الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٠ الصفحة 37

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٠

أَمَّا قَبْل بُلُوغِ الإِْمَامِ فَجَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ الْعَفْوُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ وَابْنِ وَهْبٍ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَرَوَى أَشْهَبُ أَنَّهُ لَيْسَ بِلاَزِمٍ (١) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَكَذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ فِي حَدِّ الْقَذْفِ بِصِحَّةِ الْعَفْوِ فِيهِ؛ لأَِنَّ الْغَالِبَ فِيهِ حَقُّ الْعَبْدِ فَيَسْقُطُ بِالْعَفْوِ عَنْهُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ مِثْل أَبِي ضَمْضَمٍ كَانَ إِذَا أَصْبَحَ قَال: تَصَدَّقْتُ بِعِرْضِي (٢) وَالتَّصَدُّقُ بِالْعِرْضِ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِالْعَفْوِ عَمَّا يَجِبُ لَهُ؛ وَلأَِنَّهُ لاَ خِلاَفَ أَنَّهُ لاَ يُسْتَوْفَى إِلاَّ بِمُطَالَبَتِهِ فَكَانَ لَهُ الْعَفْوُ كَالْقِصَاصِ (٣)

ثَالِثًا - الْعَفْوُ فِي التَّعْزِيرِ:

٣٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْعَفْوِ فِي التَّعْزِيرِ، فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ لِلإِْمَامِ الْعَفْوَ فِي التَّعْزِيرِ الْوَاجِبِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، بِخِلاَفِ مَا كَانَ لِجِنَايَةٍ

_________

(١) المنتقى ٧ / ١٤٨.

(٢) حديث: " أيعجز أحدكم أن يكون مثل أبي ضمضم. . . ". أخرجه أبو داود (٥ / ١٩٩)، وذكر الذهبي في الميزان (٢ / ٢٧٥) تضعيف أحد رواته.

(٣) المهذب ٢ / ٢٧٤، وكشاف القناع ٦ / ١٠٥، والأحكام السلطانية للماوردي ص ٢٣٧، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ٢٦٦.

عَلَى الْعَبْدِ فَإِنَّ الْعَفْوَ فِيهِ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (١)، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ كَانَ الْحَقُّ لِلَّهِ وَجَبَ كَالْحُدُودِ، إِلاَّ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّ الإِْمَامِ أَنَّ غَيْرَ الضَّرْبِ مِنَ الْمَلاَمَةِ وَالْكَلاَمِ مَصْلَحَةٌ، وَقَال الْقَرَافِيُّ: يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنِ التَّعْزِيرِ وَالشَّفَاعَةِ فِيهَا إِذَا كَانَ لِحَقِّ آدَمِيٍّ، فَإِنْ تَجَرَّدَ عَنْ حَقِّ الآْدَمِيِّ وَانْفَرَدَ بِهِ حَقُّ السَّلْطَنَةِ كَانَ لِوَلِيِّ الأَْمْرِ مُرَاعَاةُ حُكْمِ الأَْصْلَحِ فِي الْعَفْوِ وَالتَّعْزِيرِ (٢) .

وَقَال الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْحَدِّ وَالتَّعْزِيرِ: إِنَّ الْحَدَّ لاَ يَجُوزُ فِيهِ الْعَفْوُ وَالشَّفَاعَةُ، لَكِنْ يَجُوزُ فِي التَّعْزِيرِ الْعَفْوُ عَنْهُ وَتَسُوغُ الشَّفَاعَةُ فِيهِ، فَإِنْ تَفَرَّدَ التَّعْزِيرُ بِحَقِّ السَّلْطَنَةِ وَحُكْمِ التَّقْوِيمِ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ لآِدَمِيٍّ جَازَ لِوَلِيِّ الأَْمْرِ أَنْ يُرَاعِيَ الأَْصْلَحَ فِي الْعَفْوِ أَوِ التَّعْزِيرِ، وَجَازَ أَنْ يَشْفَعَ فِيهِ مَنْ سَأَل الْعَفْوَ عَنِ الذَّنْبِ، رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ (٣) وَلَوْ تَعَلَّقَ بِالتَّعْزِيرِ حَقٌّ لآِدَمِيٍّ كَالتَّعْزِيرِ فِي الشَّتْمِ وَالْمُوَاثَبَةِ فَفِيهِ حَقٌّ لِلْمَشْتُومِ

_________

(١) ابن عابدين ٤ / ٥٣ - ٥٤.

(٢) مواهب الجليل ٦ / ٣٢٠.

(٣) حديث: " اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٢٩٩) من حديث أبي موسى.

وَالْمَضْرُوبِ، وَحَقُّ السَّلْطَنَةِ لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّهْذِيبِ فَلاَ يَجُوزُ لِوَلِيِّ الأَْمْرِ أَنْ يُسْقِطَ بِعَفْوٍ حَقَّ الْمَشْتُومِ وَالْمَضْرُوبِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ لَهُ حَقَّهُ مِنْ تَعْزِيرِ الشَّاتِمِ وَالضَّارِبِ، فَإِنْ عَفَا الْمَضْرُوبُ وَالْمَشْتُومُ كَانَ وَلِيُّ الأَْمْرِ بَعْدَ عَفْوِهِمَا عَلَى خِيَارِهِ فِي فِعْل الأَْصْلَحِ مِنَ التَّعْزِيرِ تَقْوِيمًا وَالصَّفْحِ عَنْهُ عَفْوًا، فَإِنْ تَعَافَوْا عَنِ الشَّتْمِ وَالضَّرْبِ قَبْل التَّرَافُعِ إِلَيْهِ سَقَطَ التَّعْزِيرُ لآِدَمِيٍّ، وَاخْتُلِفَ فِي سُقُوطِ حَقِّ السَّلْطَنَةِ عَنْهُ وَالتَّقْوِيمِ عَلَى وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَسْقُطُ، وَلَيْسَ لِوَلِيِّ الأَْمْرِ أَنْ يُعَزِّرَ فِيهِ قِيَاسًا عَلَى حَدِّ الْقَذْفِ وَهُوَ يَسْقُطُ بِالْعَفْوِ.

وَالثَّانِي، وَهُوَ الأَْظْهَرُ أَنَّ لِوَلِيِّ الأَْمْرِ أَنْ يُعَزِّرَ فِيهِ قَبْل التَّرَافُعِ إِلَيْهِ، كَمَا يَجُوزُ فِيهِ مَعَ الْعَفْوِ بَعْدَ التَّرَافُعِ إِلَيْهِ، وَنَحْوُهُ عَنْ أَبِي يَعْلَى الْفَرَّاءِ (١) .

وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (تَعْزِير ف ٥٧)

عُقَاب

انْظُرْ: أَطْعِمَة

_________

(١) الماوردي الأحكام السلطانية ٢٣٧، والأحكام السلطانية للفراء ص٢٨١، ٢٨٢.

عَقَار

التَّعْرِيفُ:

١ - الْعَقَارُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ فِي اللُّغَةِ: كُل مَا لَهُ أَصْلٌ وَقَرَارٌ ثَابِتٌ كَالأَْرْضِ وَالدَّارِ وَالضِّيَاعِ وَالنَّخْل، وَقَال بَعْضُهُمْ: رُبَّمَا أُطْلِقَ عَلَى مَتَاعِ الْبَيْتِ، يُقَال: مَا لَهُ دَارٌ وَلاَ عَقَارٌ، أَيْ نَخْلٌ، وَفِي الْبَيْتِ عَقَارٌ حَسَنٌ، أَيْ مَتَاعٌ وَأَدَاةٌ، وَالْجَمْعُ عَقَارَاتٌ، وَالْعَقَارُ مِنْ كُل شَيْءٍ: خِيَارُهُ (١) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ الثَّابِتُ الَّذِي لاَ يُمْكِنُ نَقْلُهُ وَتَحْوِيلُهُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى آخَرَ، مِثْل الأَْرْضِ وَالدَّارِ (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْمَنْقُول:

٢ - الْمَنْقُول: هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي يُمْكِنُ نَقْلُهُ مِنْ مَحَلٍّ إِلَى آخَرَ، فَيَشْمَل النُّقُودَ وَالْعُرُوضَ وَالْحَيَوَانَاتِ وَالْمَكِيلاَتِ وَالْمَوْزُونَاتِ (٣) .

_________

(١) المصباح المنير، ولسان العرب.

(٢) مجلة الأحكام (م ١٢٩) .

(٣) مجلة الأحكام (م ١٢٨) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الْمَنْقُول هُوَ مَا يُمْكِنُ نَقْلُهُ مَعَ بَقَاءِ هَيْئَتِهِ وَصُورَتِهِ الأُْولَى، أَيْ مَا يُمْكِنُ نَقْلُهُ بِدُونِ أَنْ تَتَغَيَّرَ صُورَتُهُ، كَالْعُرُوضِ التِّجَارِيَّةِ مِنْ أَمْتِعَةٍ وَسِلَعٍ وَأَدَوَاتٍ وَكُتُبٍ وَسَيَّارَاتٍ وَثِيَابٍ وَنَحْوِهَا.

ب - الشَّجَرُ:

٣ - جَاءَ فِي الْقَامُوسِ: الشَّجَرُ مَا قَامَ عَلَى سَاقٍ أَوْ مَا سَمَا بِنَفْسِهِ دَقَّ أَوْ جَل قَاوَمَ الشِّتَاءَ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ.

وَفِي الْمِصْبَاحِ: الشَّجَرُ هُوَ مَا لَهُ سَاقٌ صُلْبٌ يَقُومُ بِهِ، كَالنَّخْل وَغَيْرِهِ، وَاسْتَعْمَلَهُ الْفُقَهَاءُ فِيمَا لَهُ سَاقٌ وَلاَ يُقْطَعُ أَصْلُهُ، وَعَرَّفَهُ الأَْبِيُّ فِي الْمُسَاقَاةِ بِمَا كَانَ ذَا أَصْلٍ ثَابِتٍ تُجْنَى ثَمَرَتُهُ وَتَبْقَى أُصُولُهُ (١)

ج - الْبِنَاءُ:

٤ - الْبِنَاءُ: وَضْعُ شَيْءٍ عَلَى شَيْءٍ عَلَى صِفَةٍ يُرَادُ بِهَا الثُّبُوتُ (٢)

ثَمَرَةُ قِسْمَةِ الْمَال إِلَى عَقَارٍ وَمَنْقُولٍ:

٥ - تَظْهَرُ فَائِدَةُ قِسْمَةِ الْمَال إِلَى عَقَارٍ وَمَنْقُولٍ فِيمَا يَأْتِي:

_________

(١) المصباح المنير، والقاموس المحيط، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٣٥، و٥ / ٢٨٣، وجواهر الإكليل ٢ / ١٧٨، والقليوبي ٢ / ١٤١.

(٢) الكليات ١ / ٤١٧.

أ - الشُّفْعَةُ: فَإِنَّهَا عَلَى قَوْل جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ لاَ تَثْبُتُ إِلاَّ فِي الْعَقَارِ الْمَبِيعِ، أَمَّا الْمَنْقُول فَلاَ تَثْبُتُ فِيهِ الشُّفْعَةُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ إِذَا بِيعَ اسْتِقْلاَلًا، وَتَثْبُتُ فِيهِ إِذَا بِيعَ تَبَعًا لِلْعَقَارِ (١) .

وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (شُفْعَة ف ٢٤ - ٢٥)

ب - الْوَقْفُ: لاَ خِلاَفَ فِي جَوَازِ وَقْفِ الْعَقَارِ، وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّةِ وَقْفِ الْمَنْقُول، فَأَجَازَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَقْفَ الْعَقَارِ وَالْمَنْقُول عَلَى السَّوَاءِ (٢) وَلَمْ يُجِزْهُ الْحَنَفِيَّةُ إِلاَّ تَبَعًا لِلْعَقَارِ، أَوْ كَانَ مُتَعَارَفًا وَقْفَهُ كَالْكُتُبِ وَنَحْوِهَا، أَوْ وَرَدَ بِصِحَّةِ وَقْفِهِ أَثَرٌ عَنِ السَّلَفِ كَوَقْفِ الْخَيْل وَالسِّلاَحِ (٣) .

وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (وَقْف)

ج - بَيْعُ عَقَارِ الْقَاصِرِ:

لاَ يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ بَيْعُ عَقَارِ الْقَاصِرِ إِلاَّ بِمُسَوِّغٍ شَرْعِيٍّ يُجِيزُ لَهُ ذَلِكَ وَبِإِذْنِ الْقَاضِي، كَإِيفَاءِ دَيْنٍ أَوْ دَفْعِ حَاجَةٍ ضَرُورِيَّةٍ، أَوْ وُجُودِ مَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ؛ لأَِنَّ بَقَاءَ عَيْنِ الْعَقَارِ فِيهِ حِفْظُ مَصْلَحَةِ الْقَاصِرِ أَكْثَرَ مِنْ حِفْظِ ثَمَنِهِ، وَلَكِنْ لِلْوَصِيِّ

_________

(١) المبسوط ١٤ / ٩٥، وبدائع الصنائع ٦ / ٢٧٠، ونهاية المحتاج ٥ / ١٩٣، ومغني المحتاج ٢ / ٢٩٦، والمغني ٥ / ٤٦٣ - ٤٦٥.

(٢) الدسوقي ٤ / ٧٦ - ٧٧، ومغني المحتاج ٢ / ٣٧٧.

(٣) فتح القدير ٥ / ٤٩ ط. بولاق.

أَنْ يَبِيعَ الْمَنْقُول إِذَا رَأَى مَصْلَحَةً فِي بَيْعِهِ (١) .

د - مَال الْمَدِينِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ:

يُبْدَأُ أَوَّلًا بِبَيْعِ الْمَنْقُول لِوَفَاءِ دَيْنِ الْمَدِينِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بِسَبَبِ الدَّيْنِ، ثُمَّ يُبَاعُ الْعَقَارُ إِذَا لَمْ يَفِ ثَمَنُ الْمَنْقُول بِالدَّيْنِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ رِعَايَةِ مَصْلَحَةِ الْمَدِينِ (٢) .

هـ - بَيْعُ الشَّيْءِ قَبْل قَبْضِهِ: يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ بَيْعُ الشَّيْءِ الْمُشْتَرَى مِنَ الْعَقَارَاتِ قَبْل قَبْضِهِ أَوْ تَسَلُّمِهِ مِنَ الْبَائِعِ، بِخِلاَفِ الْمَنْقُول لِتَعَرُّضِهِ لِلْهَلاَكِ كَثِيرًا، بِعَكْسِ الْعَقَارِ، وَلَمْ يُجِزْ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ التَّصَرُّفَ فِي الْعَقَارِ قَبْل الْقَبْضِ وَالتَّسْلِيمِ (٣)

وحُقُوقُ الْجِوَارِ وَالاِرْتِفَاقِ:

تَتَعَلَّقُ هَذِهِ الْحُقُوقُ بِالْعَقَارِ دُونَ الْمَنْقُول.

ر: (ارْتِفَاق ف ١٠، جِوَار ف ٣) .

ز - الْغَصْبُ:

لاَ يُتَصَوَّرُ غَصْبُ الْعَقَارِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، إِذْ لاَ يُمْكِنُ نَقْلُهُ وَتَحْوِيلُهُ، وَيَرَى مُحَمَّدٌ وَسَائِرُ الْفُقَهَاءِ إِمْكَانَ غَصْبِ الْعَقَارِ، أَمَّا الْمَنْقُول فَيُتَصَوَّرُ غَصْبُهُ اتِّفَاقًا (٤)

_________

(١) درر الحكام شرح مجلة الأحكام ٩ / ٦٢٥ نشر دار الكتب العلمية.

(٢) المغني لابن قدامة ٤ / ٤٩٢.

(٣) تبيين الحقائق ٤ / ٧٩ - ٨٠، وشرح المحلي على المنهاج ٢ / ٢١٢.

(٤) الاختيار لتعليل المختار ٣ / ٥٨، والمغني ٥ / ٢٤١.

تَحَوُّل الْعَقَارِ إِلَى مَنْقُولٍ وَبِالْعَكْسِ:

٦ - قَدْ يَتَحَوَّل الْعَقَارُ إِلَى مَنْقُولٍ، كَالأَْجْزَاءِ الَّتِي تَنْفَصِل عَنِ الأَْرْضِ أَوْ تُسْتَخْرَجُ مِنْهَا، كَالْمَعَادِنِ الْمُسْتَخْرَجَةِ مِنَ الْمَنَاجِمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَأَنْقَاضِ الْبِنَاءِ الْمَهْدُومِ، وَكُل ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ فَصْلِهِ عَنِ الأَْرْضِ تَزُول عَنْهُ صِفَةُ الْعَقَارِ وَأَحْكَامُهُ، وَيُصْبِحُ فِي عِدَادِ الْمَنْقُولاَتِ وَتُطَبَّقُ عَلَيْهِ أَحْكَامُهَا.

وَقَدْ يَحْدُثُ الْعَكْسُ وَهُوَ تَحَوُّل الْمَنْقُول إِلَى عَقَارٍ، بِأَنْ صَارَ الْمَنْقُول تَبَعًا لِلْعَقَارِ، فَيَأْخُذُ حُكْمَهُ، جَاءَ فِي الْمَجَلَّةِ مَا يَأْتِي: (تَوَابِعُ الْمَبِيعِ الْمُتَّصِلَةُ الْمُسْتَقِرَّةُ تَدْخُل فِي الْبَيْعِ تَبَعًا بِدُونِ ذِكْرٍ)، مَثَلًا إِذَا بِيعَتْ دَارٌ دَخَل فِي الْبَيْعِ الأَْقْفَال الْمُسَمَّرَةُ وَالدَّوَالِيبُ - أَيِ الْخِزَنُ الْمُسْتَقِرَّةُ - وَالرُّفُوفُ الْمُسَمَّرَةُ الْمُعَدَّةُ لِوَضْعِ فُرُشٍ، وَالْبُسْتَانُ الَّذِي هُوَ دَاخِل حُدُودِ الدَّارِ، وَالطُّرُقُ الْمُوَصِّلَةُ إِلَى الطَّرِيقِ الْعَامِّ، أَوِ الدَّاخِلَةُ الَّتِي لاَ تَنْفُذُ. وَفِي بَيْعِ الْعَرْصَةِ تَدْخُل الأَْشْجَارُ الْمَغْرُوسَةُ عَلَى أَنْ تَسْتَقِرَّ؛ لأَِنَّ جَمِيعَ الْمَذْكُورَاتِ لاَ تُفْصَل عَنِ الْمَبِيعِ، فَتَدْخُل فِي الْبَيْعِ بِدُونِ ذِكْرٍ وَلاَ تَصْرِيحٍ (١) .

_________

(١) مجلة الأحكام العدلية م ٢٣٢.

أَحْكَامُ الْعَقَارِ:.

لِلْعَقَارِ أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ فِي أَبْوَابِ الْفِقْهِ الْمُخْتَلِفَةِ، أَهَمُّهَا:

الصَّلاَةُ فِي الأَْرْضِ الْمَغْصُوبَةِ:

٧ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الصَّلاَةَ فِي الأَْرْضِ الْمَغْصُوبَةِ حَرَامٌ؛ لأَِنَّ اللُّبْثَ فِيهَا يَحْرُمُ فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ، فَلأَنْ يَحْرُمَ فِي الصَّلاَةِ أَوْلَى (١)

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي صِحَّةِ الصَّلاَةِ فِي الْمَكَانِ الْمَغْصُوبِ عَلَى رَأْيَيْنِ:

فَقَال الْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ): الصَّلاَةُ صَحِيحَةٌ؛ لأَِنَّ النَّهْيَ لاَ يَعُودُ إِلَى مَاهِيَّةِ الصَّلاَةِ، فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّتَهَا، كَمَا لَوْ صَلَّى وَهُوَ يَرَى غَرِيقًا يُمْكِنُهُ إِنْقَاذُهُ فَلَمْ يُنْقِذْهُ، أَوْ حَرِيقًا يَقْدِرُ عَلَى إِطْفَائِهِ فَلَمْ يُطْفِئْهُ، أَوْ مَطَل غَرِيمَهُ الَّذِي يُمْكِنُ إِيفَاؤُهُ وَصَلَّى، وَيَسْقُطُ بِهَا الْفَرْضُ مَعَ الإِْثْمِ، وَيَحْصُل بِهَا الثَّوَابُ، فَيَكُونُ مُثَابًا عَلَى فِعْلِهِ عَاصِيًا بِمُقَامِهِ، وَإِثْمُهُ لِلْمُكْثِ فِي مَكَانٍ مَغْصُوبٍ.

وَيَصِفُ عُلَمَاءُ الأُْصُول مِنَ الْجُمْهُورِ هَذِهِ الصَّلاَةَ بِأَنَّهَا فِعْلٌ لَهُ جِهَتَانِ: كَوْنُهُ صَلاَةً وَكَوْنُهُ غَصْبًا، لَكِنَّ الْجِهَتَيْنِ غَيْرُ مُتَلاَزِمَتَيْنِ؛

_________

(١) بدائع الصنائع ٩ / ١١٦، والمجموع ٢ / ١٦٩، والمغني ٤ / ١١٢، ١ / ٥٨٨ و٢ / ٧٤ وكشاف القناع ١ / ٢٧٠.

لأَِنَّهُمَا وَإِنِ اجْتَمَعَتَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، فَإِنَّ انْفِرَادَهُمَا مُمْكِنٌ وَمُتَصَوَّرٌ، فَالْغَصْبُ يَنْفَرِدُ عَنِ الصَّلاَةِ بِأَنْ يَشْغَل الْمَكَانَ بِأَيِّ عَمَلٍ آخَرَ، وَالصَّلاَةُ تَنْفَرِدُ عَنِ الْغَصْبِ بِأَنْ تُؤَدَّى فِي مَكَانٍ آخَرَ، وَبِنَاءً عَلَيْهِ يَكُونُ اجْتِمَاعُ الإِْيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ فِي هَذَا الْفِعْل جَائِزًا، فَهَذِهِ الصَّلاَةُ وَاجِبَةٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا صَلاَةٌ، وَحَرَامٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا غَصْبٌ شَامِلٌ لِمِلْكِ الْغَيْرِ، وَلاَ تَنَافِيَ لِعَدَمِ الاِتِّحَادِ بَيْنَ مُتَعَلِّقِ الإِْيجَابِ الَّذِي هُوَ الصَّلاَةُ وَمُتَعَلِّقِ التَّحْرِيمِ الَّذِي هُوَ الْغَصْبُ، وَعَلَيْهِ فَإِنَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ صَحِيحَةٌ وَيُثَابُ عَلَيْهَا بِاعْتِبَارٍ، وَحَرَامٌ وَيُعَاقَبُ عَلَيْهَا بِاعْتِبَارٍ آخَرَ (١) .

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ عَلَى الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَصِحُّ الصَّلاَةُ فِي الْمَوْضِعِ الْمَغْصُوبِ، وَلَوْ كَانَ جُزْءًا مُشَاعًا؛ لأَِنَّهَا عِبَادَةٌ أَتَى بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، فَلَمْ تَصِحَّ كَصَلاَةِ الْحَائِضِ وَصَوْمِهَا، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الْفِعْل وَاجْتِنَابَهُ وَالتَّأْثِيمَ بِفِعْلِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مُطِيعًا بِمَا هُوَ عَاصٍ بِهِ، مُمْتَثِلًا بِمَا هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ، مُتَقَرِّبًا بِمَا يَبْعُدُ بِهِ؟ فَإِنَّ حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ مِنَ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَفْعَالٌ

_________

(١) مسلم الثبوت ١ / ٦٧، والتلويح على التوضيح ١ / ٢١٧، ومرآة الأصول ١ / ٣٢٨، والفروق للقرافي ٢ / ٨٥، والإحكام للآمدي ١ / ٥٩، وشرح المحلى على جمع الجوامع ١ / ١٤٣.