الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٣ الصفحة 41

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٣

الْمَبِيعَ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُتَمَوَّلًا (١) .

مَا يَسْقُطُ بِهِ الْقَسْمُ:

٢٦ - يَسْقُطُ حَقُّ الزَّوْجَةِ فِي الْقَسْمِ بِإِسْقَاطِهَا وَيَسْقُطُ بِالنُّشُوزِ كَمَا تَسْقُطُ بِهِ النَّفَقَةُ. . وَذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَمِنَ النُّشُوزِ أَنْ تَخْرُجَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ أَوْ تَمْنَعَهُ مِنَ التَّمَتُّعِ بِهَا. . قَال الشَّافِعِيَّةُ: وَلَوْ بِنَحْوِ قُبْلَةٍ وَإِنْ مَكَّنَتْهُ مِنَ الْجِمَاعِ حَيْثُ لاَ عُذْرَ فِي امْتِنَاعِهَا مِنْهُ، فَإِنْ عُذِرَتْ كَأَنْ كَانَ بِهِ صُنَانٌ مُسْتَحْكِمٌ - مَثَلًا - وَتَأَذَّتْ بِهِ تَأَذِّيًا لاَ يُحْتَمَل عَادَةً لَمْ تُعَدَّ نَاشِزَةً، وَتُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ إِنْ لَمْ تَدُل قَرِينَةٌ قَوِيَّةٌ عَلَى كَذِبِهَا. . وَسُقُوطُ حَقِّ النَّاشِزَةِ فِي الْقَسْمِ لأَِنَّهَا بِخُرُوجِهَا عَلَى طَاعَةِ زَوْجِهَا وَامْتِنَاعِهَا مِنْهُ رَضِيَتْ بِإِسْقَاطِ حَقِّهَا فِي الْقَسْمِ.

وَلاَ تَسْتَحِقُّ الْقَسْمَ زَوْجَةٌ صَغِيرَةٌ لاَ تُطِيقُ الْوَطْءَ، وَكَذَا الْمَجْنُونَةُ غَيْرُ الْمَأْمُونَةِ، وَالْمَحْبُوسَةُ؛ لأَِنَّ فِي إِلْزَامِ زَوْجِهَا بِالْقَسْمِ لَهَا إِضْرَارًا بِهِ حَيْثُ يَدْخُل الْحَبْسَ مَعَهَا لِيُوفِيَهَا قَسْمَهَا، وَالزَّوْجَةُ الْمُسَافِرَةُ لِحَاجَتِهَا وَحْدَهَا بِإِذْنِ زَوْجِهَا (٢) .

_________

(١) حاشية الدسوقي ٢ / ٣٤١.

(٢) رد المحتار ٢ / ٤٠٠، جواهر الإكليل ١ / ٣٢٧، نهاية المحتاج ٦ / ٣٧٣ - ٣٧٤، المغني ٧ / ٢٨ - ٤٠، كشاف القناع ٥ / ٢٠٤.

قِسْمَةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْقِسْمَةُ لُغَةً: النَّصِيبُ، جَعْل الشَّيْءِ أَوِ الأَْشْيَاءِ أَجْزَاءً أَوْ أَبْعَاضًا مُتَمَايِزَةً.

قَال الْفَيُّومِيُّ: قَسَمْتُهُ قَسْمًا، مِنْ بَابِ ضَرَبَ: فَرَزْتُهُ أَجْزَاءً فَانْقَسَمَ، وَالْمَوْضِعُ مَقْسِمٌ مِثْل مَسْجِدٍ، وَالْفَاعِل قَاسِمٌ، وَقَسَّامٌ مُبَالَغَةٌ، وَالاِسْمُ الْقِسْمُ (بِالْكَسْرِ) ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الْحِصَّةِ وَالنَّصِيبِ، فَيُقَال: هَذَا قَسْمِي، وَالْجَمْعُ أَقْسَامٌ، مِثْل حِمْلٍ وَأَحْمَالٍ، وَاقْتَسَمُوا الْمَال بَيْنَهُمْ، وَالاِسْمُ الْقِسْمَةُ، وَأُطْلِقَتْ عَلَى النَّصِيبِ أَيْضًا (١) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: جَمْعُ نَصِيبٍ شَائِعٍ فِي مُعَيَّنٍ: أَيْ فِي نَصِيبٍ مُعَيَّنٍ (٢)، وَإِنَّمَا كَانَتْ جَمْعًا لِلنَّصِيبِ بَعْدَ تَفَرُّقٍ، لأَِنَّهُ كَانَ قَبْل الْقِسْمَةِ مُوَزَّعًا عَلَى جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْمُشْتَرَكِ، مَا مِنْ جُزْءٍ - مَهْمَا قَل - إِلاَّ وَلِكُل وَاحِدٍ مِنَ الشُّرَكَاءِ فِيهِ بِنِسْبَةِ مَا لَهُ فِي الْمَجْمُوعِ الْكُلِّيِّ،

_________

(١) لسان العرب والمصباح المنير.

(٢) البحر الرائق ٨ / ١٦٧، وتكملة فتح القدير ٨ / ٣٤٧.

ثُمَّ صَارَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ مُنْحَصِرًا فِي جُزْءٍ مُعَيَّنٍ لاَ تَتَخَلَّلُهُ حُقُوقُ أَحَدٍ مِنْ بَقِيَّةِ الشُّرَكَاءِ، وَلَوْ كَانَتِ الْجُزْئِيَّةُ بِاعْتِبَارِ الزَّمَانِ، كَمَا فِي الْمُهَايَأَةِ الزَّمَانِيَّةِ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْبَيْعُ:

٢ - الْبَيْعُ لُغَةً: مُقَابَلَةُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ، أَوْ دَفْعُ عِوَضٍ وَأَخْذُ مَا عُوِّضَ عَنْهُ (١) .

وَاصْطِلاَحًا: مُقَابَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ (٢) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ: أَنَّ الْقِسْمَةَ أَعَمُّ، فَقَدْ تَكُونُ بَيْعًا وَقَدْ تَكُونُ غَيْرَ ذَلِكَ

ب - الإِْفْرَازُ:

٣ - الإِْفْرَازُ لُغَةً: التَّنْحِيَةُ أَيْ عَزْل شَيْءٍ عَنْ شَيْءٍ وَتَمْيِيزُهُ (٣) .

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

وَالصِّلَةُ: أَنَّ الْقِسْمَةَ قَدْ تَكُونُ بِالإِْفْرَازِ، وَقَدْ يُقْصَدُ بِهَا بَيَانُ الْحِصَصِ دُونَ إِفْرَازٍ، كَمَا فِي الْمُهَايَأَةِ فَهِيَ أَعَمُّ مِنَ الإِْفْرَازِ.

ج - الشَّرِكَةُ:

٤ - الشَّرِكَةُ لُغَةً: اسْمُ مَصْدَرِ شَرِكَ، وَهِيَ

_________

(١) لسان العرب والمصباح المنير.

(٢) شرح الروض ٢ / ٢.

(٣) المصباح المنير وتاج العروس.

خَلْطُ النَّصِيبَيْنِ وَاخْتِلاَطُهُمَا، وَالْعَقْدُ الَّذِي يَتِمُّ بِسَبَبِهِ خَلْطُ الْمَالَيْنِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا (١) .

وَمِنْ مَعَانِيهَا فِي الاِصْطِلاَحِ: أَنْ يَخْتَصَّ اثْنَانِ فَصَاعِدًا بِشَيْءٍ وَاحِدٍ أَوْ مَا هُوَ فِي حُكْمِهِ (٢) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْقِسْمَةِ وَالشَّرِكَةِ التَّضَادُّ.

مَشْرُوعِيَّةُ الْقِسْمَةِ:

٥ - الْقِسْمَةُ مَشْرُوعَةٌ، وَدَلِيل مَشْرُوعِيَّتِهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِْجْمَاعُ.

أَمَّا الْكِتَابُ: فَفِي كَثِيرٍ مِنَ الآْيِ: مِنْ مِثْل: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُول وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيل﴾ (٣)، وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿لِلرِّجَال نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَْقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَْقْرَبُونَ مِمَّا قَل مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ (٤)، وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِل وَالْمَحْرُومِ﴾ (٥) وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ (٦)

_________

(١) لسان العرب والمصباح المنير.

(٢) ابن عابدين ٣ / ٣٤٣، ومغني المحتاج ٢ / ٢١١.

(٣) سورة الأنفال / ٤١.

(٤) سورة النساء / ٦.

(٥) سورة المعارج / ٢٤.

(٦) سورة النساء / ٧.

وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَقَوْلُهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَفِعْلُهُ وَتَقْرِيرُهُ:

فَمِنْ قَوْلِهِ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: إِذَا قُسِّمَتِ الأَْرْضُ وَحُدَّتْ، فَلاَ شُفْعَةَ فِيهَا (١)، وَفِي مَعْنَاهُ حَدِيثُ جَابِرٍ ﵁: قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُل مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ، وَصُرِفَتِ الطُّرُقُ، فَلاَ شُفْعَةَ (٢) .

وَمِنْ فِعْلِهِ: أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقْسِمُ الْغَنَائِمَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ (٣)، وَفِي حَدِيثِ سَهْل بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ﵁: قَسَمَ رَسُول اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ نِصْفَيْنِ: نِصْفًا لِنَوَائِبِهِ وَحَاجَاتِهِ، وَنِصْفًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، قَسَمَهَا بَيْنَهُمْ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا (٤) .

وَأَمَّا تَقْرِيرُهُ: فَلاَ شَكَّ أَنَّ قِسْمَةَ الْمَوَارِيثِ وَغَيْرِهَا كَانَتْ تَقَعُ عَلَى عَهْدِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، فَيُسَدِّدُ وَلاَ يُنْكِرُ.

وَأَمَّا الإِْجْمَاعُ: فَقَدْ كَانَ النَّاسُ - وَمَا زَالُوا -

_________

(١) حديث: " إذا قسمت الأرض وحدت. . . " أخرجه أبو داود (٣ / ٧٨٥) من حديث أبي هريرة، وقال الشوكاني في نيل الأوطار (٥ / ٣٣١): رجال إسناده ثقات.

(٢) حديث جابر: " قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٤٣٦) .

(٣) حديث: أنه ﷺ " كان يقسم الغنائم. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٨ / ٥٣) من حديث أنس.

(٤) حديث سهل بن أبي حثمة: " قسم رسول الله ﷺ خيبر نصفين. . . " أخرجه أبو داود (٣ / ٤١٠) ونقل الزيلعي في نصب الراية (٣ / ٣٩٧) قول صاحب التنقيح: إسناده جيد.

مُنْذُ عَهْدِ رَسُول اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ حَتَّى يَوْمِنَا هَذَا يَتَعَامَلُونَ بِالْقِسْمَةِ فِي الْمَوَارِيثِ وَفِي غَيْرِ الْمَوَارِيثِ، دُونَ نَكِيرٍ مِنْ أَحَدٍ. قَال صَاحِبُ الْبَدَائِعِ: فَكَانَتْ شَرْعِيَّتُهَا مُتَوَارَثَةً (١) .

وَيَقُول الْفُقَهَاءُ: إِنَّ الْقِسْمَةَ تُوَفِّرُ عَلَى كُل شَرِيكٍ مَصْلَحَتَهُ كَامِلَةً، وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى: إِنَّهَا لِتَكْمِيل نَفْعِ الشَّرِيكِ (٢)

تَكْيِيفُ الْقِسْمَةِ:

٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْقِسْمَةِ هَل هِيَ بَيْعٌ أَمْ مَحْضُ تَمْيِيزِ حُقُوقٍ؟ يَذْهَبُ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ مَذَاهِبَ أَرْبَعَةً:

الْمَذْهَبُ الأَْوَّل:

أَنَّهَا بَيْعٌ بِإِطْلاَقٍ، وَعَلَيْهِ مَالِكٌ وَبَعْضُ أَصْحَابِهِ، لَكِنَّهُ خِلاَفُ الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ (٣)، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَصَحَّحَهُ جَمْعٌ مِنْ قُدَامَى أَصْحَابِهِمْ، وَالرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ (٤)، وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ (٥) .

وَقَالُوا: إِنَّ كُل جُزْءٍ مِنَ الْمَال مُشْتَرَكٌ بَيْنَ

_________

(١) البدائع ٧ / ١٧. ورد المحتار ٥ / ١٦٦، وتكملة فتح القدير ٨ / ٢٤٨، ومغني المحتاج ٤ / ٤١٨، والمغني لابن قدامة ١١ / ٤٤٨.

(٢) بدائع الصنائع ٧ / ١٧، ومغني المحتاج ٤ / ٤١٨، وقواعد ابن رجب ص ١٤٤.

(٣) التحفة وحواشيها ٢ / ٦٨، والفواكه الدواني ٢ / ٣٢٧.

(٤) مغني المحتاج ٤ / ٤٢٤، ونهاية المحتاج ٨ / ٢٧٥.

(٥) منتهى الإرادات ٢ / ٦١٨، والإنصاف ١١ / ٣٤٧.

الشَّرِيكَيْنِ، فَإِذَا أَخَذَ أَحَدُهُمَا نِصْفَ الْجَمِيعِ فَقَدْ بَاعَ مَا تَرَكَ مِنْ حَقِّهِ بِمَا أَخَذَ مِنْ حَقِّ صَاحِبِهِ (١)، أَوْ كَمَا قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لأَِنَّهُ يُبَدِّل نَصِيبَهُ مِنْ أَحَدِ السَّهْمَيْنِ بِنَصِيبِ صَاحِبِهِ مِنَ السَّهْمِ الآْخَرِ، وَهَذَا حَقِيقَةُ الْبَيْعِ (٢) .

الْمَذْهَبُ الثَّانِي:

أَنَّهَا مَحْضُ تَمْيِيزِ حُقُوقٍ بِإِطْلاَقٍ، وَعَلَيْهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ مَعَهُمُ الْمَجْدُ بْنُ تَيْمِيَّةَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ، وَكَذَلِكَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِذَا لَمْ تَقَعِ الْقِسْمَةُ جُزَافًا (٣) .

وَقَالُوا: إِنَّ لَوَازِمَ الْقِسْمَةِ تُخَالِفُ لَوَازِمَ الْبَيْعِ، وَاخْتِلاَفُ اللَّوَازِمِ يَدُل عَلَى اخْتِلاَفِ الْمَلْزُومَاتِ.

الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ:

أَنَّهَا تَمْيِيزُ حُقُوقٍ فِي بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، فَعِنْدَ جُمْهُورِ الْمَالِكِيَّةِ، وَهِيَ رِوَايَةُ الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ (٤): تَمْيِيزُ حُقُوقٍ فِيمَا تَمَاثَل - أَيْ كَانَ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ، مَعَ تَسَاوِي الرَّغَبَاتِ وَالْقِيمَةِ: كَالدُّورِ وَالْفَدَادِينِ الْمُتَقَارِبَةِ فِي

_________

(١) المهذب للشيرازي ٢ / ٣٠٦.

(٢) المغني ١١ / ٤٩١.

(٣) مغني المحتاج ٤ / ٤٢٣، ٤٢٤، وقواعد ابن رجب ٤١٢، ومطالب أولي النهى ٦ / ٥٥٠، والتحفة وحواشيها ٢ / ٦٨.

(٤) بلغة السالك ٢ / ٢٤٠، والتحفة وحواشيها ٢ / ٦٨ - ٦٩.

(٢) بلغة السالك ٢ / ٢٤١.

(٣) ومن المتقارب (المتجانس) البُخْت من الإبل مع العراب منها، والجاموس من البقر، والغنم مع المعز، لا البغال مع الحمير. (الخرشي ٤ / ٤٠٢، والتحفة وحواشيها ٢ / ٦٩)، وفي المصباح المنير: العراب من الإبل خلاف البخاتي.

(٤) التجريد المفيد ٤ / ٣٧٠، ومغني المحتاج ٤ / ٤٢١، ٤٢٢.

كَأَرْضٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي أَحَدِ جَانِبَيْهَا مَا لاَ يَقْبَل الْقِسْمَةَ - كَمَعْدِنٍ أَوْ بِنَاءٍ أَوْ بِئْرِ مَاءٍ - وَرُبَّمَا كَانَتْ قِيمَتُهُ وَحْدَهُ تَعْدِل قِيمَةَ الأَْرْضِ كُلَّهَا أَوْ تَزِيدُ (١) .

فَمِنْ وُجْهَةِ نَظَرِ الْحَنَابِلَةِ وَمُوَافِقِيهِمْ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ الرَّادَّ إِنَّمَا بَذَل مُقَابِل مَا حَصَل لَهُ مِنْ حَقِّ شَرِيكِهِ عِوَضًا عَنْهُ، وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْبَيْعِ (٢)، أَمَّا فِي غَيْرِ قِسْمَةِ الرَّدِّ فَيَتَمَسَّكُ بِتَغَايُرِ اللَّوَازِمِ، كَمَا تَمَسَّكَ أَرْبَابُ الْمَذْهَبِ الثَّانِي (٣) .

وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ - الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَرْبَابِ الْمَذْهَبِ الثَّالِثِ - لاَ يُنَازِعُونَ فِي أَنَّ قِسْمَةَ الرَّدِّ بَيْعٌ، وَلَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ كَذَلِكَ أَيْضًا: كُل قِسْمَةٍ أُخْرَى يُحْتَاجُ فِيهَا إِلَى تَعْدِيل الأَْنْصِبَاءِ بِوَاسِطَةِ التَّقْوِيمِ، لِيَصِيرَ مَا يَأْخُذُهُ بِهَا كُل شَرِيكٍ حَقًّا خَالِصًا لَهُ، إِذِ التَّقْوِيمُ تَخْمِينٌ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ: كَمَا فِي دَارٍ بَعْضُهَا لَبِنٌ، وَبَعْضُهَا حَجَرٌ، وَأَرْضٌ بَعْضُهَا جَيِّدٌ وَبَعْضُهَا رَدِيءٌ، وَبُسْتَانٍ بَعْضُهُ نَخْلٌ وَبَعْضُهُ كَرْمٌ (وَتُسَمَّى قِسْمَةَ تَعْدِيلٍ) - وَرُبَّمَا قِيل: لَوْ كَانَتْ قِسْمَةُ التَّعْدِيل بَيْعًا لَمَا قَبِلَتِ الإِْجْبَارَ كَقِسْمَةِ الرَّدِّ.

_________

(١) المغني ١١ / ٤٩١، ومطالب أولي النهى ٦ / ٥٤٩، ٥٥٠، ٥٥٨، والمهذب ٢ / ٣٠٦.

(٢) المهذب ٢ / ٣٠٦، والمغني ١١ / ٤٩٢.

(٣) المهذب ٢ / ٣٠٦، والمغني ١١ / ٤٩١.

وَقَدْ قِيل فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ بِعَدَمِ قَبُولِهَا الإِْجْبَارَ فِعْلًا (١)، وَلَكِنَّهُ خِلاَفُ مَا اعْتَمَدُوهُ، وَلَمْ يَلْتَفِتُوا - فِي مُعْتَمَدِهِمْ - لِكَوْنِهَا بَيْعًا إِلْحَاقًا لِتَسَاوِي الأَْجْزَاءِ قِيمَةً بِتَسَاوِيهَا حَقِيقَةً، وَلِدُعَاءِ الْحَاجَةِ، فَإِنَّ الرَّغَبَاتِ تَتَعَلَّقُ بِتَخْلِيصِ الْحَقِّ مِنَ الْمُزَاحَمَةِ وَسُوءِ الْمُشَارَكَةِ، وَكَمَا يَبِيعُ الْحَاكِمُ مَال الْمَدْيُونِ جَبْرًا، وَلَمْ تُحَكَّمْ هَذِهِ الْحَاجَةُ فِي قِسْمَةِ الرَّدِّ؛ لأَِنَّ الإِْجْبَارَ فِيهَا يَكُونُ إِجْبَارًا عَلَى دَفْعِ مَالٍ غَيْرِ مُسْتَحَقٍّ (٢) .

وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلاَمِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْمُتَسَاوِيَ فِي الْمَقْصُودِ الأَْهَمِّ يُعْتَبَرُ كَالْمُتَسَاوِي مِنْ كُل وَجْهٍ، لإِمْكَانِ التَّجَاوُزِ عَنِ الْفَرْقِ حِينَئِذٍ، سِيَّمَا وَهُوَ يَعْدِل بِالْقِيمَةِ: فَالَّذِي يَأْخُذُ نَصِيبَهُ مِنْ هَذَا أَوْ مِنْ ذَاكَ يَكُونُ آخِذًا لِعَيْنِ حَقِّهِ، وَهَذَا هُوَ مَعْنَى تَمْيِيزِ الْحُقُوقِ (٣) .

الْمَذْهَبُ الرَّابِعُ:

الْقِسْمَةُ لاَ تَخْلُو مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ، إِلاَّ أَنَّهُ فِي قِسْمَةِ الْمِثْلِيِّ يُغَلَّبُ مَعْنَى تَمْيِيزِ الْحُقُوقِ (الإِْفْرَازُ) وَفِي قِسْمَةِ الْقِيَمِيِّ يُغَلَّبُ مَعْنَى الْبَيْعِ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ لاَ يَخْتَلِفُونَ عَلَيْهِ (٤) .

وَقَالُوا: إِنَّهُ مَا مِنْ جُزْءٍ - مَهْمَا قَل - مِنَ الْمَال

_________

(١) مغني المحتاج ٤ / ٤٢٣.

(٢) نهاية المحتاج ٨ / ٢٧٥.

(٣) التحفة وحواشيها ٢ / ٦٩، وبلغة السالك ٢ / ٢٤١.

(٤) البدائع ٧ / ١٧.

الْمُشْتَرَكِ إِلاَّ وَنِصْفُهُ لِهَذَا وَنِصْفُهُ لِذَاكَ، فَإِذَا اسْتَقَل أَحَدُهُمَا بِنِصْفِ الْمَجْمُوعِ فَشَطْرُ مَا اسْتَقَل بِهِ كَانَ لَهُ قَبْل الْقِسْمَةِ، وَإِنَّمَا اجْتَمَعَ وَتَمَيَّزَ بَعْدَ شُيُوعٍ، وَهَذَا هُوَ مَعْنَى تَمْيِيزِ الْحُقُوقِ، وَشَطْرُهُ الآْخَرُ كَانَ لِشَرِيكِهِ أَخَذَهُ مِنْهُ عِوَضًا عَمَّا تَرَكَهُ لَهُ، وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْبَيْعِ، وَإِنَّمَا غُلِّبَ فِي قِسْمَةِ الْمِثْلِيِّ مَعْنَى تَمْيِيزِ الْحُقُوقِ؛ لأَِنَّ الْمَأْخُوذَ فِيهَا عَلَى سَبِيل الْمُعَاوَضَةِ هُوَ عَيْنُ الْمَتْرُوكِ حُكْمًا، إِذْ هُوَ مِثْلُهُ يَقِينًا فَضَعُفَ مَعْنَى الْمُبَادَلَةِ، وَلاَ كَذَلِكَ قِسْمَةُ الْقِيَمِيِّ، فَلَمْ يَضْعُفْ فِيهَا مَعْنَى الْمُبَادَلَةِ، إِذِ الْمَأْخُوذُ لَيْسَ عَيْنَ الْمَتْرُوكِ وَلَوْ حُكْمًا، وَمِنْ ثَمَّ يَكُونُ مَعْنَى الْمُبَادَلَةِ فِي قِسْمَةِ الْقِيَمِيِّ أَقْوَى مِنْهُ فِي قِسْمَةِ الْمِثْلِيِّ (١) .

الآْثَارُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى الْخِلاَفِ فِي تَكْيِيفِ الْقِسْمَةِ:

٧ - تَتَلَخَّصُ هَذِهِ الآْثَارُ فِي أَنَّهُ: إِنْ كَانَتِ الْقِسْمَةُ بَيْعًا، فَإِنَّهَا تُعْطَى أَحْكَامَهُ - مَعَ مُلاَحَظَةِ مَا مَرَّ مِنَ الْمُسْتَثْنَيَاتِ فِي أَشْبَاهٍ لَهَا - وَإِنْ كَانَتْ مَحْضَ تَمْيِيزِ حُقُوقٍ فَإِنَّهَا لاَ تُعْطَى أَحْكَامَ الْعُقُودِ أَصْلًا (٢) . فَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ:

أ - (الْخِيَارَاتُ): تَدْخُل الْخِيَارَاتُ الْقِسْمَةَ بِنَاءً

_________

(١) نتائج الأفكار ٨ / ٣٤٩، منلا مسكين ٢ / ٢٠٣، وحاشية ابن عابدين " رد المحتار " ٥ / ١٦٧.

(٢) مغني المحتاج ٤ / ٤٢٤، والقواعد لابن رجب ص ٤١٢.