الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤
النِّكَاحُ لأَِنَّ الْكَفَاءَةَ حَقُّ الْمَرْأَةِ وَالأَْوْلِيَاءِ، فَإِذَا اتَّفَقَتْ مَعَهُمْ عَلَى تَرْكِهَا جَازَ (١) .
وَاسْتَدَل الْفُقَهَاءُ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ زَوَّجَ بَنَاتِهِ، وَلاَ أَحَدَ يُكَافِئُهُ.
وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ وَهِيَ قُرَشِيَّةٌ بِنِكَاحِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَهُوَ مَوْلَى لِلنَّبِيِّ ﷺ (٢) .
وَالتَّفْصِيل فِي (كَفَاءَةٌ) .
التَّزْوِيجُ مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ بِرِضَا بَعْضِ الأَْوْلِيَاءِ:
٤ - لَوْ كَانَ لِلْمَرْأَةِ أَكْثَرُ مِنْ وَلِيٍّ وَرَضِيَ أَحَدُهُمْ أَوْ بَعْضُهُمْ بِتَزْوِيجِهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ بِرِضَاهَا دُونَ رِضَا الْبَاقِينَ.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ النِّكَاحَ يَصِحُّ وَيَكُونُ لِمَنْ لَمْ يَرْضَ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ حَقُّ الاِعْتِرَاضِ.
وَقَال بَعْضُهُمْ: إِنَّ النِّكَاحَ بَاطِلٌ؛ لأَِنَّ الْكَفَاءَةَ حَقٌّ لِلْجَمِيعِ (٣) .
عَلَى تَفْصِيلٍ يُذْكَرُ فِي مُصْطَلَحِ (كَفَاءَةٌ) .
_________
(١) مغني المحتاج ٣ / ١٦٤، والمهذب ٢ / ٣٩، والمغني ٦ / ٤٨٠ - ٤٨١، وكشاف القناع ٥ / ٦٧، ٦٨، وأسهل المدارك ٢ / ٧٦ - ٧٧، وجواهر الإكليل ١ / ٢٨٨، والبدائع ٢ / ٣١٧ - ٣١٩، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٣٠٥.
(٢) حديث: " أمر النبي ﷺ فاطمة بنت قيس بنكاح أسامة بن زيد. . . " أخرجه مسلم (٢ / ١١١٤) من حديث فاطمة بنت قيس.
(٣) البدائع ٢ / ٣١٨، والفواكه الدواني ٢ / ٢٩، ومغني المحتاج ٣ / ١٦٤، وكشاف القناع ٥ / ٦٧.
امْتِنَاعُ الْوَلِيِّ مِنْ تَزْوِيجِ الْكُفْءِ:
٥ - لَوْ طَلَبَتِ الْمَرْأَةُ مِنَ الْوَلِيِّ أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْ كُفْءٍ يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ تَزْوِيجُهَا مِنْهُ فَامْتَنَعَ يَصِيرُ عَاضِلًا، وَيَنُوبُ الْقَاضِي مَنَابَهُ فِي التَّزْوِيجِ، وَهَذَا لاَ خِلاَفَ فِيهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ (١)، قَال مَعْقِل بْنُ يَسَارٍ: زَوَّجْتُ أُخْتًا لِي مِنْ رَجُلٍ فَطَلَّقَهَا، حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا جَاءَ يَخْطُبُهَا، فَقُلْتُ لَهُ: زَوَّجْتُكَ وَأَفْرَشْتُكَ وَأَكْرَمْتُكَ فَطَلَّقْتَهَا ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا؛ لاَ وَاللَّهِ لاَ تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَدًا، وَكَانَ رَجُلًا لاَ بَأْسَ بِهِ، وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، فَأَنْزَل اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الآْيَةَ: ﴿فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ﴾ (٢) فَقُلْتُ: الآْنَ أَفْعَل يَا رَسُول اللَّهِ، قَال: فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ (٣) .
وَلَوْ رَغِبَتِ الْمَرْأَةُ فِي كُفْءٍ بِعَيْنِهِ وَأَرَادَ الْوَلِيُّ تَزْوِيجَهَا مِنْ كُفْءٍ غَيْرِهِ، فَقَدْ قَال الْمَالِكِيَّةُ: كُفْؤُهَا أَوْلَى أَيْ مُقَدَّمٌ إِنْ لَمْ تَكُنْ مُجْبَرَةً أَوْ كَانَتْ مُجْبَرَةً وَتَبَيَّنَ ضَرَرُهَا، فَيَأْمُرُهُ الْحَاكِمُ أَنْ يُزَوِّجَهَا مَنْ رَضِيَتْ بِهِ، ثُمَّ إِنِ امْتَنَعَ سَأَلَهُ عَنْ وَجْهِ امْتِنَاعِهِ، فَإِنْ رَآهُ صَوَابًا زَجَرَهَا وَرَدَّهَا إِلَيْهِ، وَإِلاَّ عُدَّ عَاضِلًا، وَزَوَّجَ الْحَاكِمُ الْمَرْأَةَ لِخَاطِبِهَا
_________
(١) البدائع ٢ / ٢٤٨ - ٢٤٩، ومنح الجليل ٢ / ٢٦، وأسهل المدارك ٢ / ٧٦، والدسوقي ٢ / ٢٣١، ومغني المحتاج ٣ / ١٥٤، ونهاية المحتاج ٦ / ٢٣١، والمغني ٦ / ٤٧٧ - ٤٧٨.
(٢) سورة البقرة / ٢٣٢.
(٣) المغني ٦ / ٤٧٧، وحديث: " معقل بن يسار زوجت أختًا لي. . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ١٨٣) .
الَّذِي رَضِيَتْ بِهِ (١) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ عَيَّنَتِ الْمُجْبَرَةُ كُفْئًا، وَأَرَادَ الأَْبُ أَوِ الْجَدُّ كُفْئًا غَيْرَهُ فَلَهُ ذَلِكَ فِي الأَْصَحِّ، لأَِنَّهُ أَكْمَل نَظَرًا مِنْهَا.
وَمُقَابِل الأَْصَحِّ: يَلْزَمُهُ إِجَابَتُهَا إِعْفَافًا لَهَا، وَاخْتَارَهُ السُّبْكِيُّ، أَمَّا غَيْرُ الْمُجْبَرَةِ فَالْمُعْتَبَرُ مَنْ عَيَّنَتْهُ جَزْمًا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلاَمُ الشَّيْخَيْنِ؛ لأَِنَّ أَصْل تَزْوِيجِهَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إِذْنِهَا (٢) .
وَيَتَعَيَّنُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ تَزْوِيجُهَا مِنَ الَّذِي رَغِبَتْ فِيهِ إِذَا كَانَ كُفْئًا، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: إِنْ رَغِبَتْ فِي كُفْءٍ بِعَيْنِهِ وَأَرَادَ تَزْوِيجَهَا لِغَيْرِهِ مِنْ أَكْفَائِهَا وَامْتَنَعَ مِنْ تَزْوِيجِهَا مِنَ الَّذِي أَرَادَتْهُ كَانَ عَاضِلًا لَهَا (٣) .
_________
(١) جواهر الإكليل ١ / ٢٨٢، ومنح الجليل ٢ / ٢٦.
(٢) مغني المحتاج ٣ / ١٥٤، ونهاية المحتاج ٦ / ٢٣١.
(٣) المغني ٦ / ٤٧٨.
كَفَاءَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْكَفَاءَةُ لُغَةً: الْمُمَاثَلَةُ وَالْمُسَاوَاةُ، يُقَال: كَافَأَ فُلاَنٌ فُلاَنًا مُكَافَأَةً وَكِفَاءً وَهَذَا كِفَاءُ هَذَا وَكُفْؤُهُ: أَيْ مِثْلُهُ، يَكُونُ هَذَا فِي كُل شَيْءٍ، وَفُلاَنٌ كُفْءُ فُلاَنَةَ: إِذَا كَانَ يَصْلُحُ بَعْلًا لَهَا، وَالْجَمْعُ أَكْفَاءٌ (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: يَخْتَلِفُ تَعْرِيفُ الْكَفَاءَةِ بِاخْتِلاَفِ مَوْطِنِ بَحْثِهَا: فِي الْقِصَاصِ، أَوِ الْمُبَارَزَةِ، أَوِ النِّكَاحِ.
فَفِي النِّكَاحِ: عَرَّفَهَا الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهَا مُسَاوَاةٌ مَخْصُوصَةٌ بَيْنَ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ (٢) .
وَعَرَّفَهَا الْمَالِكِيَّةُ: بِأَنَّهَا الْمُمَاثَلَةُ وَالْمُقَارَبَةُ فِي التَّدَيُّنِ وَالْحَال، أَيِ السَّلاَمَةُ مِنَ الْعُيُوبِ الْمُوجِبَةِ لِلْخِيَارِ (٣) .
وَعَرَّفَهَا الشَّافِعِيَّةُ: بِأَنَّهَا أَمْرٌ يُوجِبُ عَدَمُهُ عَارًا (٤) .
_________
(١) القاموس المحيط، ولسان العرب.
(٢) الدر المختار ٢ / ٣١٧.
(٣) التاج والإكليل ٣ / ٤٦٠، وجواهر الإكليل ١ / ٢٨٨.
(٤) مغني المحتاج ٣ / ١٦٥.
وَعَرَّفَهَا الْحَنَابِلَةُ: بِأَنَّهَا الْمُمَاثَلَةُ وَالْمُسَاوَاةُ فِي خَمْسَةِ أَشْيَاءَ (١)
أَمَّا فِي الْقِصَاصِ، فَقَدْ عَرَّفَهَا الشَّافِعِيَّةُ: بِأَنَّهَا مُسَاوَاةُ الْقَاتِل الْقَتِيل بِأَنْ لاَ يَفْضُلَهُ بِإِسْلاَمٍ أَوْ أَمَانٍ أَوْ حُرِّيَّةٍ أَوْ أَصْلِيَّةٍ أَوْ سِيَادَةٍ (٢) .
وَفِي الْمُبَارَزَةِ عَرَّفَهَا الْحَنَابِلَةُ: بِأَنْ يَعْلَمَ الشَّخْصُ الَّذِي يَخْرُجُ لَهَا مِنْ نَفْسِهِ الْقُوَّةَ وَالشَّجَاعَةَ، وَأَنَّهُ لَنْ يَعْجِزَ عَنْ مُقَاوَمَةِ خَصْمِهِ (٣) .
حُكْمُ الْكَفَاءَةِ فِي النِّكَاحِ:
٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ لاِعْتِبَارِ الْكَفَاءَةِ فِي النِّكَاحِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ اعْتِبَارُهَا فَيَجِبُ تَزْوِيجُ الْمَرْأَةِ مِنَ الأَْكْفَاءِ، وَيَحْرُمُ عَلَى وَلِيِّ الْمَرْأَةِ تَزْوِيجُهَا بِغَيْرِ كُفْءٍ.
وَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْكَفَاءَةَ تُعْتَبَرُ فِي جَانِبِ الرِّجَال لِلنِّسَاءِ، وَلاَ تُعْتَبَرُ فِي جَانِبِ النِّسَاءِ لِلرِّجَال؛ لأَِنَّ النُّصُوصَ وَرَدَتْ بِاعْتِبَارِهَا فِي جَانِبِ الرِّجَال خَاصَّةً، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لاَ مُكَافِئَ لَهُ، وَقَدْ تَزَوَّجَ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، وَتَزَوَّجَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، وَقَال: ثَلاَثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ:
_________
(١) كشاف القناع ٥ / ٦٧ - ٦٨.
(٢) مغني المحتاج ٤ / ١٦.
(٣) المغني ٨ / ٣٦٨.
الرَّجُل تَكُونُ لَهُ الأَْمَةُ فَيُعَلِّمُهَا فَيُحْسِنُ تَعْلِيمَهَا، وَيُؤَدِّبُهَا فَيُحْسِنُ تَأْدِيبَهَا، فَيَتَزَوَّجُهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ (١)؛ وَلأَِنَّ الْمَعْنَى الَّذِي شُرِعَتِ الْكَفَاءَةُ مِنْ أَجْلِهِ يُوجِبُ اخْتِصَاصَ اعْتِبَارِهَا بِجَانِبِ الرِّجَال؛ لأَِنَّ الْمَرْأَةَ هِيَ الَّتِي تَسْتَنْكِفُ لاَ الرَّجُل، فَهِيَ الْمُسْتَفْرَشَةُ، وَالزَّوْجُ هُوَ الْمُسْتَفْرِشُ، فَلاَ تَلْحَقُهُ الأَْنَفَةُ مِنْ قِبَلِهَا، إِذْ إِنَّ الشَّرِيفَةَ تَأْبَى أَنْ تَكُونَ فِرَاشًا لِلدَّنِيِّ، وَالزَّوْجُ الْمُسْتَفْرِشُ لاَ تَغِيظُهُ دَنَاءَةُ الْفِرَاشِ، وَكَذَلِكَ فَإِنَّ الْوَلَدَ يَشْرُفُ بِشَرَفِ أَبِيهِ لاَ بِأُمِّهِ (٢) .
وَنُقِل عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّ الْكَفَاءَةَ فِي جَانِبِ النِّسَاءِ مُعْتَبَرَةٌ (٣) .
قَال الْكَمَال: مُقْتَضَى الأَْدِلَّةِ وُجُوبُ إِنْكَاحِ الأَْكْفَاءِ، وَهَذَا الْوُجُوبُ يَتَعَلَّقُ بِالأَْوْلِيَاءِ حَقًّا لَهَا، وَبِهَا حَقًّا لَهُمْ لَكِنْ إِنَّمَا تَتَحَقَّقُ الْمَعْصِيَةُ فِي حَقِّهِمْ إِذَا كَانَتْ صَغِيرَةً؛ لأَِنَّهَا إِذَا كَانَتْ كَبِيرَةً لاَ يَنْفُذُ عَلَيْهَا تَزْوِيجُهُمْ إِلاَّ بِرِضَاهَا، فَهِيَ تَارِكَةٌ لِحَقِّهَا، كَمَا إِذَا رَضِيَ الْوَلِيُّ بِتَرْكِ حَقِّهِ حَيْثُ يَنْفُذُ (٤) .
_________
(١) حديث: " ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين. . . " أخرجه البخاري (٦ / ١٤٥)، ومسلم (١ / ١٣٥) من حديث أبي موسى، واللفظ للبخاري.
(٢) بدائع الصنائع ٢ / ٣٢٠، ورد المحتار ٢ / ٣١٧، والمغني ٦ / ٤٨٧.
(٣) بدائع الصنائع ٢ / ٣٢٠، ورد المحتار ٢ / ٣١٧.
(٤) فتح القدير ٢ / ٤١٨.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَحْرُمُ عَلَى وَلِيِّ الْمَرْأَةِ تَزْوِيجُهَا بِغَيْرِ كُفْءٍ بِغَيْرِ رِضَاهَا لأَِنَّهُ إِضْرَارٌ بِهَا وَإِدْخَالٌ لِلْعَارِ عَلَيْهَا، وَيَفْسُقُ الْوَلِيُّ بِتَزْوِيجِهَا بِغَيْرِ كُفْءٍ دُونَ رِضَاهَا، وَذَلِكَ إِنْ تَعَمَّدَهُ (١) .
وَاخْتَلَفَ الرَّأْيُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ:
فَقَال خَلِيلٌ: لِلْمَرْأَةِ وَلِلْوَلِيِّ تَرْكُهَا. . أَيِ الْكَفَاءَةِ.
وَقَال الدَّرْدِيرُ: لَهُمَا مَعًا تَرْكُهَا وَتَزْوِيجُهَا مِنْ فَاسِقٍ سِكِّيرٍ يُؤْمَنُ عَلَيْهَا مِنْهُ، وَإِلاَّ رَدَّهُ الإِْمَامُ وَإِنْ رَضِيَتْ، لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى؛ حِفْظًا لِلنُّفُوسِ وَكَذَا تَزْوِيجُهَا مِنْ مَعِيبٍ، لَكِنَّ السَّلاَمَةَ مِنَ الْعُيُوبِ حَقٌّ لِلْمَرْأَةِ فَقَطْ، وَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ فِيهِ كَلاَمٌ.
وَقَال الدُّسُوقِيُّ: حَاصِل مَا فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّ ظَاهِرَ مَا نَقَلَهُ الْحَطَّابُ وَغَيْرُهُ وَاسْتَظْهَرَهُ الشَّيْخُ ابْنُ رَحَّالٍ مَنْعُ تَزْوِيجِهَا مِنَ الْفَاسِقِ ابْتِدَاءً وَإِنْ كَانَ يُؤْمَنُ عَلَيْهَا مِنْهُ وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا وَلاَ لِلْوَلِيِّ الرِّضَا بِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لأَِنَّ مُخَالَطَةَ الْفَاسِقِ مَمْنُوعَةٌ، وَهَجْرُهُ وَاجِبٌ شَرْعًا، فَكَيْفَ بِخُلْطَةِ النِّكَاحِ (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُكْرَهُ التَّزْوِيجُ مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ عِنْدَ الرِّضَا إِلاَّ لِمَصْلَحَةٍ.
وَقَال الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: يُكْرَهُ كَرَاهَةً شَدِيدَةً التَّزْوِيجُ مِنْ فَاسِقٍ إِلاَّ رِيبَةً تَنْشَأُ مِنْ
_________
(١) كشاف القناع ٥ / ٦٨، ومطالب أولي النهى ٥ / ٨٤.
(٢) حاشية الدسوقي ٢ / ٢٤٩.
عَدَمِ تَزْوِيجِهَا لَهُ، كَأَنْ خِيفَ زِنَاهُ بِهَا لَوْ لَمْ يَنْكِحْهَا، أَوْ يُسَلِّطُ فَاجِرًا عَلَيْهَا (١) .
٣ - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ - كَذَلِكَ - فِي حُكْمِ الْكَفَاءَةِ مِنْ حَيْثُ اعْتِبَارُهَا فِي النِّكَاحِ أَوْ عَدَمُ اعْتِبَارِهَا، وَهَل هِيَ - فِي حَال اعْتِبَارِهَا - شَرْطٌ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ أَمْ فِي لُزُومِهِ:
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَفِيَّةُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ الَّذِي شَهَرَهُ الْفَاكِهَانِيُّ، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ أَكْثَرِ مُتَأَخِّرِي الْحَنَابِلَةِ وَالأَْصَحُّ كَمَا قَال فِي الْمُقْنِعِ وَالشَّرْحِ، إِلَى أَنَّ الْكَفَاءَةَ تُعْتَبَرُ لِلُزُومِ النِّكَاحِ لاَ لِصِحَّتِهِ غَالِبًا، فَيَصِحُّ النِّكَاحُ مَعَ فَقْدِهَا؛ لأَِنَّهَا حَقٌّ لِلْمَرْأَةِ وَلِلأَْوْلِيَاءِ، فَإِنْ رَضُوا بِإِسْقَاطِهَا فَلاَ اعْتِرَاضَ عَلَيْهِمْ وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَابْنِ سِيرِينَ.
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ زَوَّجَ بَنَاتِهِ وَلاَ أَحَدَ يُكَافِئُهُ، وَبِأَنَّهُ ﷺ أَمَرَ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ وَهِيَ قُرَشِيَّةٌ أَنْ تَنْكِحَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ مَوْلاَهُ، فَنَكَحَهَا بِأَمْرِهِ (٢)، وَزَوَّجَ ﷺ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ ابْنَةَ عَمَّتِهِ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ الأَْسَدِيَّةَ (٣)،
_________
(١) حاشية القليوبي ٣ / ٢٣٣، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٤ / ١٦٤.
(٢) حديث: " أنه ﷺ أمر فاطمة بنت قيس أن تنكح أسامة بن زيد " أخرجه مسلم (٢ / ١١١٩) .
(٣) حديث: " أنه ﷺ زوج زيد بن حارثة ابنة عمته زينب. . . ". أخرجه ابن جرير في تفسيره (٢٢ / ١١) .
وَبِأَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ تَبَنَّى سَالِمًا وَأَنْكَحَهُ ابْنَةَ أَخِيهِ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَهُوَ مَوْلَى لاِمْرَأَةٍ مِنَ الأَْنْصَارِ، وَبِأَنَّ الْكَفَاءَةَ لاَ تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهَا حَقًّا لِلْمَرْأَةِ وَالأَْوْلِيَاءِ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ وُجُودُهَا.
وَوَجْهُ اعْتِبَارِهَا عِنْدَهُمْ، أَنَّ انْتِظَامَ الْمَصَالِحِ يَكُونُ عَادَةً بَيْنَ الْمُتَكَافِئَيْنِ، وَالنِّكَاحُ شُرِعَ لاِنْتِظَامِهَا، وَلاَ تَنْتَظِمُ الْمَصَالِحُ بَيْنَ غَيْرِ الْمُتَكَافِئَيْنِ، فَالشَّرِيفَةُ تَأْبَى أَنْ تَكُونَ مُسْتَفْرَشَةً لِلْخَسِيسِ، وَتُعَيَّرُ بِذَلِكَ؛ وَلأَِنَّ النِّكَاحَ وُضِعَ لِتَأْسِيسِ الْقَرَابَاتِ الصِّهْرِيَّةِ، لِيَصِيرَ الْبَعِيدُ قَرِيبًا عَضُدًا وَسَاعِدًا، يَسُرُّهُ مَا يَسُرُّكَ، وَذَلِكَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِالْمُوَافَقَةِ وَالتَّقَارُبِ، وَلاَ مُقَارِبَةَ لِلنُّفُوسِ عِنْدَ مُبَاعَدَةِ الأَْنْسَابِ، وَالاِتِّصَافِ بِالرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَعَقْدُهُ مَعَ غَيْرِ الْمُكَافِئِ قَرِيبُ الشَّبَهِ مِنْ عَقْدٍ لاَ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَقَاصِدُهُ (١) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ الْمُخْتَارَةِ لِلْفَتْوَى عِنْدَهُمْ - وَاللَّخْمِيُّ وَابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ فَرْحُونَ وَابْنُ سَلْمُونٍ - مِنَ الْمَالِكِيَّةِ - وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. . إِلَى أَنَّ الْكَفَاءَةَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ، قَال أَحْمَدُ: إِذَا تَزَوَّجَ الْمَوْلَى الْعَرَبِيَّةَ
_________
(١) رد المحتار ٢ / ٣١٨، وبدائع الصنائع ٢ / ٣١٧، وفتح القدير ٢ / ٤١٨، وحاشية الدسوقي ٢ / ٢٤٩، ومغني المحتاج ٣ / ١٦٤، وروضة الطالبين ٧ / ٨٤، وكشاف القناع ٥ / ٦٧، والمغني ٦ / ٤٨٠ - ٤٨١.
فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَقَال فِي الرَّجُل يَشْرَبُ الشَّرَابَ: مَا هُوَ بِكُفْءٍ لَهَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَقَال: لَوْ كَانَ الْمُتَزَوِّجُ حَائِكًا فَرَّقْتُ بَيْنَهُمَا، لِقَوْل عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: لأَمْنَعَنَّ فُرُوجَ ذَوَاتِ الأَْحْسَابِ إِلاَّ مِنَ الأَْكْفَاءِ.
وَلِقَوْل سَلْمَانَ ﵁: ثِنْتَانِ فَضَلْتُمُونَا بِهَا يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ، لاَ نَنْكِحُ نِسَاءَكُمْ وَلاَ نَؤُمُّكُمْ، (١) وَلأَِنَّ التَّزَوُّجَ مَعَ فَقْدِ الْكَفَاءَةِ تَصَرُّفٌ فِي حَقِّ مَنْ يَحْدُثُ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ زَوَّجَهَا بِغَيْرِ إِذْنِهَا (٢) .
وَذَهَبَ الْكَرْخِيُّ وَالْجَصَّاصُ وَهُوَ قَوْل سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ إِلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ الْكَفَاءَةِ، وَقَالُوا: إِنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي النِّكَاحِ أَصْلًا، وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: يَا بَنِي بَيَاضَةَ أَنْكِحُوا أَبَا هِنْدٍ وَأَنْكِحُوا إِلَيْهِ، قَال: وَكَانَ حَجَّامًا (٣)، أَمَرَهُمْ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِالتَّزْوِيجِ عِنْدَ عَدَمِ الْكَفَاءَةِ وَلَوْ كَانَتْ مُعْتَبَرَةً لَمَا أَمَرَ،
_________
(١) أثر عمر: " لأمنعن خروج ذوات الأحساب. . . " أخرجه عبد الرزاق (٦ / ١٥٢)، والبيهقي (٧ / ١٣٣) . وأثر سلمان: " ثنتان فضلتمونا بها يا معشر العرب. . . " أخرجه البيهقي في سننه (٧ / ١٣٤) .
(٢) رد المحتار ٢ / ٣١٨، وحاشية الدسوقي ٢ / ٢٤٩، والمغني ٦ / ٤٨٠.
(٣) حديث أبي هريرة: " يا بني بياضة. . . ". أخرجه أبو داود (٢ / ٥٧٩ - ٥٨٠)، والحاكم (٢ / ١٦٤)، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.