الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤
السُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ بِغَيْرِ كُفْءٍ فَفَعَل لَمْ يَصِحَّ تَزْوِيجُهُ فِي الأَْصَحِّ؛ لأَِنَّهُ نَائِبُ الْمُسْلِمِينَ وَلَهُمْ حَظٌّ فِي الْكَفَاءَةِ، وَالثَّانِي: يَصِحُّ كَالْوَلِيِّ الْخَاصِّ، وَصَحَّحَهُ الْبُلْقِينِيُّ.
وَلَوْ كَانَ لِلْمَرْأَةِ وَلِيٌّ خَاصٌّ، وَلَكِنْ زَوَّجَهَا السُّلْطَانُ لِغَيْبَتِهِ أَوْ عَضْلِهِ أَوْ إِحْرَامِهِ، فَلاَ تُزَوَّجُ إِلاَّ مِنْ كُفْءٍ قَطْعًا؛ لأَِنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُ فِي التَّصَرُّفِ، فَلاَ يَصِحُّ التَّزْوِيجُ مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ مَعَ عَدَمِ إِذْنِهِ.
وَلَوْ كَانَ الْوَلِيُّ حَاضِرًا وَفِيهِ مَانِعٌ مِنْ فِسْقٍ وَنَحْوِهِ وَلَيْسَ بَعْدَهُ إِلاَّ السُّلْطَانُ، فَزَوَّجَ السُّلْطَانُ مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ بِرِضَاهَا فَظَاهِرُ إِطْلاَقِهِمْ طَرْدُ الْوَجْهَيْنِ (١) .
ادِّعَاءُ الْمَرْأَةِ كَفَاءَةَ الْخَاطِبِ:
٢٢ - وَإِذَا ادَّعَتِ الْمَرْأَةُ كَفَاءَةَ الْخَاطِبِ وَأَنْكَرَهَا الْوَلِيُّ رُفِعَ الأَْمْرُ إِلَى الْقَاضِي، فَإِنْ ثَبَتَتْ كَفَاءَتُهُ أَلْزَمَهُ تَزْوِيجَهَا، فَإِنِ امْتَنَعَ زَوَّجَهَا الْقَاضِي بِهِ، وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ كَفَاءَتُهُ فَلاَ يُلْزِمُهُ تَزْوِيجَهَا بِهِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ الْمُقْرِي وَالأَْنْصَارِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ (٢) .
تَزْوِيجُ مَنْ لاَ يُوجَدُ لَهَا كُفْءٌ:
٢٣ - نَصَّ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَتِ
_________
(١) مغني المحتاج ٣ / ١٦٤ - ١٦٥.
(٢) أسنى المطالب ٣ / ١٤٠.
الْمَرْأَةُ بِحَيْثُ لاَ يُوجَدُ لَهَا كُفْءٌ أَصْلًا جَازَ لِلْوَلِيِّ تَزْوِيجُهَا - لِلضَّرُورَةِ - بِغَيْرِ الْكُفْءِ (١) . قَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ تَزَوَّجَتِ الْمَرْأَةُ غَيْرَ كُفْءٍ، وَكَانَتِ الْكَفَاءَةُ مَعْدُومَةً حَال الْعَقْدِ، فَرَضِيَتِ الْمَرْأَةُ وَالأَْوْلِيَاءُ كُلُّهُمْ صَحَّ النِّكَاحُ عَلَى الْقَوْل بِأَنَّ الْكَفَاءَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ بَعْضُهُمْ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ:
إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ بَاطِلٌ؛ لأَِنَّ الْكَفَاءَةَ حَقٌّ لِجَمِيعِهِمْ، وَالْعَاقِدُ مُتَصَرِّفٌ فِيهَا بِغَيْرِ رِضَاهُمْ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَتَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ صَحِيحٌ، بِدَلِيل أَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي رُفِعَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِ كُفْئِهَا، خَيَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يُبْطِل النِّكَاحَ مِنْ أَصْلِهِ (٢)؛ وَلأَِنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ بِالإِْذْنِ، وَالنَّقْصُ الْمَوْجُودُ فِيهِ لاَ يَمْنَعُ صِحَّتَهُ، وَإِنَّمَا يُثْبِتُ خِيَارَ الْفَسْخِ، وَالْحَقُّ فِي الْخِيَارِ لِمَنْ لَمْ يَرْضَ بِالنِّكَاحِ مِنَ الْمَرْأَةِ وَالأَْوْلِيَاءِ كُلِّهِمْ، حَتَّى مَنْ يَحْدُثُ مِنْ عَصَبَتِهَا بَعْدَ الْعَقْدِ؛ لأَِنَّ الْعَارَ فِي تَزْوِيجِ مَنْ لَيْسَ بِكُفْءٍ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، وَهَذَا الْحَقُّ فِي الْفَسْخِ عَلَى الْفَوْرِ وَعَلَى التَّرَاخِي لأَِنَّهُ خِيَارٌ لِنَقْصٍ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ خِيَارَ الْعَيْبِ، فَلاَ يَسْقُطُ الْخِيَارُ إِلاَّ
_________
(١) أسنى المطالب ٣ / ١٣٧.
(٢) حديث: " أن المرأة رفعت إلى النبي ﷺ أن أباها زوجها. . . " أخرجه النسائي (٦ / ٨٧) من حديث عائشة.
بِإِسْقَاطِ الْعَصَبَةِ الأَْوْلِيَاءِ بِقَوْل مِثْل: أَسْقَطْنَا الْكَفَاءَةَ، أَوْ رَضِينَا بِهِ غَيْرَ كُفْءٍ، وَنَحْوِهِ، وَأَمَّا سُكُوتُهُمْ فَلَيْسَ رِضًا، وَخِيَارُ الزَّوْجَةِ يَسْقُطُ بِمَا يَدُل عَلَى رِضَاهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، كَأَنْ مَكَّنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا عَالِمَةً أَنَّهُ غَيْرُ كُفْءٍ.
وَيَمْلِكُ الْحَقَّ فِي خِيَارِ الْفَسْخِ لِفَقْدِ الْكَفَاءَةِ الأَْبْعَدُ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ مَعَ رِضَا الأَْقْرَبِ مِنْهُمْ بِهِ، وَمَعَ رِضَا الزَّوْجَةِ؛ دَفْعًا لِمَا يَلْحَقُهُ مِنَ الْعَارِ، فَلَوْ زَوَّجَ الأَْبُ بِنْتَهُ بِغَيْرِ كُفْءٍ بِرِضَاهَا، فَلِلإِْخْوَةِ الْفَسْخُ؛ لأَِنَّ الْعَارَ فِي تَزْوِيجِ مَنْ لَيْسَ بِكُفْءٍ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ (١) .
تَخَلُّفُ الْكَفَاءَةِ فِيمَنْ رَضِيَ بِهِ الأَْوْلِيَاءُ فِي نِكَاحٍ سَابِقٍ:
٢٤ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْوَلِيَّ لَوْ زَوَّجَ الْمَرْأَةَ بِإِذْنِهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ فَطَلَّقَهَا، ثُمَّ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْهُ ثَانِيًا، كَانَ لِذَلِكَ الْوَلِيِّ التَّفْرِيقُ، وَلاَ يَكُونُ الرِّضَا بِالأَْوَّل رِضًا بِالثَّانِي؛ لأَِنَّ الإِْنْسَانَ لاَ يَبْعُدُ رُجُوعُهُ عَنْ خُلَّةٍ دَنِيئَةٍ، وَكَذَا لَوْ زَوَّجَهَا هُوَ مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ فَطَلَّقَهَا فَتَزَوَّجَتْ آخَرَ غَيْرَ كُفْءٍ، وَلَوْ تَزَوَّجَتْهُ ثَانِيًا فِي الْعِدَّةِ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا لَزِمَهُ مَهْرٌ ثَانٍ، وَاسْتَأْنَفَتِ الْعِدَّةَ،
_________
(١) المغني ٦ / ٤٨١، وكشاف القناع ٥ / ٦٧، ومطالب أولي النهى ٥ / ٨٤.
وَإِنْ كَانَ قَبْل الدُّخُول فِي الثَّانِي. (١)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لَيْسَ لِوَلِيٍّ رَضِيَ بِتَزْوِيجِ وَلِيَّتِهِ غَيْرَ كُفْءٍ وَزَوَّجَهُ إِيَّاهَا، فَطَلَّقَهَا طَلاَقًا بَائِنًا أَوْ رَجْعِيًّا، امْتِنَاعٌ مِنْ تَزْوِيجِهَا لَهُ
ثَانِيًا - إِنْ رَضِيَتْ بِهِ - بِلاَ عَيْبٍ حَادِثٍ مُقْتَضٍ لِلاِمْتِنَاعِ، لِسُقُوطِ حَقِّهِ فِي الْكَفَاءَةِ، حَيْثُ رَضِيَ بِهِ أَوَّلًا، فَإِنِ امْتَنَعَ عُدَّ عَاضِلًا، وَلَهُ الاِمْتِنَاعُ بِعَيْبٍ حَادِثٍ (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ رَضِيَ الأَْوْلِيَاءُ بِتَزْوِيجِهَا بِغَيْرِ كُفْءٍ، ثُمَّ خَالَعَهَا الزَّوْجُ، ثُمَّ زَوَّجَهَا أَحَدُ الأَْوْلِيَاءِ بِهِ بِرِضَاهَا دُونَ رِضَا الْبَاقِينَ فَإِنَّهُ يَصِحُّ، كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ كَلاَمِ الرَّوْضَةِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي؛ لِرِضَاهُمْ بِهِ أَوَّلًا، وَإِنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ صَاحِبُ الأَْنْوَارِ، وَفِي مَعْنَى الْمُخْتَلِعِ: الْفَاسِخُ وَالْمُطَلِّقُ رَجْعِيًّا إِذَا أَعَادَ زَوْجَتَهُ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ، وَالْمُطَلِّقُ قَبْل الدُّخُول (٣) .
تَكَلُّمُ الأُْمِّ إِنْ تَخَلَّفَتْ كَفَاءَةُ زَوْجِ ابْنَتِهَا:
٢٥ - نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى مَسْأَلَةِ تَكَلُّمِ أُمِّ الزَّوْجَةِ فِي رَدِّ تَزْوِيجِ الأَْبِ ابْنَتَهُمَا الْمُوسِرَةَ الْمَرْغُوبَ فِيهَا مِنْ رَجُلٍ فَقِيرٍ، فَفِي الْمُدَوَّنَةِ: أَتَتِ امْرَأَةٌ مُطَلَّقَةٌ إِلَى مَالِكٍ فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّ لِي ابْنَةً فِي حِجْرِي مُوسِرَةً مَرْغُوبًا فِيهَا، فَأَرَادَ
_________
(١) فتح القدير ٢ / ٤١٩.
(٢) جواهر الإكليل ١ / ٢٨٨.
(٣) مغني المحتاج ٣ / ١٦٤، وأسنى المطالب ٣ / ١٣٩.
أَبُوهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنَ ابْنِ أَخٍ لَهُ فَقِيرٍ، وَفِي الْمُهِمَّاتِ: مُعْدَمٌ لاَ مَال لَهُ، أَفَتَرَى لِي فِي ذَلِكَ تَكَلُّمًا؟ قَال: نَعَمْ، إِنِّي لأَرَى لَكَ تَكَلُّمًا، وَرُوِيَتْ الْمُدَوَّنَةُ أَيْضًا بِالنَّفْيِ، أَيْ نَعَمْ، لاَ أَرَى لَكَ تَكَلُّمًا.
قَال ابْنُ الْقَاسِمِ: لاَ أَرَى لَهَا تَكَلُّمًا، وَأَرَاهُ مَاضِيًا، إِلاَّ لِضَرَرٍ بَيِّنٍ فَلَهَا التَّكَلُّمُ.
قَال خَلِيلٌ وَالأَْبِيُّ وَغَيْرُهُمَا: هَل قَوْل ابْنِ الْقَاسِمِ وِفَاقٌ لِقَوْل مَالِكٍ بِحَمْل رِوَايَةِ الإِْثْبَاتِ عَلَى ثُبُوتِ الضَّرَرِ، وَرِوَايَةِ النَّفْيِ عَلَى عَدَمِهِ، أَوْ خِلاَفٌ بِحَمْل كَلاَمِ مَالِكٍ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَهُوَ إِطْلاَقُ الْكَلاَمِ عَلَى رِوَايَةِ الإِْثْبَاتِ، وَإِطْلاَقُ عَدَمِهِ عَلَى رِوَايَةِ النَّفْيِ؟ فِيهِ تَأْوِيلاَنِ: التَّوْفِيقُ لأَِبِي عِمْرَانَ وَابْنِ مُحْرِزٍ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَالْخِلاَفُ لاِبْنِ حَبِيبٍ (١) .
_________
(١) جواهر الإكليل ١ / ٢٨٨.
كَفَالَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْكَفَالَةُ لُغَةً: مِنْ كَفَل الْمَال وَبِالْمَال: ضَمِنَهُ وَكَفَل بِالرَّجُل يَكْفُل وَيَكْفِل كَفْلًا وَكُفُولًا، وَكَفَالَةً، وَكَفُل وَكَفِل وَتَكَفَّل بِهِ كُلِّهِ: ضَمِنَهُ، وَأَكْفَلَهُ إِيَّاهُ وَكَفَّلَهُ: ضَمَّنَهُ، وَكَفَلْتُ عَنْهُ الْمَال لِغَرِيمِهِ وَتَكَفَّل بِدَيْنِهِ تَكَفُّلًا.
وَفِي التَّهْذِيبِ: وَأَمَّا الْكَافِل فَهُوَ الَّذِي كَفَل إِنْسَانًا يَعُولُهُ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَفِي الْحَدِيثِ: ﴿الرَّبِيبُ كَافِلٌ (١)»، وَهُوَ زَوْجُ أُمِّ الْيَتِيمِ، كَأَنَّهُ كُفِّل نَفَقَةَ الْيَتِيمِ، وَالْمُكَافِل: الْمُعَاقِدُ الْمُحَالِفُ، وَالْكَفِيل مِنْ هَذَا أُخِذَ (٢) .
وَأَمَّا الْكَفَالَةُ فِي الاِصْطِلاَحِ: فَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَعْرِيفِ الْكَفَالَةِ تَبَعًا لاِخْتِلاَفِهِمْ فِيمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ أَثَرٍ.
فَعَرَّفَهَا جُمْهُورُ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّهَا: ضَمُّ ذِمَّة
_________
(١) حديث: " الربيب كافل " أورده ابن الأثير في النهاية (٢ / ١٨١) بلفظ: (الراب كافل)، ولم نهتد لمن أخرجه من المصادر الحديثية.
(٢) تاج العروس، لسان العرب، المصباح المنير.
الْكَفِيل إِلَى ذِمَّةِ الأَْصِيل فِي الْمُطَالَبَةِ بِنَفْسٍ أَوْ دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ.
وَعَرَّفَهَا بَعْضُهُمْ بِأَنَّهَا: ضَمُّ ذِمَّةِ الْكَفِيل إِلَى ذِمَّةِ الأَْصِيل فِي الدَّيْنِ.
قَال فِي الْهِدَايَةِ: وَالأَْوَّل هُوَ الأَْصَحُّ (١) .
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْكَفَالَةَ هِيَ: أَنْ يَلْتَزِمَ الرَّشِيدُ بِإِحْضَارِ بَدَنِ مَنْ يَلْزَمُ حُضُورُهُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ.
فَالْحَنَفِيَّةُ يُطْلِقُونَ الْكَفَالَةَ عَلَى كَفَالَةِ الْمَال وَالْوَجْهِ، وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ يَقْسِمُونَ الضَّمَانَ إِلَى ضَمَانِ الْمَال وَضَمَانِ الْوَجْهِ، وَيُطْلِقُ الشَّافِعِيَّةُ الْكَفَالَةَ عَلَى ضَمَانِ الأَْعْيَانِ الْبَدَنِيَّةِ.
وَأَمَّا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: فَالضَّمَانُ يَكُونُ الْتِزَامَ حَقٍّ فِي ذِمَّةِ شَخْصٍ آخَرَ، وَالْكَفَالَةُ الْتِزَامٌ بِحُضُورِ بَدَنِهِ إِلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ.
وَيُسَمَّى الْمُلْتَزِمُ بِالْحَقِّ ضَامِنًا وَضَمِينًا وَحَمِيلًا وَزَعِيمًا وَكَافِلًا وَكَفِيلًا وَصَبِيرًا وَقَبِيلًا وَغَرِيمًا، غَيْرَ أَنَّ الْعُرْفَ جَارٍ بِأَنَّ الضَّمِينَ يُسْتَعْمَل فِي الأَْمْوَال، وَالْحَمِيل فِي الدِّيَاتِ، وَالزَّعِيمَ فِي الأَْمْوَال الْعِظَامِ، وَالْكَفِيل فِي النُّفُوسِ، وَالْقَبِيل وَالصَّبِيرَ فِي الْجَمْعِ (٢) .
_________
(١) بدائع الصنائع ٤ / ٢، وفتح القدير ٦ / ٢٨٣، ٢٨٤، والمبسوط ١٩ / ١٦٠، ١٦١، وقارن ابن عابدين في حاشية رد المحتار ٥ / ٢٨١ - ٢٨٣.
(٢) ابن عابدين ٤ / ٢٤٩، وبدائع الصنائع ٦ / ٢، والاختيار ٢ / ١٦٦، والقوانين الفقهية ٣٣٠، وروضة الطالبين ٤ / ٢٤٠ والشرح الصغير ٤ / ٤٢٩، ومغني المحتاج ٢ / ١٩٨، وقليوبي وعميرة ٢ / ٣٣٣ والمغني مع الشرح الكبير ٥ / ٧١، والمغني ٤ / ٥٩٠.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الإِْبْرَاءُ:
٢ - مِنْ مَعَانِي الإِْبْرَاءِ فِي اللُّغَةِ: التَّنْزِيهُ وَالتَّخْلِيصُ وَالْمُبَاعَدَةُ عَنِ الشَّيْءِ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ إِسْقَاطُ الشَّخْصِ حَقًّا لَهُ فِي ذِمَّةِ آخَرَ أَوْ قِبَلَهُ.
فَالإِْبْرَاءُ عَكْسُ الْكَفَالَةِ لأَِنَّهُ يُفِيدُ خُلُوَّ الذِّمَّةِ، وَهِيَ تُفِيدُ انْشِغَالَهَا (ر: إِبْرَاءٌ ف ١) .
ب - الْحَمَالَةُ:
٣ - الْحَمَالَةُ بِالْفَتْحِ: مَا يَتَحَمَّلُهُ الإِْنْسَانُ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ دِيَةٍ أَوْ غَرَامَةٍ (١) .
وَوَجْهُ الصِّلَةِ بَيْنَ الْحَمَالَةِ وَالْكَفَالَةِ: أَنَّ الْعُرْفَ خَصَّ الْحَمَالَةَ بِالدِّيَةِ وَالْغُرْمِ لإِصْلاَحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَأَطْلَقَ الْكَفَالَةَ عَلَى ضَمَانِ الدَّيْنِ وَالْعَيْنِ وَالنَّفْسِ (٢) .
ج - الْحَوَالَةُ:
٤ - الْحَوَالَةُ فِي اللُّغَةِ: التَّحَوُّل وَالاِنْتِقَال (٣)
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: نَقْل الدَّيْنِ مِنْ ذِمَّةٍ إِلَى ذِمَّةٍ
_________
(١) لسان العرب، وتاج العروس، والموسوعة الفقهية ١٨ / ١٢١.
(٢) قليوبي وعميرة ٢ / ٣٢٣، والشرقاوي على التحرير ٢ / ١١٨.
(٣) لسان العرب، والمصباح المنير، والموسوعة الفقهية ١٨ / ١٦٩.
أُخْرَى (١) .
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحَوَالَةِ وَالْكَفَالَةِ أَوِ الضَّمَانِ: أَنَّ الْحَوَالَةَ نَقْلٌ لِلدَّيْنِ مِنْ ذِمَّةٍ إِلَى ذِمَّةٍ أُخْرَى، أَمَّا الْكَفَالَةُ أَوِ الضَّمَانُ فَهُوَ ضَمُّ ذِمَّةٍ إِلَى ذِمَّةٍ فِي الاِلْتِزَامِ بِالْحَقِّ، فَهُمَا مُتَبَايِنَانِ؛ لأَِنَّ بِالْحَوَالَةِ تَبْرَأُ ذِمَّةُ الْمُحِيل، وَفِي الْكَفَالَةِ لاَ تَبْرَأُ ذِمَّةُ الْمَكْفُول.
د - الْقَبَالَةُ:
٥ - الْقَبَالَةُ فِي الأَْصْل مَصْدَرُ قَبِل بِهِ إِذَا كَفَل، وَقَبِل إِذَا صَارَ كَفِيلًا، وَتَقَبَّل لَهُ: تَكَفَّل، وَالْقَبِيل: الْكَفِيل (٢) .
وَكَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ يَسْتَعْمِل لَفْظَ الْقَبَالَةِ بِمَعْنَى الْكَفَالَةِ وَوَزْنِهِ، وَلَكِنَّ بَعْضَهُمْ خَصَّ الْكَفَالَةَ بِالنَّفْسِ أَوِ الْعَيْنِ، وَعَمَّمَ الْقَبَالَةَ فِي الْمَال وَالدِّيَةِ وَالنَّفْسِ وَالْعَيْنِ (٣) .
وَالْقَبَالَةُ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ أَعَمُّ مِنَ الْكَفَالَةِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٦ - الْكَفَالَةُ مَشْرُوعَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ.
_________
(١) الزيلعي على الكنز ٤ / ١٧١، والدسوقي والدردير ٣ / ٣٢٥، ومغني المحتاج ٢ / ١٩٣، والمغني والشرح الكبير ٥ / ٥٤.
(٢) تاج العروس، ولسان العرب، والكليات.
(٣) الكليات لأبي البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفوي، ٣ / ١٤٢ دمشق ١٩٧٤.
فَمِنَ الْكِتَابِ قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْل بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ . أَيْ كَفِيلٌ: ضَامِنٌ (١) وقَوْله تَعَالَى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾، أَيْ: كَفِيلٌ. (٢)
وَمِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُهُ ﷺ: الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ، وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ وَالدَّيْنُ مَقْضِيٌّ (٣)، قَال الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ: الزَّعِيمُ الْكَفِيل، وَالزَّعَامَةُ الْكَفَالَةُ (٤)، وَمَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِرَجُلٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ فَإِنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا، قَال أَبُو قَتَادَةَ: هُوَ عَلَيَّ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: بِالْوَفَاءِ؟ قَال: بِالْوَفَاءِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ (٥) .
وَقَدْ نَقَل كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ الإِْجْمَاعَ عَلَى جَوَازِ الْكَفَالَةِ - وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ الْفُرُوعِ - لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهَا وَدَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ الْمَدِينِ (٦)، قَال فِي الاِخْتِيَارِ: بُعِثَ النَّبِيُّ
_________
(١) انظر تفسير الرازي ١٨ / ١٧٩.
(٢) مختصر المزني بهامش الأم ٢ / ٢٢٧، والمبسوط ١٩ / ١٦١، والمغني والشرح الكبير ٥ / ٧٠.
(٣) حديث: " العارية مؤداة. . . " أخرجه الترمذي (٣ / ٥٥٦) من حديث أبي أمامة، وقال: حديث حسن.
(٤) معالم السنن ٣ / ١٧٧، ومختصر المزني ٢ / ٢٢٧.
(٥) حديث أبي قتادة " أن النبي ﷺ أتي برجل ليصلي عليه. . . " أخرجه الترمذي (٣ / ٣٧٢) وقال: حديث حسن صحيح.
(٦) المبسوط ١٩ / ١٦١، وبداية المجتهد ٢ / ٢٩١، والتحفة وحواشيها ٥ / ٢٤١، وكشاف القناع ٣ / ٣٥٠، وتذكرة الفقهاء ٢ / ٨٥.