الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٣
تَقَايُلٌ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ أُصُول الْحَنَفِيَّةِ وَنُصُوصَ بَعْضِ مُتُونِهِمْ وَشُرَّاحِهِمْ تَقْتَضِي إِطْلاَقَ قَبُولِهِ.
وَعِبَارَةُ مَتْنِ تَنْوِيرِ الأَْبْصَارِ وَشَرْحِهِ: الْقِسْمَةُ تَقْبَل النَّقْصَ، فَلَوِ اقْتَسَمُوا وَأَخَذُوا حِصَصَهُمْ، ثُمَّ تَرَاضَوْا عَلَى الاِشْتِرَاكِ بَيْنَهُمْ صَحَّ، وَعَادَتِ الشَّرِكَةُ فِي عَقَارٍ أَوْ غَيْرِهِ (١) .
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَيُطْلِقُونَ الْقَوْل بِلُزُومِ الْقِسْمَةِ إِذَا صَحَّتْ، سَوَاءٌ بِقُرْعَةٍ أَمْ بِدُونِهَا، وَلاَ تَصِحُّ قِسْمَةُ الإِْجْبَارِ عِنْدَهُمْ فِي غَيْرِ الْمِثْلِيِّ إِلاَّ بِقُرْعَةٍ، وَيَذْكُرُونَ أَنَّ مَنْ أَرَادَ الرُّجُوعَ لَمْ يُمَكَّنْ مِنْهُ، وَيُعَلِّلُونَهُ بِأَنَّهُ انْتِقَالٌ مِنْ مَعْلُومٍ إِلَى مَجْهُولٍ (٢)، وَهُوَ تَعْلِيلٌ يَتَبَادَرُ مِنْهُ أَيْضًا مَنْعُ التَّقَايُل بِاتِّفَاقِ الْمُتَقَاسِمِينَ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ رُشْدٍ الْحَفِيدُ، إِذْ يَقُول: الْقِسْمَةُ مِنَ الْعُقُودِ اللاَّزِمَةِ، لاَ يَجُوزُ لِلْمُتَقَاسِمِينَ نَقْضُهَا وَلاَ الرُّجُوعُ فِيهَا، إِلاَّ بِالطَّوَارِئِ عَلَيْهَا (٣)، وَهُوَ نَقِيضُ مَا صَرَّحَ بِهِ الدَّرْدِيرُ فِي قِسْمَةِ التَّرَاضِي (٤)، لَكِنَّ الْمُدَوَّنَةَ صَرِيحَةٌ فِيمَا قَرَّرَهُ الأَْوَّلُونَ: فَقَدْ سَأَل سَحْنُونٌ ابْنَ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ دَارًا بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ تَرَاضَيْنَا فِي أَنْ جَعَلْتُ لَهُ طَائِفَةً مِنَ الدَّارِ عَلَى أَنْ جَعَل
_________
(١) رد المحتار ٥ / ١٧٦.
(٢) الخرشي ٤ / ٤١٢، بلغة السالك ٢ / ٢٤٣.
(٣) بداية المجتهد ٢ / ٢٧٠.
(٤) بلغة السالك ٢ / ٢٣٨.
لِي طَائِفَةً أُخْرَى، فَرَجَعَ أَحَدُنَا قَبْل أَنْ تُنْصَبَ الْحُدُودُ بَيْنَنَا؟ . فَأَجَابَ ابْنُ الْقَاسِمِ: ذَلِكَ لاَزِمٌ لَهُمَا، وَلاَ يَكُونُ لَهُمَا أَنْ يَرْجِعَا عِنْدَ مَالِكٍ (١)، إِلاَّ أَنَّهُ عَلَّلَهُ بِأَنَّ الْقِسْمَةَ بَيْعٌ مِنَ الْبُيُوعِ.
وَالْحَنَابِلَةُ مَعَ الْمَالِكِيَّةِ فِي أَنَّ الْقِسْمَةَ لاَ تَقْبَل الرُّجُوعَ بِالإِْرَادَةِ الْمُنْفَرِدَةِ وَلاَ الْمُجْتَمِعَةِ، لَكِنْ فِيمَا كَانَ مِنَ الْقِسْمَةِ مَحْضَ تَمْيِيزِ حُقُوقٍ، وَهَذِهِ هِيَ الْقِسْمَةُ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهَا عَدَا قِسْمَةِ الرَّدِّ فِي قِيل اعْتَمَدَهُ الْحَنَابِلَةُ، أَمَّا مَا هُوَ مِنْهَا بَيْعٌ، فَإِنَّهُ عِنْدَهُمْ عَقْدٌ لاَزِمٌ بِمُجَرَّدِ التَّرَاضِي وَالتَّفَرُّقِ. وَيَقْبَل التَّقَايُل كَالْبَيْعِ، إِلاَّ أَنَّهُ إِذَا اسْتُخْدِمَتِ الْقُرْعَةُ تَوَقَّفَ لُزُومُ الْقِسْمَةِ عَلَى خُرُوجِهَا، وَعَلَى الرِّضَا بِالْقِسْمَةِ بَعْدَ خُرُوجِ الْقُرْعَةِ، هَذَا فِي قِسْمَةِ التَّرَاضِي، أَمَّا فِي قِسْمَةِ الإِْجْبَارِ، فَيَتَوَقَّفُ اللُّزُومُ عَلَى خُرُوجِ الْقُرْعَةِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ وَقَعَتِ الْقِسْمَةُ بِتَرَاضٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ بِغَيْرِ نِزَاعٍ فَلاَ بُدَّ مِنْ رِضًا بِهَا بَعْدَ خُرُوجِ الْقُرْعَةِ، سَوَاءٌ فِي قِسْمَةِ الإِْفْرَازِ أَوِ الرَّدِّ أَوِ التَّعْدِيل، أَمَّا فِي قِسْمَةِ الرَّدِّ وَالتَّعْدِيل فَلأَِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا بَيْعٌ، وَالْبَيْعُ لاَ يَحْصُل بِالْقُرْعَةِ، فَافْتَقَرَ إِلَى الرِّضَا بَعْدَ خُرُوجِهِمَا كَقَبْلِهِ، وَأَمَّا فِي غَيْرِهِمَا فَقِيَاسًا عَلَيْهِمَا، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِمَا: رَضِينَا بِهَذِهِ
_________
(١) المدونة ١٤ / ١٦٩.
الْقِسْمَةِ أَوْ بِهَذَا أَوْ بِمَا أَخْرَجَتْهُ الْقُرْعَةُ، فَإِنْ وَقَعَتْ إِجْبَارًا لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهَا تَرَاضٍ، لاَ قَبْل الْقُرْعَةِ وَلاَ بَعْدَهَا، أَوْ وَقَعَتْ بِدُونِ قُرْعَةٍ أَصْلًا بِأَنِ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ أَحَدُهُمَا أَحَدَ الْجَانِبَيْنِ وَالآْخَرُ الآْخَرَ، أَوْ أَحَدُهُمَا الْخَسِيسَ وَالآْخَرُ النَّفِيسَ وَيَرُدَّ زَائِدَ الْقِسْمَةِ فَلاَ حَاجَةَ إِلَى تَرَاضٍ ثَانٍ بَعْدَ ذَلِكَ (١) .
ثَانِيًا - اسْتِقْلاَل كُل وَاحِدٍ بِمِلْكِ نَصِيبِهِ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ:
٥٢ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى اسْتِقْلاَل كُل وَاحِدٍ مِنَ الشُّرَكَاءِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ بِمِلْكِ نَصِيبِهِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ كَأَيِّ مَالِكٍ فِيمَا يَمْلِكُ، لأَِنَّ هَذَا هُوَ ثَمَرَةُ الْقِسْمَةِ وَمَقْصُودُهَا (٢) .
وَيَذْكُرُ الْحَنَفِيَّةُ هُنَا أَنَّ الْقِسْمَةَ الْفَاسِدَةَ، كَالَّتِي شُرِطَ فِيهَا هِبَةٌ أَوْ صَدَقَةٌ أَوْ بَيْعٌ مِنَ الْمَقْسُومِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا أَيْضًا هَذَا الاِسْتِقْلاَل بَعْدَ الْقَبْضِ، وَإِنْ كَانَ مَعَ الضَّمَانِ بِالْقِيمَةِ، قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ، وَيَرُدُّونَ مَا قَال ابْنُ نُجَيْمٍ فِي الأَْشْبَاهِ مِنْ نَفْيِ هَذَا التَّرَتُّبِ؛ لأَِنَّهُ بَنَاهُ عَلَى أَنَّ الْفَسَادَ وَالْبُطْلاَنَ فِي الْقِسْمَةِ سَوَاءٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ (٣)، وَالَّذِي قَالَهُ
_________
(١) المهذب ٢ / ٣٠٩، ونهاية المحتاج ٨ / ٢٧٦، الشرقاوي على التحرير ٢ / ٤٩٩، والإنصاف ١١ / ٣٥٣ - ٣٥٤.
(٢) رد المحتار ٥ / ١٦٦، الخرشي ٤ / ٣٩٩، ومغني المحتاج ٤ / ٤١٨، والمغني ١١ / ٤٨٨.
(٣) رد المحتار ٥ / ١٧٦، الفتاوى الهندية ٥ / ٢١١.
ابْنُ نُجَيْمٍ هُوَ مَذْهَبُ الْجَمَاهِيرِ مِنْ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ (١) وَقَدْ ضَرَبَ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ هُنَا عِدَّةَ أَمْثِلَةٍ لِهَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي يَمْلِكُهَا كُل وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَقَاسِمِينَ فِي نَصِيبِهِ دُونَ أَنْ يَكُونَ لِمُقَاسِمِهِ حَقُّ الاِعْتِرَاضِ أَوِ الْمَنْعِ، وَذَلِكَ إِذْ يَقُول: لَوْ وَقَعَ فِي نَصِيبِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ سَاحَةٌ لاَ بِنَاءَ فِيهَا، وَوَقَعَ الْبِنَاءُ فِي نَصِيبِ الآْخَرِ، فَلِصَاحِبِ السَّاحَةِ أَنْ يَبْنِيَ فِي سَاحَتِهِ، وَلَهُ أَنْ يَرْفَعَ بِنَاءَهُ، وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الْبِنَاءِ أَنْ يَمْنَعَهُ، وَإِنْ كَانَ يُفْسِدُ عَلَيْهِ الرِّيحَ وَالشَّمْسَ؛ لأَِنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ، فَلاَ يُمْنَعُ مِنْهُ، وَكَذَا لَهُ أَنْ يَبْنِيَ فِي سَاحَتِهِ مَخْرَجًا أَوْ تَنُّورًا أَوْ حَمَّامًا أَوْ رَحًى، لِمَا قُلْنَا.
وَكَذَا لَهُ أَنْ يُقْعِدَ فِي بِنَائِهِ حَدَّادًا أَوْ قَصَّارًا - أَيِ الَّذِي يُبَيِّضُ الثِّيَابَ (٢) - وَإِنْ كَانَ يَتَأَذَّى بِهِ جَارُهُ، لِمَا قُلْنَا.
وَلَهُ أَنْ يَفْتَحَ بَابًا أَوْ كُوَّةً - أَيِ الثُّقْبَةَ فِي الْحَائِطِ (٣) - لِمَا ذَكَرْنَا؛ أَلاَ تَرَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَرْفَعَ الْجِدَارَ أَصْلًا، فَفَتْحُ الْبَابِ وَالْكُوَّةِ أَوْلَى.
وَلَهُ أَنْ يَحْفِرَ فِي مِلْكِهِ بِئْرًا أَوْ بَالُوعَةً أَوْ كِرْيَاسًا - أَيْ كَنِيفًا فِي أَعْلَى السَّطْحِ (٤)
_________
(١) أشباه السيوطي ٢٨٦.
(٢) المصباح المنير.
(٣) المصباح المنير.
(٤) المصباح المنير.
وَإِنْ كَانَ يَهِي بِذَلِكَ حَائِطُ جَارِهِ، وَلَوْ طَلَبَ جَارُهُ تَحْوِيل ذَلِكَ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى التَّحْوِيل، وَلَوْ سَقَطَ الْحَائِطُ مِنْ ذَلِكَ لاَ يَضْمَنُ؛ لأَِنَّهُ لاَ صُنْعَ مِنْهُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ، وَالأَْصْل أَنْ لاَ يُمْنَعَ الإِْنْسَانُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ، إِلاَّ أَنَّ الْكَفَّ عَمَّا يُؤْذِي الْجَارَ أَحْسَنُ (١) .
ثَالِثًا لِلْمُتَقَاسِمِينَ إِحْدَاثُ أَبْوَابٍ وَنَوَافِذَ فِي السِّكَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ غَيْرِ النَّافِذَةِ:
٥٣ - وَهَذَا مِمَّا يَقَعُ كَثِيرًا؛ لأَِنَّ قِسْمَةَ الدَّارِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا إِدْخَال تَعْدِيلاَتٍ كَثِيرَةٍ، وَتَهْيِئَةُ مَرَافِقَ لَمْ تَكُنْ، وَلَيْسَ لِسَائِرِ الشُّرَكَاءِ فِي السِّكَّةِ الْمَذْكُورَةِ الْحَيْلُولَةُ دُونَ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ لِلْمُتَقَاسِمِينَ أَنْ يُزِيلُوا الْجُدْرَانَ فَأَوْلَى أَنْ يَفْتَحُوا فِيهَا مَا شَاءُوا مِنْ أَبْوَابٍ وَكُوًى.
هَكَذَا قَرَّرَ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَأَطْلَقَهُ (٢) وَالَّذِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الَّذِي لَهُ أَنْ يَفْتَحَ بَابًا فِي السِّكَّةِ غَيْرِ النَّافِذَةِ هُوَ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا، وَهُوَ مَنْ لَهُ فِيهَا بَابٌ، لاَ مَنْ لاَصَقَهَا جِدَارُهُ، ثُمَّ الَّذِي لَهُ فِيهَا بَابٌ لاَ يَمْلِكُ عِنْدَهُمْ فَتْحَ بَابٍ آخَرَ إِلاَّ إِذَا كَانَ أَقْرَبَ إِلَى رَأْسِ السِّكَّةِ، وَهُوَ مُفَادُ مُتُونِ الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا (٣)، لَكِنْ زَادَ الشَّافِعِيَّةُ شَرِيطَةً أُخْرَى لِفَتْحِ بَابٍ جَدِيدٍ، هِيَ أَنْ يُغْلَقَ
_________
(١) بدائع الصنائع ٧ / ٢٨، ٢٩.
(٢) بدائع الصنائع ٧ / ٢٩.
(٣) شرح المجلة للأتاسي ٣ / ١١٧.
الأَْوَّل، هَذَا عِنْدَ الْمُشَاحَّةِ، أَمَّا بِالتَّرَاضِي فَلاَ كَلاَمَ. (١)
كَمَا أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ يُصَرِّحُونَ بِمَنْعِ فَتْحِ بَابِ قُبَالَةَ بَابٍ آخَرَ لِشَرِيكٍ فِي السِّكَّةِ غَيْرِ النَّافِذَةِ؛ لأَِنَّهُ يُؤْذِيهِ وَيُسِيءُ إِلَى أَهْلِهِ. (٢)
مَا يَطْرَأُ عَلَى الْقِسْمَةِ:
٥٤ - قَدْ يَطْرَأُ عَلَى الْقِسْمَةِ بَعْدَ وُقُوعِهَا أُمُورٌ قَدْ يَرَى الشُّرَكَاءُ أَوْ بَعْضُهُمْ بِسَبَبِهَا إِعَادَةَ النَّظَرِ بِالْقِسْمَةِ وَمِنْهَا:
أ - الْغَبْنُ:
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْغَبْنَ فِي الْقِسْمَةِ إِذَا كَانَ يَسِيرًا مُحْتَمَلًا فَهَذَا قَلَّمَا تَخْلُو مِنْهُ قِسْمَةٌ وَلِذَا لاَ تُسْمَعُ دَعْوَى مَنْ يَدَّعِيهِ وَلاَ تُقْبَل بَيِّنَتُهُ، أَمَّا الْغَبْنُ الْفَاحِشُ - الَّذِي لاَ يُتَسَامَحُ فِيهِ عَادَةً، فِي كُل قَضِيَّةٍ بِحَسَبِهَا - فَهَذَا هُوَ الَّذِي تُسْمَعُ فِيهِ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةُ، وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (غَبْن ف ٧) .
ب - الْعَيْبُ:
لَمْ يَحْكُمْ بِبُطْلاَنِ الْقِسْمَةِ بِظُهُورِ الْعَيْبِ فِي بَعْضِ الأَْنْصِبَاءِ إِلاَّ الْحَنَابِلَةُ، وَلَيْسَ هُوَ أَصْل الْمَذْهَبِ، وَإِنَّمَا أَبْدَوْهُ احْتِمَالًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّعْدِيل مِنْ شَرَائِطِ الْقِسْمَةِ، (٣) وَأَحَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ أَحْكَامَ
_________
(١) المنهاج بتعليق السراج ٢٣٥.
(٢) الخرشي ٤ / ٢٧٨، بلغة السالك ٢ / ١٢٦.
(٣) المغني ١١ / ٥١٠، والإنصاف ١١ / ٢٦٣.
الْعَيْبِ عَلَى أَحْكَامِهِ فِي الْبَيْعِ، وَبَسَطَ الْمَالِكِيَّةُ الْبَحْثَ فِي الْعَيْبِ فِي الْقِسْمَةِ، وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (عَيْب ف ٣٩) .
ج - الاِسْتِحْقَاقُ:
إِذَا اسْتُحِقَّ جَمِيعُ الْمَال الْمَقْسُومِ يَتَبَيَّنُ أَنْ لاَ قِسْمَةَ لأَِنَّهَا لَمْ تُصَادِفْ مَحَلًّا، وَإِذَا اسْتُحِقَّ نَصِيبُ أَحَدِ الْمُتَقَاسِمِينَ أَوْ بَعْضُ نَصِيبِهِ فَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِحْقَاق ف ٣٦) .
قِسْمَةُ الْمَنَافِعِ:
٥٥ - وَتُسَمَّى قِسْمَةَ الْمُهَايَأَةِ، بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَةِ وَتَسْهِيلِهَا، (١) وَهِيَ فِي أَصْل اللُّغَةِ: مُفَاعَلَةٌ مِنَ الْهَيْئَةِ قَال فِي الْمِصْبَاحِ: تَهَايَأَ الْقَوْمُ تَهَايُؤًا مِنَ الْهَيْئَةِ، جَعَلُوا لِكُل وَاحِدٍ هَيْئَةً مَعْلُومَةً وَالْمُرَادُ النَّوْبَةُ. وَهِيَ شَرْعًا: قِسْمَةُ الْمَنَافِعِ: لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ فِيهَا، إِمَّا أَنْ يَرْضَى بِهَيْئَةٍ وَاحِدَةٍ وَيَخْتَارَهَا، وَإِمَّا أَنَّ الشَّرِيكَ الثَّانِيَ يَنْتَفِعُ بِالْعَيْنِ عَلَى الْهَيْئَةِ الَّتِي وَقَعَ بِهَا انْتِفَاعُ شَرِيكِهِ الأَْوَّل.
مَشْرُوعِيَّتُهَا:
٥٦ - الْقِيَاسُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَقْتَضِي امْتِنَاعَ قِسْمَةِ الْمَنَافِعِ لأَِنَّهَا مُبَادَلَةُ مَنْفَعَةٍ بِجِنْسِهَا نَسِيئَةً، إِذْ كُل وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ يَنْتَفِعُ
_________
(١) حكى المالكية فيها عدة لغات فراجعها (الخرشي وحواشيه ٤ / ٤٠٠) .
بِمِلْكِ شَرِيكِهِ عِوَضًا عَنِ انْتِفَاعِ شَرِيكِهِ بِمِلْكِهِ (١)، لَكِنْ تُرِكَ الْقِيَاسُ إِلَى الْقَوْل بِجَوَازِهَا اسْتِحْسَانًا، لِمَا قَامَ مِنْ دَلاَئِل مَشْرُوعِيَّتِهَا إِذْ هَذِهِ الْمَشْرُوعِيَّةُ ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ وَالْمَعْقُول:
أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ - حِكَايَةً عَنْ نَبِيِّهِ صَالِحٍ يُخَاطِبُ قَوْمَهُ: ﴿هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ (٢) إِذْ هُوَ يَدُل عَلَى جَوَازِ الْمُهَايَأَةِ الزَّمَانِيَّةِ بِنَصِّهِ - بِنَاءً عَلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا، مَا لَمْ يَرِدْ فِي شَرْعِنَا مَا يَنْسَخُهُ وَمَا لَمْ يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ - وَعَلَى جَوَازِ الْمُهَايَأَةِ الْمَكَانِيَّةِ بِدَلاَلَتِهِ؛ لأَِنَّ هَذِهِ أَشْبَهُ مِنَ الْمُهَايَأَةِ الزَّمَانِيَّةِ بِقِسْمَةِ الأَْعْيَانِ، إِذْ كِلاَ الشَّرِيكَيْنِ يَسْتَوْفِي حَقَّهُ فِي نَفْسِ الْوَقْتِ، دُونَ تَرَاخٍ عَنْ صَاحِبِهِ. (٣)
وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَقَدْ جَاءَ " أَنَّهُمْ كَانُوا يَوْمَ بَدْرٍ بَيْنَ ثَلاَثَةِ نَفَرٍ بَعِيرٌ يَتَهَايَئُونَ فِي رُكُوبِهِ (٤) وَهَذِهِ مُهَايَأَةٌ زَمَانِيَّةٌ، وَالْمَكَانِيَّةُ أَوْلَى مِنْهَا بِالْجَوَازِ، كَمَا عَلِمْنَاهُ.
وَرُوِيَ أَنَّ الرَّجُل الَّذِي رَغِبَ فِي خِطْبَةِ الْمَرْأَةِ الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ حِينَ رَأَى إِعْرَاضَ النَّبِيِّ، عَرَضَ إِزَارَهُ
_________
(١) نتائج الأفكار ٨ / ٣٧٧.
(٢) سورة الشعراء / ١٥٥.
(٣) البدائع ٧ / ٣٢.
(٤) حديث: " أنهم كانوا يوم بدر بين ثلاثة نفر بعير. . . " أخرجه أحمد (١ / ٢١٨) من حديث عبد الله بن مسعود.
مَهْرًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ سِوَاهُ، فَقَال صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ؟ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ شَيْءٌ (١) - يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الشَّأْنَ فِي قِسْمَةِ مَا لاَ يَنْقَسِمُ - وَلاَ يَحْتَمِل الاِجْتِمَاعَ عَلَى مَنْفَعَتِهِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ - أَنْ يُقْسَمَ عَلَى التَّهَايُؤِ. (٢)
وَأَمَّا الإِْجْمَاعُ: فَلاَ يُعْرَفُ فِي صِحَّةِ قِسْمَةِ الْمَنَافِعِ عَلَى الْجُمْلَةِ نِزَاعٌ لأَِحَدٍ مِنْ أَهْل الْفِقْهِ.
وَأَمَّا الْمَعْقُول: فَلأَِنَّ مَا لاَ يَقْبَل الْقِسْمَةَ. قَدْ يَتَعَذَّرُ الاِجْتِمَاعُ عَلَى الاِنْتِفَاعِ بِهِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، فَلَوْ لَمْ تُشْرَعْ قِسْمَةُ الْمَنَافِعِ لَضَاعَتْ مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ، وَتَعَطَّلَتْ أَعْيَانٌ إِنَّمَا خَلَقَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِيُنْتَفَعَ بِهَا، وَلاَ يَسْتَقِيمُ هَذَا فِي عَقْلٍ أَوْ شَرْعٍ حَكِيمٍ. (٣)
مَحَل قِسْمَةِ الْمَنَافِعِ:
٥٧ - تَكُونُ قِسْمَةُ الْمَنَافِعِ إِذَا صَادَفَتْ مَحَلَّهَا، وَتَرَاضَى عَلَيْهَا الشُّرَكَاءُ، أَوْ طَلَبَهَا أَحَدُهُمْ وَالْقِسْمَةُ الْعَيْنِيَّةُ غَيْرُ مُمْكِنَةٍ، أَوْ مُمْكِنَةٌ وَلَكِنْ لَمْ يَطْلُبْهَا شَرِيكٌ آخَرُ، وَالْمَنْفَعَةُ غَيْرُ مُتَفَاوِتَةٍ تَفَاوُتًا يُعْتَدُّ بِهِ. أَوْ تَعَذَّرَ الاِجْتِمَاعُ عَلَى
_________
(١) حديث: " الرجل الذي رغب في خطبة المرأة التي وهبت نفسها للنبي ﷺ " أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ٧٨) من حديث سهل بن سعد.
(٢) الزيلعي على الكنز ٥ / ٢٧٥.
(٣) الزيلعي على الكنز ٥ / ٢٧٥.
الاِنْتِفَاعِ (١) .
وَالْمَنَافِعُ، كَمَا هُوَ فَرْضُ الْكَلاَمِ، أَيْ مَنَافِعُ الأَْعْيَانِ الَّتِي يُمْكِنُ الاِنْتِفَاعُ بِهَا مَعَ بَقَاءِ أَعْيَانِهَا، فَلاَ يَصِحُّ التَّهَايُؤُ عَلَى الْكِتَابَةِ مِنْ مِحْبَرَةٍ مَثَلًا (٢)، وَلاَ عَلَى الْغَلاَّتِ الْمُتَمَثِّلَةِ أَعْيَانًا بِطَبِيعَتِهَا كَالثِّمَارِ وَاللَّبَنِ؛ لأَِنَّ التَّهَايُؤَ الَّذِي هُوَ شَكْل قِسْمَةِ الْمَنَافِعِ، إِنَّمَا جَازَ ضَرُورَةً أَنَّ الْمَنَافِعَ أَعْرَاضٌ سَيَّالَةٌ لاَ تُمْكِنُ قِسْمَتُهَا بَعْدَ وُجُودِهَا لِتَقَضِّيهَا وَعَدَمِ بَقَائِهَا زَمَانَيْنِ، فَقُسِمَتْ قَبْل وُجُودِهَا بِالتَّهَايُؤِ فِي مَحَلِّهَا، أَمَّا الأَْعْيَانُ الَّتِي هِيَ غَلاَّتٌ فَتَبْقَى وَتُمْكِنُ قِسْمَتُهَا بِذَوَاتِهَا، فَلاَ حَاجَةَ إِلَى التَّهَايُؤِ فِي قِسْمَتِهَا عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الْغَرَرِ، (٣) فَالأَْرَاضِي الزِّرَاعِيَّةُ الْمُشْتَرَكَةُ بَيْنَ اثْنَيْنِ تُمْكِنُ قِسْمَتُهَا بِالْمُهَايَأَةِ: كَأَنْ يَأْخُذَ كُل وَاحِدٍ نِصْفَهَا، أَوْ يَأْخُذَهَا أَحَدُهُمَا كُلَّهَا فَتْرَةً مُعَيَّنَةَ مِنَ الزَّمَنِ ثُمَّ الآْخَرُ كَذَلِكَ؛ لأَِنَّ هَذِهِ قِسْمَةُ مَنَافِعِ الأَْرْضِ بِزِرَاعَتِهَا، أَمَّا النَّخْل وَشَجَرُ الْفَاكِهَةِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا فَيَتَقَاسَمَانِ عَلَى نَحْوِ مَا قُلْنَا فِي الأَْرْضِ، لِيَسْتَقِل كُلٌّ بِمَا يَتَحَصَّل مِنَ الثَّمَرَةِ فِي حِصَّتِهِ أَوْ فِي نَوْبَتِهِ فَلاَ سَبِيل إِلَى ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الإِْمَامِ وَصَاحِبَيْهِ؛ لأَِنَّ الثِّمَارَ أَعْيَانٌ تُمْكِنُ قِسْمَتُهَا بَعْدَ وُجُودِهَا، وَكَذَلِكَ الْبَقَرُ وَالْغَنَمُ وَمَا إِلَيْهِمَا،
_________
(١) مجمع الأنهر ٢ / ٤٩٦.
(٢) رد المحتار ٥ / ١٧٦.
(٣) تكملة فتح القدير ٨ / ٣٨٣، الزيلعي على الكنز ٥ / ٢٧٧.