الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٣
لاَ تَفَاوُتَ بَيْنَ أَجْزَائِهِ وَهُوَ الْمُتَشَابِهُ، أَوْ يَكُونُ بَيْنَهَا تَفَاوُتٌ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ بَيَانٍ (ر: ف ٩) .
تَنَوُّعُ قِسْمَةِ الْعَقَارِ:
٤٢ - قِسْمَةُ الْعَقَارِ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ إِفْرَازًا أَوْ تَعْدِيلًا أَوْ رَدًّا، كَمَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ جَمْعًا أَوْ تَفْرِيقًا، وَجَبْرًا أَوْ تَرَاضِيًا، ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، وَقَدْ يَكُونُ فِي مَحَالٍّ مُتَعَدِّدَةٍ:
فَفِي الْمَحَل الْوَاحِدِ: قِطْعَةُ الأَْرْضِ الْمُتَشَابِهَةِ الأَْجْزَاءِ بِلاَ أَدْنَى تَفَاوُتٍ كَالَّتِي تَخْلُو مِنَ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ وَهِيَ دَرَجَةٌ سَوَاءٌ مِنْ جَوْدَةِ التُّرْبَةِ أَوْ رَدَاءَتِهَا لاَ تَحْتَاجُ قِسْمَتُهَا إِلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَرْعِهَا وَمَعْرِفَةِ مِسَاحَتِهَا، حَتَّى عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ مُتَأَخِّرُوهُمْ (١)، وَإِنْ كَانَ الأَْكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ التَّعْدِيل فِي غَيْرِ الْمِثْلِيَّاتِ لاَ يُمْكِنُ إِلاَّ بِالْقِيمَةِ، ثُمَّ تَمْيِيزُهَا أَنْصِبَاءً مُتَسَاوِيَةً، إِذَا تَسَاوَتْ حُقُوقُ الْمُتَقَاسِمِينَ، أَوْ سِهَامًا مُتَسَاوِيَةً بِقَدْرِ النَّصِيبِ الأَْقَل، وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْقِسْمَةِ بِالأَْجْزَاءِ أَوْ قِسْمَةِ الإِْفْرَازِ.
وَهَكَذَا يُمْكِنُ أَنْ تُقْسَمَ إِفْرَازًا أَيْضًا إِذَا كَانَ فِي كُل جَانِبٍ مِنْ جَوَانِبِهَا مِنَ الْبِنَاءِ أَوِ الشَّجَرِ مِثْل مَا فِي الآْخَرِ بِحَيْثُ يُعْرَفُ تَسَاوِي الأَْنْصِبَاءِ مِنْ غَيْرِ تَقْوِيمٍ.
فَإِذَا تَفَاوَتَ الْبِنَاءُ أَوِ الشَّجَرُ، أَوْ تَفَاوَتَتْ
_________
(١) بلغة السالك ٢ / ٢٣٩.
جَوْدَةُ الأَْرْضِ وَرَدَاءَتُهَا فَلاَ يُمْكِنُ تَعْدِيل الأَْنْصِبَاءِ وَتَسْوِيَةُ السِّهَامِ إِلاَّ بِوَاسِطَةِ التَّقْوِيمِ، وَإِذَنْ تَكُونُ الْقِسْمَةُ قِسْمَةَ تَعْدِيلٍ، بَل قَدْ يَحُوجُ الأَْمْرُ إِلَى الاِسْتِعَانَةِ بِعِوَضٍ مِنْ خَارِجِ الْمَال الْمُشْتَرَكِ (مُعَدِّلٍ)، يَدْفَعُهُ وَاحِدٌ مِنَ الْمُتَقَاسِمِينَ أَوْ أَكْثَرُ لِيَتَعَادَل نَصِيبُهُ مَعَ سَائِرِ الأَْنْصِبَاءِ، وَقَدْ يَتَّفِقُ الْمُتَقَاسِمُونَ عَلَى ذَلِكَ دُونَ مُلْجِئٍ، وَإِذَنْ تَكُونُ الْقِسْمَةُ قِسْمَةَ رَدٍّ.
وَهِيَ عَلَى كُل حَالٍّ قِسْمَةُ تَفْرِيقٍ لأَِنَّ الْفَرْضَ اتِّحَادُ الْمَحَل، وَقَدْ سَلَفَ بَيَانُ طَرِيقَةِ مَنْ يَمْنَعُ الإِْجْبَارَ عَلَى قِسْمَةِ الرَّدِّ إِلاَّ ضَرُورَةً أَوْ بِلاَ اسْتِثْنَاءٍ، وَيَقْبَلُهُ فِي قِسْمَةِ الإِْفْرَازِ وَفِي قِسْمَةِ التَّعْدِيل بِشَرَائِطَ خَاصَّةٍ، وَطَرِيقَةُ مَنْ يَقْبَل الإِْجْبَارَ بِكُل حَالٍ، أَوْ يَمْنَعُهُ بِكُل حَالٍ.
إِلاَّ أَنَّهُ حَيْثُ يَكُونُ فِي الأَْرْضِ بِنَاءٌ، فَإِنَّ الْحَنَفِيَّةَ يَقُولُونَ: لاَ بُدَّ لِكَيْ يَعْدِل الْمَقْسُومُ عَلَى سِهَامِ الْقِسْمَةِ مِنْ شَيْئَيْنِ:
التَّوَصُّل إِلَى مَعْرِفَةِ الْمِسَاحَةِ.
وَتَقْوِيمُ الْبِنَاءِ (١) .
وَلَكِنَّ مُتَأَخِّرِيهِمْ يُفَسِّرُونَ ذَلِكَ بِأَنَّ مَعْنَاهُ: أَنْ يُقَاسَ وَيُقَوَّمَ كُلٌّ مِنَ الأَْرْضِ وَالْبِنَاءِ؛ لأَِنَّ تَعْدِيل سِهَامِ الْمَقْسُومِ يَحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَةِ مَالِيَّتِهِ،
_________
(١) تكملة فتح القدير ٨ / ٣٦٢.
وَلَوْ أَخِيرًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الأَْرْضِ، وَمَعْرِفَةُ هَذِهِ الْمَالِيَّةِ تَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ مِسَاحَةِ وَقِيمَةِ كُلٍّ مِنَ الأَْرْضِ وَالْبِنَاءِ (١) .
وَفِي الْمَحَال الْمُتَعَدِّدَةِ كَالدُّورِ وَالأَْرَاضِي وَالْبَسَاتِينِ: يُمْكِنُ أَنْ تُجْمَعَ هَذِهِ كُلُّهَا فِي قِسْمَةٍ وَاحِدَةٍ، اتَّحَدَ نَوْعُهَا أَمِ اخْتَلَفَ - عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي بَيَانِ اتِّحَادِ النَّوْعِ وَاخْتِلاَفِهِ - وَتُعَدَّل الأَْنْصِبَاءُ بِالْقِيمَةِ، فَتَكُونُ الْقِسْمَةُ قِسْمَةَ جَمْعٍ، إِلاَّ أَنَّ هَذَا لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي قِسْمَةِ التَّرَاضِي عِنْدَمَا يَخْتَلِفُ النَّوْعُ أَوِ الْجِنْسُ، كَتَرِكَةٍ بَعْضُهَا دُورٌ وَبَعْضُهَا أَرَاضٍ زِرَاعِيَّةٌ مُعْتَادَةٌ وَبَعْضُهَا حَدَائِقُ، أَوْ كُلُّهَا حَدَائِقُ، لَكِنَّ بَعْضَ الْحَدَائِقِ كُرُومٌ وَبَعْضُهَا رُمَّانٌ أَوْ بُرْتُقَالٌ أَوْ تُفَّاحٌ أَوْ مَا شَاكَل ذَلِكَ.
أَمَّا عِنْدَ اتِّحَادِ النَّوْعِ، فَإِنَّ الْقِسْمَةَ - وَهِيَ قِسْمَةُ جَمْعٍ لِتَعَدُّدِ الْمَحَل - تَقْبَل الإِْجْبَارَ، عَلَى خِلاَفَاتٍ فِي التَّفَاصِيل الَّتِي تَقَدَّمَتْ، كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ مَنْ يَعْكِسُ الْقَضِيَّةَ فَيُجْبِرُ عَلَى قِسْمَةِ الأَْجْنَاسِ وَالأَْنْوَاعِ الْمُخْتَلِفَةِ قِسْمَةَ جَمْعٍ إِذَا طَلَبَهَا أَحَدُ الشُّرَكَاءِ، وَلاَ يُجِيزُ التَّفْرِيقَ إِلاَّ بِاتِّفَاقِهِمْ.
كَيْفِيَّةُ قِسْمَةِ الْعَقَارِ:
٤٣ - يُمْكِنُ أَنْ تَقَعَ الْقِسْمَةُ بِقُرْعَةٍ، وَأَنْ تَقَعَ
_________
(١) رد المحتار ٥ / ١٧٢.
بِدُونِهَا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ قِسْمَةَ تَرَاضٍ أَمْ إِجْبَارٍ؛ لأَِنَّ تَعْيِينَ الْقَاسِمِ الْمُجْبِرِ لِكُل نَصِيبٍ عَلَى حِدَةٍ كَافٍ كَمَا سَيَجِيءُ إِلاَّ أَنَّ اسْتِعْمَال الْقُرْعَةِ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ اتِّقَاءً لِلتُّهْمَةِ، إِلاَّ أَنْ يُصِرَّ الْمُتَقَاسِمُونَ عَلَيْهَا، فَقَدْ نَصَّ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى وُجُوبِهَا حِينَئِذٍ (١)، نَعَمْ. لاَ إِجْبَارَ فِي غَيْرِ الْمِثْلِيِّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِلاَّ بِقُرْعَةٍ (٢)، وَفِي كَلاَمِ بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ مَا يُشِيرُ إِلَيْهِ كَقَوْل صَاحِبِ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ فِي قِسْمَةِ عَرْضِ الْجِدَارِ: وَيُحْتَمَل أَنْ لاَ يُجْبَرَ؛ لأَِنَّهُ لاَ تَدْخُلُهُ الْقُرْعَةُ، خَوْفًا مِنْ أَنْ يَحْصُل لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يَلِي مِلْكَ الآْخَرِ (٣)، بَل هُوَ صَرِيحُ مَذْهَبِهِمْ، كَمَا نَصُّوا عَلَيْهِ (٤) .
كَمَا أَنَّ تَرَاضِيَ الْمُتَقَاسِمِينَ عَلَى تَوْزِيعِ الأَْنْصِبَاءِ بَيْنَهُمْ بِكَيْفِيَّةٍ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَتِمَّ بِدُونِ أَنْ يَسْتَعِينُوا بِقُرْعَةٍ، بَل دُونَ تَعْدِيلٍ أَوْ تَقْوِيمٍ أَصْلًا مَا دَامَ الْمَحَل لَيْسَ رِبَوِيًّا، بَل وَإِنْ كَانَ رِبَوِيًّا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقِسْمَةَ مَحْضُ تَمْيِيزِ حُقُوقٍ (٥)، بَل عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَبِنَاءً عَلَى أَنَّهَا بَيْعٌ إِذَا دَخَلاَ عَلَى التَّفَاضُل الْبَيِّنِ كَفَدَّانِ فَاكِهَةٍ فِي نَظِيرِ فَدَّانَيْنِ، لِخُرُوجِهَا حِينَئِذٍ مِنْ
_________
(١) الشرقاوي على التحرير ٢ / ٤٩٩.
(٢) التحفة وحواشيها ٢ / ٦٩.
(٣) المغني مع الشرح الكبير ١١ / ٤٩٦.
(٤) الفروع ٣ / ٨٥٤.
(٥) بدائع الصنائع ٧ / ١٩، رد المحتار ٥ / ١٧٢، ١٧٣، التحفة وحواشيها ٢ / ٧٠، ٧١، نهاية المحتاج ٨ / ٢٧٣.
بَابِ الْبَيْعِ الْمَبْنِيِّ عَلَى الْمَهَارَةِ التِّجَارِيَّةِ وَمُحَاوِلَةِ الْغَلَبِ مِنْ كِلاَ الْجَانِبَيْنِ إِلَى بَابِ الْمَنِيحَةِ وَالتَّطَوُّل (١) .
لَكِنَّ الْمَالِكِيَّةَ يَشْتَرِطُونَ لِجَوَازِ الْقُرْعَةِ شَرَائِطَ مُعَيَّنَةً:
الأَْوَّل: أَنْ تَكُونَ فِيمَا تَمَاثَل أَوْ تَجَانَسَ، لِيَقِل الْغُرُورُ.
الثَّانِي: أَنْ لاَ تَكُونَ فِي مِثْلِيٍّ مُتَّحِدِ الصِّفَةِ أَيْ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ أَوْ مَعْدُودٍ (٢) .
الثَّالِثُ: أَنْ لاَ يُجْمَعَ فِيهَا بَيْنَ نَصِيبَيْنِ، إِذْ لاَ ضَرُورَةَ (٣) .
وَيُوَافِقُهُمُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي الشَّرِيطَةِ الثَّانِيَةِ.
الْقِسْمَةُ بِالْقُرْعَةِ:
٤٤ - الْقُرْعَةُ مَشْرُوعَةٌ فِي الْقِسْمَةِ بِلاَ خِلاَفٍ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْل الْفِقْهِ وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي مَشْرُوعِيَّتِهَا فِي غَيْرِ الْقِسْمَةِ، وَالْحَنَفِيَّةُ مَعَ الْمُنَازِعِينَ فِي مَشْرُوعِيَّتِهَا إِلاَّ فِي الْقِسْمَةِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهَا، وَهُمْ يَقُولُونَ فِي ذَلِكَ: إِنَّهَا قِمَارٌ لِتَعْلِيقِ الاِسْتِحْقَاقِ عَلَى خُرُوجِهَا، لَكِنَّ هَذَا الْمَعْنَى مُنْتَفٍ فِي الْقِسْمَةِ؛ لأَِنَّ الْقَاسِمَ الْمُجْبِرَ لَوْ عَيَّنَ لِكُل وَاحِدٍ نَصِيبَهُ دُونَ قُرْعَةٍ لَكَفَى، إِذْ هُوَ فِي مَعْنَى الْقَضَاءِ، لَكِنْ رُبَّمَا يُتَّهَمُ
_________
(١) بلغة السالك ٢ / ٢٤٢، حواشي الخرشي ٤ / ٤٠٩.
(٢) بلغة السالك ٢ / ٢٣٩، وحواشي الخرشي ٤ / ٤٠١.
(٣) الخرشي ٤ / ٤٠١، بلغة السالك ٢ / ٢٣٩.
بِالْمُحَابَاةِ، فَيَلْجَأُ إِلَى الْقُرْعَةِ لِئَلاَّ تَبْقَى رِيبَةٌ، وَلِذَا جَرَى الْعَمَل بِهَا مُنْذُ عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ حَتَّى يَوْمِ النَّاسِ هَذَا، فَهِيَ سُنَّةٌ عَمَلِيَّةٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا (١) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (قُرْعَة) .
قِسْمَةُ الْمَنْقُول الْمُتَشَابِهِ:
وَأَصْلُهُ الْمِثْلِيُّ الْمُتَّحِدُ الصِّفَةِ، ثُمَّ أُلْحِقَ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْقِيَمِيِّ الَّذِي لاَ تَخْتَلِفُ الأَْنْصِبَاءُ فِيهِ صُورَةً وَقِيمَةً كَبَعْضِ الثِّيَابِ وَالْحَيَوَانِ:
٤٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ فِي الْمِثْلِيِّ الْمُتَّحِدِ الصِّفَةِ - عَلَى خِلاَفٍ بَيْنَهُمْ فِي مَعْنَى الْمِثْلِيِّ - عَلَى أَنَّ قِسْمَتَهُ لاَ تَحْتَاجُ إِلَى تَقْوِيمٍ، وَإِنَّمَا هِيَ مُجَرَّدُ إِفْرَازٍ بِطَرِيقِ الْكَيْل أَوِ الْوَزْنِ إِلَخْ، فَلاَ تَعْدِيل وَلاَ رَدَّ، إِلاَّ أَنَّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُل كَالَّذِي لاَ يُدَّخَرُ مِثْل الْفَاكِهَةِ - طَرِيقَةٌ أُخْرَى بِجَوَازِ قِسْمَتِهِ بِطَرِيقِ التَّحَرِّي وَالْخَرْصِ، إِمَّا مُطْلَقًا، وَإِمَّا إِذَا كَانَ مِنْ قَبِيل الْمَوْزُونِ لاَ غَيْرُ، بَل جَوَّزَ ابْنُ الْقَاسِمِ قِسْمَةَ التَّحَرِّي فِيمَا يَمْتَنِعُ تَفَاضُلُهُ بِشَرْطَيْنِ: - أَنْ يَكُونَ قَلِيلًا. - مَوْزُونًا كَاللَّحْمِ وَالْخُبْزِ (٢) .
ثُمَّ قَدْ تَكُونُ الْقِسْمَةُ تَرَاضِيًا، وَقَدْ تَكُونُ
_________
(١) تكملة فتح القدير ٨ / ٣٦٣.
(٢) الخرشي وحواشيه ٤ / ٤٠٢.
إِجْبَارًا، إِذْ لاَ يُمْنَعُ الإِْجْبَارُ هُنَا حَيْثُ لاَ ضَرَرَ إِلاَّ مُطْلِقُو مَنْعِهِ كَأَبِي ثَوْرٍ فِي بَعْضِ مَا يُرْوَى عَنْهُ، وَقَدْ تَكُونُ جَمْعًا، كَمَا فِي قِسْمَةِ كَمِّيَّةٍ مِنَ الْحُبُوبِ كَالْقَمْحِ أَوِ الشَّعِيرِ، وَقَدْ تَكُونُ تَفْرِيقًا كَالسَّبِيكَةِ مِنْ ذَهَبٍ تُقْسَمُ وَزْنًا.
أَمَّا مَا أُلْحِقَ بِالْمِثْلِيِّ فَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ هُمُ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ قِسْمَتَهُ كَقِسْمَةِ الْمِثْلِيِّ فِي كُل مَا تَقَدَّمَ.
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ وَجَمَاهِيرُ قُدَمَاءِ الْمَالِكِيَّةِ فَعَلَى التَّقْوِيمِ فِي كُل مُتَقَوَّمٍ (١)، وَعَلَى هَذَا فَقِسْمَتُهُ قِسْمَةَ تَعْدِيلٍ، وَالْمَفْرُوضُ أَنْ لاَ حَاجَةَ فِيهِ إِلَى رَدٍّ.
ثُمَّ قَدْ تَكُونُ قِسْمَةَ إِجْبَارٍ حَيْثُ لاَ ضَرَرَ وَقَدْ تَكُونُ تَرَاضِيًا، وَعِنْدَ التَّرَاضِي يَجُوزُ التَّفَاضُل عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ بَيَانٍ (ر: ف ٤٣)، وَقَدْ تَكُونُ جَمْعًا، كَمَا فِي قِسْمَةِ عَدَدٍ مِنَ الأَْغْنَامِ أَوِ الأَْبْقَارِ الْمُتَشَابِهَةِ، وَقَدْ تَكُونُ تَفْرِيقًا، كَمَا فِي قِسْمَةِ بِنَاءٍ مُتَّصِلٍ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ مَعَ تَشَابُهِ أَجْزَائِهِ إِذَا جَرَيْنَا عَلَى أَنَّهُ مَنْقُولٌ، كَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ.
وَفِي كَيْفِيَّةِ قِسْمَةِ الْمَنْقُول الْمُتَشَابِهِ بِقُرْعَةٍ أَوْ بِدُونِهَا التَّفْصِيل السَّابِقُ فِي كَيْفِيَّةِ قِسْمَةِ الْعَقَارِ.
_________
(١) التحفة وحواشيها ٢ / ٦٨.
قِسْمَةُ الْمَنْقُول غَيْرِ الْمُتَشَابِهِ:
٤٦ - تَتَنَوَّعُ قِسْمَةُ الْمَنْقُول غَيْرِ الْمُتَشَابِهِ (كَالثِّيَابِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَالأَْوَانِي الْمُخْتَلِفَةِ، وَالْحَيَوَانِ كَذَلِكَ) إِلَى أَنْوَاعٍ.
فَهُوَ لاَ يُقْسَمُ قِسْمَةَ جَمْعٍ إِلاَّ تَعْدِيلًا بِطَرِيقِ التَّقْوِيمِ، إِلاَّ عَلَى رَأْيِ مَنْ يَكْتَفِي فِي تَحَقُّقِ الْمِثْلِيَّةِ بِالتَّمَاثُل فِي مُعْظَمِ الصِّفَاتِ (ر: ف ٤٣)، فَإِنَّهُ يُطَبِّقُ عِنْدَ هَذَا التَّمَاثُل مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْمَنْقُول الْمُتَشَابِهِ خَاصًّا بِالْمِثْلِيِّ (ر: ف ٣٣) وَالأَْصْل فِيهِ أَنْ تَكُونَ قِسْمَتُهُ قِسْمَةَ تَرَاضٍ إِلاَّ أَنَّهُ قَدْ يَقْبَل الإِْجْبَارَ فِي حَالاَتٍ خَاصَّةٍ تَخْتَلِفُ مِنْ مَذْهَبٍ إِلَى آخَرَ كَحَالَةِ اتِّحَادِ النَّوْعِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَتُقَارِبُهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَاتِّحَادُ الصِّنْفِ وَصِنْفُ الصِّنْفِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، فِي تَفْصِيلاَتٍ عَدِيدَةٍ تَقَدَّمَ ذِكْرُ بَعْضِهَا.
وَتَكُونُ قِسْمَتُهُ قِسْمَةَ تَفْرِيقٍ إِذَا قُسِمَ كُل وَاحِدٍ عَلَى حِدَةٍ، وَقِسْمَةَ جَمْعٍ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ، وَلاَ مَانِعَ مِنْ قِسْمَةِ الرَّدِّ إِذَا تَرَاضَى عَلَيْهَا الْمُتَقَاسِمُونَ: كَأَنْ يَأْخُذَ هَذَا الثِّيَابَ، وَذَاكَ الأَْوَانِيَ، وَيَدْفَعَ أَوْ يَأْخُذَ الْفَرْقَ مِنْ حَيْثُ الْقِيمَةُ، بِشَرِيطَةِ أَنْ يَكُونَ مَا يَدْفَعُ فَرْقًا (الْمُعَدِّل) مِنْ مَال الشَّرِكَةِ، أَوْ بِدُونِ تَقَيُّدٍ بِهَذِهِ الشَّرِيطَةِ، عَلَى الْخِلاَفِ الَّذِي سَلَفَ، لَكِنَّ قِسْمَةَ الإِْفْرَازِ لاَ تُتَصَوَّرُ هُنَا إِلاَّ عِنْدَ الْمُتَوَسِّعِينَ فِي تَفْسِيرِ الْمِثْلِيَّةِ.
مَسَائِل ذَاتُ اعْتِبَارَاتٍ خَاصَّةٍ:
٤٧ - الْمَسْأَلَةُ الأُْولَى: قِسْمَةُ عَيْنٍ وَاحِدَةٍ لاَ تَقْبَل الْقِسْمَةَ: كَالثَّوْبِ وَالإِْنَاءِ وَالْعَقَارِ الْوَاحِدِ الَّذِي هُوَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ، أَعْنِي أَنَّ فِي قِسْمَتِهِ إِضْرَارًا بِجَمِيعِ الشُّرَكَاءِ أَوْ بِبَعْضٍ مِنْهُمْ (١)، أَوْ فَسَادًا وَإِضَاعَةَ مَالٍ دُونَ نَفْعٍ مَا.
وَجَوَابُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ - مِنْ حَيْثُ الإِْجْبَارُ عَلَى الْقِسْمَةِ أَوِ التَّرَاضِي عَلَيْهَا - يُعْلَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي بَيَانِ مَعْنَى الضَّرَرِ الْمَانِعِ مِنْ قِسْمَةِ الإِْجْبَارِ (٢)، لَكِنْ لِلْمَالِكِيَّةِ بِهَا فَضْل عِنَايَةٍ، وَلَهُمْ فِيهَا مَزِيدُ بَيَانٍ، وَهَذَا مَوْضِعُ تَفْصِيلِهِ: ذَلِكَ أَنَّهُمْ تَفْرِيعًا عَلَى ضَرَرِ الْقِسْمَةِ حِينَئِذٍ يَجْعَلُونَ لِلشَّرِيكَيْنِ - وَيَنُوبُ الْقَاضِي عَنِ الْغَائِبِ مِنْهُمَا، فَيُمْضِي لَهُ مَا يَرَاهُ - الْخِيَارَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ:
١ - الإِْبْقَاءُ عَلَى الشَّرِكَةِ، وَالاِنْتِفَاعُ بِالْعَيْنِ مُشْتَرَكَةً.
٢ - بَيْعُ الْعَيْنِ وَاقْتِسَامُ ثَمَنِهَا، وَمِنْهُ أَوْ بِمَثَابَتِهِ الْمُزَايَدَةُ عَلَيْهَا بَعْدَ رُسُوِّ سِعْرِهَا فِي السُّوقِ (أَوْ بَعْدَ تَقْوِيمِ خَبِيرٍ إِنْ لَمْ يَرْضَوُا السُّوقَ) - وَتُسَمَّى الْمُقَاوَاةَ (٣) - فَمَنْ رَغِبَ
_________
(١) على ما سلف من خلاف في الاعتداد بالضرر الخاص أو عدم الاعتداد، والمالكية يعتدون به بإطلاق (ر: ف / ١٣) .
(٢) الخرشي ٤ / ٢٧٤.
فِيهَا بِأَكْثَرَ أَخَذَهَا، وَإِذَا اسْتَوَيَا فَالْمُمْتَنِعُ مِنَ الْبَيْعِ أَوْلَى بِأَخْذِهَا، ثُمَّ عَلَى آخِذِهَا أَنْ يَدْفَعَ لِصَاحِبِهِ مُقَابِل حَقِّهِ فِي ثَمَنِ الْجُمْلَةِ.
هَذَا إِذَا كَانَتِ الْقِسْمَةُ مَحْضَ فَسَادٍ كَقِسْمَةِ بِئْرٍ، أَمَّا إِذَا كَانَتْ ضَارَّةً، مَعَ إِمْكَانِ الاِنْتِفَاعِ بِالْمَقْسُومِ بَعْدَهَا انْتِفَاعًا مَا مُخَالِفًا لِجِنْسِ مَنْفَعَتِهَا قَبْل الْقِسْمَةِ كَدَارٍ يُمْكِنُ جَعْلُهَا بَعْدَ الْقِسْمَةِ مَرْبِطَيْنِ لِدَابَّتَيْنِ، فَإِنَّ لِلشُّرَكَاءِ وَجْهًا ثَالِثًا مِنْ وُجُوهِ الْخِيَارِ: هُوَ أَنْ يَقْتَسِمُوا الْعَيْنَ بِطَرِيقِ التَّرَاضِي.
إِلاَّ أَنَّ الإِْجْبَارَ عَلَى الْبَيْعِ مَشْرُوطٌ عِنْدَهُمْ بِعِدَّةِ شَرَائِطَ.
أ - أَنْ يَطْلُبَ الْبَيْعَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ، فَلاَ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِ الْعَيْنِ دُونَ طَلَبٍ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمَا
ب - أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ عَدَمِ قَابِلِيَّةِ الْقِسْمَةِ؛ لأَِنَّهُ مَعَ قَبُول الْقِسْمَةِ لاَ يُجْبَرُ عَلَى الْبَيْعِ مُؤْثِرُهَا عَلَيْهِ (١) .
ج - أَنْ يَنْقُصَ ثَمَنُ حِصَّةِ طَالِبِ الْبَيْعِ، لَوْ بِيعَتْ مُنْفَرِدَةً، وَإِلاَّ فَلْيَبِعْ إِنْ شَاءَ حِصَّتَهُ وَحْدَهَا، إِذْ لاَ ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ.
د - أَنْ لاَ يَلْتَزِمَ الشَّرِيكُ الآْخَرُ بِفَرْقِ الثَّمَنِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى بَعْضِ الْحِصَّةِ مُنْفَرِدَةً، وَإِلاَّ فَلاَ مَعْنَى لإِجْبَارِهِ عَلَى الْبَيْعِ.
هـ - أَنْ يَكُونَ الشَّرِيكَانِ قَدْ مَلَكَا الْعَيْنَ
_________
(١) حواشي التحفة ٢ / ٧٣.