الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤ الصفحة 51

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤

الْمَرْأَةُ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ هَذَا مِنْ حَقِّهَا، فَلَهَا أَنْ تَصْبِرَ وَتَرْضَى بِالْمَقَامِ مَعَهُ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِسَبَبِ عَجْزِهِ عَنِ الْكِسْوَةِ، بَل يَفْرِضُ الْحَاكِمُ لَهَا الْكِسْوَةَ ثُمَّ يَأْمُرُهَا بِالاِسْتِدَانَةِ لِتُحِيل عَلَيْهِ (١) .

ثَانِيًا: الْكِسْوَةُ الْوَاجِبَةُ لِلْقَرِيبِ:

٦ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى وُجُوبِ كِسْوَةِ الْقَرِيبِ الَّذِي تَجِبُ نَفَقَتُهُ، بِشَرْطِ الْيَسَارِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (٢) .

وَلاَ شَكَّ أَنَّ كِسْوَتَهَا مِنَ الإِْحْسَانِ الَّذِي أَمَرَتْ بِهِ الآْيَةُ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ إِلَى أَنْ قَال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْل ذَلِكَ﴾ (٣) .

وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِهِنْدَ ﵂: خُذِي مَا يَكْفِيكِ، وَوَلَدَكَ بِالْمَعْرُوفِ (٤) .

وَالْوَاجِبُ فِي كِسْوَةِ الْقَرِيبِ هُوَ قَدْرُ الْكِفَايَةِ؛ لأَِنَّهَا وَجَبَتْ لِلْحَاجَةِ، فَتُقَدَّرُ بِمَا تَنْدَفِعُ بِهِ الْحَاجَةُ، مَعَ اعْتِبَارِ سِنِّهِ وَحَالِهِ وَعَادَةِ الْبَلَدِ.

_________

(١) المصادر السابقة كلها الواردة في الصفحة السابقة عمود (١) هامش (١) .

(٢) سورة الإسراء / ٢٣.

(٣) سورة البقرة / ٢٣٣.

(٤) حديث: " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ٥٠٧) من حديث عائشة.

قَال ابْنُ جُزَيٍّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: وَيَكُونُ قَدْرُهَا - أَيِ الْكِسْوَةِ - وَجَوْدَتُهَا عَلَى حَسَبِ حَال الْمُنْفِقِ وَعَوَائِدِ الْبِلاَدِ (١) .

ثَالِثًا: الْكِسْوَةُ الْوَاجِبَةُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ:

٧ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ كِسْوَةَ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ أَحَدُ أَنْوَاعِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَأَنَّ الْحَالِفَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْعِتْقِ وَالإِْطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمِ الأَْيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٢) .

وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْقَدْرِ الْمُجْزِئِ مِنَ الْكِسْوَةِ فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، إِلَى أَنَّهَا تَتَقَدَّرُ بِمَا تَصِحُّ بِهِ الصَّلاَةُ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ رَجُلًا فَثَوْبٌ تُجْزِئُ الصَّلاَةُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً فَدِرْعٌ وَخِمَارٌ، أَيْ مَا تَصِحُّ صَلاَتُهَا فِيهِ (٣)، وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ غَيْرُ مُحَمَّدٍ إِلَى أَنَّ كِسْوَةَ الْمِسْكِينِ تَتَقَدَّرُ بِمَا يَصْلُحُ لأَِوْسَاطِ النَّاسِ، وَلاَ يُعْتَبَرُ فِيهِ حَال الْقَابِضِ، وَقِيل: يُعْتَبَرُ فِي الثَّوْبِ حَال الْقَابِضِ، إِنْ كَانَ يَصْلُحُ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٦٧٨ وما بعدها، والقوانين الفقهية ص ٢٢٢، ومغني المحتاج ٣ / ٤٤٦ وما بعدها، والمغني لابن قدامة ٧ / ٥٩٤.

(٢) سورة المائدة / ٨٩.

(٣) القوانين الفقهية ص ١٦٣، والمغني لابن قدامة ٨ / ٧٤٢ وابن عابدين ٣ / ٦١.

لَهُ يَجُوزُ وَإِلاَّ فَلاَ.

وَبِمَا يَنْتَفِعُ بِهِ فَوْقَ ثَلاَثَةِ أَشْهُرٍ؛ لأَِنَّهَا أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ مُدَّةِ الثَّوْبِ الْجَدِيدِ، وَعَلَيْهِ فَلاَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ جَدِيدًا.

وَبِمَا يَسْتُرُ عَامَّةَ الْبَدَنِ كَالْمُلاَءَةِ أَوِ الْجُبَّةِ أَوِ الْقَمِيصِ أَوِ الْقَبَاءِ لاَ السَّرَاوِيل؛ لأَِنَّ لاَبِسَهُ يُسَمَّى عُرْيَانًا، وَلاَ الْعِمَامَةِ وَلاَ الْقَلَنْسُوَةِ إِلاَّ بِاعْتِبَارِ قِيمَةِ الإِْطْعَامِ (١) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُجْزِئُ فِي الْكِسْوَةِ الْوَاجِبَةِ بِسَبَبِ الْكَفَّارَةِ كُل مَا يُسَمَّى كِسْوَةً مِمَّا يُعْتَادُ لُبْسُهُ، كَقَمِيصٍ أَوْ عِمَامَةٍ أَوْ إِزَارٍ أَوْ رِدَاءٍ أَوْ طَيْلَسَانٍ أَوْ مِنْدِيلٍ أَوْ جُبَّةٍ أَوْ قَبَاءٍ أَوْ دِرْعٍ مِنْ صُوفٍ، لاَ خُفٍّ وَقُفَّازَيْنِ وَمُكَعَّبٍ وَقَلَنْسُوَةٍ.

وَلاَ يُشْتَرَطُ صَلاَحِيَّتُهُ لِلْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ فَيَجُوزُ سَرَاوِيل صَغِيرٍ لِكَبِيرٍ لاَ يَصْلُحُ لَهُ؛ لِوُقُوعِ اسْمِ الْكِسْوَةِ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ لَبِيسٌ لَمْ تَذْهَبْ قُوَّتُهُ، فَإِنْ ذَهَبَتْ قُوَّتُهُ فَلاَ يَجُوزُ، وَلاَ يَجُوزُ نَجِسُ الْعَيْنِ مِنَ الثِّيَابِ، وَيَجُوزُ الْمُتَنَجِّسُ مِنْهُ لأَِنَّهُ يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُخْبِرَ مَنْ يُعْطِيهِ إِيَّاهَا بِتَنَجُّسِهَا حَتَّى يُطَهِّرَهَا مِنْهَا (٢) .

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٦١.

(٢) مغني المحتاج ٤ / ٣٢٧.

كَشْفٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْكَشْفُ فِي اللُّغَةِ هُوَ: رَفْعُ الْحِجَابِ، وَكَشَفَ الشَّيْءَ وَكَشَفَ عَنْهُ كَشْفًا: رَفَعَ عَنْهُ مَا يُوَارِيهِ وَيُغَطِّيهِ، وَيُقَال: كَشَفَ الأَْمْرَ وَعَنْهُ أَيْ أَظْهَرَهُ، وَكَشَفَ اللَّهُ غَمَّهُ: أَزَالَهُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى فِي التَّنْزِيل: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ (١)، وَكَشَفَ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ وَنَحْوِهِ وَاكْتَشَفَتِ الْمَرْأَةُ: بَالَغَتْ فِي إِبْدَاءِ مَحَاسِنِهَا.

وَكُشِفَ فُلاَنٌ: انْحَسَرَ مُقَدَّمُ رَأْسِهِ، وَانْهَزَمَ فِي الْحَرْبِ.

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَهُوَ: أَنْ يُرْفَعَ عَنِ الشَّيْءِ مَا يُوَارِيهِ وَيُغَطِّيهِ (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْغِطَاءُ:

٢ - الْغِطَاءُ - بِالْكَسْرِ - فِي اللُّغَةِ السِّتْرُ، وَهُوَ

_________

(١) سورة الدخان / ١٢.

(٢) المصباح المنير، والمعجم الوسيط، والتعريفات للجرجاني، والمفردات في غريب القرآن.

مَا يُجْعَل فَوْقَ الشَّيْءِ مِنْ طَبَقٍ وَنَحْوِهِ، وَمِنْهُ غِطَاءُ الْمَائِدَةِ وَغِطَاءُ الْفِرَاشِ.

وَقَدِ اسْتُعِيرَ لِلْجَهَالَةِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى فِي التَّنْزِيل: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾ (١) .

وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الْكَشْفِ وَالْغِطَاءِ هِيَ التَّضَادُّ (٢) .

مَا يَتَعَلَّقُ بِالْكَشْفِ مِنْ أَحْكَامٍ:

تَتَعَلَّقُ بِالْكَشْفِ الأَْحْكَامُ التَّالِيَةُ:

أَوَّلًا - كَشْفُ الْعَوْرَةِ فِي الصَّلاَةِ:

٣ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلاَةِ كَالطَّهَارَةِ لَهَا، وَأَنَّ مَنْ تَرَكَ سَتْرَ عَوْرَتِهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى سَتْرِهَا تَبْطُل صَلاَتُهُ، أَوْ لاَ تَنْعَقِدُ.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (صَلاَةٌ ف ١٢٠) .

ثَانِيًا - كَشْفُ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ حَالَةَ الإِْحْرَامِ:

٤ - يَجِبُ عَلَى الرَّجُل الْمُحْرِمِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ كَشْفُ رَأْسِهِ، وَيَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَةِ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ كَشْفُ وَجْهِهَا، وَكَذَلِكَ الرَّجُل عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (إِحْرَامٌ ف، ٦٢، ٦٥) .

ثَالِثًا - كَشْفُ الْعَوْرَةِ خَارِجَ الصَّلاَةِ:

٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْبَالِغِ

_________

(١) سورة ق / ٢٢.

(٢) المراجع السابقة.

الْعَاقِل أَنْ يَكْشِفَ عَوْرَتَهُ أَمَامَ غَيْرِهِ، سَوَاءٌ كَانَتْ هَذِهِ الْعَوْرَةُ مِنَ الْعَوْرَةِ الْمُغَلَّظَةِ أَوْ مِنَ الْمُخَفَّفَةِ، وَأَنَّ كَشْفَ الْعَوْرَةِ الْمُغَلَّظَةِ أَشَدُّ مِنْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ الْمُخَفَّفَةِ، سَوَاءٌ كَانَ هَذَا مِنَ الرَّجُل أَوْ مِنَ الْمَرْأَةِ؛ لِلاِتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهَا عَوْرَةٌ، وَأَنَّهَا أَفْحَشُ مِنْ غَيْرِهَا فِي الْكَشْفِ وَالنَّظَرِ، وَلِهَذَا سُمِّيَ الْقُبُل وَالدُّبُرُ - وَهُمَا مِنَ الْعَوْرَةِ الْمُغَلَّظَةِ بِاتِّفَاقٍ - السَّوْأَتَيْنِ لأَِنَّ كَشْفَهُمَا يَسُوءُ صَاحِبَهُ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ (١) .

كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ حُرْمَةَ النَّظَرِ إِلَى الْعَوْرَةِ الْمُغَلَّظَةِ أَشَدُّ مِنْ حُرْمَةِ النَّظَرِ إِلَى الْعَوْرَةِ الْمُخَفَّفَةِ.

٦ - وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا يَلِي:

أ - مَا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، فَيَجُوزُ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ أَنْ يَكْشِفَ كُلٌّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ عَوْرَتَهُ لِلآْخَرِ، وَالتَّفْصِيل فِي (عَوْرَةٌ ف ١١) .

ب - إِذَا دَعَتْ الضَّرُورَةُ أَوِ الْحَاجَةُ إِلَى كَشْفِ الْعَوْرَةِ، فَيَجُوزُ لِلإِْنْسَانِ أَنْ يَكْشِفَ عَوْرَتَهُ لأَِجْل الْحَاجَةِ، كَالْعِلاَجِ وَالْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ وَالْخِتَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، كَمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَكْشِفَهَا لِلشَّهَادَةِ تَحَمُّلًا وَأَدَاءً بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كُلُّهُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، فَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَكْشِفَ مِنْ عَوْرَتِهِ أَكْثَرَ مِنَ الْحَاجَةِ كَمَا لاَ يَجُوزُ لِلنَّاظِرِ أَنْ

_________

(١) سورة الأعراف / ٢٢.

يَنْظُرَ أَكْثَرَ مِمَّا دَعَتْ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ؛ لأَِنَّهَا تُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا (١) (ر: عَوْرَةٌ ف ١٧ - ١٨) .

رَابِعًا: كَشْفُ الْعَوْرَةِ فِي الْخَلْوَةِ:

٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ كَشْفِ الْعَوْرَةِ فِي الْخَلْوَةِ.

فَقَال بَعْضُهُمْ: لاَ يَجُوزُ كَشْفُ الْعَوْرَةِ فِي الْخَلْوَةِ إِلاَّ لِحَاجَةٍ، كَتَغَوُّطٍ وَاسْتِنْجَاءٍ وَغَيْرِهِمَا، لإِطْلاَقِ الأَْمْرِ بِالسُّتْرَةِ، وَهُوَ يَشْمَل الْخَلْوَةَ وَالْجَلْوَةَ؛ وَلأَِنَّ اللَّهَ ﷾ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ، وَهُوَ ﷾ وَإِنْ كَانَ يَرَى الْمَسْتُورَ كَمَا يَرَى الْمَكْشُوفَ، لَكِنَّهُ يَرَى الْمَكْشُوفَ تَارِكًا لِلأَْدَبِ وَالْمَسْتُورَ مُتَأَدِّبًا، وَهَذَا الأَْدَبُ وَاجِبٌ مُرَاعَاتُهُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَهَذَا رَأْيُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.

وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى جَوَازِ كَشْفِ الْعَوْرَةِ فِي الْخَلْوَةِ مِنْ غَيْرِ حُصُول حَاجَةٍ، قَال صَاحِبُ الذَّخَائِرِ: يَجُوزُ كَشْفُ الْعَوْرَةِ فِي الْخَلْوَةِ لأَِدْنَى غَرَضٍ، وَلاَ يُشْتَرَطُ حُصُول الْحَاجَةِ، ثُمَّ قَال: وَمِنَ الأَْغْرَاضِ كَشْفُ الْعَوْرَةِ لِلتَّبْرِيدِ وَصِيَانَةِ الثَّوْبِ مِنَ الأَْدْنَاسِ وَالْغُبَارِ عِنْدَ كَنْسِ الْبَيْتِ وَغَيْرِهِ.

قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَحَكَى فِي الْقُنْيَةِ أَقْوَالًا

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٢٧٠ - ٢٧٧، والفواكه الدواني ١ / ١٥٠، ٢٥١، ومغني المحتاج ١ / ١٨٤، ٣ / ١٢٨ - ١٣٤، والمغني لابن قدامة ١ / ٥٧٧ وما بعدها، ٦ / ٥٥٨.

فِي تَجَرُّدِهِ لِلاِغْتِسَال مُنْفَرِدًا، مِنْهَا أَنَّهُ يُكْرَهُ، وَمِنْهَا: أَنَّهُ يُعْذَرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الْمُدَّةِ الْيَسِيرَةِ، وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَجُوزُ فِي بَيْتِ الْحَمَّامِ الصَّغِيرِ، وَمِنْهَا: أَنَّهُ لاَ بَأْسَ (١) .

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٢٧٠، والفواكه الدواني ١ / ١٥٠، ٢٥٠، والمجموع للنووي ٣ / ١٦٥، ومغني المحتاج ١ / ١٨٥، ٣ / ١٣٥، والمغني لابن قدامة ١ / ٦٠١، ١٦٣، ٢٣١، والآداب الشرعية ٣ / ٣٣٨.

كَعْبٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْكَعْبُ فِي اللُّغَةِ الْعُقْدَةُ بَيْنَ الأُْنْبُوبَيْنِ مِنَ الْقَصَبِ، وَكَعْبَا الرَّجُل: هُمَا الْعَظْمَانِ النَّاشِزَانِ مِنْ جَانِبَيِ الْقَدَمِ، قَال الأَْزْهَرِيُّ: الْكَعْبَانِ: النَّاتِئَانِ فِي مُنْتَهَى السَّاقِ مَعَ الْقَدَمِ عَنْ يَمْنَةِ الْقَدَمِ وَيَسْرَتِهَا.

وَقَال ابْنُ الأَْعْرَابِيِّ وَجَمَاعَةٌ: الْكَعْبُ هُوَ الْمَفْصِل بَيْنَ السَّاقِ وَالْقَدَمِ وَالْجَمْعُ كُعُوبٌ وَأَكْعُبُ وَكِعَابٌ، وَأَنْكَرَ الأَْصْمَعِيُّ قَوْل النَّاسِ: إِنَّ الْكَعْبَ فِي ظَهْرِ الْقَدَمِ (١) .

وَالْكَعْبُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ هُوَ: الْعَظْمُ النَّاتِئُ عِنْدَ مُلْتَقَى السَّاقِ وَالْقَدَمِ.

وَقَال الشَّافِعِيُّ ﵀: لَمْ أَعْلَمْ مُخَالِفًا فِي أَنَّ الْكَعْبَيْنِ هُمَا الْعَظْمَانِ فِي مَجْمَعِ مَفْصِل السَّاقِ.

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: الْكَعْبُ يُطْلَقُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْل الْجُمْهُورِ وَعَلَى الْعَظْمِ الَّذِي فِي ظَهْرِ الْقَدَمِ عِنْدَ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ، وَيُؤْخَذُ الْمَعْنَى

_________

(١) المصباح المنير، والمغرب للمطرزي.

الأَْوَّل فِي الْوُضُوءِ وَيُؤْخَذُ الْمَعْنَى الثَّانِي فِي الإِْحْرَامِ بِالْحَجِّ احْتِيَاطًا (١) .

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْكَعْبِ:

غَسْل الرِّجْلَيْنِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ فِي الْوُضُوءِ:

٢ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ فِي الْوُضُوءِ غَسْل الْقَدَمَيْنِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٢) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (وُضُوءٌ) .

قَطْعُ الْخُفَّيْنِ أَسْفَل مِنَ الْكَعْبَيْنِ فِي الإِْحْرَامِ:

٣ - مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فِي الإِْحْرَامِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ الْخُفَّيْنِ أَسْفَل مِنَ الْكَعْبَيْنِ وَيَلْبَسُهُمَا، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ تَلْبَسُوا الْقُمُصَ وَلاَ الْعَمَائِمَ وَلاَ السَّرَاوِيلاَتِ وَلاَ الْبَرَانِسَ وَلاَ الْخِفَافَ، إِلاَّ أَحَدٌ لاَ يَجِدُ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسَ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَل مِنَ الْكَعْبَيْنِ (٣) .

وَهَذَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لاَ يَقْطَعُ الْخُفَّيْنِ. وَفَسَّرَ الْجُمْهُورُ الْكَعْبَيْنِ

_________

(١) البناية ١ / ١٠٩، وعمدة القاري ٣ / ٧٣، وفتح القدير ٢ / ١٤٢، وابن عابدين ٢ / ١٦٢، والبحر الرائق ٣ / ٣٤٨، وحلية العلماء ١ / ١٥٤، والقوانين الفقهية ص٢٩، والمغني ١ / ١٣٢.

(٢) سورة المائدة / ٦.

(٣) حديث: " لا تلبسوا القمص. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٢٧٢)، ومسلم (٢ / ٨٣٤) من حديث ابن عمر، واللفظ لمسلم.