الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٣ الصفحة 36

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٣

عَنْ رِجَالٍ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةَ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمْ فَأَتَى مُحَيِّصَةُ فَأَخْبَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ قَدْ قُتِل وَطُرِحَ فِي عَيْنٍ أَوْ فَقِيرٍ، فَأَتَى يَهُودَ فَقَال: أَنْتُمْ وَاللَّهِ قَتَلْتُمُوهُ، قَالُوا: وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ فَأَقْبَل حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ فَذَكَرَ لَهُمْ ذَلِكَ، ثُمَّ أَقْبَل هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ وَهُوَ الَّذِي كَانَ بِخَيْبَرَ فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ لِمُحَيِّصَةَ: كَبِّرْ كَبِّرْ - يُرِيدُ السِّنَّ - فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ يُؤْذَنُوا بِحَرْبٍ فَكَتَبَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ فَكَتَبُوا إِنَّا وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ لِحُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟ قَالُوا: لاَ، قَال: فَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودٌ؟ قَالُوا: لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ، فَوَدَاهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُول اللَّهِ ﷺ مِائَةَ نَاقَةٍ حَتَّى أُدْخِلَتْ عَلَيْهِمُ الدَّارَ فَقَال سَهْلٌ: فَلَقَدْ رَكَضَتْنِي مِنْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ (١) .

وَرُوِيَ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁ أَبْرَزَ سَرِيرَهُ يَوْمًا

_________

(١) حديث: " أن عبد الله بن سهل ومحيصة خرجا إلى خيبر ". تقدم تخريجه ف ٤.

لِلنَّاسِ، ثُمَّ أَذِنَ لَهُمْ، فَدَخَلُوا، فَقَال: مَا تَقُولُونَ فِي الْقَسَامَةِ؟ قَالُوا: نَقُول الْقَسَامَةُ الْقَوَدُ بِهَا حَقٌّ، وَقَدْ أَقَادَ بِهَا الْخُلَفَاءُ (١)، قَال لِي: مَا تَقُول يَا أَبَا قِلاَبَةَ، وَنَصَبَنِي لِلنَّاسِ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَكَ رُءُوسُ الأَْجْنَادِ وَأَشْرَافُ الْعَرَبِ، أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ خَمْسِينَ مِنْهُمْ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ مُحْصَنٍ بِدِمَشْقَ أَنَّهُ قَدْ زَنَى وَلَمْ يَرَوْهُ أَكُنْتَ تَرْجُمُهُ؟ قَال: لاَ، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ خَمْسِينَ مِنْهُمْ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِحِمْصٍ أَنَّهُ سَرَقَ أَكُنْتَ تَقْطَعُهُ وَلَمْ يَرَوْهُ؟ قَال: لاَ، قُلْتُ: فَوَاللَّهِ مَا قَتَل رَسُول اللَّهِ ﷺ أَحَدًا قَطُّ إِلاَّ فِي إِحْدَى ثَلاَثِ خِصَالٍ: رَجُلٍ قَتَل بِجَرِيرَةِ نَفْسِهِ فَقُتِل، أَوْ رَجُلٍ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ رَجُلٍ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَارْتَدَّ عَنِ الإِْسْلاَمِ. . . إِلَخْ. الْحَدِيثَ (٢) .

وَقَال الْكَاسَانِيُّ: وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ أَنَّهُ قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَال يَا رَسُول اللَّهِ: إِنِّي وَجَدْتُ أَخِي قَتِيلًا فِي بَنِي فُلاَنٍ، فَقَال ﵊: اجْمَعْ مِنْهُمْ خَمْسِينَ فَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَتَلُوهُ وَلاَ عَلِمُوا لَهُ قَاتِلًا، فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ لَيْسَ لِي مِنْ أَخِي إِلاَّ هَذَا؟ فَقَال: بَل لَكَ مِائَةٌ

_________

(١) المراد بالخلفاء معاوية، وعبد الله بن الزبير، وعبد الملك بن مروان ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في فتح الباري شرح البخاري ٢ / ٢٤٠.

(٢) المبسوط للسرخسي ٢٦ / ١٠٩ وحديث " أبي قلابة " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢ / ٢٣٠) .

مِنَ الإِْبِل (١)، فَدَل عَلَى وُجُوبِ الْقَسَامَةِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ - وَهُمْ أَهْل الْمَحَلَّةِ - مَعَ وُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْقِصَاصَ فِي الْحَدِيثِ، بَل قَصَرَهُ الرَّسُول ﷺ عَلَى دَفْعِ مِائَةٍ مِنَ الإِْبِل.

وَلأَِنَّ الشَّرْعَ أَلْحَقَ أَهْل الْمَحَلَّةِ الَّتِي وُجِدَ الْقَتِيل بِهَا بِالْقَتَلَةِ فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ، لأَِنَّهُ يَلْزَمُهُمْ حِفْظُ مَحَلَّتِهِمْ وَصِيَانَتُهَا مِنَ النَّوَائِبِ وَالْقَتْل، فَكَانَ وُقُوعُ الْقَتْل بِمَحَلَّتِهِمْ تَقْصِيرًا مِنْهُمْ عَنْ هَذِهِ الصِّيَانَةِ وَحِفْظِهَا (٢) .

مُبْطِلاَتُ الْقَسَامَةِ:

٢٠ - تَبْطُل الْقَسَامَةُ - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - بِالإِْبْرَاءِ صَرَاحَةً أَوْ دَلاَلَةً.

أَمَّا الإِْبْرَاءُ الصَّرِيحُ: فَهُوَ التَّصْرِيحُ بِلَفْظِ الإِْبْرَاءِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ كَقَوْلِهِ: أَبْرَأْتُ، أَوْ أَسْقَطْتُ، أَوْ عَفَوْتُ وَنَحْوِ ذَلِكَ. لأَِنَّ رُكْنَ الإِْبْرَاءِ صَدَرَ مِمَّنْ هُوَ مِنْ أَهْل الإِْبْرَاءِ فِي مَحَلٍّ قَابِلٍ لِلْبَرَاءَةِ، فَيَصِحُّ.

وَأَمَّا الإِْبْرَاءُ الضِّمْنِيُّ " دَلاَلَةً " فَهُوَ أَنْ يَدَّعِيَ وَلِيُّ الْقَتِيل عَلَى رَجُلٍ مِنْ غَيْرِ أَهْل الْمَحَلَّةِ أَنَّهُ

_________

(١) حديث زياد بن أبي مريم: " جاء رجل إلى النبي ﷺ. . . " ذكره الكاساني في بدائع الصنائع ١٠ / ٤٧٣٦ - ٤٧٣٧، ولم نهتد إليه في المراجع الموجودة بين أيدينا، وأخرج البزار (كشف الأستار ٢ / ٢٠٩) حديثًا بهذا المعنى عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه. وضعفه الهيثمي في مجمع الزوائد (٦ / ٢٩٠) .

(٢) بدائع الصنائع ١٠ / ٤٧٣٦ - ٣٧٣٧.

قَتَل الْقَتِيل، فَيَبْرَأُ أَهْل الْمَحَلَّةِ مِنَ الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ؛ لأَِنَّ ظُهُورَ الْقَتِيل فِي الْمَحَلَّةِ لَمْ يَدُل عَلَى أَنَّ هَذَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَاتِلٌ، فَإِقْدَامُ الْوَلِيِّ عَلَى الدَّعْوَى عَلَيْهِ يَكُونُ نَفْيًا لِلْقَتْل عَنْ أَهْل الْمَحَلَّةِ فَيَتَضَمَّنُ بَرَاءَتَهُمْ عَنِ الْقَسَامَةِ (١) .

كَمَا تَبْطُل الْقَسَامَةُ بِإِقْرَارِ رَجُلٍ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ الْقَاتِل، فَلَوْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَال: مَا قَتَلَهُ هَذَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، بَل أَنَا قَتَلْتُهُ، فَكَذَّبَهُ الْوَلِيُّ، لَمْ تَبْطُل دَعْوَاهُ، وَلَهُ الْقَسَامَةُ، وَلاَ يَلْزَمُهُ رَدُّ الدِّيَةِ إِنْ كَانَ قَبَضَهَا، وَلاَ يَلْزَمُ الْمُقِرَّ شَيْءٌ، وَإِنْ صَدَّقَهُ الْوَلِيُّ أَوْ طَالَبَهُ بِمُوجِبِ الْقَتْل لَزِمَهُ رَدُّ مَا أَخَذَهُ، وَبَطَلَتْ دَعْوَاهُ عَلَى الأَْوَّل، وَفِي اسْتِحْقَاقِهِ مُطَالَبَةُ الْمُقِرِّ قَوْلاَنِ.

وَكَذَلِكَ تَسْقُطُ الْقَسَامَةُ بِقِيَامِ الْبَيِّنَةِ عَلَى أَنَّ الْقَاتِل غَيْرُ هَذَا، كَأَنْ أَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً أَنَّهُ كَانَ يَوْمَ الْقَتْل فِي بَلَدٍ بَعِيدٍ مِنْ بَلَدِ الْمَقْتُول لاَ يُمْكِنُ مَجِيئُهُ مِنْهُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ تَبْطُل دَعْوَى الْقَسَامَةِ، وَإِنْ قَالَتِ الْبَيِّنَةُ: نَشْهَدُ أَنَّ فُلاَنًا لَمْ يَقْتُلْهُ لَمْ تُقْبَل الشَّهَادَةُ؛ لأَِنَّهَا نَفْيٌ مُجَرَّدٌ، وَإِنْ قَالاَ: مَا قَتَلَهُ فُلاَنٌ، بَل فُلاَنٌ، سُمِعَتْ؛ لأَِنَّهَا شَهَادَةُ إِثْبَاتٍ يَتَضَمَّنُ النَّفْيَ (٢) .

_________

(١) بدائع الصنائع ١٠ / ٤٧٥٦، والمبسوط ٢٦ / ١١٥، وبداية المجتهد ٢ / ٤٣١ الطبعة السادسة.

(٢) المغني والشرح الكبير ١٠ / ٣٠، وكشاف القناع ٦ / ٧٢.

وَإِذَا بَطَلَتِ الْقَسَامَةُ لأَِحَدِ الأُْمُورِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، وَجَبَ عَلَى الْمُدَّعِي أَنْ يَرُدَّ مَا أَخَذَهُ مِنَ الدِّيَةِ؛ لأَِنَّهُ لاَ حَقَّ لَهُ فِيمَا أَخَذَهُ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّهُ.

قَسَم

انْظُرْ: أَيْمَان

قَسْمٌ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْقَسْمُ - بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ السِّينِ - لُغَةً: الْفَرْزُ وَالتَّفْرِيقُ، يُقَال: قَسَمْتُ الشَّيْءَ قَسْمًا: فَرَزْتُهُ أَجْزَاءً، وَالْقِسْمُ - بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ السِّينِ - الاِسْمُ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الْحِصَّةِ وَالنَّصِيبِ، وَالْقَسَمُ - بِفَتْحِ الْقَافِ وَالسِّينِ - الْيَمِينُ (١) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ قَال الْجُرْجَانِيُّ: قِسْمَةُ الزَّوْجِ: بَيْتُوتَتُهُ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ النِّسَاءِ، أَوْ كَمَا قَال الْبُهُوتِيُّ: هُوَ تَوْزِيعُ الزَّمَانِ عَلَى زَوْجَاتِهِ إِنْ كُنَّ ثِنْتَيْنِ فَأَكْثَرَ (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْعَدْل بَيْنَ الزَّوْجَاتِ:

٢ - مِنْ مَعَانِي الْعَدْل فِي اللُّغَةِ: الْقَصْدُ فِي الأُْمُورِ وَالاِسْتِقَامَةُ، وَهُوَ خِلاَفُ الْجَوْرِ، يُقَال: عَدَل فِي أَمْرِهِ عَدْلًا وَعَدَالَةً وَمَعْدِلَةً: اسْتَقَامَ،

_________

(١) المصباح المنير.

(٢) التعريفات للجرجاني، وحاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب ٢ / ٢٨٠، وكشاف القناع ٥ / ١٩٨.

وَعَدَل فِي حُكْمِهِ: حَكَمَ بِالْعَدْل (١) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ: التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ فِي حُقُوقِهِنَّ مِنَ الْقَسْمِ وَالنَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ (٢) .

وَالْقَسْمُ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ الْعَدْل وَلَوَازِمِهِ.

ب - الْعِشْرَةُ بِالْمَعْرُوفِ:

٣ - الْعِشْرَةُ اسْمٌ مِنَ الْمُعَاشَرَةِ، وَهِيَ فِي اللُّغَةِ الْمُخَالَطَةُ (٣) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: مَا يَكُونُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مِنَ الأُْلْفَةِ وَالاِنْضِمَامِ (٤) .

وَالْقَسْمُ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ مِنَ الْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ.

ج - الْبَيْتُوتَةُ:

٤ - الْبَيْتُوتَةُ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ " بَاتَ " وَهِيَ فِي الأَْعَمِّ الأَْغْلَبِ بِمَعْنَى فِعْل الْفِعْل بِاللَّيْل، يُقَال: بَاتَ يَفْعَل كَذَا أَيْ فَعَلَهُ بِاللَّيْل، وَلاَ يَكُونُ إِلاَّ مَعَ سَهَرِ اللَّيْل، وَعَلَيْهِ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ (٥) .

وَقَدْ تَأْتِي نَادِرًا بِمَعْنَى نَامَ لَيْلًا.

وَقَدْ تَأْتِي بَاتَ بِمَعْنَى صَارَ، يُقَال: بَاتَ بِمَوْضِعِ كَذَا أَيْ صَارَ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي لَيْلٍ أَوْ

_________

(١) المصباح المنير، والمعجم الوسيط.

(٢) بدائع الصنائع ٢ / ٣٣٢.

(٣) الصحاح للجوهري.

(٤) مطالب أولي النهى ٥ / ٢٥٤.

(٥) سورة الفرقان / ٦٤.

نَهَارٍ، وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى قَوْل الْفُقَهَاءِ: بَاتَ عِنْدَ امْرَأَتِهِ لَيْلَةً أَيْ صَارَ عِنْدَهَا سَوَاءٌ حَصَل مَعَهُ نَوْمٌ أَمْ لاَ (١) .

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

وَالْبَيْتُوتَةُ هِيَ عِمَادُ الْقَسْمِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ فِي الْغَالِبِ الأَْعَمِّ (٢) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٥ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى اسْتِحْبَابِ الْقَسْمِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ، وَأَوْجَبَهُ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الرَّجُل - إِنْ كَانَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ زَوْجَةٍ - أَنْ يَعْدِل فِي الْقَسْمِ بَيْنَ زَوْجَاتِهِ، وَأَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَهُنَّ فِيهِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ ﷿ بِهَا فِي قَوْلِهِ ﷾: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٣)، وَلَيْسَ مَعَ عَدَمِ التَّسْوِيَةِ فِي الْقَسْمِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ مُعَاشَرَةٌ لَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِذَا كَانَ عِنْدَ الرَّجُل امْرَأَتَانِ فَلَمْ يَعْدِل بَيْنَهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ سَاقِطٌ (٤)، وَلِلاِتِّبَاعِ وَالاِقْتِدَاءِ

_________

(١) المصباح المنير.

(٢) المغني ٧ / ٣٢.

(٣) سورة النساء / ١٩.

(٤) حديث: " إذا كان عند الرجل امرأتان. . . ". أخرجه الترمذي (٣ / ٤٣٨) والحاكم (٢ / ١٨٦) من حديث أبي هريرة، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

بِرَسُول اللَّهِ ﷺ فِي قَسْمِهِ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ وَعَدْلِهِ بَيْنَهُنَّ فَقَدْ كَانَ ﷺ عَلَى غَايَةٍ مِنَ الْعَدْل فِي ذَلِكَ، قَال الشَّافِعِيُّ: بَلَغَنَا أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْسِمُ فَيَعْدِل (١) . . . وَأَنَّهُ كَانَ يُطَافُ بِهِ مَحْمُولًا فِي مَرَضِهِ عَلَى نِسَائِهِ حَتَّى حَلَلْنَهُ (٢) .

وَقَالُوا: أَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ زَوْجَةٍ فَبَاتَ عِنْدَ وَاحِدَةٍ لَزِمَهُ الْمَبِيتُ عِنْدَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُنَّ. . تَسْوِيَةً بَيْنَهُنَّ.

وَصَرَّحَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ لُزُومَ الْمَبِيتِ عِنْدَ بَقِيَّةِ الزَّوْجَاتِ إِنْ بَاتَ عِنْدَ إِحْدَاهُنَّ يَكُونُ عَلَى الْفَوْرِ، لأَِنَّهُ حَقٌّ لَزِمَ وَهُوَ مُعَرَّضٌ لِلسُّقُوطِ بِالْمَوْتِ، فَوَجَبَ عَلَى الزَّوْجِ الْخُرُوجُ مِنْهُ مَا أَمْكَنَهُ، وَيَعْصِي بِتَأْخِيرِهِ.

وَعَقَّبَ عَلَيْهِ الشَّبْرَامِلْسِيُّ - الشَّافِعِيُّ - بِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَهُ كَانَ كَبِيرَةً أَخْذًا مِنَ الْخَبَرِ السَّابِقِ (٣) .

وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الزَّوْجِ إِذَا كَانَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ زَوْجَةٍ هُوَ الْعَدْل

_________

(١) حديث عدله ﷺ في القسمة. أخرجه أبو داود (٢ / ٦٠١)، والحاكم (٢ / ١٨٦) من حديث عائشة وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

(٢) حديث أنه " كان يطوف به محمولًا في مرضه. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ٣١٧)، ومسلم (٤ / ١٨٩٣) من حديث عائشة.

(٣) فتح القدير ٣ / ٣٠٠، والاختيار ٣ / ١١٦، وشرح الزرقاني ٤ / ٥٥، ونهاية المحتاج ٦ / ٣٧٢، وحاشية القليوبي ٣ / ٢٩٩ - ٣٠٠، وكشاف القناع ٥ / ١٩٨ - ٢٠٠، والمغني ٧ / ٢٨.

بَيْنَهُنَّ فِي الْقَسْمِ إِنْ قَسَمَ، وَلَهُ أَنْ يُعْرِضَ عَنْهُنَّ جَمِيعًا إِلاَّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ لاَ يُعَطِّلَهُنَّ، وَاسْتَثْنَوْا مِنْ جَوَازِ الإِْعْرَاضِ عَنِ الزَّوْجَاتِ ابْتِدَاءً أَوْ بَعْدَ نَوْبَةٍ أَوْ أَكْثَرَ مَا لَوْ حَدَثَ مَا يَمْنَعُ هَذَا الإِْعْرَاضَ، كَأَنْ ظَلَمَهَا ثُمَّ بَانَتْ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ عَلَى الرَّاجِحِ بِطَرِيقِهِ الشَّرْعِيِّ وَهُوَ عَوْدُهَا إِلَى عِصْمَتِهِ (١) .

مَا يَتَحَقَّقُ بِهِ الْعَدْل فِي الْقَسْمِ:

٦ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ الْعَدْل بَيْنَ زَوْجَتَيْهِ أَوْ زَوْجَاتِهِ فِي حُقُوقِهِنَّ مِنَ الْقَسْمِ وَالنَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَالسُّكْنَى، وَهُوَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُنَّ فِي ذَلِكَ، وَالأَْصْل فِيهِ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةٌ﴾ عَقِيبَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾ (٢)، نَدَبَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى نِكَاحِ الْوَاحِدَةِ عِنْدَ خَوْفِ تَرْكِ الْعَدْل فِي الزِّيَادَةِ، وَإِنَّمَا يُخَافُ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ، فَدَل عَلَى أَنَّ الْعَدْل بَيْنَهُنَّ فِي الْقَسْمِ وَالنَّفَقَةِ وَاجِبٌ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي آخِرِ الآْيَةِ بِقَوْلِهِ ﷿: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا﴾ (٣)، أَيْ تَجُورُوا، وَالْجَوْرُ حَرَامٌ فَكَانَ الْعَدْل وَاجِبًا ضَرُورَةً؛ وَلأَِنَّ الْعَدْل

_________

(١) نهاية المحتاج ٦ / ٣٧٣، ومغني المحتاج ٣ / ٢٥١، والمهذب ٢ / ٦٧.

(٢) سورة النساء / ٣.

(٣) سورة النساء / ٣.