الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٣
فِي النَّهْرِ: وَعِنْدِي أَنَّهُ يَجِبُ - أَيِ الْقَسْمُ - لِلْمَوْطُوءَةِ بِشَبَهٍ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ إِنَّهُ لِمُجَرَّدِ الإِْينَاسِ وَدَفْعِ الْوَحْشَةِ، وَاعْتَرَضَهُ الْحَمَوِيُّ بِأَنَّ الْمَوْطُوءَةَ بِشُبْهَةٍ لاَ نَفَقَةَ لَهَا عَلَى زَوْجِهَا فِي هَذِهِ الْعِدَّةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقَسْمَ عِبَارَةٌ عَنِ التَّسْوِيَةِ فِي الْبَيْتُوتَةِ وَالنَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى، وَزَادَ بَعْضُ الْفُضَلاَءِ أَنَّهُ يُخَافُ مِنَ الْقَسْمِ لَهَا الْوُقُوعُ فِي الْحَرَامِ؛ لأَِنَّهَا مُعْتَدَّةٌ لِلْغَيْرِ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ مَسُّهَا وَتَقْبِيلُهَا، فَلاَ يَجِبُ لَهَا (١) .
الْقَسْمُ لِلزَّوْجَةِ الْجَدِيدَةِ:
١٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْقَسْمِ لِلزَّوْجَةِ الْجَدِيدَةِ لِمَنْ عِنْدَهُ زَوْجَةٌ أَوْ زَوْجَاتٌ غَيْرُهَا، هَل يَقْسِمُ لَهَا قَسْمًا خَاصًّا، أَمْ تَدْخُل فِي دَوْرِ الْقَسْمِ كَغَيْرِهَا مِنَ الزَّوْجَاتِ؟
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الزَّوْجَةَ الْجَدِيدَةَ - حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً - تَخْتَصُّ بِسَبْعِ لَيَالٍ بِلاَ قَضَاءٍ لِلْبَاقِيَاتِ إِنْ كَانَتْ بِكْرًا، وَبِثَلاَثِ لَيَالٍ بِلاَ قَضَاءٍ إِنْ كَانَ ثَيِّبًا، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ: لِلْبِكْرِ سَبْعٌ، وَلِلثَّيِّبِ ثَلاَثٌ (٢)، وَاخْتَصَّتِ الزَّوْجَةُ الْجَدِيدَةُ بِذَلِكَ لِلأُْنْسِ وَلِزَوَال الْحِشْمَةِ، وَلِهَذَا سَوَّى
_________
(١) أسنى المطالب ٣ / ٢٣٠، نهاية المحتاج ٦ / ٢٧٣، رد المحتار ٢ / ٤٠٠.
(٢) حديث: " للبكر سبع وللثيب ثلاث ". أخرجه مسلم (٢ / ١٠٨٣) من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن.
الشَّرْعُ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالأَْمَةِ، وَالْمُسْلِمَةِ وَالْكِتَابِيَّةِ فِي ذَلِكَ؛ لأَِنَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالطَّبْعِ لاَ يَخْتَلِفُ بِالرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ وَلاَ بِاخْتِلاَفِ الدِّينِ، وَزِيدَ لِلْبِكْرِ الْجَدِيدَةِ؛ لأَِنَّ حَيَاءَهَا أَكْثَرُ؛ وَلأَِنَّهَا لَمْ تُجَرِّبِ الرِّجَال فَتَحْتَاجُ إِلَى إِمْهَالٍ وَجَبْرٍ وَتَأَنٍّ، أَمَّا الثَّيِّبُ فَإِنَّهَا اسْتَحْدَثَتِ الصُّحْبَةَ فَأُكْرِمَتْ بِزِيَادَةِ الْوَصْلَةِ وَهِيَ الثَّلاَثُ.
وَاخْتِصَاصُ الزَّوْجَةِ الْجَدِيدَةِ - بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا - بِهَذَا الْقَسْمِ هُوَ حَقٌّ لَهَا عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ وَاجِبٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَمِنَ السُّنَّةِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
وَيُسْتَحَبُّ لِلزَّوْجِ أَنْ يُخَيِّرَ زَوْجَتَهُ الْجَدِيدَةَ إِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا بَيْنَ ثَلاَثٍ بِلاَ قَضَاءٍ لِلزَّوْجَاتِ الْبَاقِيَاتِ وَبَيْنَ سَبْعٍ مَعَ قَضَاءٍ لَهُنَّ اقْتِدَاءً بِفِعْل النَّبِيِّ ﷺ مَعَ زَوْجَتِهِ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا حَيْثُ قَال لَهَا: إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ عِنْدَكِ، وَإِنْ شِئْتِ ثَلَّثْتُ ثُمَّ دُرْتُ وَفِي لَفْظٍ: إِنْ شِئْتِ أَنْ أُسَبِّعَ لَكِ، وَأُسَبِّعَ لِنِسَائِي، وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ، سَبَّعْتُ لِنِسَائِي (١) أَيْ بِلاَ قَضَاءٍ بِالنِّسْبَةِ لِلثَّلاَثِ وَإِلاَّ لَقَال: " وَثَلَّثْتُ لِنِسَائِي " كَمَا قَال: " وَسَبَّعْتُ لِنِسَائِي " (٢) .
_________
(١) حديث: " إن شئت سبعت عندك. . ". أخرجه مسلم (٢ / ١٠٨٣) من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن.
(٢) مواهب الجليل ٤ / ١٢، والشرح الكبير ٢ / ٣٤٠، مغني المحتاج ٣ / ٢٥٦، كشاف القناع ٥ / ٢٠٧.
وَإِنْ تَزَوَّجَ امْرَأَتَيْنِ - بِكْرَيْنِ كَانَتَا أَوْ ثِيبَتَيْنِ أَوْ بِكْرًا وَثَيِّبًا - فَزُفَّتَا إِلَيْهِ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ. . فَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يُكْرَهُ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي إِيفَاءِ حَقِّهِمَا وَتَسْتَضِرُّ الَّتِي يُؤَخِّرُ حَقَّهَا وَتَسْتَوْحِشُ. وَيُقَدِّمُ أَسْبَقَهُمَا دُخُولًا فَيُوفِيهَا حَقَّ الْعَقْدِ؛ لأَِنَّ حَقَّهَا سَابِقٌ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَى الثَّانِيَةِ فَيُوفِيهَا حَقَّ الْعَقْدِ؛ لأَِنَّ حَقَّهَا وَاجِبٌ عَلَيْهِ تَرْكُ الْعَمَل بِهِ فِي مُدَّةِ الأُْولَى لأَِنَّ حَقَّ الأُْولَى عَارَضَهُ وَرُجِّحَ عَلَيْهِ، فَإِذَا زَال الْمُعَارِضُ وَجَبَ الْعَمَل بِالْمُقْتَضَى.
ثُمَّ يَبْتَدِئُ الْقَسْمَ بَيْنَ زَوْجَاتِهِ لِيَأْتِيَ بِالْوَاجِبِ عَلَيْهِ مِنْ حَقِّ الدَّوْرِ، فَإِنْ أُدْخِلَتَا عَلَيْهِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ قَدَّمَ إِحْدَاهُمَا بِالْقُرْعَةِ؛ لأَِنَّهُمَا اسْتَوَتَا فِي سَبَبِ الاِسْتِحْقَاقِ وَالْقُرْعَةُ مُرَجِّحَةٌ عِنْدَ التَّسَاوِي (١) .
وَإِنْ زُفَّتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ فِي مُدَّةِ حَقِّ عَقْدِ امْرَأَةٍ زُفَّتْ إِلَيْهِ قَبْلَهَا تَمَّمَ لِلأُْولَى حَقَّ عَقْدِهَا لِسَبْقِهَا، ثُمَّ قَضَى حَقَّ عَقْدِ الثَّانِيَةِ لِزَوَال الْمُعَارِضِ (٢) . وَلَوْ زُفَّتْ إِلَيْهِ جَدِيدَةٌ وَلَهُ زَوْجَتَانِ قَدْ وَفَّاهُمَا حَقَّهُمَا، وَفَّى الْجَدِيدَةَ حَقَّهَا وَاسْتَأْنَفَ بَعْدَ ذَلِكَ الْقَسْمَ بَيْنَ الْجَمِيعِ بِالْقُرْعَةِ (٣) .
_________
(١) مغني المحتاج ٣ / ٢٥٧، المغني ٧ / ٤٥، كشاف القناع ٥ / ٢٠٧.
(٢) كشاف القناع ٥ / ٢٠٨.
(٣) مغني المحتاج ٣ / ٢٥٧.
١٦ - وَإِنْ أَرَادَ مَنْ زُفَّتْ إِلَيْهِ امْرَأَتَانِ مَعًا السَّفَرَ بِإِحْدَى نِسَائِهِ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ فَخَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لإِحْدَى الْجَدِيدَتَيْنِ سَافَرَ بِهَا، وَدَخَل حَقُّ الْعَقْدِ فِي قَسْمِ السَّفَرِ؛ لأَِنَّهُ نَوْعُ قَسْمٍ يَخْتَصُّ بِهَا، فَإِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ بَدَأَ بِالأُْخْرَى فَوَفَّاهَا حَقَّ الْعَقْدِ؛ لأَِنَّهُ حَقٌّ وَجَبَ لَهَا وَلَمْ يُؤَدِّهِ فَلَزِمَهُ قَضَاؤُهُ كَمَا لَوْ لَمْ يُسَافِرْ بِالأُْخْرَى مَعَهُ، فَإِنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ قَبْل مُضِيِّ مُدَّةٍ يَنْقَضِي فِيهَا حَقُّ الأُْولَى تَمَّمَهُ فِي الْحَضَرِ وَقَضَى لِلْحَاضِرَةِ حَقَّهَا، فَإِنْ خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لِغَيْرِ الْجَدِيدَتَيْنِ وَسَافَرَ بِهَا قَضَى لِلْجَدِيدَتَيْنِ حَقَّهُمَا وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ، يُقَدِّمُ السَّابِقَةَ دُخُولًا إِنْ دَخَلَتْ عَلَيْهِ إِحْدَاهُمَا قَبْل الأُْخْرَى، أَوْ بِقُرْعَةٍ إِنْ دَخَلَتَا مَعًا، وَإِنْ سَافَرَ بِجَدِيدَةٍ وَقَدِيمَةٍ بِقُرْعَةٍ أَوْ رِضًا تَمَّمَ لِلْجَدِيدَةِ حَقَّ الْعَقْدِ ثُمَّ قَسَمَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الأُْخْرَى عَلَى السَّوَاءِ (١) .
وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِهِمْ حَقَّ الزَّوْجَةِ الْجَدِيدَةِ - بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا - فِي هَذَا الْقِسْمِ بِمَا إِذَا تَزَوَّجَهَا الرَّجُل عَلَى غَيْرِهَا، وَمُقَابِل الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ أَنَّ الزَّوْجَةَ الْجَدِيدَةَ لَهَا هَذَا الْقَسْمُ مُطْلَقًا. تَزَوَّجَهَا عَلَى غَيْرِهَا أَمْ لاَ (٢) . وَاخْتَلَفَ الْمَالِكِيَّةُ فِيمَا تُقَدَّمُ بِهِ إِحْدَى الزَّوْجَتَيْنِ الْجَدِيدَتَيْنِ إِنْ زُفَّتَا إِلَى الزَّوْجِ فِي لَيْلَةٍ
_________
(١) كشاف القناع ٥ / ٢٠٨.
(٢) حاشية الدسوقي ٢ / ٣٤٠.
وَاحِدَةٍ: فَقَال اللَّخْمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، وَقَبِلَهُ عَبْدُ الْحَقِّ، وَفِي أَحَدِ قَوْلَيْ مَالِكٍ: إِنَّ الْحَقَّ لِلزَّوْجِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ دُونَ قُرْعَةٍ، وَقَال ابْنُ عَرَفَةَ: الأَْظْهَرُ أَنَّهُ إِنْ سَبَقَتْ إِحْدَاهُمَا بِالدُّعَاءِ لِلْبِنَاءِ قُدِّمَتْ، وَإِلاَّ فَسَابِقَةُ الْعَقْدِ، وَإِنْ عُقِدَتَا مَعًا فَالْقُرْعَةُ (١) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ حَقَّ لِلزَّوْجَةِ الْجَدِيدَةِ فِي زِيَادَةِ قَسْمٍ تَخْتَصُّ بِهِ، وَقَالُوا: الْبِكْرُ وَالثَّيِّبُ وَالْقَدِيمَةُ وَالْجَدِيدَةُ سَوَاءٌ فِي الْقَسْمِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢) وَغَايَتُهُ الْقَسْمُ، وَلإِطْلاَقِ أَحَادِيثِ النَّهْيِ عَنِ الْجَوْرِ فِي الْقَسْمِ؛ وَلأَِنَّ الْقَسْمَ مِنْ حُقُوقِ النِّكَاحِ وَلاَ تَفَاوُتَ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ فِي ذَلِكَ؛ وَلأَِنَّ الْوَحْشَةَ فِي الزَّوْجَةِ الْقَدِيمَةِ مُتَحَقِّقٌ حَيْثُ أَدْخَل عَلَيْهَا مَنْ يَغِيظُهَا وَهِيَ فِي الْجَدِيدَةِ مُتَوَهَّمَةٌ؛ وَلأَِنَّ لِلْقَدِيمَةِ زِيَادَةَ حُرْمَةٍ بِالْخِدْمَةِ، وَإِزَالَةُ الْوَحْشَةِ وَالنُّفْرَةِ عِنْدَ الْجَدِيدَةِ تُمْكِنُ بِأَنْ يُقِيمَ عِنْدَهَا السَّبْعَ ثُمَّ يُسَبِّعَ لِلْبَاقِيَاتِ وَلَمْ تَنْحَصِرْ فِي تَخْصِيصِهَا بِالزِّيَادَةِ (٣) .
بَدْءُ الْقَسْمِ وَمَا يَكُونُ بِهِ:
١٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَبْدَأُ
_________
(١) مواهب الجليل ٤ / ١٢.
(٢) سورة النساء / ١٩.
(٣) فتح القدير ٣ / ٣٠٠ - ٣٠١.
فِيهِ الزَّوْجُ الْقَسْمَ بَيْنَ زَوْجَاتِهِ، وَفِيمَا يَكُونُ بِهِ الاِبْتِدَاءُ:
قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ مُقَابِل الصَّحِيحِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: الرَّأْيُ فِي الْبُدَاءَةِ فِي الْقَسْمِ إِلَى الزَّوْجِ.
وَأَضَافَ الْمَالِكِيَّةُ: وَنُدِبَ الاِبْتِدَاءُ فِي الْقَسْمِ بِاللَّيْل؛ لأَِنَّهُ وَقْتُ الإِْيوَاءِ لِلزَّوْجَاتِ، وَيُقِيمُ الْقَادِمُ مِنْ سَفَرٍ نَهَارًا عِنْدَ أَيَّتِهِنَّ أَحَبَّ وَلاَ يُحْسَبُ، وَيَسْتَأْنِفُ الْقَسْمَ بِاللَّيْل لأَِنَّهُ الْمَقْصُودُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْزِل عِنْدَ الَّتِي خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا لِيُكْمِل لَهَا يَوْمَهَا (١) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ - فِي الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ - وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى وُجُوبِ الْقُرْعَةِ عَلَى الزَّوْجِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ لِلاِبْتِدَاءِ إِنْ تَنَازَعْنَ فِيهِ، وَلَيْسَ لَهُ إِذَا أَرَادَ الشُّرُوعَ فِي الْقَسْمِ الْبُدَاءَةُ بِإِحْدَاهُنَّ إِلاَّ بِقُرْعَةٍ أَوْ بِرِضَاهُنَّ؛ لأَِنَّ الْبُدَاءَةَ بِإِحْدَاهُنَّ تَفْضِيلٌ لَهَا عَلَى غَيْرِهَا، وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُنَّ وَاجِبَةٌ، وَلأَِنَّهُنَّ مُتَسَاوِيَاتٌ فِي الْحَقِّ وَلاَ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُنَّ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَى الْقُرْعَةِ إِنْ لَمْ يَرْضَيْنَ، فَيَبْدَأُ بِمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهَا، فَإِذَا مَضَتْ نَوْبَتُهَا أَقْرَعَ بَيْنَ الْبَاقِيَاتِ، ثُمَّ بَيْنَ الأُْخْرَيَيْنِ، فَإِذَا تَمَّتِ النَّوْبَةُ رَاعَى التَّرْتِيبَ وَلاَ حَاجَةَ إِلَى إِعَادَةِ الْقُرْعَةِ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا بَدَأَ
_________
(١) الدر المختار ٢ / ٤٠٢، حاشية الدسوقي ٢ / ٣٤٠، شرح الزرقاني ٤ / ٥٧.
بِلاَ قُرْعَةٍ فَإِنَّهُ يُقْرِعُ بَيْنَ الْبَاقِيَاتِ، فَإِذَا تَمَّتِ النَّوْبَةُ أَقْرَعَ لِلاِبْتِدَاءِ.
وَقَالُوا: لِلزَّوْجِ أَنْ يُرَتِّبَ الْقَسْمَ عَلَى لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ حَاصِلٌ بِكُلٍّ وَلاَ يَتَفَاوَتُ، لَكِنَّ تَقْدِيمَ اللَّيْل أَوْلَى؛ لأَِنَّ النَّهَارَ تَابِعٌ لِلَّيْل وَلِلْخُرُوجِ مِنْ خِلاَفِ مَنْ عَيَّنَهُ (١) .
الأَْصْل فِي الْقَسْمِ:
١٨ - الأَْصْل فِي الْقَسْمِ وَعِمَادُهُ اللَّيْل، وَذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ؛ لأَِنَّهُمْ قَالُوا: التَّسْوِيَةُ الْوَاجِبَةُ فِي الْقَسْمِ تَكُونُ فِي الْبَيْتُوتَةِ؛ وَلأَِنَّ اللَّيْل لِلسَّكَنِ وَالإِْيوَاءِ، يَأْوِي فِيهِ الرَّجُل إِلَى مَنْزِلِهِ، وَيَسْكُنُ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَنَامُ فِي فِرَاشِهِ مَعَ زَوْجَتِهِ عَادَةً، وَالنَّهَارُ وَقْتُ الْعَمَل لِكَسْبِ الرِّزْقِ وَالاِنْتِشَارِ فِي الأَْرْضِ طَلَبًا لِلْمَعَاشِ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْل لِبَاسًا وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ (٢)، وَقَال سُبْحَانَهُ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَل لَكُمُ اللَّيْل لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ (٣) .
وَفَصَّل الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَوَافَقَهُمْ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ، فَقَالُوا: الأَْصْل فِي الْقَسْمِ لِمَنْ عَمَلُهُ اللَّيْل وَكَانَ النَّهَارُ سَكَنَهُ كَالْحَارِسِ
_________
(١) مغني المحتاج ٣ / ٢٥٥، نهاية المحتاج ٦ / ٣٧٥، كشاف القناع ٥ / ١٩٩، المغني ٧ / ٣٣.
(٢) سورة النبأ / ١٠ - ١١.
(٣) سورة يونس / ٦٧.
وَنَحْوِهِ يَكُونُ النَّهَارُ لأَِنَّهُ وَقْتُ سُكُونِهِ، وَأَمَّا اللَّيْل فَإِنَّهُ وَقْتُ عَمَلِهِ، وَالأَْصْل فِي الْقَسْمِ لِمُسَافِرٍ وَقْتُ نُزُولِهِ؛ لأَِنَّهُ وَقْتُ خَلْوَتِهِ لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا، قَل أَوْ كَثُرَ، وَإِنْ تَفَاوَتَ حَصَل لِوَاحِدَةٍ نِصْفُ يَوْمٍ وَلأُِخْرَى رُبْعُ يَوْمٍ، فَلَوْ كَانَتْ خَلْوَتُهُ وَقْتَ السَّيْرِ دُونَ وَقْتِ النُّزُول - كَأَنْ كَانَ بِمِحَفَّةٍ وَحَالَةُ النُّزُول يَكُونُ مَعَ الْجَمَاعَةِ فِي نَحْوِ خَيْمَةٍ - كَانَ هُوَ وَقْتَ الْقَسْمِ، وَالأَْصْل فِي الْقَسْمِ لِمَجْنُونٍ وَقْتُ إِفَاقَتِهِ، أَوْ كَمَا قَال الشَّافِعِيُّ: إِنَّمَا الْقَسْمُ عَلَى الْمَبِيتِ كَيْفَ كَانَ الْمَبِيتُ.
وَالنَّهَارُ يَدْخُل فِي الْقَسْمِ تَبَعًا لِلَّيْل، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: تُوُفِّيَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِي وَفِي يَوْمِي (١)، وَإِنَّمَا قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ نَهَارًا (٢)، وَيَتْبَعُ الْيَوْمَ اللَّيْلَةُ الْمَاضِيَةُ أَيِ الَّتِي سَبَقَتْ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَإِنْ أَحَبَّ الزَّوْجُ أَنْ يَجْعَل النَّهَارَ فِي الْقَسْمِ لِزَوْجَاتِهِ مُضَافًا إِلَى اللَّيْل الَّذِي بَعْدَهُ جَازَ لَهُ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَتَفَاوَتُ، وَالْغَرَضُ الْعَدْل بَيْنَ الزَّوْجَاتِ وَهُوَ حَاصِلٌ بِذَلِكَ (٣) .
_________
(١) حديث عائشة: " توفي رسول الله ﷺ في بيتي وفي يومي ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٨ / ١٤٤) .
(٢) حديث: " قبض رسول الله ﷺ نهارًا ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٢٣٥) من حديث أنس بلفظ: " وتوفي من آخر ذلك اليوم "، وأخرجه مسلم (١ / ٣١٥) من حديث أنس بلفظ: " فتوفي رسول الله ﷺ من يومه ذلك ".
(٣) فتح القدير ٣ / ٣٠٢، الدر المختار ورد المحتار ٢ / ٤٠٢، حاشية الدسوقي ٢ / ٣٣٩، الأم ٥ / ١٩٠، المهذب ٢ / ٦٧ مغني المحتاج ٣ / ٢٥٣، حاشية الجمل ٤ / ٢٨٣، المغني ٧ / ٣٢ - ٣٣، كشاف القناع ٥ / ١٩٩.
مُدَّةُ الْقَسْمِ:
١٩ - صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّ أَقَل نُوَبِ الْقَسْمِ لِمَنْ عَمَلُهُ نَهَارًا لَيْلَةٌ، فَلاَ يَجُوزُ بِبَعْضِهَا لِمَا فِي التَّبْعِيضِ مِنْ تَشْوِيشِ الْعَيْشِ وَتَنْغِيصِهِ، إِلاَّ أَنْ تَرْضَى الزَّوْجَاتُ بِذَلِكَ (١) .
وَاخْتَلَفُوا فِي أَكْثَرِ مُدَّةِ الْقَسْمِ، أَيْ أَكْثَرِ مِقْدَارِ النَّوْبَةِ الْوَاحِدَةِ مِنَ الْقَسْمِ، عَلَى أَقْوَالٍ:
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّ الْقَسْمَ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ يَكُونُ لَيْلَةً وَلَيْلَةً وَلاَ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ إِلاَّ بِرِضَاهُنَّ، فَإِنْ رَضِينَ بِالزِّيَادَةِ عَلَى ذَلِكَ جَازَ؛ لأَِنَّ الْحَقَّ لَهُنَّ لاَ يَعْدُوهُنَّ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا قَسَمَ لَيْلَةً وَلَيْلَةً (٢) وَلأَِنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُنَّ وَاجِبَةٌ، وَإِنَّمَا جُوِّزَتِ الْبُدَاءَةُ بِوَاحِدَةٍ لِتَعَذُّرِ الْجَمْعِ، فَإِذَا بَاتَ عِنْدَ وَاحِدَةٍ تَعَيَّنَتِ اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ حَقًّا لِلأُْخْرَى فَلَمْ يَجُزْ جَعْلُهَا لِلأُْولَى بِغَيْرِ رِضَاهَا؛ وَلأَِنَّ الزَّوْجَ إِنْ قَسَمَ لَيْلَتَيْنِ وَلَيْلَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ كَانَ فِي ذَلِكَ تَأْخِيرٌ لِحَقِّ مَنْ لَهَا
_________
(١) الدر المختار ٢ / ٤٠١، ومواهب الجليل ٤ / ١٤، وحاشية الجمل ٤ / ٢٨٣، ونهاية المحتاج ٦ / ٣٧٧، وكشاف القناع ٥ / ١٩٨.
(٢) حديث أن النبي ﷺ قسم ليلة وليلة. . أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ٢١٨) من حديث عائشة بلفظ: " وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلتها ".
اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ، وَتَأْخِيرُ حُقُوقِ بَعْضِهِنَّ لاَ يَجُوزُ بِغَيْرِ رِضَاهُنَّ؛ وَلأَِنَّهُ إِذَا كَانَ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فَجَعَل لِكُل وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ثَلاَثًا حَصَل تَأْخِيرُ الرَّابِعَةِ تِسْعَ لَيَالٍ وَذَلِكَ كَثِيرٌ فَلَمْ يَجُزْ كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَل لِكُل وَاحِدَةٍ تِسْعًا؛ وَلأَِنَّ لِلتَّأْخِيرِ آفَاتٍ فَلاَ يَجُوزُ مَعَ إِمْكَانِ التَّعْجِيل بِغَيْرِ رِضَا الْمُسْتَحِقِّ كَتَأْخِيرِ الدَّيْنِ الْحَال (١) .
وَنَقَل الْحَطَّابُ عَنِ الْجَوَاهِرِ أَنَّ الزَّوْجَ لاَ يَزِيدُ فِي الْقَسْمِ عَلَى لَيْلَةٍ إِلاَّ أَنْ تَرْضَى الزَّوْجَاتُ وَيَرْضَى بِالزِّيَادَةِ، أَوْ يَكُنْ فِي بِلاَدٍ مُتَبَاعِدَةٍ فَيَقْسِمُ الْجُمُعَةَ أَوِ الشَّهْرَ عَلَى حَسَبِ مَا يُمْكِنُهُ بِحَيْثُ لاَ يَنَالُهُ ضَرَرٌ لِقِلَّةِ الْمُدَّةِ، وَنُقِل عَنِ اللَّخْمِيِّ أَنَّ الرَّجُل إِنْ كَانَتْ لَهُ زَوْجَتَانِ بِبَلَدَيْنِ جَازَ قَسْمُهُ جُمُعَةً وَشَهْرًا وَشَهْرَيْنِ عَلَى قَدْرِ بُعْدِ الْمَوْضِعَيْنِ مِمَّا لاَ يَضُرُّ بِهِ، وَلاَ يُقِيمُ عِنْدَ إِحْدَاهُنَّ إِلاَّ لِتَجْرٍ أَوْ ضَيْعَةٍ (٢) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ وَجْهٌ شَاذٌّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ تَحْدِيدَ الدَّوْرِ إِلَى الزَّوْجِ إِنْ شَاءَ حَدَّدَهُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، وَلَهُ الْخِيَارُ فِي ذَلِكَ؛ لأَِنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ وَقَدْ
_________
(١) مواهب الجليل ٤ / ١٤، وجواهر الإكليل ١ / ٣٢٧، والمغني ٧ / ٣٧، وكشاف القناع ٥ / ١٩٨.
(٢) مواهب الجليل ٤ / ١٤٠.