الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٣
﷾، يَقُول ابْنُ عَابِدِينَ: الْوَقْفُ لَيْسَ مَوْضُوعًا لِلتَّعَبُّدِ بِهِ كَالصَّلاَةِ وَالْحَجِّ، بِحَيْثُ لاَ يَصِحُّ مِنَ الْكَافِرِ أَصْلًا، بَل التَّقَرُّبُ بِهِ مَوْقُوفٌ عَلَى نِيَّةِ الْقُرْبَةِ، فَهُوَ بِدُونِهَا مُبَاحٌ (١) .
وَفِي شَرْحِ مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ: الْوَقْفُ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِنَّمَا هُوَ فِي وَقْفٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوَابُ، فَإِنَّ الإِْنْسَانَ قَدْ يَقِفُ عَلَى غَيْرِهِ تَوَدُّدًا، أَوْ عَلَى أَوْلاَدِهِ خَشْيَةَ بَيْعِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَإِتْلاَفِ ثَمَنِهِ، أَوْ خَشْيَةَ أَنْ يُحْجَرَ عَلَيْهِ فَيُبَاعَ فِي دَيْنِهِ، أَوْ رِيَاءً وَنَحْوَهُ، فَهَذَا وَقْفٌ لاَزِمٌ لاَ ثَوَابَ فِيهِ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَبْتَغِ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى (٢) .
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ جِهَةَ بِرٍّ وَمَعْرُوفٍ، كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْمَسَاجِدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الْوَقْفَ عَلَى الأَْغْنِيَاءِ صَحِيحٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَلَكِنَّهُ لاَ قُرْبَةَ فِيهِ، جَاءَ فِي مُغْنِي الْمُحْتَاجِ: إِنْ وَقَفَ عَلَى جِهَةٍ لاَ تَظْهَرُ فِيهَا الْقُرْبَةُ كَالأَْغْنِيَاءِ صَحَّ فِي الأَْصَحِّ، نَظَرًا إِلَى أَنَّ الْوَقْفَ تَمْلِيكٌ. وَالثَّانِي: لاَ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى الأَْغْنِيَاءِ وَأَهْل الذِّمَّةِ وَالْفُسَّاقِ (٣) .
وَيَقُول الْحَصْكَفِيُّ وَابْنُ عَابِدِينَ: يُشْتَرَطُ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٥٨.
(٢) شرح منتهى الإرادات ٢ / ٤٩٠، ومغني المحتاج ٢ / ٣٨١، والدسوقي ٤ / ٧٧.
(٣) مغني المحتاج ٢ / ٣٨١.
فِي مَحَل الْوَقْفِ أَنْ يَكُونَ قُرْبَةً فِي ذَاتِهِ، أَيْ بِأَنْ يَكُونَ مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ إِلَى ذَاتِهِ وَصُورَتِهِ قُرْبَةً، وَالْمُرَادُ أَنْ يَحْكُمَ الشَّرْعُ بِأَنَّهُ لَوْ صَدَرَ مِنْ مُسْلِمٍ يَكُونُ قُرْبَةً حَمْلًا عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ الْقُرْبَةَ، وَهَذَا شَرْطٌ فِي وَقْفِ الْمُسْلِمِ (١) .
قَرَد
انْظُرْ: أَطْعِمَة
_________
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٣ / ٣٦٠.
قَرْض
التَّعْرِيفُ:
١ - الْقَرْضُ (١): فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ قَرَضَ الشَّيْءَ يَقْرِضُهُ: إِذَا قَطَعَهُ.
وَالْقَرْضُ: اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنَى الإِْقْرَاضِ. يُقَال: قَرَضْتُ الشَّيْءَ بِالْمِقْرَاضِ، وَالْقَرْضُ: مَا تُعْطِيهِ الإِْنْسَانَ مِنْ مَالِكَ لِتُقْضَاهُ، وَكَأَنَّهُ شَيْءٌ قَدْ قَطَعْتَهُ مِنْ مَالِكَ، وَيُقَال: إِنَّ فُلاَنًا وَفُلاَنًا يَتَقَارَضَانِ الثَّنَاءَ، إِذَا أَثْنَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، وَكَأَنَّ مَعْنَى هَذَا أَنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَقْرَضَ صَاحِبَهُ ثَنَاءً، كَقَرْضِ الْمَال (٢) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: دَفْعُ مَالٍ إِرْفَاقًا لِمَنْ يَنْتَفِعُ بِهِ وَيَرُدُّ بَدَلَهُ (٣) .
_________
(١) بفتح القاف وكسرها، وممن حكى الكسر ابن السكيت والجوهري وآخرون عن حكاية الكسائي، (انظر الصحاح، والقاموس المحيط وتحرير ألفاظ التنبيه ص ١٩٣) .
(٢) معجم مقاييس اللغة والصحاح للجوهري، والقاموس المحيط والمغرب للمطرزي، والزاهر للأزهري ص ٢٤٧، وتحرير ألفاظ التنبيه للنووي، ط. دار القلم ص ١٩٣، والمطلع للبعلي ص ٢٤٦، والنظم المستعذب في شرح غريب المهذب ١ / ٣٠٩، وبصائر ذوي التمييز ٤ / ٢٥٨، ومفردات الراغب الأصبهاني.
(٣) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٤ / ١٧١، ومرشد الحيران م ٧٩٦، وكفاية الطالب الرباني ٢ / ١٥٠، وتحفة المحتاج ٥ / ٣٦، وكشاف القناع ٣ / ٢٩٨.
قَالُوا: وَيُسَمَّى نَفْسُ الْمَال الْمَدْفُوعِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ قَرْضًا، وَالدَّافِعُ لِلْمَال مُقْرِضًا، وَالآْخِذُ: مُقْتَرِضًا وَمُسْتَقْرِضًا وَيُسَمَّى الْمَال الَّذِي يَرُدُّهُ الْمُقْتَرِضُ إِلَى الْمُقْرِضِ عِوَضًا عَنِ الْقَرْضِ: بَدَل الْقَرْضِ، وَأَخْذُ الْمَال عَلَى جِهَةِ الْقَرْضِ: اقْتِرَاضًا.
وَالْقَرْضُ بِهَذَا الْمَعْنَى عِنْدَ الْفُقَهَاءِ هُوَ الْقَرْضُ الْحَقِيقِيُّ، وَقَدْ تَفَرَّدَ الشَّافِعِيَّةُ فَجَعَلُوا لَهُ قَسِيمًا سَمَّوْهُ: الْقَرْضَ الْحُكْمِيَّ، وَوَضَعُوا لَهُ أَحْكَامًا تَخُصُّهُ، وَمَثَّلُوا لَهُ بِالإِْنْفَاقِ عَلَى اللَّقِيطِ الْمُحْتَاجِ، وَإِطْعَامِ الْجَائِعِ، وَكِسْوَةِ الْعَارِي، إِذَا لَمْ يَكُونَا فُقَرَاءَ بِنِيَّةِ الْقَرْضِ، وَبِمَنْ أَمَرَ غَيْرَهُ بِإِعْطَاءِ مَالٍ لِغَرَضِ الآْمِرِ.
كَإِعْطَاءِ شَاعِرٍ أَوْ ظَالِمٍ، أَوْ إِطْعَامِ فَقِيرٍ أَوْ فِدَاءِ أَسِيرٍ، وَكَبِعْ هَذَا وَأَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ بِنِيَّةِ الْقَرْضِ (١)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - السَّلَفُ:
٢ - مِنْ مَعَانِي السَّلَفِ الْقَرْضُ. يُقَال تَسَلَّفَ وَاسْتَسْلَفَ: أَيِ اسْتَقْرَضَ لِيَرُدَّ مِثْلَهُ عَلَيْهِ، وَقَدْ أَسْلَفْتُهُ: أَيْ أَقْرَضْتُهُ، وَيَأْتِي السَّلَفُ
_________
(١) انظر تحفة المحتاج وحاشية الشرواني عليه ٥ / ٣٧، ٤٠، ونهاية المحتاج ٤ / ٢١٨، وأسنى المطالب ٢ / ١٤١.
أَيْضًا بِمَعْنَى السَّلَمِ. يُقَال: سَلَّفَ وَأَسْلَفَ بِمَعْنَى سَلَّمَ وَأَسْلَمَ (١) .
وَالسَّلَفُ أَعَمُّ مِنَ الْقَرْضِ.
ب - الْقِرَاضُ:
٣ - وَهُوَ الْمُضَارَبَةُ، وَهُوَ أَنْ يَدْفَعَ الرَّجُل إِلَى الرَّجُل نَقْدًا لِيَتَّجِرَ بِهِ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا يَتَشَارَطَانِهِ. قَال الأَْزْهَرِيُّ: " وَأَصْل الْقِرَاضِ مُشْتَقٌّ مِنَ الْقَرْضِ، وَهُوَ الْقَطْعُ، وَذَلِكَ أَنَّ صَاحِبَ الْمَال قَطَعَ لِلْعَامِل فِيهِ قِطْعَةً مِنْ مَالِهِ، وَقَطَعَ لَهُ مِنَ الرِّبْحِ فِيهِ شَيْئًا مَعْلُومًا. . . وَخُصَّتْ شَرِكَةُ الْمُضَارَبَةِ بِالْقِرَاضِ؛ لأَِنَّ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الرِّبْحِ شَيْئًا مَقْرُوضًا، أَيْ مَقْطُوعًا لاَ يَتَعَدَّاهُ (٢) .
(ر: مُضَارَبَة) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَهُمَا أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا دَفْعَ الْمَال إِلَى الْغَيْرِ، إِلاَّ أَنَّهُ فِي الْقَرْضِ عَلَى وَجْهِ الضَّمَانِ وَفِي الْقِرَاضِ عَلَى وَجْهِ الأَْمَانَةِ.
مَشْرُوعِيَّةُ الْقَرْضِ:
٤ - ثَبَتَتْ مَشْرُوعِيَّةُ الْقَرْضِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ (٣) .
أَمَّا الْكِتَابُ، فَبِالآْيَاتِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي تَحُثُّ
_________
(١) الزاهر ص ١٤٨، ٢١٧.
(٢) الزاهر للأزهري ص ٢٤٧.
(٣) نهاية المحتاج وحاشية الشبراملسي عليه ٤ / ٢١٥، وتحفة المحتاج وحاشية الشرواني ٥ / ٣٦.
عَلَى الإِْقْرَاضِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ (١)، وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ فِيهَا أَنَّ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ شَبَّهَ الأَْعْمَال الصَّالِحَةَ وَالإِْنْفَاقَ فِي سَبِيل اللَّهِ بِالْمَال الْمُقْرَضِ، وَشَبَّهَ الْجَزَاءَ الْمُضَاعَفَ عَلَى ذَلِكَ بِبَدَل الْقَرْضِ، وَسَمَّى أَعْمَال الْبِرِّ قَرْضًا؛ لأَِنَّ الْمُحْسِنَ بَذَلَهَا لِيَأْخُذَ عِوَضَهَا، فَأَشْبَهَ مَنْ أَقْرَضَ شَيْئًا لِيَأْخُذَ عِوَضَهُ (٢) .
وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَفِعْلُهُ ﷺ حَيْثُ رَوَى أَبُو رَافِعٍ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ مِنْ إِبِل الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُل بَكْرَهُ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو رَافِعٍ فَقَال: لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلاَّ خِيَارًا رُبَاعِيًّا، فَقَال: أَعْطِهِ إِيَّاهُ، إِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً (٣) .
ثُمَّ مَا وَرَدَ فِيهِ مِنَ الأَْجْرِ الْعَظِيمِ، كَقَوْلِهِ ﷺ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُقْرِضُ مُسْلِمًا قَرْضًا مَرَّتَيْنِ إِلاَّ كَانَ كَصَدَقَتِهَا مَرَّةً (٤) .
وَأَمَّا الإِْجْمَاعُ، فَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى
_________
(١) سورة البقرة / ٢٤٥.
(٢) الإشارة إلى الإيجاز للعز بن عبد السلام ص ١٢٠.
(٣) حديث أبي رافع: " أن النبي ﷺ استسلف من رجل بكرًا. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٢٢٤) .
(٤) حديث: " ما من مسلم يقرض مسلمًا قرضًا مرتين. . . " أخرجه ابن ماجه (٢ / ٨١٢) من حديث عبد الله بن مسعود، وضعف إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (٢ / ٢٠٧٤) .
جَوَازِ الْقَرْضِ (١) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلْقَرْضِ:
٥ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الأَْصْل فِي الْقَرْضِ فِي حَقِّ الْمُقْرِضِ أَنَّهُ قُرْبَةٌ مِنَ الْقُرَبِ، لِمَا فِيهِ مِنْ إِيصَال النَّفْعِ لِلْمُقْتَرِضِ، وَقَضَاءِ حَاجَتِهِ، وَتَفْرِيجِ كُرْبَتِهِ، وَأَنَّ حُكْمَهُ مِنْ حَيْثُ ذَاتِهِ النَّدْبُ (٢)، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ (٣)، لَكِنْ قَدْ يَعْرِضُ لَهُ الْوُجُوبُ أَوِ الْكَرَاهَةُ أَوِ الْحُرْمَةُ أَوِ الإِْبَاحَةُ، بِحَسَبِ مَا يُلاَبِسُهُ أَوْ يُفْضِي إِلَيْهِ، إِذْ لِلْوَسَائِل حُكْمُ الْمَقَاصِدِ.
وَعَلَى ذَلِكَ: فَإِنْ كَانَ الْمُقْتَرِضُ مُضْطَرًّا
_________
(١) المغني لابن قدامة ٦ / ٤٢٩، ط. هجر، والمبدع ٤ / ٢٠٤، وكشاف القناع ٣ / ٢٩٨.
(٢) قال الشبراملسي: ظاهر إطلاقه أنه لا فرق في ذلك بين كون المقترض مسلمًا أو غيره، وهو كذلك، فإن فعل المعروف مع الناس لا يختص بالمسلمين، ويجب علينا الذب عن أهل الذمة منهم، والصدقة عليهم جائزة، وإطعام المضطر منهم واجب، (حاشية الشبراملسي على نهاية المحتا وانظر حاشية الشرواني على تحفة المحتاج ٥ / ٣٦) .
(٣) حديث: " من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا. . . " أخرجه مسلم (٤ / ٢٠٧٤) .
وَالْمُقْرِضُ مَلِيئًا كَانَ إِقْرَاضُهُ وَاجِبًا، وَإِنْ عَلِمَ الْمُقْرِضُ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الْمُقْتَرِضَ يَصْرِفُهُ فِي مَعْصِيَةٍ أَوْ مَكْرُوهٍ كَانَ حَرَامًا أَوْ مَكْرُوهًا بِحَسَبِ الْحَال، وَلَوِ اقْتَرَضَ تَاجِرٌ لاَ لِحَاجَةٍ، بَل لِيَزِيدَ فِي تِجَارَتِهِ طَمَعًا فِي الرِّبْحِ الْحَاصِل مِنْهُ، كَانَ إِقْرَاضُهُ مُبَاحًا، حَيْثُ إِنَّهُ لَمْ يَشْتَمِل عَلَى تَنْفِيسِ كُرْبَةٍ، لِيَكُونَ مَطْلُوبًا شَرْعًا (١) .
٦ - أَمَّا فِي حَقِّ الْمُقْتَرِضِ، فَالأَْصْل فِيهِ الإِْبَاحَةُ، وَذَلِكَ لِمَنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الْوَفَاءَ، بِأَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ مُرْتَجًى، وَعَزَمَ عَلَى الْوَفَاءِ مِنْهُ، وَإِلاَّ لَمْ يَجُزْ، مَا لَمْ يَكُنْ مُضْطَرًّا - فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ فِي حَقِّهِ لِدَفْعِ الضُّرِّ عَنْ نَفْسِهِ - أَوْ كَانَ الْمُقْرِضُ عَالِمًا بِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى الْوَفَاءِ وَأَعْطَاهُ، فَلاَ يَحْرُمُ؛ لأَِنَّ الْمَنْعَ كَانَ لِحَقِّهِ، وَقَدْ أَسْقَطَ حَقَّهُ بِإِعْطَائِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِحَالِهِ (٢)، قَال ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ: فَعُلِمَ أَنَّهُ لاَ يَحِل لِفَقِيرٍ
_________
(١) المغني ٦ / ٤٢٩ (ط. هجر)، والمبدع ٤ / ٢٠٤، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٢٥، وكشاف القناع ٣ / ٢٩٩، والمهذب ١ / ٣٠٩، وأسنى المطالب وحاشية الرملي عليه ٢ / ١٤٠، ونهاية المحتاج ٤ / ٢١٥ وما بعدها، وتحفة المحتاج وحاشية الشرواني عليه ٥ / ٣٦، ومواهب الجليل ٤ / ٥٤٥، والزرقاني على خليل ٥ / ٢٢٦، والعدوي على الخرشي ٥ / ٢٢٩، والعدوي على كفاية الطالب الرباني ٢ / ١٥٠، والتاج والإكليل ٤ / ٥٤٥، والبهجة شرح التحفة ٢ / ٢٨٧، وروضة الطالبين ٤ / ٣٢، والإنافة في الصدقة والضيافة لابن حجر الهيتمي ص ١٥٥، ١٥٦.
(٢) تحفة المحتاج وحاشية الشرواني والعبادي عليه ٥ / ٣٦ وما بعدها، ونهاية المحتاج وحاشية الشبراملسي عليه ٤ / ٢١٦، وكشاف القناع ٣ / ٢٩٩، والمغني ٦ / ٤٢٩ (ط. هجر) .
إِظْهَارُ الْغِنَى عِنْدَ الاِقْتِرَاضِ؛ لأَِنَّ فِيهِ تَغْرِيرًا لِلْمُقْرِضِ (١)، وَقَال أَيْضًا: وَمِنْ ثَمَّ لَوْ عَلِمَ الْمُقْتَرِضُ أَنَّهُ إِنَّمَا يُقْرِضُهُ لِنَحْوِ صَلاَحِهِ، وَهُوَ بَاطِنًا بِخِلاَفِ ذَلِكَ حَرُمَ عَلَيْهِ الاِقْتِرَاضُ أَيْضًا، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (٢) .
تَوْثِيقُ الْقَرْضِ:
٧ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ كِتَابَةَ الدَّيْنِ وَالإِْشْهَادَ عَلَيْهِ مَنْدُوبَانِ وَلَيْسَا وَاجِبَيْنِ مُطْلَقًا، وَالأَْمْرُ بِهِمَا فِي الآْيَةِ إِرْشَادٌ إِلَى الأَْوْثَقِ وَالأَْحْوَطِ، وَلاَ يُرَادُ بِهِ الْوُجُوبُ (٣)، قَال الإِْمَامُ الشَّافِعِيُّ: فَلَمَّا أَمَرَ إِذَا لَمْ يَجِدُوا كَاتِبًا بِالرَّهْنِ، ثُمَّ أَبَاحَ تَرْكَ الرَّهْنِ وَقَال: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (٤)، فَدَل عَلَى أَنَّ الأَْمْرَ الأَْوَّل دَلاَلَةٌ عَلَى الْحَظِّ، لاَ فَرْضٌ فِيهِ يَعْصِي مَنْ تَرَكَهُ (٥) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (تَوْثِيق ف ٧) .
أَرْكَانُ الْقَرْضِ:
٨ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ أَرْكَانَ عَقْدِ
_________
(١) الإنافة في الصدقة والضيافة لابن حجر الهيتمي ص ١٥٥، وانظر نهاية المحتاج ٤ / ٢١٦.
(٢) تحفة المحتاج ٥ / ٣٧.
(٣) أحكام القرآن للجصاص ١ / ٤٨١ - ٤٨٢، والأم للشافعي ٣ / ٨٩ وما بعدها، والمغني لابن قدامة ٤ / ٣٦٢، (ط. مكتبة الرياض الحديثة) وأحكام القرآن لابن العربي ١ / ٢٥٨، ٢٦٢.
(٤) سورة البقرة / ٢٨٣.
(٥) أحكام القرآن للإمام الشافعي ٢ / ١٢٧.
الْقَرْضِ ثَلاَثَةٌ:
١ - الصِّيغَةُ (وَهِيَ الإِْيجَابُ وَالْقَبُول) .
٢ - الْعَاقِدَانِ (وَهُمَا الْمُقْرِضُ وَالْمُقْتَرِضُ) .
٣ - الْمَحَل (وَهُوَ الْمَال الْمُقْرَضُ) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ رُكْنَ الْقَرْضِ هُوَ الصِّيغَةُ الْمُؤَلَّفَةُ مِنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول الدَّالَّيْنِ عَلَى اتِّفَاقِ الإِْرَادَتَيْنِ وَتَوَافُقِهِمَا عَلَى إِنْشَاءِ هَذَا الْعَقْدِ.
الرُّكْنُ الأَْوَّل: الصِّيغَةُ (الإِْيجَابُ وَالْقَبُول):
٩ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي صِحَّةِ الإِْيجَابِ بِلَفْظِ الْقَرْضِ وَالسَّلَفِ وَبِكُل مَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُمَا، كَأَقْرَضْتُكَ وَأَسْلَفْتُكَ وَأَعْطَيْتُكَ قَرْضًا أَوْ سَلَفًا، وَمَلَّكْتُكَ هَذَا عَلَى أَنْ تَرُدَّ لِي بَدَلَهُ، وَخُذْ هَذَا فَاصْرِفْهُ فِي حَوَائِجِكَ وَرُدَّ لِي بَدَلَهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ. . . أَوْ تُوجَدُ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى إِرَادَةِ الْقَرْضِ، كَأَنْ سَأَلَهُ قَرْضًا فَأَعْطَاهُ. . . وَكَذَا صِحَّةُ الْقَبُول بِكُل لَفْظٍ يَدُل عَلَى الرِّضَا بِمَا أَوْجَبَهُ الأَْوَّل، مِثْل: اسْتَقْرَضْتُ أَوْ قَبِلْتُ أَوْ رَضِيتُ وَمَا يَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى (١)، قَال الشَّيْخُ زَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيُّ:
_________
(١) بل إنَّ الحنفية نصوا على صحة القرض بلفظ الإعارة، نظرًا لأن إعارة المثليات قرض حقيقة (رد المحتار ٤ / ١٧١، والهداية مع فتح القدير، ط. الميمنية ٤ / ٤٧٤)، وانظر بدائع الصنائع ٧ / ٣٩٤، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٢٥، وكشاف القناع ٣ / ٢٩٩، والمغني لابن قدامة ٦ / ٤٣٠ وما بعدها ط. هجر، والمهذب ١ / ٣٠٩، وأسنى المطالب ٢ / ١٤٠ - ١٤١، ونهاية المحتاج ٤ / ٢١٧ - ٢١٨، وتحفة المحتاج ٥ / ٣٧ - ٣٩، وروضة الطالبين ٤ / ٣٢.