُقُوطُ حَضَانَةِ الْمَرْأَةِ إِنْ لَمْ تُلاَعِنْ.
ج - اسْتِبَاحَةُ نِكَاحِ أُخْتِ الْمُلاَعَنَةِ وَمَنْ يَحْرُمُ جَمْعُهُ مَعَهَا أَوْ أَرْبَعٍ سِوَاهَا فِي عِدَّتِهَا (٢) .
تَغْلِيظُ اللِّعَانِ
٣٢ - تَغْلِيظُ اللِّعَانِ سُنَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فِي الْمَذْهَبِ، وَهُوَ وَاجِبٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لاَ يُسَنُّ التَّغْلِيظُ بِالْمَكَانِ وَلاَ بِالزَّمَانِ. وَالتَّغْلِيظُ يَكُونُ بِأَحَدِ أُمُورٍ هِيَ:
أ - التَّغْلِيظُ بِالزَّمَانِ:
٣٣ - يُغَلَّظُ لِعَانُ الْمُسْلِمِ بِزَمَانٍ وَهُوَ بَعْدَ صَلاَةِ عَصْرِ كُل يَوْمٍ إِنْ كَانَ طَلَبُ اللِّعَانِ حَثِيثًا، لأَِنَّ الْيَمِينَ الْفَاجِرَةَ بَعْدَ الْعَصْرِ أَغْلَظُ عُقُوبَةً لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، وَعَدَّ مِنْهُمْ رَجُلًا حَلَفَ يَمِينًا كَاذِبَةً بَعْدَ الْعَصْرِ
_________
(١) مغني المحتاج ٣ / ١٧٥.
(٢) مغني المحتاج ٣ / ٣٨٠.
يَقْتَطِعُ بِهَا مَال امْرِئٍ مُسْلِمٍ (١) ". فَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَلَبٌ حَثِيثٌ فَبَعْدَ صَلاَةِ عَصْرِ يَوْمِ جُمُعَةٍ أَوْلَى لأَِنَّ سَاعَةَ الإِْجَابَةِ فِيهِ. وَأَلْحَقَ بَعْضُهُمْ بِعَصْرِ الْجُمُعَةِ الأَْوْقَاتَ الشَّرِيفَةَ كَشَهْرِ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ وَيَوْمَيِ الْعِيدِ وَعَرَفَةَ وَعَاشُورَاءَ.
ب - التَّغْلِيظُ بِالْمَكَانِ:
٣٤ - يُغَلَّظُ اللِّعَانُ بِالْمَكَانِ، بِأَنْ يَكُونَ فِي أَشْرَفِ مَوَاضِعِ بَلَدِهِ، لأَِنَّ فِي ذَلِكَ تَأْثِيرًا فِي الزَّجْرِ عَنِ الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ.
فَفِي مَكَّةَ يَكُونُ بَيْنَ الرُّكْنِ الَّذِي فِيهِ الْحَجَرُ الأَْسْوَدُ وَبَيْنَ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ﵇. وَاللِّعَانُ فِي الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ يَكُونُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ مِمَّا يَلِي الْقَبْرَ الشَّرِيفَ، وَقَال فِي الأُْمِّ وَالْمُخْتَصَرِ: يَكُونُ فِي الْمِنْبَرِ. وَاللِّعَانُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ يَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ الصَّخْرَةِ، لأَِنَّهَا أَشْرَفُ بِقَاعِهِ إِذْ هِيَ قِبْلَةُ الأَْنْبِيَاءِ، وَقَدْ وَرَدَ " أَنَّهَا مِنَ الْجَنَّةِ " (٢) . وَالتَّغْلِيظُ بِالْمَسَاجِدِ الثَّلاَثَةِ لِمَنْ هُوَ بِهَا، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَا لَمْ يَجُزْ نَقْلُهُ إِلَيْهَا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ.
_________
(١) حديث: " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ٣٤) ومسلم (١ / ١٠٣) من حديث أبي هريرة.
(٢) حديث: " إنها من الجنة ". أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩ / ٢١٧ - ٢١٨) وقال: رواه الطبراني وفيه محمد بن مخلد الرعيني وهذا الحديث من منكراته.
وَالتَّغْلِيظُ فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلاَثَةِ عِنْدَ مِنْبَرِ الْجَامِعِ لأَِنَّهُ الْمُعَظَّمُ.
وَتُلاَعِنُ الْمَرْأَةُ الْحَائِضُ بِبَابِ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ لِتَحْرِيمِ مُكْثِهَا فِيهِ.
وَيُلاَعِنُ كِتَابِيٌّ فِي بَيْعَةٍ وَكَنِيسَةٍ وَيَقُول الْيَهُودِيُّ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَل التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، وَيَقُول النَّصْرَانِيُّ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَل الإِْنْجِيل عَلَى عِيسَى.
وَيُلاَعِنُ الْمَجُوسِيُّ فِي بَيْتِ نَارِهِمْ فِي الأَْصَحِّ لأَِنَّهُمْ يُعَظِّمُونَهُ، وَالْمَقْصُودُ الزَّجْرُ عَنِ الْكَذِبِ.
أَمَّا تَغْلِيظُ الْكَافِرِ بِالزَّمَانِ فَيُعْتَبَرُ بِأَشْرَفِ الأَْوْقَاتِ عِنْدَهُمْ كَمَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيَّ.
ج - التَّغْلِيظُ بِحُضُورِ جَمْعٍ:
٣٥ - يُغَلَّظُ اللِّعَانُ بِحُضُورِ جَمْعٍ مِنْ عُدُول أَعْيَانِ بَلَدِ اللِّعَانِ وَصُلَحَائِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَعْظَمُ وَلأَِنَّ فِيهِ رَدْعًا عَنِ الْكَذِبِ، وَأَقَلُّهُ أَرْبَعَةٌ لِثُبُوتِ الزِّنَا بِهِمْ، فَاسْتُحِبَّ أَنْ يَحْضُرَ ذَلِكَ الْعَدَدُ إِتْيَانَهُ بِاللِّعَانِ، وَلاَ بُدَّ مِنْ حُضُورِ الْحَاكِمِ كَمَا سَبَقَ (١) .
_________
(١) مواهب الجليل مع هامشه التاج والإكليل ٤ / ١٣٧، والدسوقي ٢ / ٤٦٤، والشرح الصغير ٢ / ٤٦٤، ومغني المحتاج ٣ / ٣٧٦ - ٣٧٨، وروضة الطالبين ٨ / ٣٥٤ - ٣٥٦، والإنصاف ٩ / ٢٣٩ - ٢٤٠، والمغني ٧ / ٤٣٤ - ٤٣٧، وكشاف القناع ٥ / ٣٩٣.
سُنَنُ اللِّعَانِ
أ - وَعْظُ الْقَاضِي الْمُتَلاَعِنَيْنِ:
٣٦ - يُسَنُّ لِلْقَاضِي أَوْ نَائِبِهِ وَعْظُ الْمُتَلاَعِنَيْنِ بِالتَّخْوِيفِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ لِهِلاَلٍ: عَذَابُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآْخِرَةِ (١) وَيَقْرَأُ عَلَيْهِمَا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (٢) وَيَقُول لَهُمَا: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ لِلْمُتَلاَعِنَيْنِ: اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَل مِنْكُمَا تَائِبٌ (٣)، وَبَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْكَلِمَاتِ الأَْرْبَعِ يُبَالِغُ الْقَاضِي وَمَنْ فِي حُكْمِهِ فِي وَعْظِهِمَا عِنْدَ الْخَامِسَةِ مِنْ لِعَانِهِمَا قَبْل شُرُوعِهِمَا فِيهَا.
ب - قِيَامُ الْمُتَلاَعِنَيْنِ:
٣٧ - يُسَنُّ لِلْمَتَلاَعِنَيْنِ أَنْ يَتَلاَعَنَا قَائِمَيْنِ لِيَرَاهُمَا النَّاسُ وَيَشْتَهِرُ أَمْرُهُمَا، فَيَقُومُ الرَّجُل عِنْدَ لِعَانِهِ وَالْمَرْأَةُ جَالِسَةٌ، وَتَقُومُ الْمَرْأَةُ عِنْدَ لِعَانِهَا وَيَجْلِسُ الرَّجُل، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا لاَ يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ لاَعَنَ قَاعِدًا أَوْ مُضَّجِعًا (٤) .
_________
(١) قول الرسول ﷺ: " عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ". أخرجه مسلم (١ / ١١٣١) من حديث ابن عمر.
(٢) سورة آل عمران / ٧٧.
(٣) قول رسول الله ﷺ: " والله يعلم أن أحدكما كاذب. . . ". أخرجه مسلم (٢ / ١١٣٢) من حديث ابن عمر.
(٤) المراجع السابقة.
لَعِبٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - اللَّعِبُ - بِفَتْحِ اللاَّمِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ وَيَجُوزُ لِعْبٌ بِكَسْرِ اللاَّمِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ - فِي اللُّغَةِ: ضِدُّ الْجَدِّ، يُقَال: لِعْبُ فُلاَنٍ إِذَا كَانَ فَعَلَهُ غَيْرَ قَاصِدٍ بِهِ مَقْصِدًا صَحِيحًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ﴾ (١)، وَلَعِبَ: عَمِل عَمَلًا لاَ يُجْدِي نَفْعًا، وَاللُّعْبَةُ: كُل مَا يُلْعَبُ بِهِ، وَهُوَ بِكَسْرِ اللاَّمِ اسْمٌ لِلْحَال وَالْهَيْئَةِ الَّتِي يَكُونُ اللاَّعِبُ عَلَيْهَا، وَبِالْفَتْحِ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ.
وَقِيل: اللَّعِبُ عَمَلٌ لِلَّذَّةِ لاَ يُرَاعَى فِيهِ دَاعِيَ الْحِكْمَةِ كَعَمَل الصَّبِيِّ، لأَِنَّهُ لاَ يَعْرِفُ الْحِكْمَةَ وَإِنَّمَا يَعْمَل لِلَّذَّةِ.
وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَاهُ الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ (٢) .
_________
(١) سورة الأنبياء / ٥٥.
(٢) لسان العرب، والمصباح المنير، والمعجم الوسيط، والمفردات في غريب القرآن.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
اللَّهْوُ:
٢ - اللَّهْوُ فِي اللُّغَةِ: السُّلْوَانُ، وَالتَّرْوِيحُ عَنِ النَّفْسِ بِمَا لاَ تَقْتَضِيهِ الْحِكْمَةُ، وَهُوَ أَيْضًا: مَا يَشْغَل الإِْنْسَانَ عَمَّا يَعْنِيهِ أَوْ يُهِمُّهُ مِنْ هَوًى وَطَرَبٍ وَنَحْوِهِمَا.
وَالْفَرَقُ بَيْنَ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ أَنَّهُ لاَ لَهْوَ إِلاَّ وَهُوَ لَعِبٌ، وَقَدْ يَكُونُ لَعِبٌ لَيْسَ بِلَهْوٍ، لأَِنَّ اللَّعِبَ يَكُونُ لِلتَّأْدِيبِ كَاللَّعِبِ بِالشِّطْرَنْجِ وَغَيْرِهِ، وَلاَ يُقَال لِذَلِكَ لَهْوٌ، وَإِنَّمَا اللَّهْوُ لَعِبٌ لاَ يُعْقِبُ نَفْعًا (١) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٣ - اللَّعِبُ مِنْهُ مَا هُوَ مُبَاحٌ وَمِنْهُ مَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ وَمِنْهُ مَا هُوَ مَكْرُوهٌ وَمِنْهُ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ.
فَمِنَ اللَّعِبِ الْمُبَاحِ (٢) الْمُسَابَقَةُ الْمَشْرُوعَةُ عَلَى الأَْقْدَامِ وَالسُّفُنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي سَفَرٍ مَعَ عَائِشَةَ ﵂ فَسَابَقَتْهُ عَلَى رِجْلِهَا فَسَبَقَتْهُ قَالَتْ: فَلَمَّا حَمَلْتُ اللَّحْمَ سَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي فَقَال: هَذِهِ بِتِلْكَ السِّبْقَةِ (٣) ".
_________
(١) المصادر السابقة، والفروق اللغوية ص٢١٠.
(٢) مغني المحتاج ٤ / ٣١١، ٤٢٨، والمغني ٨ / ٦٥١ وما بعدها و٩ / ١٧٠ وما بعدها، والقوانين الفقهية ص١٥٤، وبدائع الصنائع ٦ / ٢٠٦.
(٣) حديث: " أن النبي ﷺ كان في سفر مع عائشة. . . ". أخرجه أبو داود (٣ / ٦٦) من حديث عائشة، وإسناده صحيح.
وَإِبَاحَةُ اللَّعِبِ إِنَّمَا يَكُونُ بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَكُونَ فِيهِ دَنَاءَةٌ يَتَرَفَّعُ عَنْهَا ذَوُو الْمَرُوءَاتِ، وَبِشَرْطِ أَنْ لاَ يَتَضَمَّنَ ضَرَرًا فَإِنْ تَضَمَّنَ ضَرَرًا لإِنْسَانٍ أَوْ حَيَوَانٍ كَالتَّحْرِيشِ بَيْنَ الدُّيُوكِ وَالْكِلاَبِ وَنِطَاحِ الْكِبَاشِ وَالتَّفَرُّجِ عَلَى هَذِهِ الأَْشْيَاءِ فَهَذَا حَرَامٌ، وَبِشَرْطِ أَنْ لاَ يَشْغَل عَنْ صَلاَةٍ أَوْ فَرْضٍ آخَرَ أَوْ عَنْ مُهِمَّاتٍ وَاجِبَةٍ فَإِنْ شَغَلَهُ عَنْ هَذِهِ الأُْمُورِ وَأَمْثَالِهَا حَرُمَ، وَبِشَرْطِ أَنْ لاَ يُخْرِجَهُ إِلَى الْحَلِفِ الْكَاذِبِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ (١)
وَمِنَ اللَّعِبِ الْمُبَاحِ الْمِزَاحُ وَالاِنْبِسَاطُ مَعَ الزَّوْجَةِ وَالْوَلَدِ لِيُعْطِيَ الزَّوْجَةَ وَالنَّفْسَ وَالْوَلَدَ حَقَّهُمْ (٢) .
وَمِنَ اللَّعِبِ الْمُسْتَحَبِّ الْمُنَاضَلَةُ عَلَى السِّهَامِ وَالرِّمَاحِ وَالْمَزَارِيقِ وَكُل نَافِعٍ فِي الْحَرْبِ لِقَوْل اللَّهِ ﷾: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْل تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ (٣)، وَقَال النَّبِيُّ ﷺ فِي تَفْسِيرِ الْقُوَّةِ فِي الآْيَةِ: أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ
_________
(١) بدائع الصنائع ٦ / ٢٦٩، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٣٣، ومغني المحتاج ٤ / ٣١١، ٤٢٨، ٤٣٢، والمغني لابن قدامة ٨ / ٦٥١ وما بعدها، ٩ / ١٧٠، وما بعدها، والآداب الشرعية ٣ / ٣٥٧.
(٢) المغني لابن قدامة ٨ / ٦٥٢، والآداب الشرعية ٣ / ٢٤٧، ومغني المحتاج ٣ / ١٢٧، ٤ / ٣١١.
(٣) سورة الأنفال / ٦٠.
ثَلاَثَ مَرَّاتٍ (١) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (سِبَاقٌ ف ٥ وَمَا بَعْدَهُ) .
وَمِنَ اللَّعِبِ الْمَكْرُوهِ اللَّعِبُ بِالطَّيْرِ وَالْحَمَامِ لأَِنَّهُ لاَ يَلِيقُ بِأَصْحَابِ الْمَرُوءَاتِ وَالإِْدْمَانُ عَلَيْهِ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى إِهْمَال الْمَصَالِحِ وَيَشْغَل عَنِ الْعِبَادَاتِ وَالطَّاعَاتِ (٢) .
وَمِنَ اللَّعِبِ الْمُحَرَّمِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: كُل لُعْبَةٍ فِيهَا قِمَارٌ لأَِنَّهَا مِنَ الْمَيْسِرِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِاجْتِنَابِهِ (٣) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَْنْصَابُ وَالأَْزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَل الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَل أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٤) .
اللَّعِبُ بِالنَّرْدِ وَالشِّطْرَنْجِ
أ - اللَّعِبُ بِالنَّرْدِ:
٤ - اللَّعِبُ بِالنَّرْدِ مُحَرَّمٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنَ
_________
(١) حديث: " ألا إن القوة الرمي ". أخرجه مسلم (٣ / ١٥٢٢) من حديث عقبة بن عامر.
(٢) بدائع الصنائع ٦ / ٢٦٩، والخرشي ٧ / ١٧٧، وشرح الزرقاني ٧ / ١٥٩، ومغني المحتاج ٤ / ٤٢٨، ٤٣٢، والمغني ٩ / ١٧٠، ١٧٢، ١٧٣، وكشاف القناع ٦ / ٤٢٣.
(٣) بدائع الصنائع ٦ / ٢٦٩، والخرشي على خليل ٧ / ١٧٧، ومغني المحتاج ٤ / ٤٢٨، والمغني ٩ / ١٧٠.
(٤) سورة المائدة / ٩٠،٩١.
الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ وَالْحَنَابِلَةُ لِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِشِيرِ فَكَأَنَّمَا صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ (١) . وَمُقَابِل الصَّحِيحِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يُكْرَهُ اللَّعِبُ بِالنَّرْدِ كَمَا يُكْرَهُ الشِّطْرَنْجُ عِنْدَهُمْ (٢) .
ب - اللَّعِبُ بِالشِّطْرَنْجِ:
٥ - أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ اللَّعِبَ بِالشِّطْرَنْجِ حَرَامٌ إِذَا كَانَ عَلَى عِوَضٍ أَوْ تَضَمَّنَ تَرْكَ وَاجِبٍ مِثْل تَأْخِيرِ الصَّلاَةِ عَنْ وَقْتِهَا، وَكَذَلِكَ إِذَا تَضَمَّنَ كَذِبًا أَوْ ضَرَرًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ.
أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَقْوَالٍ:
الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْحَلِيمِيِّ وَالرُّويَانِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ حُرْمَةُ اللَّعِبِ بِالشِّطْرَنْجِ مُطْلَقًا.
وَمِمَّنْ قَال بِالتَّحْرِيمِ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْقَاسِمُ وَسَالِمٌ وَعُرْوَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ وَمَطَرٌ الْوَرَّاقُ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَثَرِ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ يَلْعَبُونَ بِالشِّطْرَنْجِ فَقَال: مَا هَذِهِ
_________
(١) حديث: " من لعب بالنردشير. . . ". أخرجه مسلم (٤ / ١٧٧٠) من حديث بريدة بن الحصيب.
(٢) مغني المحتاج ٤ / ٤٢٨، والمغني لابن قدامة ٩ / ١٧٠.