الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣
وَيُطْلِقُ الْفُقَهَاءُ الاِسْتِطَابَةَ عَلَى الاِسْتِنْجَاءِ، وَيَجْعَلُونَ الْكَلِمَتَيْنِ مُتَرَادِفَتَيْنِ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي: " الاِسْتِطَابَةُ هِيَ: الاِسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ أَوِ الأَْحْجَارِ، سُمِّيَ اسْتِطَابَةً؛ لأَِنَّهُ يُطَيِّبُ جَسَدَهُ بِإِزَالَةِ الْخَبَثِ عَنْهُ ". وَقَدْ وَرَدَتِ اسْتِطَابَةٌ بِمَعْنَى حَلْقِ الْعَانَةِ فِي حَدِيثِ خُبَيْبِ بْنِ عَدِيٍّ لَمَّا أَرَادُوا قَتْلَهُ أَنَّهُ قَال لاِمْرَأَةِ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ: " ابْغِنِي حَدِيدَةً أَسْتَطِيبُ بِهَا ".
٢ - وَلأَِحْكَامِ الاِسْتِطَابَةِ بِمَعْنَى الاِسْتِنْجَاءِ (ر: اسْتِنْجَاء) . وَلأَِحْكَامِهَا بِمَعْنَى حَلْقِ الْعَانَةِ (ر: اسْتِحْدَاد) .
اسْتِطَاعَةٌ
التَّعْرِيفُ
١ - الاِسْتِطَاعَةُ فِي اللُّغَةِ: الْقُدْرَةُ عَلَى الشَّيْءِ. وَالْقُدْرَةُ: هِيَ صِفَةٌ بِهَا إِنْ شَاءَ فَعَل، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَل. وَهِيَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ كَذَلِكَ، فَهُمْ يَقُولُونَ مَثَلًا: الاِسْتِطَاعَةُ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْحَجِّ.
وَإِذَا كَانَتِ الاِسْتِطَاعَةُ وَالْقُدْرَةُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ يَجْدُرُ بِنَا أَنْ نُنَوِّهَ أَنَّ الْفُقَهَاءَ يَسْتَعْمِلُونَ كِلْتَا الْكَلِمَتَيْنِ: (اسْتِطَاعَةٌ، قُدْرَةٌ) . وَأَنَّ الأُْصُولِيِّينَ يَسْتَعْمِلُونَ كَلِمَةَ: (قُدْرَةٌ) . قَال فِي فَوَاتِحِ الرَّحَمُوتِ شَرْحِ مُسَلَّمِ الثُّبُوتِ: اعْلَمْ أَنَّ الْقُدْرَةَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْفِعْل، الْمُسْتَجْمِعَةَ لِجَمِيعِ الشَّرَائِطِ الَّتِي يُوجَدُ الْفِعْل بِهَا، أَوْ يَخْلُقُ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَهَا، تُسَمَّى: (اسْتِطَاعَةً) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الإِْطَاقَةُ
٢ - لاَ خِلاَفَ فِي الْمَعْنَى بَيْنَ اسْتِطَاعَةٍ وَإِطَاقَةٍ، إِذْ أَنَّ كُل كَلِمَةٍ مِنْهُمَا تَدُل عَلَى غَايَةِ مَقْدُورِ الْقَادِرِ، وَاسْتِفْرَاغِ وُسْعِهِ فِي الْمَقْدُورِ. إِلاَّ أَنَّ مَا يُفَرِّقهُمَا عَنِ (الْقُدْرَةِ) فِي الاِسْتِعْمَال اللُّغَوِيِّ هُوَ: أَنَّ الْقُدْرَةَ لَيْسَتْ لِغَايَةِ الْمَقْدُورِ، وَلِذَلِكَ يُوصَفُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْقَادِرِ وَلاَ يُوصَفُ بِالْمُطِيقِ أَوِ الْمُسْتَطِيعِ.
الاِسْتِطَاعَةُ شَرْطٌ لِلتَّكْلِيفِ:
٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الاِسْتِطَاعَةَ شَرْطٌ لِلتَّكْلِيفِ، فَلاَ يَجُوزُ التَّكْلِيفُ بِمَا لاَ يُسْتَطَاعُ عَادَةً، دَل عَلَى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ نُصُوصِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، فَقَال جَل شَأْنُهُ: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾، وَقَال ﷺ: إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ
فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُل، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ. (١)
وَقَدْ حَكَى فِي عُمْدَةِ الْقَارِي عِنْدَ كَلاَمِهِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ الاِتِّفَاقَ عَلَى تَحْرِيمِ التَّكْلِيفِ بِغَيْرِ الْمُسْتَطَاعِ (٢) .
وَإِذَا صَدَرَ التَّكْلِيفُ حِينَ الاِسْتِطَاعَةِ، ثُمَّ فُقِدَتْ هَذِهِ الاِسْتِطَاعَةُ حِينَ الأَْدَاءِ، أُوقِفَ هَذَا التَّكْلِيفُ إِلَى حِينِ الاِسْتِطَاعَةِ (٣) . فَقَدْ كَلَّفَ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ أَرَادَ الصَّلاَةَ بِالْوُضُوءِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْهُ سَقَطَ عَنْهُ الْوُضُوءُ، وَصُيِّرَ إِلَى الْبَدَل، وَهُوَ التَّيَمُّمُ.
وَكَلَّفَ الْحَانِثَ فِي يَمِينِهِ بِكَفَّارَةِ الإِْطْعَامِ أَوِ الْكِسْوَةِ أَوِ الإِْعْتَاقِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ وَاحِدًا مِنْهَا حِينَ الأَْدَاءِ سَقَطَتْ عَنْهُ وَصِيرَ إِلَى الْبَدَل، وَهُوَ الصِّيَامُ.
وَكَلَّفَ الْمُسْلِمَ بِالْحَجِّ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْهُ حِينَ الأَْدَاءِ لِمَرَضٍ، أَوْ فَقْدِ نَفَقَةٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، سَقَطَ هَذَا التَّكْلِيفُ إِلَى حِينِ الاِسْتِطَاعَةِ.
وَتَجِدُ ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي أَبْوَابِهِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ، وَفِي مَبْحَثِ الْحُكْمِ مِنْ كُتُبِ الأُْصُول.
شَرْطُ الاِسْتِطَاعَةِ:
٤ - وَشَرْطُ تَحَقُّقِ الاِسْتِطَاعَةِ: وُجُودُهَا حَقِيقَةً لاَ حُكْمًا. وَمَعْنَى وُجُودِهَا حَقِيقَةً وُجُودُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْفِعْل مِنْ غَيْرِ تَعَسُّرٍ (٤)، وَمَعْنَى وُجُودِهَا حُكْمًا الْقُدْرَةُ عَلَى الأَْدَاءِ بِتَعَسُّرٍ.
_________
(١) أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٨٤ - ط السلفية) ومسلم ٣ / ١٢٨٣ ط عيسى الحلبي، كلاهما في كتاب الإيمان.
(٢) عمدة القاري ١ / ٢٠٨
(٣) فواتح الرحموت ١ / ١٢٧
(٤) الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٢٣٤
أَنْوَاعُ الاِسْتِطَاعَةِ:
٥ - يُمْكِنُ تَقْسِيمُ الاِسْتِطَاعَةِ إِلَى عِدَّةِ تَقْسِيمَاتٍ بِحَسَبِ أَنْوَاعِهَا:
التَّقْسِيمُ الأَْوَّل: اسْتِطَاعَةٌ مَالِيَّةٌ، وَاسْتِطَاعَةٌ بَدَنِيَّةٌ.
٦ - الاِسْتِطَاعَةُ الْمَالِيَّةُ: يُشْتَرَطُ تَوَافُرُهَا فِيمَا يَلِي:
أَوَّلًا: فِي أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ الْمَالِيَّةِ الْمَحْضَةِ، كَالزَّكَاةِ، وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَالْهَدْيِ فِي الْحَجِّ، وَالنَّفَقَةِ، وَالْجِزْيَةِ، وَالْكَفَّارَاتِ الْمَالِيَّةِ، وَالنَّذْرِ الْمَالِيِّ، وَالْكَفَالَةِ بِالْمَال، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
ثَانِيًا: فِي الْوَاجِبَاتِ الْبَدَنِيَّةِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ الْقِيَامُ بِهَا عَلَى الاِسْتِطَاعَةِ الْمَالِيَّةِ، كَقُدْرَةِ فَاقِدِ الْمَاءِ عَلَى شِرَائِهِ بِثَمَنِ الْمِثْل لِلْوُضُوءِ أَوِ الْغُسْل، وَقُدْرَةِ فَاقِدِ مَا يَسْتُرُ بِهِ عَوْرَتَهُ عَلَى شِرَاءِ ثَوْبٍ بِثَمَنِ الْمِثْل لِيُصَلِّيَ فِيهِ، وَقُدْرَةِ مُرِيدِ الْحَجِّ عَلَى تَوْفِيرِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ وَنَفَقَةِ الْعِيَال، وَقَدْ فَصَّل ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ فِي الأَْبْوَابِ الْمَذْكُورَةِ.
٧ - أَمَّا الاِسْتِطَاعَةُ الْبَدَنِيَّةُ. فَإِنَّهَا مُشْتَرَطَةٌ فِي وُجُوبِ الْوَاجِبَاتِ الْبَدَنِيَّةِ، كَوُجُوبِ الطَّهَارَةِ، وَأَدَاءِ الصَّلاَةِ عَلَى الْوَجْهِ الأَْكْمَل، وَفِي الصَّوْمِ، وَفِي الْحَجِّ، وَفِي النَّذْرِ الْبَدَنِيِّ كَالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ، وَفِي الْكَفَّارَاتِ الْبَدَنِيَّةِ كَالصِّيَامِ، وَفِي النِّكَاحِ، وَفِي الْحَضَانَةِ، وَفِي الْجِهَادِ، وَقَدْ فُصِّلَتْ أَحْكَامُ ذَلِكَ فِي الأَْبْوَابِ الْمَذْكُورَةِ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ.
التَّقْسِيمُ الثَّانِي: اسْتِطَاعَةٌ بِالنَّفْسِ، وَاسْتِطَاعَةٌ بِالْغَيْرِ.
٨ - الاِسْتِطَاعَةُ بِالنَّفْسِ: تَكُونُ بِقُدْرَةِ الْمُكَلَّفِ عَلَى الْقِيَامِ بِمَا كُلِّفَ بِهِ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ افْتِقَارٍ إِلَى غَيْرِهِ.
٩ - وَالاِسْتِطَاعَةُ بِالْغَيْرِ: هِيَ قُدْرَةُ الْمُكَلَّفِ عَلَى
الْقِيَامِ بِمَا كُلِّفَ بِهِ بِإِعَانَةِ غَيْرِهِ، وَعَدَمِ قُدْرَتِهِ بِنَفْسِهِ. وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الاِسْتِطَاعَةِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَحَقُّقِ شَرْطِ التَّكْلِيفِ بِهِ:
فَالْجُمْهُورُ مِنَ الْفُقَهَاءِ يَعْتَبِرُونَ الْمُسْتَطِيعَ بِغَيْرِهِ مُكَلَّفًا بِمُقْتَضَى هَذِهِ الاِسْتِطَاعَةِ، ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ؛ لأَِنَّ الْمُسْتَطِيعَ بِغَيْرِهِ يُعْتَبَرُ قَادِرًا عَلَى الأَْدَاءِ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: الْمُسْتَطِيعُ بِغَيْرِهِ عَاجِزٌ وَغَيْرُ مُسْتَطِيعٌ؛ لأَِنَّ الْعَبْدِ يُكَلَّفُ بِقُدْرَةِ نَفْسِهِ لاَ بِقُدْرَةِ غَيْرِهِ؛ وَلأَِنَّهُ يُعَدُّ قَادِرًا إِذَا اخْتُصَّ بِحَالَةٍ تُهَيِّئُ لَهُ الْفِعْل مَتَى أَرَادَ، وَهَذَا لاَ يَتَحَقَّقُ بِقُدْرَةِ غَيْرِهِ.
وَيَسْتَثْنِي أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ ذَلِكَ حَالَتَيْنِ:
الْحَالَةَ الأُْولَى: مَا إِذَا وَجَدَ مَنْ كَانَتْ إِعَانَتُهُ وَاجِبَةً عَلَيْهِ، كَوَلَدِهِ وَخَادِمِهِ.
الْحَالَةَ الثَّانِيَةَ: مَا إِذَا وَجَدَ مَنْ إِذَا اسْتَعَانَ بِهِ أَعَانَهُ مِنْ غَيْرِ مِنَّةٍ، كَزَوْجَتِهِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ قَادِرًا بِقُدْرَةِ هَؤُلاَءِ (١) .
وَقَدْ أَوْرَدَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ. وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِهَا، وَمِنْهَا:
الْعَاجِزُ عَنِ الْوُضُوءِ إِذَا وَجَدَ مَنْ يُعِينُهُ.
وَالْعَاجِزُ عَنِ التَّوَجُّهِ إِلَى الْقِبْلَةِ إِذَا وَجَدَ مَنْ يُوَجِّهُهُ إِلَيْهَا.
وَالأَْعْمَى إِذَا وَجَدَ مَنْ يَقُودُهُ إِلَى صَلاَةِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ.
_________
(١) البحر الرائق ١ / ١٤٧ - ١٤٨، و٣٠٢، وحاشية ابن عابدين ١ / ٢٩٠، و٤٧٠ - ٤٧١، ونهاية المحتاج ١ / ٤٠٨، والمغني ١ / ٢٤٠، وشرح الزرقاني على مختصر خليل ١ / ١١٣
وَالأَْعْمَى وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ إِذَا وَجَدَا مَنْ يُعِينُهُمَا عَلَى أَدَاءِ أَفْعَال الْحَجِّ.
التَّقْسِيمُ الثَّالِثُ: - وَهُوَ لِلْحَنَفِيَّةِ - اسْتِطَاعَةٌ مُمْكِنَةٌ، وَاسْتِطَاعَةٌ مُيَسِّرَةٌ:
١٠ - الاِسْتِطَاعَةُ الْمُمْكِنَةُ مُفَسَّرَةٌ بِسَلاَمَةِ الآْلاَتِ وَصِحَّةِ الأَْسْبَابِ، وَارْتِفَاعِ الْمَوَانِعِ، إِذْ عَدِيمُ الرِّجْلَيْنِ لاَ يَسْتَطِيعُ الْمَشْيَ، وَمَنْ حَبَسَهُ عَدُوٌّ لاَ يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ وَهَكَذَا.
وَالاِسْتِطَاعَةُ الْمُمْكِنَةُ شَرْطٌ فِي أَدَاءِ الْوَاجِبِ عَيْنًا، فَإِنْ فَاتَتْ لاَ يَسْقُطُ الْوَاجِبُ عَنِ الذِّمَّةِ بِفَوَاتِهَا.
وَلاَ يُشْتَرَطُ تَوَفُّرُهَا فِي قَضَاءِ الْوَاجِبِ؛ لأَِنَّ اشْتِرَاطَهَا لِتَحَقُّقِ التَّكْلِيفِ، وَقَدْ وُجِدَ، فَإِذَا لَمْ يَتَكَرَّرِ الْوُجُوبُ لاَ يَجِبُ تَكَرُّرُ الاِسْتِطَاعَةِ الَّتِي هِيَ شَرْطُ الْوُجُوبِ.
١١ - أَمَّا الاِسْتِطَاعَةُ الْمُيَسِّرَةُ، فَهِيَ قُدْرَةُ الإِْنْسَانِ عَلَى الْفِعْل بِسُهُولَةٍ وَيُسْرٍ.
وَالاِسْتِطَاعَةُ الْمُيَسِّرَةُ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ بَعْضِ الْوَاجِبَاتِ الْمَشْرُوطَةِ بِهَا، حَتَّى لَوْ فَاتَتْ هَذِهِ الْقُدْرَةُ سَقَطَ الْوَاجِبُ عَنِ الذِّمَّةِ. فَالزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ بِالْقُدْرَةِ الْمُيَسِّرَةِ، وَمِنْ وُجُوهِ الْيُسْرِ فِيهَا: أَنَّهَا قَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ، وَتُؤَدَّى مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الْحَوْل، وَلِهَذَا التَّيْسِيرِ سَقَطَ وُجُوبُهَا بِهَلاَكِ النِّصَابِ، إِذْ لَوْ وَجَبَتْ مَعَ الْهَلاَكِ انْقَلَبَ الْيُسْرُ عُسْرًا (١) .
اخْتِلاَفُ الاِسْتِطَاعَةِ مِنْ شَخْصٍ لآِخَرَ، وَمِنْ عَمَلٍ لآِخَرَ:
١٢ - الاِسْتِطَاعَةُ تَخْتَلِفُ مِنْ شَخْصٍ إِلَى شَخْصٍ آخَرَ، فَتُجَاهَ عَمَلٍ مُعَيَّنٍ قَدْ يَكُونُ شَخْصٌ مُسْتَطِيعًا
_________
(١) فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت ١ / ١٣٧، ١٤٠
لَهُ، وَشَخْصٌ آخَرُ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ لَهُ، كَالْمَرَضِ بِأَنْوَاعِهِ الَّتِي يَخْتَلِفُ أَثَرُهَا عَلَى الْقُدْرَةِ.
كَمَا تَخْتَلِفُ الاِسْتِطَاعَةُ مِنْ عَمَلٍ إِلَى عَمَلٍ، فَالأَْعْرَجُ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ لِلْجِهَادِ بِالنَّفْسِ، وَلَكِنَّهُ مُسْتَطِيعٌ لِلْجِهَادِ بِالْمَال، وَمُسْتَطِيعٌ لأَِدَاءِ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ وَهَكَذَا.
اسْتِطْلاَقُ الْبَطْنِ
التَّعْرِيفُ:
١ - اسْتِطْلاَقُ الْبَطْنِ فِي اللُّغَةِ: هُوَ مَشْيُهُ، وَكَثْرَةُ خُرُوجِ مَا فِيهِ (١) .
وَالْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ هُوَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ، فَقَدْ عَرَّفَهُ الْفُقَهَاءُ بِقَوْلِهِمْ: اسْتِطْلاَقُ الْبَطْنِ هُوَ: جَرَيَانُ مَا فِيهِ مِنَ الْغَائِطِ (٢) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - اسْتِطْلاَقُ الْبَطْنِ مِنَ الأَْعْذَارِ الَّتِي تُبِيحُ الْعِبَادَةَ مَعَ وُجُودِ الْعُذْرِ. وَشُرُوطُ اعْتِبَارِهِ عُذْرًا هُوَ: أَنْ يَسْتَوْعِبَ وُجُودُهُ تَمَامَ وَقْتِ صَلاَةٍ مَفْرُوضَةٍ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: يُعْتَبَرُ عُذْرًا إِنْ لاَزَمَ الْحَدَثُ كُل الْوَقْتِ، أَوْ أَغْلَبَهُ، أَوْ نِصْفَهُ. وَيَخْتَلِفُ الْمَالِكِيَّةُ فِي
_________
(١) لسان العرب مادة: (طلق)
(٢) ابن عابدين ١ / ٢٠٢
الْمَقْصُودِ بِالْوَقْتِ، هَل هُوَ وَقْتُ الصَّلاَةِ أَوِ الْوَقْتِ مُطْلَقًا؟ أَيْ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِكَوْنِهِ وَقْتَ صَلاَةٍ، فَيَشْمَل مَا بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَالزَّوَال عَلَى قَوْلَيْنِ: أَظْهَرُهُمَا: أَنَّهُ وَقْتُ الصَّلاَةِ؛ لأَِنَّ غَيْرَ وَقْتِ الصَّلاَةِ لاَ عِبْرَةَ بِمُفَارَقَتِهِ وَمُلاَزَمَتِهِ، إِذْ لَيْسَ هُوَ مُخَاطَبًا حِينَئِذٍ بِالصَّلاَةِ (١) .
وَالْوُضُوءُ وَاجِبٌ لِوَقْتِ كُل صَلاَةٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ. وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ: أَنَّهَا تَتَوَضَّأُ لِكُل صَلاَةٍ. (٢)
وَيُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَيُنْتَقَضُ عِنْدَ زُفَرَ بِدُخُول الْوَقْتِ. وَبِأَيِّهِمَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ. أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ: فَعِنْدَهُمْ أَنَّ الْوُضُوءَ لاَ يُنْتَقَضُ، وَهُوَ (أَيِ الْوُضُوءُ) غَيْرُ وَاجِبٍ وَلاَ مُسْتَحَبٍّ لِمَنْ لاَزَمَهُ الْحَدَثُ كُل الْوَقْتِ، وَمُسْتَحَبٌّ فَقَطْ لِمَنْ لاَزَمَهُ الْحَدَثُ أَكْثَرَ الْوَقْتِ أَوْ نِصْفَهُ، وَقِيل: إِنْ لاَزَمَهُ نِصْفَهُ وَجَبَ الْوُضُوءُ لِكُل صَلاَةٍ (٣) .
_________
(١) الحطاب ١ / ٢٩٣
(٢) حديث: " أنها تتوضأ. . . . " أخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي من حديث جد عدي بن ثابت عن النبي ﷺ بلفظ: قال في المستحاضة: " تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل وتتوضأ عند كل صلاة وتصوم وتصلي " قال صاحب تلخيص الحبير (١ / ١٦٩ ط شركة الطباعة الفنية): " وإسناده ضعيف " ورواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة من حديث عائشة بلفظ: " ثم اغتسلي وتوضئي لكل صلاة ثم صلي " نيل الأوطار ١ / ٣٤٧ - ٣٤٨ نشر دار الجيل ببيروت ورواه الدارقطني وضعفه، والطبراني في معجمه الصغير، وابن حبان في صحيحه (نصب الراية ١ / ٢٠٠، ٢٠٢) .
(٣) الاختيار ١ / ٢٩، ٣٠، وابن عابدين ١ / ٢٠٢، والمجموع ٣ / ٥٤١، والمغني ١ / ٣٤١ ومنح الجليل ١ / ٦٥، والحطاب ١ / ٢٩١
اسْتِظْلاَلٌ
التَّعْرِيفُ
١ - الاِسْتِظْلاَل فِي اللُّغَةِ: طَلَبُ الظِّل، وَالظِّل هُوَ: كُل مَا لَمْ تَصِل إِلَيْهِ الشَّمْسُ (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ قَصْدُ الاِنْتِفَاعِ بِالظِّل (٢) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - الاِسْتِظْلاَل عُمُومًا - سَوَاءٌ تَحْتَ شَجَرَةٍ أَوْ جِدَارٍ أَوْ سَقْفٍ وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ - مُبَاحٌ لِكُل مُسْلِمٍ مُحْرِمٍ أَوْ غَيْرَ مُحْرِمٍ اتِّفَاقًا. أَمَّا الاِسْتِظْلاَل لِلْمُحْرِمِ فِي الْمَحْمَل خَاصَّةً - وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ - فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ مُطْلَقًا، وَهُمُ الشَّافِعِيَّةُ (٣)، وَمِنْهُمْ مَنِ اشْتَرَطَ أَلاَّ يُصِيبَ رَأْسَهُ أَوْ وَجْهَهُ، وَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ (٤) . . .، وَكَرِهَ ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ (٥) .
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٣ - الاِسْتِظْلاَل فِي الإِْحْرَامِ مَوْطِنُهُ مَبْحَثُ الْحَجِّ، عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ الْمُحْرِمِ: مَا يَجُوزُ لَهُ وَمَا لاَ يَجُوزُ.
_________
(١) لسان العرب مادة: (ظل)، والكليات لأبي البلقاء ١ / ٢٦٦، ٣ / ٢٧٧
(٢) ابن عابدين ٢ / ١٦٨ ط المنار. الثالثة.
(٣) مغني المحتاج ١ / ٥١٨ ط مصطفى الحلبي.
(٤) حاشية ابن عابدين ٢ / ١٦٤ ط بولاق الثالثة.
(٥) المدونة ١ / ٤٠٨ تصوير دار صادر، والمغني ٣ / ٣٠٧ ط الرياض.
وَالإِْجَارَةُ عَلَى الاِسْتِظْلاَل ذَكَرُوهَا فِي الإِْجَارَةِ، عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ شُرُوطِهَا. وَالْجُلُوسُ بَيْنَ الشَّمْسِ وَالظِّل ذُكِرَ فِي الآْدَابِ الشَّرْعِيَّةِ لِلْمَجَالِسِ، عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ النَّوْمِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَ الشَّمْسِ وَالظِّل. وَالنَّذْرُ بِتَرْكِ الاِسْتِظْلاَل ذُكِرَ فِي النَّذْرِ، عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ النَّذْرِ الْمُبَاحِ.
اسْتِظْهَارٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - ذَكَرَ صَاحِبُ اللِّسَانِ لِلاِسْتِظْهَارِ ثَلاَثَةَ مَعَانٍ:
أ - أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى: الاِسْتِعَانَةِ، أَيْ طَلَبِ الْعَوْنِ. قَال: " اسْتَظْهَرَ بِهِ أَيِ اسْتَعَانَهُ، وَظَهَرْتُ عَلَيْهِ: أَعَنْتُهُ، وَظَاهَرَ فُلاَنًا: أَعَانَهُ ". وَقَال أَيْضًا: " اسْتَظْهَرَهُ: اسْتَعَانَهُ "، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْفِعْل مِمَّا يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ وَبِالْبَاءِ.
ب - وَيَكُونُ بِمَعْنَى الْقِرَاءَةِ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ، قَال: " قَرَأْتُ الْقُرْآنَ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِي أَيْ: قَرَأْتُهُ مِنْ حِفْظِي، وَقَدْ قَرَأَهُ ظَاهِرًا وَاسْتَظْهَرَهُ أَيْ: حَفِظَهُ وَقَرَأَهُ ظَاهِرًا (١) ".
وَفِي الْقَامُوسِ " اسْتَظْهَرَهُ: قَرَأَهُ مِنْ ظَهْرِ الْقَلْبِ، أَيْ حِفْظًا بِلاَ كِتَابٍ ".
ج - وَيَكُونُ بِمَعْنَى الاِحْتِيَاطِ، قَال صَاحِبُ اللِّسَانِ: " فِي كَلاَمِ أَهْل الْمَدِينَةِ إِذَا اسْتُحِيضَتْ
_________
(١) لسان العرب مادة: " ظهر ".